صفحة 1
تبعثُر دودة
ثمّ بدأت الأشياء تأخذ مجرى آخر. يكاد يكون متوقّعًا، لكنه لم يكن. متوهّجًا كان. ك ن. ن ك. أ. دوائر. بدأت تمشي. تخبط في محيط. أخرج عن خطّ الدائرة أم أبقى؟ لكنّي، والحق لا يُقال هنا، خرجت. بلى، حقًّا. خرجت دون أن أتعدّى الخطّ الدائريّ الملتفّ حول الأعناق المشرئبّة. أو غير قائم. تيّار الوعي. عاطفة. عاصفة متقلّبة، لا تمتّ إلي بِصِلَة. بَصَلَة. أبصال. هم أبطال. مرّت ثوانٍ مؤلمة. ما زلت لا أكون، أنا في الحقيقة ما كنت في رمشة فتاة، للحظة. أو أقلّ. تتجمّع. في هفوة، كلّ الصراعات لترقص حول، على، فوق، تحت جثّتي. الرأس مليء بدودة، تعاني من الوحدة. الدودة تكون. سروًا. يدور الحديث بين الوحدة والدودة، حوار حارّ. حامي الوطيس. لكن دورة الحديث بين الجالسين والجالسات لم تقبل أن تكون دائرة فاستطالت. عندما قدّمت الدودة العشاء كانت الدورة في مربعيّة. ألغاز. بلى. ألغاز.ثمّ ماذا؟ لا شيء. اللا شيء مُشيَّأ بحكايا جدّتي الرزينة. أمّا حكاية الدودة فكانت. يحكى، والعلم عند الذي لا علم إلاّ عنده، أنّ مملكة الدود ازدهرت في القرن السادس قبل ميلاد المسيح بن مريم. تقول الرواية إنّ حدود المملكة من الشمال كانت صحراء العرب، حيث نشطت التجارة بينهم وتبادلوا النساء والنوق. ومن الدلائل القائمة إلى يومنا هذا أنّ العرب يجيدون لغة الشعر وهو لغة الدود. تمتاز لغة الدود بنغمتها الخاصّة على العكس من الزواحف الأخرى. الدودة طوّرت نغمتها من خلال دمج اللغات الأخرى. هذه النغمة هي الوحدة أو العنصر الأساسيّ في اللغة. نستنتج من هذا أنّ لغة الدود كانت جدَّ بسيطة. من جهة أخرى، هناك آثار وُجدت في قاع المحيط الهنديّ، وبعضها وُجد في الخليج العربيّ يمكن أن تدحض هذه النتيجة من أساسها. تشير هذه الآثار إلى وجود حضارة عَلمانيّة متطوّرة. السؤال الذي يطرح نفسه، وبشدة: هل هناك إمكانيّة لوجود حضاريّ بدون وسيلة اتّصال متطوّرة ومركبة؟ وكما جرت العادة، في المعضلات، اختلف الباحثون والباحثات حول هذه المسألة. من الصعب الوصول إلى نتيجة محدّدة ونهائيّة. لكن علماء الحضارات، على اختلاف انتماءاتهم الإيديولوجيّة، متّفقون على وجود هذه الحضارة الدوديّة، مكان تطوّرها، وشبه متفقين على زمنها التاريخيّ.
تأثّرت الحضارات الإنسانيّة اللاحقة بهذه الحضارة كثيرًا، حتّى إنّ بعض المجموعات البشريّة اتّخذت من الدودة إلهًا. في أحد كهوف ساحل المتوسّط الشماليّ، ما يُسمّى فرنسا اليوم، اُكتُشِف تمثال برونزيّ على شكل دودة. بمساعدة أدوات تكنولوجيّة متطوّرة جرى تحديد عمر التمثال. قرابة ثمانية آلاف سنة. من المهمّ ذكره هنا أنّ الفئة السياسيّة الحاكمة آنذاك، لم تَرَ أنّ من مصلحتها نشر خبر الاكتشاف، فأخفته في إحدى القواعد العسكريّة السرّيّة. هذا السلوك ميّز عدّة فئات حاكمة في شتّى أنحاء حوض المتوسّط. إلى يومنا هذا، يُعتقد أنّ هنالك بعض الآثار المخفاة لأنّ الحكّام يخافون من أنّ نشرها سيؤدّي حتمًا إلى قلاقل جِدّيّة في سلطانهم.
صفحة 2
حكاية دودة. كنت. حكاية. إنسان. بلى، كنت حكاية إنسان. في السابع من أعوامي.ثمّ بدأت الأشياء تأخذ مجرى آخر. قال قائل: اجلس. قف. كُل. تكلّم. صَهٍ. تصهصهت. أمّا الأخرى، فقالت: الطقس بارد، تعال لأدفئك. لم أتردّد. فرحت للدفء. احترقت يداي. أطلب الدفء منها فتتمنّع.
- أرجوكِ، تعالَيْ. أنا بحاجة إلى لهيب حارّ... أكاد أموت بردًا. رجوتها.
- مُتْ يا عزيزي لأتلذّذ.
- ألا يهمّكِ مصيري؟!
قالت: كلاّ. مُتْ متى تشاء أو عش كما تشاء. أنا سلطانة البرّ والحرّ. إلهة... لا أزول.
عند المغيب الثاني لأمر الوقوف الأوّل، قالت له: اصطكّت رجلاي، لا قدرة لي على الاستمرار. تأوّهَ. اتّكأ. مال. بال. خاط. نصّ.ثمّ تدحرج منتصبًا. بدأ يمشي حاملاً فنجان القهوة، بين السبّابة والإبهام.
بدا كأنّه يفكّر في نصّ ما، خارج النصّ. أنا. غاط. غاظ. غام. قام. نام. عام. رام. سام. حام. قرأ بصوت جهوريّ: ركبت الريح، مشيت على الماء وشربت الصخر...!
من فمي، دخلت إلى أحشائي. بقيت هناك. نام. خرجت. مادّة لزجة تُثقل من خطواتي. باب. لا أصل إلى مفتاحه. عبرته بسهولة، من الحيّز السفليّ. يا ما ألذّ نقاء الهواء! الحرّيّة. أنغام الموسيقى. هرولت. بطيئًا ألتوي حتّى أتقدّم. أتقدّم ملتويًا إلى الوراء. كانت الأعشاب تحيط بي من كلّ الاتجاهات. أمّا الورد فكان عاليًا، لا أصِلُ حتّى أسفله. كم تمنّيت لو أنّي أطوَل بعض الشيء لتعبق في أنفي رائحته الذكيّة. من هنا، أتتني بعض العبرات المعدودة، لكنّها لم تشفِ غليلي. حزمت نفسي لأتسلّق الورد. اقتربت من الأولى، كانت تحاور عشيقها قائلة: انظر ما أطوَلَ هذه الدودة! يا إلهي!
فهمت لغة الورد منذ نعومة أظافري، لكن الورد لم ينتبه إلى ذلك ولم أخبره. نظرت حولي فلم أجد الدودة الطويلة. غريب أمر هذه الوردة! سأتسلّقها للعبير، ولعلّي أرى عجيبة الورد. أتسلّق ببطء دائريّ. ألتصق حتّى لا أقع عائدًا إلى الواقع. ها قد وصلت. لم أكد أشمّ رحيقًا واحدًا حتّى أتاني ساعلاً من داخل غرفة نومه المقدّسة. قفزت واقفًا على رجليَّ. ركضت مقطوع الأنفاس. سكّين خلفي، نار أمامي. عودة إلى شكل ما. رجوع متقهقر إلى قوقعة أولى. سجن من حراشف إنسانيّة. عندما تهبّ عواصف الغروب وترعد غيوم وفجأة جبل بركانيّ يُخرج حممه، أنحني فأصل القاع. أنتصب عند بزوغ الشمس وخروج عصافير الشدو من أوكارها. أمّا وكري أنا، فقد كان شفّافًا. شفاني سائل لم أدرِ كنهه. سألتها: هل صنعتِ السائل، أم إنّك اشتريتِهِ؟
صفحة 3
- وما الفرق يا عزيزتي؟! المهمّ أنّك شفيت.
- ولكن أريد...
- لا وقت للإرادة! أكاد أموت من الشوق لطبق من الحلوى... التفتت إلى الخلف. غبت في سراب أزليّ، وعندما سألت الأزل عن أزل يحويني، زل زلاله كما في الأزل. ثمّ بعد السعال الرابع، صاح صادحًا: أين أنت أيّها البائس؟ أين... أنت يا ابن العارية؟!
- ...
- تقدّم منّي.
هوت مطرقة حديديّة، بعد تكوُّرها، على صدغي. خرجت أتجوّل، مع دوائري، إلى مدينة أخرى. لا تبعد عن مدينتي الأولى، ومنها لأخرى. لا أحد يعرفني هنا، أنا لا أعرف أحدًا. لكنّهم مألوفون لي. أحفر في خزّانات الذاكرة والنسيان معًا. معول ضخم. يعلو ويهبط. يشقّ الطريق ويفتّت الصخر. أحاول، جاهدًا، أن أمسك طرفه. يرميني بعيدًا. ثور. ثائر. ثورة. أمّا غادة القيثارة فلم تثر، بل حطّمت قيودها الوتريّة الشفّافة. جلست تعيد تركيبها. أبت الأوتار وشنقت الغادة. لم تمت، بل صعدت تتجوّل.
- أنتِ غادة القيثارة؟ سألتها بعد خطواتي الأولى في المدينة.
- بلى أنا الغادة بعينها...! ومن أنت أيّها... لا أدري بما أصفك، لكن ما أتى بك إلى هذا القطر؟ تساءلت بحيرة.
- في الحقيقة... في الحقيقة... حِرتُ أنا من حيرتها.
- لست ملزمًا بالإجابة. كلّ مخلوق يختار ما يريد ومتى.
- المشكلة أنّني لم أخْتَرْ. المطرقة الحديديّة هي التي اختارت، لذا أنا هنا...
- يبدو لي أنّك تتهرّب... ألا تحبّ الكلام؟
- أحيانًا كنت أكلّم الورد مصغيًا. ولكن، في المعتاد، يتكلّمون وأسكت.
صفحة 4
- لا بأس. سأحدّثك أنا. هل تعرف تاريخ المدينة؟
- كلاّ، لقد وصلت للتوّ.
- يُحكى...
- لا أريد أن أصغي لك. لقد جئت للتجوّل... إذا أحببت مرافقتي فهلمّي بنا، وإذا لم ترقْك فكرتي في التجوال، فسلام لك أيّتها الغادة القيثاريّة. قلت داع ومبعد.
- هلاّ حدثتك عن شعابها قبل أن تنطلق في مساراتها، إذ قد تفقد الطريق أيّها الرفيق... فما قولك في بعض الأوصاف زادًا؟
- وما ألذّ من اكتشاف الطريق بعد الفقدان؟ الاكتشاف بعد الضياع، هو هو المتعة... وأنتِ تريدين سلبها مني؟
- لن تكتشف الطريق يا متجوّل. قالت بحزم حزين.
- تقولينها كما المتأكدة من الضياع السرمديّ... تُبدين قناعًا وتُخفين الآخر خلف أنغامك! ما الجدوى؟ صيحي إنّك ضائعة... بلى أنت تعرفين الشعاب. تجيدين الحديث، يجوز. تعزفين الأوتار وتدلّلينها...
- أراك تتحدث بطلاقة، بعد أن ادّعيت الإصغاء. أعرف الشعاب كما أعرف خطوط كفّي هذه. وعرفتها بعد فقدان الطريق. تمتّعت للحظات لم تكن. ومن ثمّ بدأت من جديد، وفقدت الشمس ووجدتها، وفقدت القمر واكتشفته من جديد. فقدت كلّ الأشياء والمخلوقات ثمّ لقيتها مطروحة على الآفاق والنواصي. كانت لقاءات امتدّت لرمشة عين... تريد أن تتمتّع أيّها المتجوّل؟! تمتّع وإنّها من تلك البئر. لن تزيدك إلاّ عطشًا.
كانت عيناها تحطّان قلقة على مواقعي لأرباع من اللحظات لتطير وتحطّ على أنصاف أخرى. ذكّرتني بالدوريّ عندما جاء بيتنا، في المدينة الأولى، ليلتقط الفتات. دون أن يقف.
صفحة 5
دون أن يحطّ قدميه في مكان ما. كأنّ المحطّات تقتل من شدّة الركود. ركدت في محطّة الأمس. لأعيش اليوم. وما اليوم سوى محطّة خاوية من أحداث لتستقبل الغد. أتى الغد ليكون ثالثة فارغة، مُعدّةً لهبوط غده. غدت الغادة إلى غدي، وما زلت أتربّع في عرش الأمس المحروق سوادًا. قلقة كموج متراتب لا يلبث يحطّ حتّى يأتي من جديد، لعلّ البشرى تركبه. ما هي إلاّ فقاعات ترغي. ما بشرى البشر إلا بشرة اختلفت ألوانها عند مطلع شمس الغروب القمريّة.
- أراكِ تمرّين بالموج ولا تركبينه، تأكلين الحلوى لتبصقيها قبل هبوط السكّر في المذاق.
- أراكَ كالفريسة تهبط في المخالب للتمتّع باكتشاف طريقة القتل.
- أراكِ، أو لا أراكِ، كنغمة احتارت بين الوتر والأنامل فركبت الأثير، بعد أن نسيت أنّها عريانة.
- أراكَ، بكل وضوح، كوردة امتصّوا رحيقها في مزهريّة من الحديد الصدئ.
- أراكِ أَرائِكَ بهت لونُها من كثرة الاستعمال المضطرب.
- أراكَ دودة...
- كلاّ... كلاّ... صاح مقاطعًا إيّاها كأنّها رشّت ملحًا على جرح يأبى إلاّ أن يبقى مفتوحًا للملح من البحر الميّت. انتفض. ارتجف. ازرقّ. اصفرّ. مات. قام من الموت. ليموت ثانية، لونًا. لم يَقْوَ على التفوّه. صرخ بأعلى صوته، ليعود صدى أذنيه. أشلاء صُوَر تعود إليه من ماضٍ بعيد أو قريب بعد القرب. قرب البعد. قبر عبد، الماضي. انهارَ وقرفص عند حذاءيها، يلتمس الحنان. بكت. الأحذية. حذت حذو الإنسان. بكت بغزارة، فغطّى رأسه بكلتا يديه لئلاّ يبتلّ شعره.
- كلاّ... كلاّ لست بدودة. أتفهمين؟ قال كأنّه ينتقم لدهور من القهر.
صفحة 6
- لا أراكَ... انفجرت باكية، وقرفصت.
سحبته إلى القرفصاء. سحبها إلى الدمع الأبيّ. أبى الدمع على الجمع، فتجمّع في المسالك. يستعدّ لانفجار تافه. كلّما اقتربت دمعة إلى حافة الجفن السفلى، سُحِبت إلى أعلى مطيعة القدر المختار. اختار القدر. القدر. قَدِرَ القدر على تقدير الأقدار.
- تعال... إلى حضن لم يكن، إلى دفء، إلى حديقة زهر ذبلت... بعد جفاف الماء. ماء، كالماء ماءَ. كنت أغنّي. أنشد، لحن... رقص النغمات...
سدًى سدًى
هبّت بي
سدًى...
عواصف كانت،
عصفت بي
شعلة،
نيران نور،
ظلالها أنت
أنتَ، سخام
الشوارع يلتصق
صفحة 7
بي
يلتصق ويأبى
يرفض النـزول،
سدًى...
وها أنتَ آه آه آه
أيّها الغريب
كم أنت قريب
قريب
كالنحلة من الرحيق
شمّ بلا سحيق،
أمسك الريح
بكَ.
أعتلي القمر،
منكَ،
صفحة 8
إليكَ،
أراكَ لكي أراكَ،
فتراني لكي تراني،
فأراك،
جرحًا خطّته آلاف
الخناجر،
المدوّرة المستقيمة،
لا لا لا تراني ي ي ي
لا ا ا ا،
علّ الأحمر،
أصفر أحيانًا...
لكنّي،
لكنّي أيها الغريب
أراك ك كَ،
غربالاً من وخز
الإبر ررر...
صفحة 9
عندما دخلت الأميرة إلى قاعة العرش لتهنّئ الملك، وقف هذا الأخير قائلاً: أردتُكِ أميرًا يرث سلطاني، لكن وجودك يسحق إرادتي لقشرة ثوم متآكلة. قال. كانت تغنّي راقصة في عالم آخر. وردة تتفتّح. نخلة تلوح. لاحت في الأفق آمال مغتصبة، هوت كطنين طبل يبشّر بالحشر الأخير. تراقِص الكلمات، بعد زوال البشر. تراقص النغم. نهر من العبرات. بحر من السكرات وإناء إغريقي أحمر، لعلّه نبيذ معتّق. كلاّ. زِقّ زهقت روحه.
- اليوم ليس ككلّ الأيّام، جريمة ارتكبت...
أبحث عن بقاياها في الجيوب والعيوب. لا شيء في العين، في الأذن، في الأنف، في البطن... وجدتها في الطيز. بلى، طيز ملأى بالألياف كانت. بعد حين، لم تكن حتّى في الصرم.
- لا تبحث أنتَ أنتَ الجريمة...
دخلت أحشائي، لأرى الجريمة عن قرب. اقتربت، خطوة أخرى. حمت، درت، ثانية. ابتعدت لأدنو. عندما رنت رنا رن أزيز، فخرق جلدها. غادة القيثارة تغنّي راقصة، فراقصتُ الإيقاع. لم أجد الجريمة. أنا أنا العقاب، الجريمة. الحزن الأسود. الأزرق. الأخضر. ثمّ جاء الأحمر. في اليوم التالي لفتح المدينة، ما زال الدم يجري في شوارعها حاملاً بعض الأعضاء البشريّة والغير، وآخر أغرقه التيّار، الدم. سواء.
هباء. منثورًا. كلّ اللحوم أنسجة. وأمّا رقصتي فكانت فراشة دخلت السواد الحالك، فجأة خرج الضوء من مخبأه. لم تمت الفراشة كالعادة، وإنّما انتحر الضوء. في حديقة الأمس حيث اختلفت ممالك الورد والعشب جلس العبد، الأزرق، على العرش وجاءت الأميرة مرتديةً أجمل الأزياء، لتظهر محاسنها للنبلاء. احترقوا لوعة. وهل يحترق النبلاء. دم بارد لهم. جاز حمل الحراب المسنَّنة. شرعيّة هزّة الأرض الأخيرة، والأولى.
صفحة 10
طفل
كرم زيتون. أشجاره. أوراق أشجاره. ثمار الزيتون. رائحة شجرة الزيتون كانت عرشي. تربّعتُ عليها صغيرًا. لا زلتُ. كرم الزيتون كان على التلّة بجانب بيتنا. الجذوع مليئة بالسنين. في كرم الزيتون بجانب بيتنا لا تجد جذعًا بدون ذكريات. أمّا جذعي أنا فكان شيئًا خاصًّا. لم ولن ترى مثله في حوض المتوسّط. لم أعتقد أنّه ثمّة زيتون في إسبانيا. أبي قال إنّ العرب فتحوا بلاد الأندلس قبل قرون، ثمّ دُحِروا ولكن الزيتون والقصور واللغة بقيت في الأندلس الذهبيّ. كلاّ، أبي يكذب. لا زيتون ولا قصور، ويتكلّمون الإسبانيّة. لا بأس. زيتونتي. جذعها. رائحتها. أوراقها الخضراء الحادّة المليئة بالغبار صيفًا، المقطَّرة بالندى شتاءً وأوائل الربيع. تميل مع النسيم أوراقها. إذا وقفت تحت زيتونتي في الشتاء الماطر لا تبتلّ، وتبتلّ الأوراق. حتّى الرياح تمرّ على الأوراق فتخجل أن تلامس ما تحتها وتبقى أنت دافئًا مستلذًّا. كلّ وساحته. ساحتي زيتونة. زيتونة وكرمها. دفء. حرارة. ربّي، اشرح لي صدري ويسّر لي أمر زيتونتي وابعث لها المطر واللقاح. ربّي ولا تدع المنشار يقصّ جذعها. ربّي وأَبعِد عنها عين الأستاذ أحمد، معلّم الرسم. الأستاذ فنّان، ولكن في قريتي لا يحبّون الفنّ. الأستاذ أحمد كان يخرج مع كلّ صفّ في درس الرسم إلى الطبيعة، حسب قوله، لرسم الكائنات والنباتات. أحيانًا يجد الجمال متجسّدًا في شيء ما فيأخذه إلى بيته. «الغباء والقبح من صفات الشيطان، أمّا الحكمة والجَمال فمن صفات الخالق تعالى. أَدخِلوا الحكمة والجَمال إلى قلوبكم فيدخل إليها الله». جملته المشهورة.
الأستاذ أحمد كان يُدخِل الحكمة والجَمال إلى قلبه ومن ثمّ إلى بيته. كلّما رأى حجرًا أو طيرًا أو حتّى دودة، وأحيانًا أوراق شجرة متربعة على أفنانها، قال:
- هذا جَمال الله. ثمّ يقتلعها ويأخذها إلى بيته.
كان همّي الأكبر وكابوسي الأوّل ألاّ يرى الأستاذ أحمد زيتونتي فيقتلعها ثمّ يجبرنا على حملها إلى بيته. لم أخبر أحدًا بخوفي هذا. زيتونتي، فائقة الجمال، لن تقبل بالأستاذ أحمد ذي الأنف الطويل والأفطس في آن واحدٍ. لم تقبله أيّ بنت كزوج، وهو يبلغ الأربعين الآن وليس لديه زوجة ولا ولد، بسبب أنفه القبيح. «الغباء والقبح للشيطان»... بلى، القبح للشيطان. الأستاذ أحمد شيطان يريد أن يستولي على شجرتي.