صفحة 1
تقديم
د· عبد العزيز المقالح
يعد هذا الكتاب البالغ الأهمية في عالم السرد الروائي باكورة درجة الأستاذية التي حصلت عليها الدكتورة آمنة يوسف في هذا العام، وهو جزء من تخصصها النقدي الذي بدأ مع رسالة الماجستير ثم تواصل مع الدكتوراه وتتابع مع أبحاثها التالية التي قدمتها لنيل درجة الأستاذ المشارك ثم لدرجة الأستاذية· وقد تصفحت الكتاب معجباً بما أفاض الله على الأستاذة آمنة من فتوحات غير مسبوقة في هذا العالم الذي اتسعت أبعاده بفضل النقاد الأجلاء من عرب وأجانب· وما قد كان في البداية سطوراً أو صفحات محدودة بات الآن كتباً ودراسات موسعة تضيف الكثير وتدعو بإلحاح إلى إضافات أكثر، هازئـة بالكسالى والمعتمدين على النقل والاستعارة مـن إنجازات الآخرين·
ويحزنني القول بأننا نبدو لقارئ بعض أبحاثنا الأكاديمية وكأن لا عقول لنا ولا موروثاً نقدياً يدلنا على الطريق، في حين أن أجدادنا - وهذا ليس من باب الفخر وإنما من باب التوثيق - كانوا في طليعة من وضعوا أسس الملامح النقدية الحديثة من خلال اهتمامهم باللغة وقواعدها التوليدية والتركيبية واعتبارها مصدر كل ماله صلة عميقة بالنصوص· ولعل ما تقترحه الأستاذة آمنة من رؤىً مستخدمة في مجال نقد السرد الروائي لا يخالف الاجتهاد المشروع، وإن كان من المرجح أنه سيغدو مثار إعجاب لدى فئة من الباحثين ومثار اختلاف لدى فئة أخرى، وتلك هي مهمة الدراسات العلمية في أي مجال كان، كما هو دور أي اقتراح جديد يتمثل في إيجاد أشكال مؤيدة أو مخالفة من القراءات المبدعة والخلاقة في زمن تجديد آليات الإبداع النـقدي والأدبـي·
ومع تجدد الحياة، وتطور أساليب البحث واكتشاف زوايا جديدة في النقد الأدبي الأحدث، صار من الصعب وضع الدراسات الأدبية في سجن تقليدي مظلم لا يجوز اختراقه أو محاولة اكتشاف آفاق أجد خلف الجدران السميكة المحيطة به· يضاف إلى ذلك أن تجدد الحياة يحفّزنا على مغادرة ساحة الوقوف عند آخر ما أنجزه الآخرون دون أن تكون لنا آراؤنا واقتراحاتنا وإضافاتنا وتصويباتنا، ومن حسن الحظ أن بات لدينا في هذه المرحلة عشرات إن لم نقل مئات العقول التي تبث بذكائها ووعيها القدرة على الإضافة والابتكار، وفي كثير من المراجع والمصادر العربية التي وقفت عليها الدكتورة آمنة وانطلقت منها إلى وضع تصورها الأحدث لسرد ما بعد الحداثة ما يجعلنا نطمئن إلى حدوث تطور جوهري في نطاق النقد الأدبي بعامـة والسـردي منه بخـاصة·
ولا بد في نهاية هذا التقديم الموجز من استحضار الحالة المؤسفة التـي رافقت المؤلفة أثناء إنجازها لهذا الجهد العلمي المتميز، وأعني بالحالة مـا مرت به بلادنا من احتراب سياسي تداخلت فيه الأصوات الداعية إلى التغيير بأصوات المدافع والصواريخ وهو ما يجعل نوابغ العقول تقف حائرة صامتة تسترجع فصولاً من مأساة الإنسان حين يفتقد المعنى الجوهري للحرية، والمعنى الصحيح للمسئولية فيجد نفسه هو ووطنه على حد سواء في مهب الريح·
كلية الآداب - جامعة صنعاء
27 / 11 / 2011م
صفحة 2
بحث في نظرية السرد:
(الرؤية - الصورة: نموذجاً)
في هذا الكتاب نحاول أن نعرض موجز ما توصل إليه فهمنا وقناعتنا حول تقنيتين سرديتين نوردهما على سبيل التمثيل، لا الحصر·· ونربط مدلولهما الفني بمصطلح (الاتجاه) الذي ينقسم لدينا إلى تقليدي، فحديث، فجديد، بحسب ما نفترض أنه ينطلق برأينا من مرحلتين، لعلهما زمنيتين، هما:
مرحلة ما قبل تهجين الاتجاه التي نحن بصدد التنظير النقدي لتقنيتي (الرؤية - الصورة) في ضوئها هنا·· وما يمكن أن نشير إليه في سياق ذلك من تقنيات سردية أخرى منطلقة من فلسفة الاتجاه الأدبـي الواحد المهيمن غالباً على هذا النص الروائي أو ذاك·· ثم نتنـاول بالتنظير وبالتطبيق مرحلة ما بعد التهجين لاحقاً··
أما التقنيتان السرديتان، فهما:
أولاً: الرؤية السردية··
وهي المصطلح الذي نستعيره من مؤلفات الدكتور سعيد يقطين وهو يرشحه من بين التسميات العديدة التي عُرف بها هذا المصطلح، من قبيل: وجهة النظر، الرؤية، زاوية الرؤية، البؤرة، حصر المجال، المنظور، التبئير·· ويركز مصطلح وجهة النظر أكثر هذه المصطلحات ذيوعاً·· على الراوي الذي من خلاله تتحـدد رؤيته إلى العالم الذي يرويه بأشخاصه وأحداثه، وعلى الكيفية التي من خلاله أيضاً - في علاقته بالمروي له - تبلغ أحداث القصة إلى المتلقي أو يراهـا· ولـهذا السبب - نتفق مع يقطين - نستعمل الرؤية ونضيف السردية لحصر دلالتـها في إطار تحليل الخطاب··(1)
ومن خلال تجربتنا النقدية مع تقنية الرؤية السردية على مستوى التنظير والتطبيق(2) وصلنا إلى نتيجةٍ نأمل لها الصواب، مفادها: أن الرؤيـة السردية ذات الصلة البنيوية بتقنية الراوي·· تنقسم إلى ثلاث رؤى سردية رئيسة و رؤيتين متفرعتين عن الرؤى السردية الثلاث التي ظل الاتـجاه الأدبي الواحد من خلالها يهيمن غالباً على النتاج الروائي لهذا الكاتب أو ذاك، في مرحلة ما قبل تهجين الاتجاه الأدبي التي تنطلق منـها الرؤى السردية وتتبلور مفاهيمها في تقسيمنا النقدي لها على النـحو الآتي:
صفحة 3
أ- الرؤى السردية الرئيسة:
1- الرؤية السردية (الخارجية)، ذات الاتجاه التقليدي التي تـقع على مستوى أسلوب السرد الموضوعي، منذ أن شاع التنظير النقدي لهـذا الأسلوب السردي في نصوص الشكلانين الروس وقال قائلهم (توما شفسكي): هكذا يوجد نمطان رئيسيان للحكي: سـرد موضوعي، وسرد ذاتي · ففي نظام السرد الموضوعي يكون الكاتب مطلعاً على كل شيء، حتى الأفكار السريـة للأبطال· أما في نظام السرد الذاتي، فإننا نتتبع الحكي من خلال عيني الراوي (أو طرف مستمع) متوفرين على تفسير لكل خبر: متى وكيف عرفه الراوي (أو المستمع) نفسـه·(3)
وعلى مستوى أسلوب السرد الموضوعي تقع الرؤية السردية الخارجية، ذات الاتجاه التقليدي (برأينا) حين تنطلق من الراوي الذي يصفه النـقاد بالراوي (كلي العلم)، أي الراوي المحيط علماً بالظاهر والباطن والذي يقدم مادته دون إشارة إلى مصدر معلوماته·(4)
وعلى الرغم من علم هذا الراوي (المطلق) إلا أن رؤيته السردية تظل خارجية· ذلك أنه راوٍ غير مشارك في صنع الفعل الروائي· ولذلك بـدا واقعاً على مستوى أسلوب السرد الموضوعي ومنطلقاً هنا من الاتجـاه التقليدي الذي يسمح له (إلى جانب العلم المطلق) أن ينحاز في رؤيته السردية (مثلاً) إلى بعض شخوصه الروائية أو يتعاطف معها أو يعلَّق أو يفسَّر·· إلى جانب إمكانية الاستماع إلى الحوار الداخلي الذي يدور بخلد الشخصيات الروائية وكذلك استشراف ما يمكن أن يحدث ويتحقق بـالفعل لاحقاً·· فالراوي (حتى وإن لم يظهر في الرواية كشخصية مـن الشخصيات) يجعل وجوده ملموساً من التعليقات التي يسوقها والأحكـام العامة التي يطلقها، ومن الحقائق التي يدخلها على العالم التخييلي مستمدة من العالم الحقيقي والتي تتجاوز محور معرفة الشخصيات، فكأنه يتنقل في الزمان والمكان دون معاناة ويرفع أسقف المنازل، فيرى ما بداخلها وما في خارجها ويشق قلوب الشخصيات و يغوص فيها ويتعرَّف على أخفى الدوافع وأعمق الخلجات، وتستوي في ذلك عنده جميع الشخصيات، فكأنها كلها من أكبرها شأناً إلى أقلها شأناً كتاباً منشوراً أمـامه يقرأ فيه كل ما يدور في نفوسها·(5)
وغالباً يستعين هذا الراوي ذو الرؤية السردية الخارجية بضمير الغائب (هو أو هي) الملائم لأسلوب السرد الموضوعي الذي ينتمي إلى الاتجاه التقليدي بسبب انتمائه إلى مرحلة زمنية، لعلها لا تنحصر على البدايـات التاريخية للشكل الروائي (الأوروبي أو العربي) في العصر الحديث منـذ أوائل القرن العشرين من الألفية السابقة، بل إن تراثنا السردي (الإنساني) برمته، لا يخلو من الحضور النسبي لهذا الراوي التقليدي وإن كانت مسألة التباين في الشكل (المبنى الحكائي) بين القديم (التراث السردي) وبيـن الحديث (الرواية، القصة··) أمراً لا خلاف فيه في منطق التطور الأدبي والفني·
صفحة 4
2- الرؤية السردية الداخلية، ذات الاتجاه الحديث التي تقع على مسـتوى أسلوب السرد الذاتي (المشار إليه في أول سياق الحديـث عن الرؤية السابقة)·· وتتصف بأنها داخلية· ذلك أن الراوي الذي تنطلق منه هـذه الرؤية في علاقته بعالمه (المروي) شخصية مشاركة في صنع الفـعل (الحدث) الروائي· ولذلك يطلق النـقاد على رؤيته الداخلية هذه مصطلح الرؤية (مع) أو الرؤية المصاحبة، ويستعين الراوي بالدرجة الرئيسة فيها بضمير المتكلم (أنا) حتـى وهو يروي عن كلَّ من مرَّ بهم وما مرَّ به في سياق ما يوهمنا فنياً بأنه مذكرات اعترافية وسيرة ذاتية، غير أن الرواية - تقول يمنى العيد: ليست، كما قد يتوهم البعض، سيرة ذاتية، بل هي سرد يستخدم تقنية الراوي بضمير الأنا، ليتمكن من ممارسة لعبة فنية تخوله الحضور وتسمح له، بالتـالي، التدخل والتحليل بشكل يولد وهم الإقناع(6)
إننا في هذه الرؤية الداخلية الواقـعة على مستوى السرد الذاتي، نجد إمكانية أوسع لتوظيف الضمائر المختلفة وليس مجرد التوظيف البنيوي لضمير الأنا أو الـ (نحن)، فقد ينطلق السرد من التوظيف البنيوي لضمير المخاطب (بالفتح)، أي ضمير الـ (أنت) أو الـ (أنتم)عندما يـخاطب البطل نفسه، أو يناجيها في مونولوج داخلي، مثلاً، أو حـين يكـتسب ضمير الغائب وظيفة الاستبطان، فيما يسمَّى بـ (أنا الراوي الغائب) وهو في الجوهر صورة مموهة لـ (أنا) الراوي·(7)
ويصف نقاد السرد الراوي بضمير الأنا، في هذه الرؤية الداخلية أو المصاحبة وهو يتخذ دور المشاركة في صنع الفعل (الحدث) الروائي·· يصفونه بالراوي محدود العلم· ذلك أن معرفة الراوي هنا على قـدر معرفة الشخصية الحكائية، فلا يقدَّم لنا أية معلومات أو تفسيرات، إلا بعد أن تكون الشخصية نفسها قد توصلت إليها· ويستخدم في هذا الشكل ضمير المتكلم أو ضمير الغائب، ولكن مع الاحتفاظ دائماً بمظهر الرؤية مع، فإذا ابتديء بضمير المتكلم وتمَّ الانتقال بعد ذلك إلى ضمير الغائب، فإن مجرد السرد يحتفظ مع ذلك بالانطباع الأول الذي يقضي بأن الشخصية ليـست جاهلة بما يعرفه الراوي، ولا الراوي جاهلٌ بما تعرفه الشخصية· والراوي في هذا النوع إما أن يكون شاهداً على الأحداث أو شخصية مسهمة في القصة· إن الرؤية مع، أو العلاقة المتساوية بين الراوي والشخصية هي التي جعلها توما تشفسكي تحت عنوان:السرد الذاتي· والواقع أن الراوي يكون هنا مصاحباً لشخصيات يتبادل معها المعرفـة بمسار الوقائع· وقد تكون الشخصية نفسها تقوم برواية الأحداث، ويتجلى هـذا بشكل واضح في روايات الشخصية، سواء في الاتجاه الرومانسي، أو في اتجاه الرواية ذات البطل الإشكالي·(8)
صفحة 5
ويبقى أن نشير أخيراً إلى أن توصيفنا لهذه الرؤية الداخلية بأنها تنتـمي إلى الاتجاه الحديث، بحسب تقسيمنا للاتجاهات الأدبية الواقعة في مرحلة ما قبل تهجين الاتجاه·· يأتي هذا التوصيف من الملاحظة النقدية على الروايات التي تهيمن على بناها السردية الرؤية الداخلية مصحوبةً بتقنيات ظاهرة تيار الوعي الحديث، من قبيل: الفلاش باك (التذكر) والمونولوج والصورة السردية والتلخيص والحذف··· وشتى تقنيات تداعي المـعاني المستمدة من الحلم والخيال والمجاز··· وما إلى ذلك من التقنيات التي سيأتي التعريف بمفاهيمها، بحسب تجلياتها في رواية أمريكا نلي لصنع الله إبراهيم - موضوع المقاربة البنيوية لمرحلة ما بعد تهجين الاتجاه، لاحقاً··
3- الرؤية السردية الخارجية ذات الاتجاه الجديد·· ونقول: (الجديد)، تمييزاً لها عن الرؤية ذات الاتجاه الحديث، السابقة· هنا الرؤية السردية أكثر حداثةً وتطوراً، صحيح أن المستوى الذي تقع عليه هذه الرؤية هو مستوى أسلوب السرد الموضوعي لكنه الأسلوب الموضوعي - غـاية الموضوعية - فالراوي هنا إلى جانب عدم مشاركته في صنع الفعـل (الحدث) الروائي·· لا يتدخل، لا يعلِّق، لا يفسِّر، لا ينحاز·· تقنيـة محايدة تماماً، تقنية خارجية، ولذلك يُسمَّى الراوي الذي تنطلق منه هذه الرؤية السردية الخارجية، ذات الاتجاه الجديد المستمد مفهومه من مخترعات التكنولوجيا الحديثة ومن فن السينما تحديداً، وخاصة (الكاميرا) يسمَّى هذا الراوي لدى نقاد السرد: الراوي غير الظاهر ]الذي يكون[ عبارة عن كاميرا خفية أو عدسة مثبتة في زاوية من زوايا العالم المصور، هذه الكاميرا أو العدسة هي التي تلتقط ما يقع في محيطها وما يمتد إلى مرماها، فيبدو الشيء القريب منها كبيراً والبعيد عنها صغيراً، والذي يقع في مجالها معلوماً والذي لا يقع في مجالها مجهولاً، كما أن لون العدسة وشكلها يعكسان لون العالم المصور وهيأته، فيتلون هذا العالم بلونها وينكسر بانكسارها و يلتوي وينكمش بتقعرها وتستطيل بتحدبـها ويستوي باستوائها، ومن ثم فإن طريقة بناء هذا العالم المصور كله بكل جزيئاته وهيئاته وألوانه تتشكل تبعاً لشكل هذه العدسة الراصدة ولونها وزاويتـها وموقعها·(9)
بل قل: إن عيني هذا الراوي غير الظاهر قد تصبحان كاميرا متحركة لا مثبتة وحسب، على غرار الكاميرا السينمائية المتحركة التي تلاحق كل مـا يبدو أمام عدستها من مشاهد وأحداث وعلاقات·
ولذلك تسمي الدكتورة يمنى العيد هذا الراوي: الراوي الشاهد وتشبه دوره تارةً بدور الكاميرا وتعتبره تقنية آلية وتارةً أخرى·· بدور المخرج السينمائي الخارجي المحايد الذي تتحدد وظيفتـه البنيوية في مجرد الشهـادة على العصر:شهادة الكتابة على زمنها· علـى واقعها الثقافي، حيث، في هذا الزمن الذي تغيرت هويته التاريخية، واختلف واقعه الثقافي تراجع أثر الكاتب وضمرت فاعلية الكتابة· والتراجع ليس تلقائياً، بل هو قائم في إطار الشعور بهيمنة السلطة السياسية وقـوة حضورها في الثقافي، أو قدرتها على الإمساك بالثقافي·(10)
تلكم هي الرؤى السردية الرئيسة التي يتحدد مفهوم كلَّ منها، بحسب الاتجاه الأدبي المهيمن على كامل بنية النص السردي الواحد وعلى شتى التقنيات السردية الأخرى ذات الصلة البنيوية بمفهوم هذه الرؤية، أو تلك في مرحلة: ما قبل تهجين الاتجاه الأدبي التي نفترض أنها تسبق مرحلة ما بعد التهجين، حتى مع ظهور الرؤيتين المتفرعتين عن الرؤى السردية الرئيسة واللتين نعرض لمفهومها بإيجاز على النحو الآتي:
صفحة 6
ب- الرؤى السردية الفرعية:
1- الرؤية الثنائية··
وهي الرؤية التي يرى النقاد أنها ناتجةٌ، غالباً، عن امتزاج رؤيتين، هما: الرؤية الخارجية (التقليدية) والرؤية الداخلية (الحديثة)·(11)
وهما الرؤيتان اللتان عرضنا لمفهوم كلِّ واحدةٍ منهما في الصفحات الـسابقة، واللتان حين تكوِّنان هنا، ما يسمَّى بالرؤية الثنائية في بنيـة النص الروائي الواحد، فإنهما تظلان (برأينا) تحتفظان بالمفهوم الفنـي نفسه لكل رؤية منتمية لهذا الاتجاه التقليدي، أو ذاك الاتجاه الحديث، وما يمكن أن يلحق بهما من تقنيات كلِّ اتجاه على حدا···
ولذلك نرى أن هذه الرؤية الثنائية ناتجة عن رؤيتين متجاورتين وغير ممتزجتين، أو متزاوجتين·· ولذلك فإنها تنتميان إلى مرحلة: ما قبل تهجين الاتجاه الأدبي، بسبب أن هذا التجاور الذي يتـم بيـن الرؤيتين: (الخارجية التقليدية والداخلية الحديثة) في بنية النص الروائي الـواحد، لا ينتج عنه شكل روائي: (مهجَّن)(12)، جديد، ذو صفات أكثر جودة وأصالة وتطوراً ممَّا سبقه من الأشكال الروائية (والسردية عموماً) الـتي ظلت محتفظة بتقنيات كل اتجاه أدبي على حدا، وأبرزها تقنية الرؤية السردية التي تنطلق من خلال اتجاهها الأدبي بقية التقنيات السردية الأخرى وتتحدد مفاهيمها في بنية النص الروائي الواحد.
2- الرؤية المتعددة:
وهي الرؤية التي يظهر من خلالها أكثر من راوي يعبر عن وجهة نظره في علاقته بعالم الرواية· وذلك عندما يتناوب الأبطال أنفسهم [ مثلاً ] على رواية الوقائع واحداً بعد الآخر· ومن الطبيعي أن يختص كل واحدٍ منهم بسرد قصَّته، أو على الأقل بسرد قصة مخالفة من حيث زاوية النظر لما يرويه الرواة الآخرون· وهذا ما يسمَّى - عادةً- بالحكي داخل الحكي، وعلى مستوى الفن الروائي يؤدي هذا إلى خلق شكل متميز يسمَّى الرواية داخل الرواية (··) وليس من الضروري أن تكون الرواية داخل الرواية مشروطة بتعدد الرواة، فبإمكان راوٍ واحد أن يعقد علاقات بين مـقاطع حكائية مختلفة من حيث زاوية الرؤية، وهكذا يولد الراوي الواحد زوايا متعددة للرؤية·(13)
وحين تتعدد الرؤى من خلال وجهات النظر بين الشخصيات الروائيـة في المقطع الحكائي الواحد حول موضوع واحد بحسب ثقافتهم المتباينة، مثلاً، فإن ذلك يدل على تجاور هذه الرؤى السردية لا تـزاوجها في الروايات المنتمية برأينا إلى مرحلة ما قبل تهجين الاتجاه، هذه التي تنطلق الرؤى السردية فيها من مستوى السرد الموضوعي والراوي كلي العلم ومن مستوى السرد الذاتي والراوي محدود العلم، غالباً·
ولذلك يمكن اعتبار الرؤيتين: الثنائية والمتعددة (برأينا) من قبيل التمهيد الفني للشكل الروائي المنتمي إلى مرحلة ما بعد تهجين الاتجـاه، التـي تحققت لاحقاً في سرد ما بعد الحداثة، والتي نفترض أن روايـة أمريكا نلي - موضوع المقاربة في هذا الكتاب - نموذج ممكن للتعبير عنها··
صفحة 7
ثانياً: الصورة (أو الوصف)
وهي ثاني تقنية سردية نعرَّف بها في فرضيتنا النقدية، هذه·· من خلال اتجاهاتها الأدبية التي جعلت مفاهيمها بل أقسامها الثلاثة الرئيسة تتحدد لدينا بمرحلة ما قبل تهجين الاتجاه، التي كان الاتجاه الواحد فيها يهيمن على بنية النص الروائي الواحد، أو على نتاج الروائي الواحد، سواء أكان هذا الاتجاه الأدبي تقليدياً أم حديثا أم جديداً··
وقبل أن نوجز مفاهيم الصورة الرئيسة، بحسب اتجاهاتها الأدبيـة، تجدر الإشارة إلى أن مرحلة ما قبل تهجين الاتجاه قد تنطبق على فن الشعر، أيضاً، حين كنا نقول - مثلاً -: هذه مدرسة القصيدة الكلاسيكيـة الجديدة، التي تعبر عنها قصيدة إحياء التراث العربي منذ أوائل عصر النهضة العربية (في القرن العشرين من الألفية السابقة) وهي القصيدة المحاكية فنياً شكل القصيدة العمودية وبقية شروطها الفنية· وحين تلتـها مدرسة الشعر الرومانسي (الثورية) وبرزت قصيدة التفعيلة في الشعر العربي الحديث· وهي القصيدة القائمة على التنويع في الاختيار الفنـي للتفعيلة وعلى السطر الشعري بدلاً من البيت الشعـري (الـوزن والقافية) الكلاسيكي، سابقاً·
وثالثاً، حين برز ما يسمَّى بالشعر الحر الذي تحرر تماماً من إيقاع الوزن والقافية ومن إيقاع التفعيلة أيضاً، فيما يسمَّى لدى النقاد:قصيدة النثر التي هي شكل شعري أكثر حداثةً على مستوى الفن والإبداع واللغة والفلسفة وحتى الإيقاع الذي لم يعد خارجياً بل داخلياً، ناتجاً مثلاً عـن التوظيف الفني لتقنية الإصاتة أو المحارفة التي تتكرر من خلالها الأحرف داخل السطر، أو المقطع الشعري، إلى جانب الإيقاع الفني الناتج مثلاً عن التوظيف الفني للرمز الاستعاري المبتكر إلى جانب بقية الرموز: التاريخية والأسطورية والشعبية·· إلخ· وفي مرحلة لاحقة تلت المدارس (المذاهب) الشعرية السابقة، يمكننا القول: إن شكل القصيدة ينتمي إلى ما أسمينـاه: مرحلة ما بعد تهجين الاتجاه التي أصبح الشاعر المعاصر الواحد فيها حراً في كتابة الشكل الشعري الكلاسيكي وقصيدة التفعيلة وقصيدة النثر، بل أصبح يزاوج بين الأشكـال الثلاثة أو شكلين منها في نص شعري واحد، قد ينفتح أحياناً على تقنيات الأجناس الأدبية الأخرى وعلى شتى الفنون الإبداعية المختلفة:(الموسيقى، السينما، النحت···)
- هــذه فرضية ممكنة برأينا حتى عند التعامل مع القصيدة، لعلنا نتناولها بالتنظير وبالتطبيق في بحث آخر، مستقبلاً··
صفحة 8
أقسام الصورة:
1- الصورة الوصفية
نستعير هذا المصطلح من الناقدة سيزا قاسم وهي تعرف هذه التقنية بأنها الصورة التي تعرض الأشياء في سكونها·(14) ولذلك تسمَّى بالوقفة الوصفية (غالباً) ذلك أنها حين ترد في بنية النص الروائي المنتمي إلى الاتـجاه التقليدي، توقف الزمان السردي عن سيرورته ومضيه، حتى إننا - يـرى النقاد - يمكن أن نحذفها أو نقفز على أسطر هذه الوقفة بل القطعة الوصفية، دون أن يؤثر ذلك على متابعتنا (مثلاً) للحدث الروائي ودون أن يؤدي ذلك إلى خللٍ فني في التنامي الفني لإيقاع السرد، والسبب - يرى النقاد - يرجع إلى عدم التواشج البنيوي بين الأوصاف الخالصة وبين إيقاع الأفعال السردية، إلى الحد الذي - أشرنا - يمكن معه حذف هذه اللوحة الـوصفية (الصورة الوصفية) المنفصلة - إذن - عن دينامية الحدث الروائي وتناميه· ذلك كان رأي غالبية نقاد السرد، عدا جيرار جينيت الذي يعتبر الوصف ]الخالص[ لا يحتم أبداً وقفةً للحكاية أو تعليقاً للقصة أو للعمل ]الروائي[ دون أن يوافق ذلك التوقف توقفاً تأملياً للبطل نفسه (··) وبالتالي لا تفلت القطعة الوصفية أبداً من زمنية القصة·(15) فجيرار جينيت يرى أن هـذه الوقفة، أو الصورة الوصفية بسبب ما تؤدي إليه من بعْد تأملي·· غير منفصلةٍ عن سيرورة الزمان السردي، أي أنه لا يمكن فصل هذه الصورة الوصفية عن بنية السرد· ذلك أن هذه الاستراحة التأملية تقع على مستوى الزمان السردي وذات وظيفة بنيوية، يؤديها التأمل في علاقته ببقيـة العناصر الفنية المكونة لبنية النص السردي ومن بينها الحدث الروائي، مثلاً، ديناميته، تناميه، مضيه قدماً حتى الانتهاء من قراءة الـرواية·
ومع أننا نؤيد رأي جيرار جينيت الذي يضفي بعداً تأملياً، على الصورة الوصفية غير المنفصلة - إذن - عن سيرورة الزمان السردي··· فإن هذه التقنية السردية ظلت ظاهرةً فنية في بنية الرواية ذات الاتجاه الـتقليدي خاصة، حين كانت تستغرق الصفحة والأكثر من الصفحة وهي تنطلق من عيني الراوي (كلي العلم) وهو يصف متأملاً الـشخصيات الـروائية والأمكنة والأشياء وتفاصيل الأشياء···
وتجدر الإشارة إلى أن السبب الرئيس الذي جعل معظم نقاد الـسرد يعدون الصورة الوصفية وقفة منفصلةً عن سيرورة الزمان السردي، هو (برأينا) كونها منطلقة من عيني هذا الراوي (كلي العلم) التقليدي، ومن رؤيته الخارجية التي يبدو بسببها راوياً غير مشارك في صنع الـحدث الروائي وكذلك يبدو تصويره الوصفي خارجياً متواشجاً بنيوياً مع رؤيته السردية·
صفحة 9
2- الصورة السردية··
بحسب سيزا قاسم: هي الصورة التي تعرض الأشياء متحركةً··(16) ويتحقق ذلك حين تكون العلاقة بين الوصف وإيقاع السرد (أفعاله) متواشجةً بنيوياً، بحيث لا يمكن مثلاً، القفز على أية مقاطع وصفية ترد ملتحمةً بنسيج السرد· ولذلك تسمَّى: الصورة، مضافاً إلـيها كلمـة (السردية)··
وحين يصبح من المستحيل العثور على قطعة وصفيةٍ خالية من أفعال السرد المنوط بها تنامي الأحداث وتطورها ومضيها قدماً حتى الانتهاء من قراءة الرواية تعد الصورة السردية عندئذٍ حديثة الاتجاه· ذلك أنها انطلقت من عيني الراوي المصاحب، أو المشارك في صنـع الحدث وهو يصف من خلال تجربته الشخصية كل من يمر بهم وما يمر به في سياق ما يوهمنا فنياً بأنه سيرة ذاتية ومذكرات اعترافية، مستعيناً، غالباً بضمير الأنا الرئيس في بنية الرواية ذات الاتجاه الحديث···
3- الصورة السينمائية
وهي التقنية التي تطلقها عينا الراوي (غير الظاهر)، أو الـراوي الشاهد، في الرؤية السردية ذات الاتجاه الجديد، التي تنطلق من أسـلوب السرد الموضوعي - غاية الموضوعية - الذي كنا قد تحدَّثنا عن مفهومه، حين تتحول عينا هذا الراوي الخارجي إلى مجرد كاميرا، تلتقط بالصورة وبالصوت وبشكل محايد للغاية·· كل ما يبدو أمام عدستها الـسينمائية·· ويصبح النص الروائي بأكمله عبارة عن فيلم سينمائي، بل صورة سينمائية منطلقة من هذه الرؤية السردية الخارجية المحايدة ذات الاتجاه الأدبي الجديد، في تقسيمنا للاتجاهات الأدبية، المشار إليها سلفاً··
وقبل أن نختتم أقسام الصورة بالحديث عن آخر أقسامها ونقصد: الصورة المجازية نستنتج من خلال العرض الموجز لأقسام الـصورة الرئيسة·· أن كـل صورة منها - إذن - بحسب ما أشرنا إلى ذلك·· ذات صلة بنيوية وشيجة بأهم تقنيات السرد الرئيسة، وهي الرؤية السردية، فانطلاقاً من الاتجاه الأدبي لكل رؤية من الرؤى الرئيسة (الثلاث) تتحدد (الصورة) ومفهومها الفني· الأمر الذي يمكن تلخيصه في الرسم البياني الآتي:
صفحة 10
4- الصورة المجازية
وهي الصورة التي يتفاوت ظهورها النسبي في الكتابات السردية، بحسب الاتجاه الأدبي المهيمن (برأينا) على هذا النص أو ذاك·· فحين يهيمن الاتجاه التقليدي على بنية النص الروائي مثلاً، يـقل ظهور هذه الصورة المجازية الناتجة عن التوظيف الفني للـتشبيه والاستعارة، غالباً، ذلك أن الراوي في الاتجاه التقليدي تقنيـة حريصة على إثبات مدى واقعية النص الروائي بكل عناصره الفنية المكونة له كالزمان والمكان والأحداث والشخصيات ومنها الراوي الذي يكشف غالباً في مثل هذا الاتجاه التقليدي عن شخص الـروائي (المؤلف)، خالق هذا النص الروائي وصانع عالمه الحكائي، بعكس الراوي الذي هو تقنية سردية وقنـاع فني يتستر خلفه الروائي الـذي ينبغي أن لا يظهر على مستوى النص السردي· ولذلك فرَّق النـقاد بين مصطلحي الشخص، الذي هو الروائي، المؤلف، المخلوق من لحمٍ ودم· وبيـن الشخصية التي هي باتفاق النقاد: كائنٌ مصنوع من ورق··
وحين يحرص الراوي ومن خلفه الروائي على إثبات واقعية النص الروائي إلى حدِّ المطابقة بين ما يجري على مستوى هذا النص الذي ينبغي أن يظل عبارة عن (متخيَّل سردي) وبين الأصل، أي الواقع الفعلي، لا الواقع الفني·· فإن ذلك يؤثر على لغة النص الروائي، التي تبدو، غالباً، تقريرية ومباشرة، باحثة عن تطبيق عـنصر الصدق الفعلي، لا الصدق الفني الذي ينشد تحقيقه عادةً الروائي الذي تجاوز في مرحلة لاحقة فلسفة الاتجاه التقليدي في الأدب والـفن عموماً··
ولذلك قلنا: إن الصورة المجازية تقل في لغة النصوص الروائية (التقليدية)، أي أنها إذا وردت فبشكلٍ إلماحي، متناثر وعفوي إلى حدِّ كبير، على العكس من النصوص الروائية ذات الاتجاه الحديث، المنفتحة على لغة القصيدة المجازية، فيما أطلق عليه مثلاً بمصطلح: الرواية الشعرية: أي الرواية التي يمتاز خطابـها بخصوصيته الأسلوبية وباستثماراته البلاغية وبنزعته نحو التكثيـف والاقتصاد اللغوي، حيث يصبح للكلمة في هذا النوع من الكتابة قانونها الخاص وإيقاعها المتميز، فتهيمن بذلك الوظيفة الشعرية في هذا الخطاب على الوظيفة النثرية ونجد أنفسنا تلقائياً نتحدث عـن الشعر، لا عن النثر أو الرواية·(17)
وتجدر الإشارة إلى أن الحضور النسبي للصورة المجازية بـحسب هيمنة الاتجاه الأدبي (التقليدي فالحديث) على بنية الرواية لا يـختلف كثيراً (برأينا) بالقياس إلى القصة القصيرة التي يعتبرها النقاد أقـرب الأجناس الأدبية إلى الشعر والتي ينبغي أن تكون لغتها مكثفة، موجزة، مركزة، موحية، إلماحية·· إلخ· ذلك أن الاتجاه الأدبـي الذي تنتمي إليه هذه القصة أو تـلك ظـل المهيمن على مدى الحضور الفني للصورة المجازية الـتي بدأت محدودةً في بنية القصة التقليدية ثم تطورت في مرحلة لاحـقة، مرتبطة بالاتجاه الأدبي الحديث الذي انفتحت فيه الأجناس الأدبية على بعضها تماماً حتى برزت ظاهرة القصة - القصيدة من النص المفتوح، أو ما يسمَّى عند إدوارد الخراط: الكتابة عبر النوعية التي تشترط لإنجازها عدداً من الشروط الفنية:
أولاها: الوجازة· إذْ إن شق القصيدة في القصة - القصيدة يتطلب قدراً من الإيجاز أو ضيق المساحـة الزمنية (··) وثانيها: الكثافة والتركيز وهي قرين الوجازة والزهد في الحشو والإسهاب· وثالثها: إيقاعية التشكيل وموسيقية الجملة والتركيب على السواء، أما أهمها وأفعلها ولعلها المعيار، فهي، في النهاية، سيادة السردية··(18)
وتبقى أخيراً الصورة المجازية ذات الاتجاه الجديد، التي تنطلق (برأينا) ملتحمةً بالصورة السينمائية في كامل بنية النـص السردي التي تهيمن عليها تقنية الراوي (غير الظاهر) حين تصبح عينا هذا الراوي الجديد مجرد كاميرا تلتقط بالصورة وبالصوت كل مـا يبدو أمامها من مشاهد وأحداث وشخصيات·· بشكل محايد تماماً، يجعل من وظيفة هذه التقنية الآلية، مجرد التسجيل والشهادة على العصر··
ولقد جرَّبنا مقاربة هذا الالتحام البنيوي التام بين الـصورتين المجازية والسينمائية على نص قصصي قصير(19) وتـوصلنا إلى نتيجة مفادها: إمكانية النجاح في ذلك واعتبار هذا النوع من الكتابة السردية نصاً مفتوحاً على الشعر حتى مع سيادة السردية وحـتى مع هـيمنة الرؤية السردية (الجديدة) الملتحمة بنيوياً بالصورتين: السينمائيـة الرئيسة والمجازية، التي نفترض أنها نموذجٌ من نماذج الانتـقال من مرحلة ما قبل تهجين الاتجاه إلى مرحلة ما بعد تهجين الاتجاه··
ولنا في الرواية - موضوع المقاربة البنيوية - تجريب نقدي، نفترض من خلاله انتماء الرواية إلى مرحلة ما بـعد تهجين الاتـجاه، كما سيتضح ذلك في سياق الصفحات القادمة··