الإهـداء
إلى حفدائي وحفيداتي
إلى مرام
حباً واعتزازاً
أما قبل
إن مساءلة علاقة القاص بالقص في خضم الأحداث والتطورات التي تموج بالوطن العربي تتجلى بصورة واضحة في قراءة شاملة للمسار الثقافي والاجتماعي والسياسي والأيديولوجي للقاص نفسه.
يتأتى ذلك عبر عدد من التساؤلات حول هوية النص، ووظيفته، ومسؤوليته، وآراء القاص، وتكوينه ومواقفه وعلاقاته مع السلطة ومع الثقافة والمثقفين والقرّاء في الوقت نفسه.
«ذات مساء ربيعي» المجموعة القصصية للقاص حسين رشيد الطريفي، تناقش إشكالية علاقة القاص مع الواقع في المجتمع بمختلف تجلياتها وصورها ضمن حركة التغيرات والتحولات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي يعيشها العالم العربي في الربع الأول من القرن الواحد والعشرين. وهي إشكالية تنبش السؤال الإشكالي في المرحلة التاريخية والاجتماعية والسياسية الراهنة التي تتسم بالغموض.
إن قصص «ذات مساء ربيعي» تمثل قراءة لواقع الثقافة السياسية العربية وتكشف عن صدمة السؤال: هل يوجد ثقافة سياسية؟
هل يوجد مثقفون سياسيون؟
هل هي أزمة ثقافية أم أزمة مثقفين؟
ما طبيعة علاقة المثقف بالمجتمع؟
هل يمكن الحديث عن مشروع اجتماعي وسياسي وثقافي عربي جديد؟
الطريفي في «ذات مساء ربيعي» يرى أنّ الأسئلة لا تنتهي، ومن هنا يعيد محاورة هذه الإشكالية التي ظلت مطروحة منذ القدم، وما تزال تتبدى في الزمن السياسي والثقافي والعقائدي العربي الحاضر.
ويتبدى المكان في «ذات مساء ربيعي» مُنقسماً إلى عالمين: الأول، هو المُحتل والاحتلال «الإسرائيلي» وقد حوّلته الكتابة القصصية إلى قبر أو سجن صغير؛ والثاني، عالم القرية التي تحضُر فيه البيوت والشوارع امتداداً للسجون التي لا تختلف عنها إلا في أشكال المعاناة وأساليب القهر التي تسلط على المقيمين فيها.
في السجن الصغير يفقد الزمن معناه وتصبح الأيام سواء، هكذا يسعى الطريفي إلى تصوير السجن، أما المكان في قصصه فواحدٌ مهما تغير الفضاء الذي يحتويه. فهو إما أرض محتلة أو قعرٌ مُظلم أو قنٌّ يُنتَهَكُ فيه الجسد وتمارَس على الذات مختلف ألوان البطش والإذلال، لا يخرج السجين كما دخل أبداً. أما الأسماء في قصصه فهي عابرة تنتمي إلى سجل واحد وتتوالد منه، يتمثل في الجلاد والمحقق.
لم تكن استعادة أشكال التعذيب في قصص «ذات مساء ربيعي» إلا صورة من تواصل الانتهاك عبر ذاكرة مثقوبة لم تستطع رغم السنين ورغم التخريب المتعمد أن تُسقط صورة المهانة التي عاشها الجسد فوشمته.
تحاور «ذات مساء ربيعي» الحياة الاجتماعية تسائل المعرفة وتطرح الأسئلة من دون أن تحتكر الإجابة. تتسع للحيرة والقلق والغربة ترصدها في ذات القاص الإنسان، كما في ذات المؤلف، وتنقلها إلى القارئ عساه من خلالها يكتشف بعض ما به يكون. وهي مقارنة أنثروبولوجية تخيلية - إن جاز لنا قول ذلك- طرحت بُعداً فكريا طريفاً رغم التزامها بنسق السّرد واستجابتها لنظام الحبكة القصصية، فقد تفاوتت في القصص زاوية النظر التاريخي والأدبي وكذلك الغرائبية، فكانت نسجاً فنّياً سردياً متعدد القراءة، وهي سمة من سمات القص الحديث تعبّر عن رؤية صاحب النص الذي حمله مشروعاً كتابياً، فكانت «ذات مساء ربيعي» قصصاً ذات عالم تخييلي تلتقي في رحابه حضارات متعددة وثقافات مُتغايرة ولغات متنوعة وشخصيات تنتمي إلى أجناس مُختلفة تتحرك في فضاءات يتجاذب فيها التاريخ والخيال والواقع. عالمٌ يختزل المسافة بين مجتمعات مختلفة يمارس كاتبها خلقاً فنياً، مُوَلّداً من خلال أفكار تُحرّضُ على التساؤل ومُمارسة فعل النقد حول علاقة الذات بعالمها وبالآخر.
سليم النجار
قبَّرةُ السَّهل
قبَّرةُ السَّهل
التين والزيتون والناي الحزين..
ثالوث أشعل نار الوجد في ثناياي، وكنتُ أحسبه قد مات منذ زمنٍ، ولم يبقَ منه غير ذكرى، لا تكاد تتوارى أو تخبو حتى تعود من جديد. صارت تشقيني وتسعدني في آن.
تماماً مثلما كانت «بهيجة» تبعث البهجة في قلبي أيام الصبا، أيام كانت تمسك (الناي) تبكّيه وتبكي، تذرف الدمع وتشدو مثل قُبَّرة السهل أيام الحصاد.
ثم غابت..
تاركة لي ذكرى، ما كنت أرجو أن يغيّبها الزمن.
يا لقلبي كيف شاخ! وكنت أرجو ألا يشيخ.
كيف قادتني خطاي إلى حيث يعالَج مَنْ كان مثلي قد هرم، مَنْ صار لا يعرف النوم، وهو يشكو من (الضغط) الذي أوهن منه القلب، وفي اُذنيه طنين يجعله مربوطاً في قهر الصمت، لا يفقه شيئاً مما يسمع إلا بعض الكلمات، فيختبئ مهزوماً خلف جدران الصمت.
ما الذي شجّعني كي أدخل تلك العيادة؟
ربما الاسم المكتوب أمامي. اسم الدكتورة «بهيجة». لم يكن الاسم الذي شدّني مطابقاً تماماً لاسم ( بهيجة قلبي) أيام الصبا.
قلت لنفسي:
- قد يكون الاسم تَغيّر، والأيام تُنسي وتُغَيّر.
أقنعتُ نفسي، فطرقت الباب ودلفت. صوتها العذب وهي ترحب بي، لم يجذبني بقدر ما جذبني (الناي) المؤطر داخل إطار جميل، ثبت على الجدار خلفها.
الناي الذي شدَّني إليه، جعل لساني يربط في فراغ فمي، أعاد لي ذكرى عزيزة على قلبي عمرها خمسون عاماً، أيام كنت أنا و(بهيجة)، في ظل أشجار التين والزيتون نجلس متعانقين.
وهي تشدو بأغاني (الميجنا والعتابا) و( آه يا سمراني اللون).
عندما رأتني الدكتورة (بهيجة) متسمراً لا أنطق بكلمة، أحتضن ببصري (الناي) المثبَّت على الجدار خلفها، أدارت وجهها نحو الجدار وقالت مشجِّعة:
- هل أعجبك (الناي)؟
قالت ذلك، واستدارت نحوي، وابتسامة جميلة تترا قص في عينيها الخضراوين، مثل حبات الزيتون.
ابتسامتها أشعلت الذكريات في قلبي الذي كنت أحسبه قد شاخ.
قلت هامساً:
- قبَّرةُ السهل (بهيجة)؟!
ردت حالمة:
- آه يا سمراني اللون.
صرخت مأخوذاً:
- هل ما زلت تتذكرين؟
أرسلت نظرها بعيداً، بعيداً في عمر الزمن.
قالت:
- كافر من ينسى التين والزيتون...
قاطعتها بصوت عذّبته الذكريات:
- والنايَ الحزينَ.
قلت ذلك وأنا أشعر بوهن وتعب، وصدري يعلو ويهبط، مثل عدّاء أنهى سباقاً، طوله خمسون عاماً.
استدارت، مدّت يدها، تناولت الناي من على الجدار خلفها وقالت:
- أنت في حاجة إلى دواء أنا أعرفه.
لامست الناي بشفتيها اللتين ما زالتا شهيتين، ثم أخذت تداعبه، تناجيه تبكي وتُبكّيه.
لا أعرف كم لبثت مأخوذاً، أكفكف دمعاً ينساب من عينيّ. واللحن الحزين يشعل النار في قلبي.
وعاد إليّ ثالوث التين والزيتون والناي الحزين، ليشعل نار الوجد في قلبي المعنى من جديد.
أبو كامل يُغرّب غرباً
أبو كامل يُغرّب غرباً
هبّت الحاجة «صفية» واقفة، لفّت منديلها حول رقبتها، وخرجت مسرعة إلى بيت المختار «أبي عارف». وهناك وجدت الرجال يجلسون في حضرته والمختار يتصدر «المضافة» كعادته.
ألقت الحاجة «صفية» التحية؛ وبقيت واقفة تنظر إلى الأرض، وتعبث بطرف منديلها. تفحصها المختار هنيهة وقال:
- خير إن شاء الله يا حاجة.
ردّت الحاجة بصوت متعب واهن:
- خير يا مختار. إن شاء الله يكون خيراً.
قال المختار مشجعاً:
- اجلسي يا حاجة، واشربي الشاي، ثم خبرينا بما لديك.
جلست الحاجة، وشربت الشاي، ثم أعادت (الكوب) وهي تقول:
- الخير دائم عليكم، وإن شاء الله نشرب الشاي في (البلاد).
أكثر من واحد من الموجودين قال:
- الله يسمع منك يا حاجة.
خيّم صمت ثقيل على الموجودين.
قطع المختار الصمت الذي ران على الجميع، قال:
- شغلت بالي يا حاجة، ما مشكلتك؟
تنهدت الحاجة ثم قالت:
- أبو كامل يا مختار.
قال المختار باهتمام ظاهر:
- ما به (أبو كامل)؟ عساه خيراً.
قالت:
- أبو كامل خرج من البيت مع طلوع الفجر، وحتى هذه الساعة لم يعد.
ضحك أبو حسن وهو يقول:
- قد يكون عند زوجته الثانية.
علقَّت الحاجة غاضبة:
- (تجوز فيك عين يا بعيد) ما هذا وقت تمزح فيه.
قال المختار جاداً:
- طوّل بالك يا أبا حسن، وخلينا نفهم القصة.
فاجأ أبو صابر الجميع بقوله:
- إن ما كنت غلطاناً، فأبو كامل غرَّب (غربة).
قالت الحاجة مذعورة:
- ماذا؟ غرّب غربة؟ أنت الثاني قاعد تهذي!
- أنا لا أهذي ولا حاجة، رأيته في الصباح الباكر، وعندما سألته:
«أين العزم إن شاء الله يا عمي؟» أجابني دون أن يقف، أو حتى يلتفت إليّ:
«راجع للبلد، هناك أشرف لي من هذه (العيشة)».
وحسبته لا يعني ما يقول، فلم أكترث.
لطمت الحاجة «صفية» خديها وقالت:
- يا مصيبتك يا صفية إن كان هذا الكلام صحيحاً.
كثيرون هم الرجال الذين كانوا يغرّبون إلى الأرض المحتلة متسللين، وأبو كامل قد قرر أن يقطع المسافة التي تفصله عن قريته، والتي لا تبعد سوى بضعة الكيلومترات. عندما أصبح على مشارف قريته كان يحدث نفسه قائلاً: «لن أغادر قريتي مرة ثانية، أريد أن أُدفن في أرضي». صوتٌ آمرٌ صكّ أذنيه:
- قف مكانك، وضع يديك فوق رأسك.
لم يستجب، ولا هو وقف، فأحاط به أربعة جنود، أحاطوا به، وهم يصوِّبون سلاحهم نحوه، تقدَّم منه أحد الجنود، أمسك به من كتفه. وقال بلغة عربية سليمة:
- هل أنت أطرش؟ لماذا لم تقف، وترفع يديك فوق رأسك؟
الحاج أبو كامل نظر إليه باستصغار، وقال:
- انقلع من وجهي، لماذا أقف؟ أنا راجع لبيتي.
صفعهُ الجندي وصرخ:
- ما في بيت، ممنوع، وإذا خطوت خطوة واحدة، فسأطلق عليك النار.
ترنّح الحاج أبو كامل من شدة الصفعة، لكنه استعاد ما بقي لديه من قوة. رفع يده كي يردّ صفعة الجندي، إلاّ أنه وجد نفسه، وقد سقط أرضاً والجنود الأربعة يركلونه بأحذيتهم.
لم يصرخ ولا هو استعطف، فقط كان يئن متأوّهاً، يعضّ على شفته السفلى بما تبقى في فمه من أسنان، مقهوراً، وقبل أن يغيب عن الوعي، هجم عليه جنديان أمسكا بكلتا رجليه وسحلاه، إلى أن أوصلاه إلى سيارة الجيب العسكرية؛ ورمياه بداخلها وهما يقهقهان معربدان، وأبو كامل يئن من شدة الألم.
في السيارة فوجئ بوجود عجوز شمطاء، وما إن استعاد شيئاً من قوته حتى تعرّف عليها، إنها (فاطمة) الضريرة أم حسان. خلّفها ابنها حسان في القرية، عندما غادرها وأهل القرية في طريقهم إلى الشتات. تركها ابنها، وهو يظن أنه لن يغيب عنها سوى يوم أو بعض يوم، لذلك فضل أن تبقى في القرية. ومهما كان الأمر فإن جميع أهل القرية لاموه بشدة، حتى إنّ بعضهم بصقوا عليه، واتهموه بالعقوق، هو لم يحاول تبرير فعلته، ولم يدافع عن نفسه، فقط احتمى بالصمت.
تحركت السيارة في اتجاه الغرب قليلاً، وأثناء ذلك قام أحد الجنود وأجلس أبا كامل بجوار أم حسان وملاصقاً بها. وعندما سمع الجنود أبا كامل يقول:
- أنا أبو كامل يا أم حسان.
- أبو كامل! ما الذي أتى بكَ؟
- أردت العودة إلى القرية، لكن أولاد الميتة، منعوني من ذلك، واعتدوا عليّ.
صرخ أحد الجنود:
«اخرس، لا تتكلم»، وتابع: محاولاً تخفيف نبرته:
- أتعرف العجوز يا شايب؟
- وكيف لا أعرفها، هذه جارتنا أم حسان!
أدار أحد الجنود الجالسين في المقعد الأول من السيارة رأسه نحو أبي كامل وقال:
- ما دامت العجوز جارتك، فأنت تحبها.
أجاب أبو كامل وهو ساهٍ عما كان الجندي يرمي إليه:
- وكيف لا أحبها، إنها جارتي.
حينئذ، تفتقت أذهانهم الإجرامية عن فكرة رأوا فيها لعبة مسلية.
فأقترب أحدهم من أبي كامل، وشدّ يده بقوة، لم تقو يد أبي كامل على المقاومة. كانت يده ضعيفة، مستسلمة، فأحاطها الجندي حول رقبة أم حسان، وقرصها من فخذها وقال: