صفحة 1
المقدمة
مِنْ أجل مَنْ نكتب؟!
تصلني عدة رسائل كثيرة من قراء أعزاء، تتساءل:
لماذا تنشر ما تكتب في مواقع معينة، ولا تنشره في مواقع، اعتدت أن تنشر فيها، واعتدنا أن نقرأ لك فيها؟
والجواب على هذا السؤال:
أن زمن احتكار الكاتب وحصره في وسيلة واحدة، قد انتهى، مع ثورة المعلومات، وانتشار الانترنت، والمواقع الإليكترونية، التي أصبحت تنبتُ على شاشة الانترنت كنبت الفِطر، أيام الربيع·
وأن المقال المرفوض في وسائل إعلامية معينة، لأسباب سياسية، ومالية خاصة، ربما يكون مقبولاً في وسائل إعلامية أخرى، والعكس صحيح· ولم يعد المقال المرفوض من وسيلة إعلامية معينة، يدخلُ في مجاهل الظلام والظلمة، ويصبح نسياً منسياً، كما كان الحال في الماضي·
صفحة 2
حصافة وذكاء القارئ العربي
لقد أصبح القارئ العربي في عصر الانترنت وثورة المعلومات، ذكياً، وحصيفاً· وأصبح يجول على معظم مواقع الانترنت، بحثاً عن المعلومة، التي يرى أنها أصدق من غيرها، وعن الكاتب الصادق، الذي لا يُطبِّل، ولا يُزمِّر، ولا يتشنَّج، ولا يملأ مقاله بالشعارات البراقة، المستهلكة·
أصبح القارئ العربي في عصر الانترنت، وثورة المعلومات، يدركُ ويعرفُ تماماً لماذا لم ينشر هذا الكاتب مقاله في ذلك الموقع، ولماذا نشره في موقع آخر· والقاريء في متابعته لما يُنشر في كافة المواقع الإلكترونية أصبح - بفصاحته وحصافته - يعرف كل موقع لأية إيديولوجية ينتمي، وعن أي تيار يُعبِّر، ومن هم كتَّابه·
صفحة 3
عذاب وعناء الكتّاب
لقد أصبح الكاتب الحر في عصر ثورة المعلومات، وانتشار الانترنت على هذا النحو، أكثر عذاباً وعناءً من ذي قبل· وسبب ذلك، أن القارىء أصبح أكثر وعياً، وأعمق ثقافة، وأوسع معرفة، من ذي قبل· وهذا استدعى من الكاتب أن يكون حذراً، ومتيقظاً، وصادقاً فيما يكتب، حيث أن القارئ أصبح لا يرضى بالقليل، والسهل، والشعوذة، وتحبير الصفحات، دون إنصاف للحق، والحقيقة·
والكاتب الحر الصادق في عصر ثورة المعلومات وانتشار الانترنت، يحتار فيما يكتب· فإن كتب عن الثوار الأحرار، وعن الثورة، وفضح الفساد والفاسدين، والسرقات الكبرى والسارقين، وجد من يعارضه ويشتمه من قسم المعلومات والرصد في مخابرات البلد الذي يكتب عنه· ويتهمه بالارتزاق، وبالجحود لوطنه، وحكِّام وطنه· رغم أن هؤلاء الشاتمين يعلمون الحقيقة، ولكنهم سخفاء العقل، وضعفاء الحيلة، ويريدون لقمة العيش، ولو كانت مغموسة بالذل، والتسلط، والتهديد، والوعيد·
صفحة 4
الدكتاتور: الحرُ الوحيدُ برأيه!
إلى متى يُعتبر الدكتاتور أنه هو فقط الحر الوحيد في البلد - ومفهوم الحرية للحاكم يعني هنا، أنه لا يُسأل عما يفعل، ولكن باقي المواطنين يُسألون كعبيد وليسوا كأحرار - بحيث يحكم الدكتاتور كما يشاء، ويقتل كما يشاء، معتبراً أن الشعب كله من العبيد، وهو الحر الوحيد؟
فالحرية لا تتحقق إلا إذا اعترف حرٌ بحرية الآخر الحر· بمعنى أن للحرية قطبان: الأول قطب حر، والثاني قطب آخر حر· أما إذا رأى قطب حر عبودية العبيد، فلا حرية في رأي هيجل· وما يجري في البلاد العربية الآن، التي تحكمها عدة أشكال من الدكتاتوريات العسكرية الحزبية، والقبلية، اعتبار الثورات العربية ثورات عبيد، وليست ثورات أحرار، من وجهة نظر الدكتاتوريات الكاسرة·
صفحة 5
قوة الأنظمة الدكتاتورية في قهر شعوبها!
واصلت الباحثة الأمريكية ليزا وادين، في كتابها (السيطرة الغامضة) استنتاجاتها السياسية العربية من خلال الحالة السورية· فالحالة السورية الآن هي معين لحالات عربية كثيرة مع اختلافات بسيطة، لا تقف عائقاً في طريق الصدق والشفافية، مهما حاول راقصو الزفة، ومطبلو حفلات الأنظمة الدكتاتورية من ملكية وجمهورية استبعاد هذا القُطر أو ذاك، عن دائرة هذه الاستنتاجات التي جاءت بها الباحثة وادين، أو التقليل من أهميتها العلمية والسياسية، بالتجديف على ضفافها، و(مطّ) الكلام هنا وهناك، لمحاولة الاستخفاف بها، وبما كتبته في كتابها (السيطرة الغامضة)·
صفحة 6
القوة في إكراه الناس
تقول وادين في كتابها:
إن نظام الأسد قوي، لأنه قادر على إكراه الناس على أن يكرروا ما يثير السخرية، ويجاهروا بما لا يقبله العقل·1
وهكذا هي كافة الأنظمة العربية·
إنها قوية بوليسياً، لأنها قادرة على إكراه الناس على أن يكرروا ما يثير السخرية، ويجاهروا بما لا يقبله العقل·
ولكن، كان هذا في الماضي، يوم أن كتبت وادين كتابها، وصدر عام 1999؛ أي قبل ما أُطلق عليه الربيع العربي!
فقد استيقظ أهل الكهف من العرب الآن، ولم تعد تنطوي عليهم آلاعيب وأكاذيب الماضي، وصرخوا بملء حناجرهم، بالآية الشعبية الكريمة:
لن تخدعونا!
لن تخدعونا!
لن تخدعونا!
صفحة 7
الآيات الشعبية
فهل سمع راقصو الزفة ومطبلو الحفلات، هذا الصراخ الشعبي المدوي؟
وهل فهمت رؤوس الأنظمة العربية القائمة، والتي ترقص الآن كالديوك المذبوحة، من شدة ألم سكين الشعوب؟
فما معنى أنها لم تعد قادرة على إكراه الناس، على أن يكرروا ما يثير السخرية، ويجاهروا بما لا يقبله العقل ؟
لماذا؟
لأن العالم يتغير بسرعة، لصالح الإنسان!
ففي العشر سنوات الماضية، تغيّر العالم العربي كما لم يتغيّر في عشرة قرون·
وأدوات هذا التغيير كانت: الانترنت، وثورة المعلومات، وسرعة الاتصالات، والفيسبوك، والتوتر، والمحطات التلفزيونية الفضائية، والمواقع الإليكترونية على الانترنت، والصحافة الإليكترونية، والكتاب الإليكتروني، والبريد الإليكتروني، والاسترخاء الرقابي العربي - السمج والقبيح في الماضي والحاضر - للمطبوعات عامة، نتيجة لهذه الأدوات·· كل هذا، جعل العالم العربي - كشعوب يتغير- في حين أن الأنظمة العربية لم تتغير منذ الاستقلال؛ ومنذ بداية النصف الثاني من القرن العشرين·
صفحة 8
الأزمة العربية الطاحنة
ووقع العالم العربي فجأة، في أزمة حضارية طاحنة، تمثلت في:
أنظمة عربية دكتاتورية قروسطية، تحكم شعوباً تشهد، وتتفاعل، وتتعايش، في القرن الحادي والعشرين ومنجزاته الحضارية، ومطلع الألفية الثالثة، وفجرها الساطع المليء بالتحديات·
وكذلك تمثلت الأزمة في تقديس الحاكم الإله!
تقول وادين في كتابها:
إن أية قراءة تفسيرية لاستخدام الرموز والخطاب في الدولة السورية، يقود إلى استنتاج أن مضمون ظاهرة تقديس الحاكم تعكس الأزمة، التي تعاني منها الدول حديثة الاستقلال·2
فألا ينطبق هذا على كافة الأنظمة العربية؟
ما هي القراءة التفسيرية لمضمون ظاهرة تقديس الحاكم، عندما يشار إليه بـ سيادة الرئيس؟
ما هي القراءة التفسيرية لمضمون ظاهرة تقديس الحاكم، عندما يشار إليه بـ دولة الرئيس؟
ما هي القراءة التفسيرية لمضمون ظاهرة تقديس الحاكم، عندما يشار إليه بـ سيدنا؟
ما هي القراءة التفسيرية لمضمون ظاهرة تقديس الحاكم، عندما يشار إليه بـ أمير المؤمنين؟
ما هي القراءة التفسيرية لمضمون ظاهرة تقديس الحاكم، عندما يشار إليه بـ بطل التحرير، وصقر قريش؟
ألم تنهار الآن معظم هذه الألقاب التقديسية الزائفة والمعيبة، والبقية سوف ينهار قريباً، إذا ما استمر الربيع العربي بالإزهار والتفتح، ولم يدخل باقي العرب في بيات شتوي طويل؟
صفحة 9
التناقض بين بناء الأمة وتشكيل الدولة
تقول وادين في كتابها:
تسجل ظاهرة تقديس الأسد، التناقض بين عملية تشكيل الدولة وبناء الأمة· فظاهرة تعظيم الحاكم تعمل على شخصنة السلطة، وإحلالها فوق المجتمع وبعيداً عنه·3
وهذا صحيح وأكيد، ليس في سوريا وحدها، وليس بالنسبة للأسد فقط، ولكن لباقي الضباع الأخرى في العالم العربي، التي تنهش لحم شعوبها·
فهناك تناقض بيّنٌ وواضح بين عملية تشكيل الدولة، وبين بناء الأمة·
ففي معظم البلدان العربية، لم يتم بناء الأمة بقدر ما تمَّ بناء الدولة البوليسية، المسوَّرة بسور من قوى الأمن، والاستخبارات، ورجال المباحث، وغيرهم· وتمَّ الصرف المالي بسخاء على هذه القوى، وعلى حساب التعليم، والصحة، والضمان الاجتماعي، والخدمات الأخرى· وأصبحت الأمة هي المريضة، وهي الكسيحة، وهي العاجزة، وهي الفقيرة، وهي الجاهلة، وهي المتخلفة، مقابل الدولة القوية بأجهزتها الأمنية البوليسية، والتي تملك علاقاتها الخارجية الحربائية التي تمكّنها من عطف الأغنياء في الخارج، وحلب مليارات الدولارات منهم، وتحويلها للحساب الخاص لرأس النظام، كما تمَّ في ليلة القبض على المليار دولار في الأردن· وهو المليار دولار الذي دفعته دول الخليج للمساعدة الأردن· وذهب لحساب رأس النظام، واستقال على إثر ذلك محافظ البنك المركزي الأردني الشريف فارس شرف، كما استقالت والدته (ليلى شرف) من مجلس الأعيان تضامناً معه·
صفحة 10
كيف تركب الأنظمة العربية سفينة نوح وتنجو؟
الأنظمة العربية التي لم يصلها قطار الثورة بعد، حائرة فيما يمكن أن تفعله لتفادي وصول هذا القطار· وهذه الحيرة مبعثها - بالدرجة الأولى - إلى أنها عاجزة، وليست لديها المقدرة السياسية على تفادي وصول هذا القطار والقيام بسرعة في الإصلاح والتغيير، الذي من شأنه أن يهدد وجودها، ويحميها في الوقت نفسه من الانهيار السريع· فالأنظمة العربية - في معظمها - مسيطرة على الحكم منذ عقود ولم تفعل شيئاً يُذكر· فما بالك أن تفعل في شهر أو شهرين؟ ولكن لا بأس· فهذه بعض الأفكار التي يمكن أن تأخذ بها هذه الأنظمة لمحاولة تفادي وصول قطار الثورة إلى محطتها· فربما تنجح، أو تفشل في ذلك:
1- عدم احتكار السلطة للحرية والديمقراطية والمساواة والحداثة والمدنية، كما هو القائم في معظم الأنظمة الدكتاتورية القروسطية· فعلى ما يبدو أن الجهات التي احتكرت موارد بلدان هذه الدكتاتوريات، هي نفسها التي تحتكر تلك الأهداف، وتديرها، وتطبقها كما تشاء، وكما ترى·
2- الكفُّ عن طرح السلطات في سوق القيم حزمة من الإجراءات، تحت مُسمَّى الإصلاح، كقوانين للأحزاب وللانتخابات والإعلام· فهذه ليست سوى منتجات ممسوخة ومشوهة· ولا تكاد تشبه المنتج الأصيل بشيء، وليست لها ذات الفعالية والجدوى· المهم فيها، ضمان السلطات الحاكمة عدم إفساد ذوق المواطن، وعدم تعويده على نكهات مختلفة غير النكهة الواحدة، التي اعتاد عليها دائماً، وهي النكهة السلطوية· أو انزياح هذا المواطن إلى أنماط حياة متطلَبة ومنفتحة، ترهق النظام، وتبعده عن الانشغال بقضايا الممانعة، والصمود، والتحدي وسواها من القضايا الميتافيزيقية المقدسة، إلى القضايا ذات الطبيعة المُدنَّسة، والتي تتمثل هنا بالحرية والرفاهية، كما يقول الكاتب السوري غازي دحمان·4
3- من الملاحظ أن السياسيين في العالم العربي قد عجزوا تماماً عن إيجاد رؤى مرحلية توافقية بين كافة الأطراف - كما يقول المفكر التونسي محمد الحداد· ومثل هذا الوضع يترتب عليه نتائج مخيفة ليست أقلها تواصل معاناة المحرومين من البطالة والفقر· وقد تتعمق الأزمات الاجتماعية، وتزداد الخطابات والمطالبات راديكالية· كما هو الحال الآن في أزمة الثورتين التونسية، والمصرية·