صفحة 1
ذكرياتي في القرية
نبذة تاريخية عن العائلة :ينتسب بنو جرّار إلى قبيلة الشقران .. والشقران بطن من الصُّبَّر من غسّان من القحطانية ، وهم بنو شقران بن عمرو بن صريم بن حارثة بن عديّ بن عمر بن مازن بن الأزد(1) .. قال القلقشندي(2) : وسُمّوا "الصُّبَّر" لصبرهم في الحرب . وقال السّويدي: "وذكر الحمدانيأنبالبلقاء طائفة منهم ، وباليرموك منهم الجمّ الغفير ، وبحمص منهم جماعة"(3) .. "وحمولة الشقران وآل جرّار في بلاد جنين ونابلس من أعقاب هذا البطن الأزدي(4) .
خرج ابن جرّار من اليمن مع جماعة من قبيلته الشقران في نهاية القرن الثاني عشر الميلادي ، ونزلوا مكة المكرمة ، ثم اتجهوا إلى حايل ، واستمروا إلى مدينة حلب ، ومنها انتقلوا إلى الشام ، واستقرّوا في قصبة حوران "بصرى الشام" ومنطقة اليرموك ..
وكان ابن جرار شيخاً للشقران في بصرى الشام ، وكان الشقران فيها قبيلة كبيرة .. أما سبب هذه التسمية لابن جرار ، فقد قيل إنها قديمة عُرف بها منذ أن خرج من اليمن . ويرجّح المؤرخ الدبّاغ أن بني جرار دُعوا بذلك لكثرتهم ولجرأتهم وإقدامهم في الحرب ، كما يتضح من تاريخهم ، فيقال جيش جرّار بمعنى كثير ، والجرار أيضاً من يرأس ألفاً(5) . وقيل إن تسمية ابن جرار بدأت في بصرى الشام ، فكان شيخهم إذا تقلّد سيف الإمارة ، كان السيف يجرُّ على الأرض(6) .
ثم انتقل أحد أبنائه مع قسم من قبيلته إلى البلقاء ، واستقر بالقرب من القسطل . وفي أواخر القرن الثالث عشر الميلادي ، منح الظاهر بيبرس "قلعة القسطل" لشيخ الشقران ، وكانت بقايا قلعة قديمة ، فحصّنها واتخذها قاعدة له ، وعرفت فيما بعد بـ"قلعة ابن جرار"(7) .
وكانت قبيلة الشقران تتنقّل بين البلقاء في الأردن ، والرطبة في العراق ، وبصرى في بلاد الشام .. وتنقّل قسم من أبنائها بين الكرك والطفيلة وجنين وغزة والخليل وغيرها من البلدان .
وفي أوائل القرن الثاني عشر الهجري ، الموافق لأوائل الثامن عشر الميلادي ، انتقل الشيخ محمد الزّبن (ابن جرار) من القسطل في أرض البلقاء إلى منطقة جنين ، ونزل في سهل عرابة ، وعيّنه السلطان العثماني أميراً على اللجون في مرج ابن عامر.. وفي تلك الفترة بدأ ببناء قلعة صانور ، وجعلها قاعدة له . وبعد وفاة الشيخ محمد الزبن عام 1772م ، تولى الإمارة ابنه الشيخ يوسف ، فأتم بناء القلعة وحصّنها لتكون قلعة لجبل نابلس ، يمتنع بها أبناء الجبل في الأزمات .. وقد استعان الشيخ يوسف في بنائها بأصدقائه وأنصاره من شيوخ جبل نابلس ،وجبل القدس وغيرهم ، فأمدّوه بالمال والعتاد ، ومهرة العمال ، فبنوها من الحجارة الصلبة والشيد (الكلس) وزيت الزيتون .. وبنى فيها قصراً كتب على بابه(8) :
كن رزيناً إذا أتتك الرزايا
فالليالي من الزمان حبالى
. وصبوراً إذا أتتك مصيبهْ
مُثقلاتٍ يلِدْنَ كلّ عجيبهْ.
وكان الشيخ يوسف قد عُيّن في أواخر عهد والده متسلّماً لجنين عام 1770م ، وبقي متسلّماً لها قرابة أربعين سنة . وفي عام 1774 عهد إليه السلطان العثماني بمتسلمية نابلس ، فجمع بينها وبين متسلمة جنين ثمانية عشر عاماً .. وقد اتصف الشيخ يوسف بصفات طيبة كثيرة ،منها التقوى والاستقامة ، والكرم والشجاعة ، والعدل والحكمة ، والإرادة القوية ، مما جعل جبل نابلس بأكمله يلتف حوله ، ويرى فيه أنموذجاً للحاكم الصالح الذي يحمي شعبه من الظلم ، ويسهر على راحته.. وأطلقوا عليه اسم "سلطان البر"(9) . وفي عام 1808م انتقل إلى رحمة الله تعالى .
وعاش آل جرار في مدينة جنين ، وانتشروا في عدد من قراها ، منها صانور ، وجبع ، وعرابة ، وميثلون ، والجديدة ، وسيريس ، والفندقومية ، والزاوية ، وبرقين ، والهاشمية ، وكفر قود ، وواد برقين . وسكنت بعض أسرهم في عكا وحيفا ونابلس وطولكرم والخليل واللد وغيرها من البلدان .. وغدت هذه العائلة من العائلات الكبيرة في فلسطين .
صفحة 2
نبذة عن الأسرة التي نشأت فيها :
• من أخبار جدّي وجدّتي :
جدّي هو الحاج محمود بن قاسم بن محمد الداود بن الشيخ يوسف الجرار .. ولد الحاج محمود عام 1862 من أبوين عثمانيين ، وهما : قاسم محمد الداود ، وحلوة النصّار من الزكارنة / قباطية . ودخل محمود كُتّاب القرية في صانور ، ودرس عند الخوجة (الشيخ) ، وفي عام 1880 تشاجر مع قريب له أمام الخوجة ، فضربه الخوجة ، فترك التعليم ، واتجه إلى الفروسية وطراد الخيل .. ونشأ شاباً قوياً ، شجاعاً ، كريماً ، يتصف بصفات الرجولة في نجدة الضعيف ، ونصرة المظلوم ، وإغاثة الملهوف ..
وكان والده قاسم الداود شيخاً لآل جرار بعد وفاة عمه الشيخ عبد الله الجرار .. وفي عهده قامت الدولة العثمانية بتكريم مشايخ آل جرار ومشايخ جبل نابلس عامة، فقد قدّرت لهم موقفهم إلى جانب الخلافة في وجه الحملة المصرية التي قادها إبراهيم باشا – بن محمد علي – لاحتلال بلاد الشام . وقام السلطان عبد الحميد الأول برفع الأموال المطلوبة من مشايخ آل جرار لمدة خمس سنوات مساعدة من الدولة لترميم قلعة صانور ، التي هدمها إبراهيم باشا ..
وفي عهد السلطان عبد العزيز الأول [1853-1875] قامت الدولة العثمانية بإصلاح شؤون البلاد إدارياً وقضائياً ، فوضعت مجلة الأحكام الشرعية ، وقوانين التجارة والمرافعات ، وأنشأت المجالس البلدية .. أما جهاز الإدارة فقد أدخلت عليه بعض التعديلات ، وحولت جنين إلى مركز قائمقامية ، وعيّنت الشيخ قاسم آغا الداود مديراً لقائمقامية جنين وبيسان ، واستمر فيها إلى أن توفاه الله عام 1878 . وقد ورد ذكر الشيخ قاسم في كتاب إحسان النمر "تاريخ جبل نابلس والبلقاء" في مجالات كثيرة .
وقد اشتهر في زمن قاسم الداود ابنه "نمر" الذي اتصف بصفات نادرة من الكرم والشجاعة حتى لُقّب بـ"نمر المشاريق" ، وعُيّن عضواً بمجلس الإدارة في نابلس"(10).
وبعد وفاة قاسم الداود بسنوات ، تسلّم حافظ باشا الإدارة في جنين ، وكان ظالماً، ولا يستطيع أحد أن يعترض على أعماله .. ولما وقف في وجهه محمود القاسم وأخوه عبد المجيد ، والشيخ فرحان السعدي وتابعه سرور .. أخذ حافظ باشا يضيّق عليهم الخناق ، ثم أصدر أمراً بنفيهم من جنين .. ففرّوا إلى الجبال ، وبدأوا يهاجمون مقرّه في الليل ؛ فينهبون خيوله ، وما تصل إليه أيديهم من أمتعته ، ويبيعونها في بلاد حوران ..
واستقر بهم المقام في بلدة "المغار" قرب صفد ، وذاع صيتهم في شمال فلسطين ، وأصبحوا من وجهاء تلك المنطقة . ولكن هذا الوضع الاجتماعي الذي وصلوا إليه أثار حفيظة بعض أبناء البلدة ، فحاولوا الإيقاع بهم ، فلم يتمكّنوا ..
بعد ذلك ذهب عبد المجيد إلى الحارّة قرية من قرى حوران ، وقُتل بطريقة مجهولة ، ولما لم يحضر بعد أيام ذهب محمود القاسم ليبحث عنه في القرية ، وعرف بطريق الصدفة أنه قُتل ، ولما تأكد من مقتله أخذ يطلق النار في حارات القرية، فأحضروا له الفرسان ، وألقوا القبض عليه ، وذهبوا به إلى عكا حيث سُجن في القلعة ، وفي أحد الأيام طلب من ابن أخته الذي كان من حراس القلعة، واسمه محمد ذيب جرار ، أن يأتيه بحبل ، ففعل ، وربط الحبل في شباك القلعة - وكان من الليف الخشن – وبدأ ينزل إلى خارج السجن ، ولكن الحبل أثر في يديه وسال الدم منهما ، فأفلت الحبل وخرّ ساقطاً إلى الأرض مغشياً عليه ، فانكسرت يده، وبعد أن أفاق لاذ بالفرار ، وفي الطريق وجد رجلاً يركب دابة ، فنهر عليه ، فخاف الرجل وتخلى له عن الدابة ، فركبها وسار إلى بلده صانور ، وهناك استقبله الأهل ، وصادف يومها عرس أديب بن محمد يوسف الجرار ، فاشترك في طراد الخيل رغم كسر يده ، ومكث أياماً حتى جبرت يده ، فقام المرحوم محمد اليوسف بالإصلاح بينه وبين حافظ باشا . ثم دخل في سلك الجندرمة ، وكان من حماة المحمل النبوي الذي كان يخرج من دمشق إلى المدينة المنورة ، ثم إلى مكة المكرمة لكسوة الكعبة المشرفة ..
كان يركب حصاناً اسمه كحيلان ، وكان يعلمه فنون حرب العصابات .. وحدث مرة أن أحد الفرسان – وكان يدعى طلال – طلب منه مطاردته ، فتتبّعه وخطفه عن ظهر فرسه ، ووضعه أمامه شوطاً من الطراد ، ثم عاد به وألقاه على ظهر فرسه .
وفي عام 1905 تقريباً ذهب مع المحمل .. وفي أثناء دخولهم لأرض الحجاز ، تعرض لهم قطّاع الطرق ، فطلب من قافلة المحمل أن تستمر في سيرها ، وضرب الحصان على ركبته ، فنام الحصان وتترس به ، وبدأ يشاغل قطّاع الطرق بإطلاق النار عليهم حتى مرّت القافلة بسلام ، ثم تحرّك بحصانه السريع لاحقاً بهم ، وقد ظنوا أنه قُتل لتأخره عنهم ، ولكن الله سلّم . وذهب مع المحمل إلى المدينة المنورة ومكة المكرمة وأدّى فريضة الحج ..
وفي فترة غيابه في الحج ، والتي بلغت ثلاثة أشهر ، حدث موقف تجلّى فيه طاعة الزوجة لزوجها .. فكان قبل سفره قد أمر زوجته بأن لا تسمح لأحد بدخول البيت في أثناء غيابه ، وكانت عندها خادمة تحضر لها ما تشاء . وقد حضر والدها محمد داود الجرار من قرية جبع ليزورها في العيد – وهو ابن عم زوجها – فكلمته من وراء البوابة ، وأخبرته أن زوجها أمرها بأن لا تفتح الباب لأحد في أثناء غيابه، فغضب ورجع إلى بلده متأثراً ، وبعد حضور الحاج محمود من الحج لم يحضر للسلام عليه ، فأخبرته زوجته الحاجة بهية عن السبب ، فذهب إليه وطيّب خاطره ، وحضرا سوياً إلى صانور . وقال لابنته : السلام عليك يا حاجة والحمد لله على السلامة ، واعتبرها مسافرة مع زوجها لأنه لم يرها منذ سفر زوجها .
• من أخبار جدّي وجدّتي :
جدّي هو الحاج محمود بن قاسم بن محمد الداود بن الشيخ يوسف الجرار .. ولد الحاج محمود عام 1862 من أبوين عثمانيين ، وهما : قاسم محمد الداود ، وحلوة النصّار من الزكارنة / قباطية . ودخل محمود كُتّاب القرية في صانور ، ودرس عند الخوجة (الشيخ) ، وفي عام 1880 تشاجر مع قريب له أمام الخوجة ، فضربه الخوجة ، فترك التعليم ، واتجه إلى الفروسية وطراد الخيل .. ونشأ شاباً قوياً ، شجاعاً ، كريماً ، يتصف بصفات الرجولة في نجدة الضعيف ، ونصرة المظلوم ، وإغاثة الملهوف ..
وكان والده قاسم الداود شيخاً لآل جرار بعد وفاة عمه الشيخ عبد الله الجرار .. وفي عهده قامت الدولة العثمانية بتكريم مشايخ آل جرار ومشايخ جبل نابلس عامة، فقد قدّرت لهم موقفهم إلى جانب الخلافة في وجه الحملة المصرية التي قادها إبراهيم باشا – بن محمد علي – لاحتلال بلاد الشام . وقام السلطان عبد الحميد الأول برفع الأموال المطلوبة من مشايخ آل جرار لمدة خمس سنوات مساعدة من الدولة لترميم قلعة صانور ، التي هدمها إبراهيم باشا ..
وفي عهد السلطان عبد العزيز الأول [1853-1875] قامت الدولة العثمانية بإصلاح شؤون البلاد إدارياً وقضائياً ، فوضعت مجلة الأحكام الشرعية ، وقوانين التجارة والمرافعات ، وأنشأت المجالس البلدية .. أما جهاز الإدارة فقد أدخلت عليه بعض التعديلات ، وحولت جنين إلى مركز قائمقامية ، وعيّنت الشيخ قاسم آغا الداود مديراً لقائمقامية جنين وبيسان ، واستمر فيها إلى أن توفاه الله عام 1878 . وقد ورد ذكر الشيخ قاسم في كتاب إحسان النمر "تاريخ جبل نابلس والبلقاء" في مجالات كثيرة .
وقد اشتهر في زمن قاسم الداود ابنه "نمر" الذي اتصف بصفات نادرة من الكرم والشجاعة حتى لُقّب بـ"نمر المشاريق" ، وعُيّن عضواً بمجلس الإدارة في نابلس"(10).
وبعد وفاة قاسم الداود بسنوات ، تسلّم حافظ باشا الإدارة في جنين ، وكان ظالماً، ولا يستطيع أحد أن يعترض على أعماله .. ولما وقف في وجهه محمود القاسم وأخوه عبد المجيد ، والشيخ فرحان السعدي وتابعه سرور .. أخذ حافظ باشا يضيّق عليهم الخناق ، ثم أصدر أمراً بنفيهم من جنين .. ففرّوا إلى الجبال ، وبدأوا يهاجمون مقرّه في الليل ؛ فينهبون خيوله ، وما تصل إليه أيديهم من أمتعته ، ويبيعونها في بلاد حوران ..
واستقر بهم المقام في بلدة "المغار" قرب صفد ، وذاع صيتهم في شمال فلسطين ، وأصبحوا من وجهاء تلك المنطقة . ولكن هذا الوضع الاجتماعي الذي وصلوا إليه أثار حفيظة بعض أبناء البلدة ، فحاولوا الإيقاع بهم ، فلم يتمكّنوا ..
بعد ذلك ذهب عبد المجيد إلى الحارّة قرية من قرى حوران ، وقُتل بطريقة مجهولة ، ولما لم يحضر بعد أيام ذهب محمود القاسم ليبحث عنه في القرية ، وعرف بطريق الصدفة أنه قُتل ، ولما تأكد من مقتله أخذ يطلق النار في حارات القرية، فأحضروا له الفرسان ، وألقوا القبض عليه ، وذهبوا به إلى عكا حيث سُجن في القلعة ، وفي أحد الأيام طلب من ابن أخته الذي كان من حراس القلعة، واسمه محمد ذيب جرار ، أن يأتيه بحبل ، ففعل ، وربط الحبل في شباك القلعة - وكان من الليف الخشن – وبدأ ينزل إلى خارج السجن ، ولكن الحبل أثر في يديه وسال الدم منهما ، فأفلت الحبل وخرّ ساقطاً إلى الأرض مغشياً عليه ، فانكسرت يده، وبعد أن أفاق لاذ بالفرار ، وفي الطريق وجد رجلاً يركب دابة ، فنهر عليه ، فخاف الرجل وتخلى له عن الدابة ، فركبها وسار إلى بلده صانور ، وهناك استقبله الأهل ، وصادف يومها عرس أديب بن محمد يوسف الجرار ، فاشترك في طراد الخيل رغم كسر يده ، ومكث أياماً حتى جبرت يده ، فقام المرحوم محمد اليوسف بالإصلاح بينه وبين حافظ باشا . ثم دخل في سلك الجندرمة ، وكان من حماة المحمل النبوي الذي كان يخرج من دمشق إلى المدينة المنورة ، ثم إلى مكة المكرمة لكسوة الكعبة المشرفة ..
كان يركب حصاناً اسمه كحيلان ، وكان يعلمه فنون حرب العصابات .. وحدث مرة أن أحد الفرسان – وكان يدعى طلال – طلب منه مطاردته ، فتتبّعه وخطفه عن ظهر فرسه ، ووضعه أمامه شوطاً من الطراد ، ثم عاد به وألقاه على ظهر فرسه .
وفي عام 1905 تقريباً ذهب مع المحمل .. وفي أثناء دخولهم لأرض الحجاز ، تعرض لهم قطّاع الطرق ، فطلب من قافلة المحمل أن تستمر في سيرها ، وضرب الحصان على ركبته ، فنام الحصان وتترس به ، وبدأ يشاغل قطّاع الطرق بإطلاق النار عليهم حتى مرّت القافلة بسلام ، ثم تحرّك بحصانه السريع لاحقاً بهم ، وقد ظنوا أنه قُتل لتأخره عنهم ، ولكن الله سلّم . وذهب مع المحمل إلى المدينة المنورة ومكة المكرمة وأدّى فريضة الحج ..
وفي فترة غيابه في الحج ، والتي بلغت ثلاثة أشهر ، حدث موقف تجلّى فيه طاعة الزوجة لزوجها .. فكان قبل سفره قد أمر زوجته بأن لا تسمح لأحد بدخول البيت في أثناء غيابه ، وكانت عندها خادمة تحضر لها ما تشاء . وقد حضر والدها محمد داود الجرار من قرية جبع ليزورها في العيد – وهو ابن عم زوجها – فكلمته من وراء البوابة ، وأخبرته أن زوجها أمرها بأن لا تفتح الباب لأحد في أثناء غيابه، فغضب ورجع إلى بلده متأثراً ، وبعد حضور الحاج محمود من الحج لم يحضر للسلام عليه ، فأخبرته زوجته الحاجة بهية عن السبب ، فذهب إليه وطيّب خاطره ، وحضرا سوياً إلى صانور . وقال لابنته : السلام عليك يا حاجة والحمد لله على السلامة ، واعتبرها مسافرة مع زوجها لأنه لم يرها منذ سفر زوجها .
صفحة 3
وفي إحدى الليالي عاد الحاج محمود إلى البيت ، وكان متعباً من السفر ، وقال لزوجته (أم الأدهم) أحضري لي كوباً من الماء ، فذهبت وأحضرته ، ولكنها وجدت زوجها قد نام ، فوقفت عند رأسه حتى الصباح وهي تحمل كوب الماء ، ولما أفاق من نومه قدّمت له كوب الماء .
وكان الحاج محمود قد سكن مدينة جنين في أثناء وظيفته في الجندرمة ، وكان يتنقل بين جنين وصانور ، وقد رزقه الله أربعة أبناء هم : الأدهم وفريد وفريز وتوفيق .
وكان يحب الفروسية وركوب الخيل ، ويحب السفر في الليل وحيداً على جواده ، وكان عندما يمرّ من نقب قباطية الذي يكثر فيه قطاع الطرق ، فإذا أحسّ بوجودهم يصيح فيهم : يا كلاب الزمان ، اظهروا إن كنتم رجالاً ، فما أسرع ما يختفون من ذلك المكان .
وكان في أثناء وظيفته في الجندرمة يتعقّب العصاة وقُطّاع الطرق ، ولا يفلت منه أحد .. وكان من الذين عصوا على الدولة فخري عبد الهادي ، وكان متمرداً ، فراقبه الحاج محمود حتى حصره في داره في قرية عرابة ، فدقّ الباب وقال له : اخرج يا فخري ، وسلّم بارودتك تسلم ، فخرج إليه ، وسلّم نفسه وبندقيته ، فساقه إلى جنين وأودعه السجن ..
وكان حمدان أبو عِلّة من ميثلون يقطع الطرق ويعتدي على الأهالي ، فراقبه حتى حصره في قريته ، وداهمه في دار عجوز في غرب القرية ، وألقى القبض عليه ، وساقه إلى جنين ، وفي الطريق تبعهم من يتشفع له ، فردّه الحاج محمود قائلاً : أنت كنت تتواطأ مع الحرامية على السرقة ونهب الأموال .
وكان رحمه الله يتعقب (الفراريّة) الذين يفرون من الجيش العثماني ، وفي ذات يوم ذهب إلى قرية يعبد يتعقب أحد الفارين ، وكان والد الفار بخيلاً ، فلم يعلّق للحصان (أي لم يقدّم له شعيراً) ، وقلى بيضتين ليقدمهما للحاج محمود .. وعند الغروب جاءت أغنام صاحب البيت لتدخل الدار ، فخرج الحاج محمود بحصانه من البيت ، ورفع اللجام من فمه ، وأمسك الحصان بأول كبش رآه ، ورفعه ثم ألقاه أرضاً ، وسحب الحاج محمود خنجره وذبح الكبش ، ثم ذبح كبشاً آخر بعد أن كتّف صاحب البيت .. فقالت زوجته : الله يجزيك الخير ، إن زوجي لم يطعمنا اللحم منذ مدة طويلة ، فهذا يوم عيد عندنا .. وجاء وجيه يعبد وإخوانه (وهو شيخ آل الطاهر في يعبد ووالد توفيق وفضل الطاهر) ، وأخذوا الحاج محمود إلى بيتهم ، وأكرموه وطيبوا خاطره .
كان الحاج محمود وجيهاً في عشيرته ، شجاعاً ، كريماً ، يحب الكرماء ، ويكره البخلاء .. فكان يردّد دائماً "الكريم حبيب الله ، والبخيل عدو الله ، والكريم لا يُضام أبداً ، والبخيل تأكل ماله العِدا" . وكان يلجأ إليه الضعفاء والفقراء ، ويستنجد به المظلومون ، فيقف معهم وينصفهم من ظالميهم .
وكان في عام 1908 العضو المنتخب لمجلس إدارة القضاء (في جنين) ، فقد ورد في الحولية السنوية لولاية بيروت بأن محمود آغا القاسم كان العضو المنتخب لمجلس إدارة القضاء(11) .. ثم اعتزل الخدمة وفتح ديوانه في صانور ، وكان يكرم الضيوف الذين يعرفهم والذين لا يعرفهم .. ولهذا فقد كان ديوانه مقصداً لكل محتاج أو مظلوم.
ولما جاء الاحتلال البريطاني لفلسطين ، تألم كثيراً لسقوط الدولة العثمانية ، وكان يحذّر من مكر الإنجليز ومؤامراتهم مع اليهود للاستيلاء على البلاد .. وكانت له مواقف وطنية صلبة ضد المؤامرات البريطانية على فلسطين ، منها موقفه مع أبناء عمومته ووجهاء البلاد عندما احتل الإنجليز المنطقة الشمالية من فلسطين عام 1918م، وقاموا بخطة ماكرة حاولوا فيها الاتصال بوجوه العشائر الفلسطينية ، وإغرائهم بمناصب كبيرة لكسب تأييدهم .. فحين قام القائد الإنجليزي لمنطقة جنين بزيارة لوجهاء العشيرة في مركزهم بقرية صانور ، وعرض عليهم أمورا ً كثيرة تحمل الإغراء .. منها تعليم أبنائهم في المدارس على نفقة الدولة ، وإرسالهم إلى بريطانيا لنيل أعلى الشهادات من الجامعات الإنجليزية ، وتسليمهم أعلى المناصب في البلاد مقابل تأييد وجود الإنجليز في فلسطين ، والتعاون معهم .. وطلب منهم التشاور في هذا العرض ، وضرب لهم موعداً يحضر فيه لتلقي الجواب .. فما كان من الحاج محمود وأبناء عمومته من وجهاء العشيرة إلا أنهم اعتبروا أي تعاون مع الإنجليز خيانة للوطن وللإسلام .. وكان من نتائج هذا الموقف أن حُرم أبناؤهم من التعليم العالي ، كما حُرموا من المناصب الهامة في الدولة طيلة مدّة الانتداب البريطاني على فلسطين .
وعاش الحاج محمود – رحمه الله – حتى سنة 1924م حيث توفي ودفن في مسقط رأسه قرية صانور . وكان قبل وفاته عندما شعر بدنو أجله قد جمع أولاده – وكانوا لا يزالون صغاراً – ومما أوصاهم إن أرادوا أو احتاجوا شيئاً أن يستشيروا أحد اثنين من أصحابه المقربين إليه ، وهما : قاسم عبد الهادي في نابلس ، وكامل الحاج حسين في صانور ، وأن يلتزموا برأيهما .
أما جدتي الحاجة بهية (أم الأدهم) ، فكانت امرأة فاضلة ، تقية عابدة .. وكان أبناؤها يجلّونها ويستشيرونها في أمور حياتهم ، وكانوا يسهرون معها في حجرتها في معظم الليالي ، وبعد صلاة العشاء يذهب كل واحد منهم إلى حجرته للنوم . كانت تحبّني لدرجة كبيرة ، وكنت أحبها بدرجة أكبر ، ولا أفارق مجلسها في أي ليلة .. كانت تمر عليها الشهور ولا تخرج من البيت إلا لضرورة ، تقضي معظم وقتها في العبادة والتسبيح والتهليل والتكبير .. وكانت تتمتع باحترام وتقدير جميع نساء القرية .. كانت تدعو لنا جميعاً ، وتكثر من الدعاء لي ، وتخصّني دائماً بشيء من طعامها .. كُنّا جميعاً سعداء بصحبتها ، ولما فارقتنا حزنّا عليها حزناً كبيراً .. نرجو الله أن يتقبّلها عنده ، وأن يعلي منزلتها في الجنة ، وأن يجمعنا بها في ظلال جنته.
وكان الحاج محمود قد سكن مدينة جنين في أثناء وظيفته في الجندرمة ، وكان يتنقل بين جنين وصانور ، وقد رزقه الله أربعة أبناء هم : الأدهم وفريد وفريز وتوفيق .
وكان يحب الفروسية وركوب الخيل ، ويحب السفر في الليل وحيداً على جواده ، وكان عندما يمرّ من نقب قباطية الذي يكثر فيه قطاع الطرق ، فإذا أحسّ بوجودهم يصيح فيهم : يا كلاب الزمان ، اظهروا إن كنتم رجالاً ، فما أسرع ما يختفون من ذلك المكان .
وكان في أثناء وظيفته في الجندرمة يتعقّب العصاة وقُطّاع الطرق ، ولا يفلت منه أحد .. وكان من الذين عصوا على الدولة فخري عبد الهادي ، وكان متمرداً ، فراقبه الحاج محمود حتى حصره في داره في قرية عرابة ، فدقّ الباب وقال له : اخرج يا فخري ، وسلّم بارودتك تسلم ، فخرج إليه ، وسلّم نفسه وبندقيته ، فساقه إلى جنين وأودعه السجن ..
وكان حمدان أبو عِلّة من ميثلون يقطع الطرق ويعتدي على الأهالي ، فراقبه حتى حصره في قريته ، وداهمه في دار عجوز في غرب القرية ، وألقى القبض عليه ، وساقه إلى جنين ، وفي الطريق تبعهم من يتشفع له ، فردّه الحاج محمود قائلاً : أنت كنت تتواطأ مع الحرامية على السرقة ونهب الأموال .
وكان رحمه الله يتعقب (الفراريّة) الذين يفرون من الجيش العثماني ، وفي ذات يوم ذهب إلى قرية يعبد يتعقب أحد الفارين ، وكان والد الفار بخيلاً ، فلم يعلّق للحصان (أي لم يقدّم له شعيراً) ، وقلى بيضتين ليقدمهما للحاج محمود .. وعند الغروب جاءت أغنام صاحب البيت لتدخل الدار ، فخرج الحاج محمود بحصانه من البيت ، ورفع اللجام من فمه ، وأمسك الحصان بأول كبش رآه ، ورفعه ثم ألقاه أرضاً ، وسحب الحاج محمود خنجره وذبح الكبش ، ثم ذبح كبشاً آخر بعد أن كتّف صاحب البيت .. فقالت زوجته : الله يجزيك الخير ، إن زوجي لم يطعمنا اللحم منذ مدة طويلة ، فهذا يوم عيد عندنا .. وجاء وجيه يعبد وإخوانه (وهو شيخ آل الطاهر في يعبد ووالد توفيق وفضل الطاهر) ، وأخذوا الحاج محمود إلى بيتهم ، وأكرموه وطيبوا خاطره .
كان الحاج محمود وجيهاً في عشيرته ، شجاعاً ، كريماً ، يحب الكرماء ، ويكره البخلاء .. فكان يردّد دائماً "الكريم حبيب الله ، والبخيل عدو الله ، والكريم لا يُضام أبداً ، والبخيل تأكل ماله العِدا" . وكان يلجأ إليه الضعفاء والفقراء ، ويستنجد به المظلومون ، فيقف معهم وينصفهم من ظالميهم .
وكان في عام 1908 العضو المنتخب لمجلس إدارة القضاء (في جنين) ، فقد ورد في الحولية السنوية لولاية بيروت بأن محمود آغا القاسم كان العضو المنتخب لمجلس إدارة القضاء(11) .. ثم اعتزل الخدمة وفتح ديوانه في صانور ، وكان يكرم الضيوف الذين يعرفهم والذين لا يعرفهم .. ولهذا فقد كان ديوانه مقصداً لكل محتاج أو مظلوم.
ولما جاء الاحتلال البريطاني لفلسطين ، تألم كثيراً لسقوط الدولة العثمانية ، وكان يحذّر من مكر الإنجليز ومؤامراتهم مع اليهود للاستيلاء على البلاد .. وكانت له مواقف وطنية صلبة ضد المؤامرات البريطانية على فلسطين ، منها موقفه مع أبناء عمومته ووجهاء البلاد عندما احتل الإنجليز المنطقة الشمالية من فلسطين عام 1918م، وقاموا بخطة ماكرة حاولوا فيها الاتصال بوجوه العشائر الفلسطينية ، وإغرائهم بمناصب كبيرة لكسب تأييدهم .. فحين قام القائد الإنجليزي لمنطقة جنين بزيارة لوجهاء العشيرة في مركزهم بقرية صانور ، وعرض عليهم أمورا ً كثيرة تحمل الإغراء .. منها تعليم أبنائهم في المدارس على نفقة الدولة ، وإرسالهم إلى بريطانيا لنيل أعلى الشهادات من الجامعات الإنجليزية ، وتسليمهم أعلى المناصب في البلاد مقابل تأييد وجود الإنجليز في فلسطين ، والتعاون معهم .. وطلب منهم التشاور في هذا العرض ، وضرب لهم موعداً يحضر فيه لتلقي الجواب .. فما كان من الحاج محمود وأبناء عمومته من وجهاء العشيرة إلا أنهم اعتبروا أي تعاون مع الإنجليز خيانة للوطن وللإسلام .. وكان من نتائج هذا الموقف أن حُرم أبناؤهم من التعليم العالي ، كما حُرموا من المناصب الهامة في الدولة طيلة مدّة الانتداب البريطاني على فلسطين .
وعاش الحاج محمود – رحمه الله – حتى سنة 1924م حيث توفي ودفن في مسقط رأسه قرية صانور . وكان قبل وفاته عندما شعر بدنو أجله قد جمع أولاده – وكانوا لا يزالون صغاراً – ومما أوصاهم إن أرادوا أو احتاجوا شيئاً أن يستشيروا أحد اثنين من أصحابه المقربين إليه ، وهما : قاسم عبد الهادي في نابلس ، وكامل الحاج حسين في صانور ، وأن يلتزموا برأيهما .
أما جدتي الحاجة بهية (أم الأدهم) ، فكانت امرأة فاضلة ، تقية عابدة .. وكان أبناؤها يجلّونها ويستشيرونها في أمور حياتهم ، وكانوا يسهرون معها في حجرتها في معظم الليالي ، وبعد صلاة العشاء يذهب كل واحد منهم إلى حجرته للنوم . كانت تحبّني لدرجة كبيرة ، وكنت أحبها بدرجة أكبر ، ولا أفارق مجلسها في أي ليلة .. كانت تمر عليها الشهور ولا تخرج من البيت إلا لضرورة ، تقضي معظم وقتها في العبادة والتسبيح والتهليل والتكبير .. وكانت تتمتع باحترام وتقدير جميع نساء القرية .. كانت تدعو لنا جميعاً ، وتكثر من الدعاء لي ، وتخصّني دائماً بشيء من طعامها .. كُنّا جميعاً سعداء بصحبتها ، ولما فارقتنا حزنّا عليها حزناً كبيراً .. نرجو الله أن يتقبّلها عنده ، وأن يعلي منزلتها في الجنة ، وأن يجمعنا بها في ظلال جنته.
صفحة 4
• من أخبار والدي وأعمامي :
عاش أبناء الحاج محمود – رحمه الله – في صانور ، في دار كبيرة ورثوها عن جدهم الكبير ، تتوسطها ساحة فسيحة ، تحيط بها حجرات الدار التي أقيم قسم منها فوق سور القلعة التاريخي في الزاوية الغربية والشمالية منه . وكانت حجراتها موزعة بين أفراد الأسرة : حجرة لجدتي (أم الأدهم) رحمها الله ، ولكل واحد من الأبناء حجرة أو حجرتان حسب حاجته . وأمام الدار حوش كبير فيه آبار الماء ، وفي الجهة الشرقية منه بوابة كبيرة ، وبجوارها ديوان جدي الحاج محمود ، وديوان والده الشيخ قاسم الداود . وفي الزاوية الشمالية الشرقية من الحوش ياخور (اسطبل) كبير كانت تعيش فيه الخيول .
كان والدي أكبر إخوته سناً ، ولكنه لم ينل حظاً من التعليم إلا القليل .. وكان في أول شبابه مولعاً بركوب الخيل ، فكان خيّالاً لا يجاريه أحد بمنطقتنا في السباق، وكان يشرف على مزروعات أرضنا التي لا تكاد تكفينا .. وكان يعمل أحياناً في مدينة حيفا والناصرة ، شأنه شأن الكثير من أبناء القرية .. وقد توفي عندنا في عمان في 24/1/1995م .
وكان لوالدي ثلاثة أشقاء ، هم : فريد الحاج محمود ، وكان مختاراً للقرية منذ عام 1936م ، وقد بقي مختاراً مدة خمس وأربعين سنة ، واستقال من هذا العمل عام 1982م ، حتى لا يتعامل مع قوات الاحتلال الصهيوني ، التي أنشأت روابط القرى وضمّت المخاتير لتلك الروابط وأجبرتهم على التعامل معها . وتوفي رحمه الله في 11/3/1990م .
والثاني هو فريز الحاج محمود ، الذي درس في مدرسة القرية على يد العالم الفاضل الشيخ موسى السيد ، ثم التحق بالمدرسة الصلاحية بمدينة نابلس عام 1926، وحتى عام 1930م . وكان والده قد انتقل إلى رحمة الله في أواخر عام 1924 ، وبعد سنوات من وفاته شعر أن حالة الأسرة المادية لا تساعده على مواصلة دراسته ، فالتحق بمدرسة تدريب البوليس الفلسطيني في القدس عام 1932 وتخرج فيها ، وعمل في القدس والخليل حتى عام 1939م ، ثم نُقل إلى قوة الدفاع بنابلس . وفي عام 1942 عُيّن ضابطاً لمراقبة الحدود في جسر اللنبي ، ثم في جسر المجامع ، فجسر بنات يعقوب . وفي عام 1946 نقل إلى جسر الشيخ حسين ، وسكن مدينة بيسان حتى نهاية الانتداب البريطاني وسقوط المدينة في قبضة اليهود عام 1948م ، فعاد إلى قرية صانور ، ثم استقر في مدينة جنين . وتوفي رحمه الله في عمان في 19/2/1989م .
والثالث هو توفيق الحاج محمود ، الذي درس المرحلة الابتدائية في مدرسة صانور ، وأتمها في مدرسة جنين . ثم التحق بالمدرسة الرشيدية في بيت المقدس ، وأتم المرحلة الثانوية فيها عام 1936م . ثم توجه إلى الجامع الأزهر بالقاهرة ، ودرس في كلية الشريعة ، وحصل على الشهادة العالية عام 1943 ، والشهادة العالمية مع الإجازة في القضاء الشرعي عام 1945م . وعاد إلى صانور ، وعُيّن في عام 1946 مدرساً للعلوم الشرعية واللغة العربية بمدرسة جنين الثانوية . وفي عام 1953 عُيّن مفتياً لمدينة جنين وقضائها ، وفي يوم عيد الفطر من عام 1416هـ الموافق 20/2/1996م وافته المنية وهو يؤم المصلين في صلاة العيد بجامع جنين الكبير .
• ذكريات الطفولة وبداية الشباب :
في قرية صانور بمنطقة جنين رأت عيناي النور .. وعلى مقربة منها لامست أذناي نداءات القسام المدوية في أحراش يعبد ، وهو يصوّب بندقيته نحو المحتل البريطاني ، وينادي بأعلى صوته : "هذا جهاد .. نصرٌ أو استشهاد" .. وفي هذه الأرض المباركة المعطاءة التي تنبض بالخير والحياه ، وتعلو فيها صيحات الجهاد ، عشت أحلى أيام طفولتي وبدايات شبابي .
في هذه القرية المرابطة وُلدتُ في منتصف الثلاثينيات من القرن العشرين .. وعشت في أسرة عربية رقيقة الحال ، ملتزمة بإسلامها ، تتمتع باحترام وتقدير جميع أهل القرية .. وهذا ما جعلني أشعر براحة نفسية كبيرة ، وعيش ريفي جميل، يكتنفه الهدوء والنشاط طيلة السنوات التي عشتها في قريتي "صانور" .
وكنت منذ صغري أشعر بأن عليّ واجبات كثيرة نحو الأسرة ، فقد كنت أكبر إخوتي (محمد وعبد السلام وأحمد) ، وأكبر الأبناء في دارنا .. وهذا يحتّم عليّ أن أجلس في كل ليلة مع عمي المختار في ديوانه الذي كان يرتاده وجهاء القرية وكبارها في معظم الليالي .. وكنت الابن الصغير الوحيد الذي يجلس معهم ويستمع لأحاديثهم.. وكانوا جميعاً يقدّرونني ويحترمونني غاية الاحترام . وتعوّدت في هذا المجلس الذي امتدّ لسنوات طويلة – منذ أن كنت في الصف الأول الابتدائي ، وحتى أنهيت دراستي الثانوية – أن أجلس صامتاً أستمع ولا أتكلّم احتراماً للكبار . ولعل هذه الفترة الزمنية الطويلة هي التي طبعت نفسي بهذا الطابع ، فأصبحت في معظم أوقاتي وأحوالي لا أتكلّم إلا لضرورة ، وأفضل الاستماع . وقد استفدت كثيراً من تلك الجلسات مع وجهاء القرية ،والتي كان لها أثر كبير في توجيهي وسلوكي في الحياة.. وكنت بعد أن تركتهم وابتعدت عنهم أحنُّ إليهم كثيراً ، وأشتاق للجلوس معهم ، وكنت في سنوات الغربة وبعدها عندما أذهب لزيارة الأهل في صانور ، أبادر بزيارة من بقي حياً من كبار القرية وأشعر بسعادة كبيرة تغمرني وتغمر من أزوره .
صفحة 5
كنت في تلك الأيام أعيش في مجتمع كله نشاط وحيوية .. وأذكر أن والدي – رحمه الله – كان يذهب مبكراً إلى أرضنا التي تبعد أربعة كيلومتر ، ويحضر لنا مما فيها من خضار وفواكه ويعود إلى البيت قبل شروق الشمس .. وكان معظم أهل القرية يذهبون إلى مزارعهم مبكرين ، ويقومون بأعمالهم ويعودون إلى بيوتهم قبل الظهر .. وكنت في صباح كل يوم أذهب إلى مدرسة القرية ، وبعد عودتي منها ، أقوم بمعظم ما يحتاجه الأهل من أعمال ، ومن ذلك رفع الماء من الآبار بالدّلو وإرساله إليهم في غرفهم ، والذهاب إلى المزرعة وإحضار ما أجده فيها من تين وعنب وصبر وغير ذلك. وكنت أحب الأرض وما فيها من أشجار ، وخاصة أشجار الزيتون واللوز والتين ، وأعتني بها ، وأقوم بتقليمها وتسميدها وتقليب التربة من حولها .. ومن شدة حبي لها ، فقد قمت في صيف 1952 بعمل غرفة من أغصان الأشجار فوق شجرة لوز كبيرة ، وأقمت فيها سبعين ليلة من ليالي الإجازة الصيفية .. كنت فيها أقرأ الكتب ، وأعتني بالأشجار ، وأستمتع بمناظرها ومناظر الطبيعة من حولها . وكنت لا أذهب إلى القرية إلا يوم الجمعة من أجل صلاة الجمعة ..
وكنت في تلك السنوات التي عشتها في القرية أحب المشي ولمسافات طويلة تزيد على عشرة كيلومترات يومياً في السهول والجبال مع بعض الأهل والأصحاب ، نأكل من الخيرات التي رزقنا الله إياها ، ونستمتع بما نشاهد من مناظر جميلة .
كنا نعيش على هذا الحال .. ولم يدر بخلدنا أن الأعداء من يهود وصليبيين كانوا يمكرون بنا ويتآملون علينا ، ويعملون على إخراجنا من هذه الأرض المباركة .. وكنت من شدة حبي لهذه الأرض قد ذهبت إلى الجزيرة العربية للعمل فيها عدة سنوات ، لأعود بعدها إلى الأرض الحبيبة ، وأقوم بإنشاء مزرعة وأحفر فيها بئر ماء ليروي زرعها .. ولكن ما كل ما يتمنى المرء يدركه .. أرجو الله أن يعيننا على تحرير أرض الأقصى من الغاصبين ، وأن يحقق لنا ما نريد .
قرية صانور
صانور وتكتب أيضاً (سانور) ، قرية عربية من قرى محافظة جنين ، لها ماض عريق وحاضر خيّر معطاء ، جميع أهلها يدينون بالإسلام . وهي تبعد مسافة (15 كيلومتراً) إلى الجنوب من مدينة جنين .. وترتبط بها بطريق معبدة تمرّ ببلدة قباطية ، وبطريق آخر معبدة تمرّ بأراضي قرية جبع وتصلها بطريق (نابلس – جنين) . وترتبط بالقرى المجاورة بطرق فرعية معبّدة ، أو دروب ممهدة . وكانت تمر من أراضي صانور الطريق الرئيسية الوحيدة بين بلاد نابلس والجليل في العصور الماضية . وتحيط بصانور قرى جبع وميثلون وجربا ومركة والزاوية وعرابة وعجة وغزة . ويطلّ على صانور جبل (إحريش) ويقع جنوب القرية ، ويعلو (764) متراً عن سطح البحر ، وهو أعلى قمم منطقة جنين .
وسوف أتحدث عن قرية صانور باختصار في عدة جوانب ومجالات متداخلة مع بعضها البعض ، فأتناول فيها : الجانب التاريخي والجغرافي ، والجانب الديني والتعليمي ، والجانب الاجتماعي والاقتصادي ، والجانب الجهادي .
• الجانب التاريخي والجغرافي :
أُقيمت صانور على تلة مشرفة على المرج المسمى باسمها . وقد كانت سابقاً بقايا أطلال لبلدة قديمة تدل عليها الآثار الموجودة في داخل القرية وفيما حولها .. ومن تلك الآثار الكهف الضخم الذي يقع تحت مباني القرية – والذي يضم معاصر الزيتون القديمة – وأماكن وكهوف أخرى متفاوتة الحجم ، تنتشر حول القرية وتكثر فيها الآثار القديمة المتنوعة ، ومنها مدافن منقورة في الصخر ، وكتابات ونحوت وصهاريج . ومن البقاع الأثرية في جوارها :
- خربة مغارة ، وخربة إنخيل ، وتقعان شمال غرب صانور ، وفيهما مقام الشيخ علي ، وعقد أبو زموقية ، ومغر وصهاريج ونحت في الصخور .
- الخربة ، وتقع جنوب صانور ، وفيها أبنية أثرية مهدمة ومغر .
- خربة ديدبان ، وتقع جنوب الخربة ، وتحتوي على بقايا دير .
ويبدو أن تلك القرية القديمة قد اندثرت ، ثم جدّدت مع بداية الفتوحات الإسلامية لبلاد الشام .. ومما يشير إلى ذلك بقايا المسجد القديم في القرية ، وما عُثر فيه من كتابات عند تجديده ، والتي سأشير إليها عند الكلام عن المسجد "وكذلك بقايا المقبرة الإسلامية الكبيرة الموجودة بجوار مقبرة القرية .
صفحة 6
ويبدو أن البلدة التي جُدّدت في عهد الفتوحات الإسلامية قد اندثرت أيضاً ، ولم يبق منها سوى آثار وأطلال تدل على أنها كانت يوماً ما آهلة بالسكان . ولمّا نزل فيها الشيخ محمد الزّبن (ابن جرار) في أوائل القرن الثامن عشر ، عمّر الداثر منها ، وبنى منازلها ، وأحاطها بسور متوسط الارتفاع ، كان أساساً لسورها التاريخي الذي أقيم فيما بعد . وبعد وفاته تولى ابنه الشيخ يوسف الجرار مشيخة جبل نابلس في عام 1772م ، فزاد في عمار القرية حتى وصلت مساحتها مئة دونم تقريباً ، وأتم بناء السور والأبراج في عام 1774م . وساهم شيوخ جبلنابلس في بناء السور الذي بُني من الحجر الصلب والشيد (الكلس) وزيت الزيتون . وغدت قلعة وحصناً منيعاً لجبل نابلس(12) ، ردّت عنه المعتدين خلال قرن من الزمان .
وقد وصف المؤرخ إحسان النمر سور القلعة فقال(13) : "القلعة هي الحصن المبني على طراز القصر ، إلا أنها تشتمل على ساحة مسوّرة مع أبراج وبوابات .. وليس لهذا الوصف في جبل نابلس من نموذج سوى (قلعة صانور) ، وهي تشتمل على مجموعة قصور مبنية على مساحة عشرة دونمات ، إلا أن المساحة العامة للقلعة – قبل هدمها – تساوي عشرة أمثال المساحة الحالية" .
أما بوابات القلعة ، فكان لها بوابة في الجهة الغربية من السور ، وما زالت موجودة حتى اليوم . وبوابة في الجهة الجنوبية وقد هدمت في عام 1831 ، ثم في عام 1834م عندما حاصر القلعة إبراهيم باشا المصري . أما البوابة الرئيسية فكانت في الجهة الشمالية ، وقد هدمت في عام 1831م ، وقيل إن بابها نُقل إلى عكا .. وكان في الجهة الشرقية باب يسمّى "باب السرّ" ، وقد هدم أيضاً في المرتين . وكان بجوار البوابة الرئيسية برج كبير هُدم في المرة الأولى وأعيد بناؤه ، وهدم في المرة الثانية وبقيت قاعدته .. ولكن أحد الجهلة من أبناء القرية قام بهدم ما تبقى من البرج مع جزء من السور في ظل الاحتلال الصهيوني للقرية بعد عام 1967 ، وبنى مكانه بيتاً، مغتنماً فرصة فترة الفوضى التي أشاعها الاحتلال بين الناس .
ومن الأبراج التي بقيت ، برج في الجهة الجنوبية من السور ، وبقايا برج في الجهة الشرقية .
ويوجد أمام القلعة في الجهة الجنوبية منها سهل واسع كان ميداناً لسباق الخيل والتدريب على الفروسية .
حوصرت قلعة صانور عدة مرات ، وارتدّ عنها المحاصرون . وهدمت مرتين ، الأولى سنة 1831م وأُعيد بناؤها وبناء السور ، والثانية سنة 1834م وأُعيد بناء المساكن ، ومازالت بقايا السور والأبراج ماثلة إلى اليوم .
وقد زار القلعة المؤرخ ناجي حبيب ، ودوّن ما شاهده فقال(14) : "في 30/3/1978م ذهبت إلى هذه القلعة التاريخية بنفسي ، وقد شاهدت هناك الثغور بسورها الذي أحدثته قنابل ومدافع الذين حاصروها ، وإن هذا السور لم يبق قائم منه إلا نحو (400 متر) من الغرب والجنوب ، وعلى علو (8 أمتار) في بعض المحلات . ولا تزال بعض أبراج هذه القلعة ظاهرة بوسط هذا السور البالغ عرضه نحو (3 أمتار) للدفاع عن البلدة التي تقع داخل السور" .
أما المساكن التي أُعيد بناؤها بعد هدمها داخل السور فهي : دار قاسم الداود ، ودار أحمد اليوسف وواكد اليوسف ، والدار الغربية (دار الحاج أحمد) ، ودار قدّورة المفلح وحسن المفلح . ودار الحاج حسين ، وزقاق العيسة ، وزقاق الحبايبة .
لقد كانت جميع مساكن القرية داخل السور ، وبعد هدمه انتشرت حول السور، وامتدت في سفوح الجبال في الجهة الغربية والشمالية ، وفي السهول في الجهة الجنوبية والشرقية ، وأصبحت تغطي اليوم مساحة يزيد طولها على ثلاثة كيلومترات وعرض كيلومترين . وقد بنيت المساكن من الحجارة والشيد والطين ، وقسم منها من الحجارة والإسمنت .
أما سكان القرية فقد كانوا في عام 1922م (682 نسمة) ، بلغوا في عام 1931م (795 نسمة) ، وفي عام 1945م (1020 نسمة) ، وفي عام 1961م بلغ عددهم (1471 نسمة) ، وقدّروا في عام 1998م بخمسة آلاف نسمة .
وكان أهل القرية يشربون من مياه الأمطار التي يجمعونها في آبار خلال فصل الشتاء ، ومن آبار النبع الثلاثة الموجودة بجوارها ، وهي : بير السوق ، وبير البشم، وبيرزيتا . وأخيراً وصلتهم شبكة مياه من بئر ارتوازي يبعد عن القرية خمسة كيلومترات .
وفي الناحية الجنوبية من صانور ، وعلى بُعد كيلومتر واحد منها أقام الجيش الأردني معسكراً وجعله مركزاً لقيادة المنطقة .. وبعد استيلاء يهود على الضفة الغربية عام 1967م ، قاموا بتوسيع المعسكر ، وصادروا من أجل ذلك مئات الدونمات من أراضي قرية صانور وقرية جبع ، وقاموا بتجريف أشجار الزيتون وألحقوا الأرض بالمعسكر ، وجعلوه معسكر تدريب مستمر .. كما صادروا قمة جبل (احريش) المطل على صانور من الجهة الجنوبية ، وأقاموا محطة مراقبة .. وكثيراً ما كانوا يغلقون الطرق التي تصل بين القرى المحيطة بالمعسكر ؛ مما كان يزعج أهل القرى الذين أصبحوا يمشون مسافات طويلة للتنقل من قرية لأخرى . ولما انسحب الجيش الإسرائيلي من المعسكر في منتصف عام 2004م ، هدم جميع المباني قبل انسحابه .. وقام أهل القرى بأخذ جميع ما بقي فيه ، حتى الأبواب والشبابيك .
صفحة 7
• الجانب الديني والتعليمي :
إن جميع أهل القرية مسلمون ، وقلّ أن تجد فيها شاباً غير متعلم .. ويوجد في صانور مسجد قديم يُعتقد أنه أسّس أيام الفتوحات الإسلامية لبلاد الشام زمن الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه .. وقد جُدّد بناء المسجد ، كما يشير بذلك حجر وُجد فيه وتم تثبيته في صدر المسجد ، مكتوب عليه :
بسم الله الرحمن الرحيم .. "جدّد هذا المسجد المبارك الحاج محمد بن سعيد بن يحيى بسادس عشر من شهر ربيع أول سنة خمس وثمان ماية والحمد لله رب العالمين" . ويوافق هذا التاريخ 1402م .
وفي أوائل القرن الثامن عشر الميلادي كانت القرية بقايا أطلال لا يسكنها أحد.. ولما شُيّدت قلعة صانور فوق تلك الأطلال بعد منتصف القرن الثاني عشر الهجري ، أي بعد منتصف القرن الثامن عشر الميلادي ، تمّ بناء المسجد من خيمتين كبيرتين في مكان المسجد الأول .. وفي عام 1269هـ الموافق 1852م قام الشيخ قاسم محمد الجرار بتجديد المسجد وتوسعته بإضافة غرفتين له ، كما يتضح ذلك من الكتابة الموجودة على باب المسجد(15) .
وفي عام 1943م قام أهل القرية ببناء خيمة ثالثة وإضافتها للمسجد . وأصبحت مساحة المسجد الكلية تقارب مايتين واثنين وثلاثين متراً مربعاً .
لهذا المسجد فضل كبير على أهل القرية .. ففيه كانوا يلتقون بإمام المسجد ويستمعون للمواعظ التي تنفعهم في دينهم ودنياهم . وفيه كان أبناء القرية يتعلمون منذ أيام العهد العثماني ، وأيام الانتداب البريطاني . وبعد بناء مدرسة مستقلة في القرية وانتقال الطلاب إليها ، خصّصت غرفة من غرف المسجد للنساء يؤدين فيها الصلاة ، وأضيفت إليه دورة مياه ومتوضأ يستعمله ضيوف القرية وأبناؤها .
وقد تناوب على مسجد صانور عدد من العلماء الكرام خلال القرن العشرين ، فكانوا يخطبون الجمعة ويؤمون الناس في الصلاة ، ويعطون الدروس في المسجد .. وكان في مقدمتهم الشيخ موسى السيد من قرية جيت ، والشيخ رفيق العنبتاوي من عنبتا ، والشيخ محمد السلفيتي ، والشيخ رفيق حوّا من ميثلون ، والشيخ شحادة أبو الضباع من الخليل ، وغيرهم . وكانت تمر على المسجد فترات لا يوجد فيها إمام ، فكان الشيخ فريز الحاج محمود يأتي إلى القرية في إجازته الأسبوعية ، ويخطب الجمعة ، ويعود إلى عمله ، وكان في تلك الفترة يعمل ضابط مهاجرة في منطقة بيسان، وكان أهل القرية يجلّونه ويقدّرون له هذا العمل .
وكان الحاج حسن جاراً للمسجد وهو من أهل القرية ، وكان صاحب صوت جهوري جميل ، وكان يؤذن للصلاة لفترة طويلة من الزمن ، وكان أهل القرية وأهل قرية ميثلون التي تبعد (2كم) عن صانور يسمعون أذانه . وفي شهر رمضان كنت وجميع أبناء القرية الصغار نقف باب المسجد قبل غروب الشمس بدقائق ، وعندما يرتفع صوت الحاج حسن بالأذان ننطلق في حارات القرية ونصيح قائلين "إفطروا يا صائمين" ، ونكرر هذا يومياً طيلة شهر رمضان . أما يوم العيد فكان جميع أهل القرية يلتقون في المسجد لصلاة العيد ، وبعد الصلاة يتوجّه الكبار إلى مقبرة القرية لزيارة الأموات وقراءة الفاتحة .. ثم يتوجهون إلى ديوان المختار ، وإلى دواوين عدد من وجهاء القرية للمعايدة .
وفي عام ألفين ميلادية قام أهالي القرية ببناء مسجد ثان ، وتولى الخطابة ودروس الوعظ في المسجدين شابان من شباب القرية هما : الشيخ زياد صادق عبد الله ، والشيخ شحادة محمود أمين .. وكان لهما جهد مشكور في توجيه أبناء القرية إلى الإسلام . وفي هذا العام 2006 بدأ الخيّرون ببناء مسجد ثالث في مدخل القرية .
أما الجانب التعليمي ، ففي القرية مدرسة تأسست في العهد العثماني عام 1305هـ الموافق 1887م ، وكان إمام المسجد يقوم بتعليم أبناء القرية في إحدى غرف المسجد . وفي فترة الانتداب البريطاني على فلسطين قام أهل القرية ببناء حجرة كبيرة للمدرسة في الجهة الجنوبية من القرية ، وتمّ نقل الطلاب إليها . وبقي إمام المسجد يدرّس الطلاب الصغار لفترة من الزمن ، كصف تمهيدي ، وبعده يلتحق الطالب بالمدرسة . وكانت حجرة المدرسة الوحيدة تضم أربعة صفوف من الأول الابتدائي حتى الرابع الابتدائي ، ويدرّس الجميع معلم واحد . وبقي هذا حال المدرسة حتى نهاية الانتداب البريطاني على فلسطين عام 1948م .
التحقتُ بالصف التمهيدي عام 41/1942 ، وكان عدد الطلاب قليلاً . وكان الشيخ رفيق العنبتاوي يدرّسنا في الحجرة المجاورة للمسجد . وفي عام 42/1943 التحقتُ بالصف الأول الابتدائي ، وكان يدرّسنا الأستاذ إبراهيم سليمان جرار (من الهاشمية) ، وفي عام 43/1944 في الصف الثاني الابتدائي درّّسنا الأستاذ محمود عودة (من بديا) ، وفي عام 44/1945 في الصف الثالث الابتدائي درّسنا الأستاذ سليم عزوقة ، وفي عام 45/1946 في الصف الرابع الابتدائي ، درّسنا الشيخ محمد علي البزّاري الذي كان يدرّس الصفوف الأربعة واللذين لا يتجاوز عددهم خمسين طالباً في حجرة واحدة . وأتذكّر من الطلاب الذين كانوا معي في تلك السنة ، الإخوة : فتح الله فايز جرار ، أديب محمد سعيد العماوي ، محمود ذيب اليونس ، محمود سعيد العاصيري ، رشدي ياسين العبد الرحمن ، أنيس صادق العماوي ، فريد ناجي قعدان، عاهد حسين ذيب .
وبقيت المدرسة على هذا الحال إلى أن حدثت نكبة عام 1948م .. وعاد إلى صانور الأستاذ طاهر أحمد الحاج حسين ، وكان قد عمل مديراً لعدد من المدارس أيام الانتداب البريطاني ، ومنها مدارس رفيديا ، أم الفحم ، قلقيلية ، عنبتا ، يعبد ، طيرة حيفا .. وتسلّم إدارة مدرسة صانور وأخذ يحث أهل القرية على بناء غرف جديدة للارتقاء بالمدرسة إلى صفوف أعلى ، وصارت المدرسة إعدادية كاملة ، وقد ضمت في عام 66/1967م (175) طالباً . وكان قد تخرّج من أبناء صانور مجموعة أنهوا المرحلة الثانوية ، وبعضهم أنهى الدراسة الجامعية ، وعملوا في حقل التعليم في مدرسة صانور ، وفي غيرها من مدارس الضفة الغربية ، وفي مقدمتهم الأساتذة : نايف زهدي جرار الذي عمل في مدرسة صانور ، ثم عمل مديراً لمدرسة جبع ، وحيدر محمد عباس ، وحسني أدهم جرار ، ومحمد كامل مصطفى جرار ، وحسين أبو علي النصر ، وبشير جوهر العبد الرحمن ، وفواز ياسين ، ومحمد أدهم جرار ، وعبد الهادي العماوي ، ولطفي عبد الغني ، وسليم محمد السليم ، وحسني عمر ، وغيرهم .. ومن الأساتذة القدامى – من أبناء صانور – الذين عملوا فترة طويلة في حقل التعليم : الأستاذ محمد عباس خضر (أبو حيدر) الذي عمل في عرابة وزرعين وغيرها ، كما عمل مديراً لإحدى مدارس جنين ، والأستاذ عبد الهادي جرار الذي عمل مدرساً في عكا ويافا من عام 1936-1948 ، ثم عمل مدرساً ومديراً في جنين ، والأستاذ عبد الرؤوف الحاج نصر الذي درّس في عدة مدارس ، والشيخ توفيق جرار الذي عمل مدرساً في مدرسة جنين الثانوية من عام 1946-1953م ، ثم عُيّن مفتياً لمحافظة جنين .
وفي عام 1999م أصبح في صانور مدرسة ثانوية للذكور ، وثانوية للإناث ، ومتوسطة لوكالة الغوث . كما تمّ إنشاء روضتين لتربية الأطفال وتعليمهم .
وأهل صانور كباقي أهل فلسطين ؛ وجدوا في العلم سلاحاً يصارعون به الاحتلال ، فاهتموا به ، وأصبح عدد كبير منهم من حملة الشهادات الجامعية في التربية والشريعة والآداب ، والطب والهندسة والعلوم ، والاقتصاد والحاسوب ، وغيرها من المجالات العلمية والتربوية .
إن جميع أهل القرية مسلمون ، وقلّ أن تجد فيها شاباً غير متعلم .. ويوجد في صانور مسجد قديم يُعتقد أنه أسّس أيام الفتوحات الإسلامية لبلاد الشام زمن الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه .. وقد جُدّد بناء المسجد ، كما يشير بذلك حجر وُجد فيه وتم تثبيته في صدر المسجد ، مكتوب عليه :
بسم الله الرحمن الرحيم .. "جدّد هذا المسجد المبارك الحاج محمد بن سعيد بن يحيى بسادس عشر من شهر ربيع أول سنة خمس وثمان ماية والحمد لله رب العالمين" . ويوافق هذا التاريخ 1402م .
وفي أوائل القرن الثامن عشر الميلادي كانت القرية بقايا أطلال لا يسكنها أحد.. ولما شُيّدت قلعة صانور فوق تلك الأطلال بعد منتصف القرن الثاني عشر الهجري ، أي بعد منتصف القرن الثامن عشر الميلادي ، تمّ بناء المسجد من خيمتين كبيرتين في مكان المسجد الأول .. وفي عام 1269هـ الموافق 1852م قام الشيخ قاسم محمد الجرار بتجديد المسجد وتوسعته بإضافة غرفتين له ، كما يتضح ذلك من الكتابة الموجودة على باب المسجد(15) .
وفي عام 1943م قام أهل القرية ببناء خيمة ثالثة وإضافتها للمسجد . وأصبحت مساحة المسجد الكلية تقارب مايتين واثنين وثلاثين متراً مربعاً .
لهذا المسجد فضل كبير على أهل القرية .. ففيه كانوا يلتقون بإمام المسجد ويستمعون للمواعظ التي تنفعهم في دينهم ودنياهم . وفيه كان أبناء القرية يتعلمون منذ أيام العهد العثماني ، وأيام الانتداب البريطاني . وبعد بناء مدرسة مستقلة في القرية وانتقال الطلاب إليها ، خصّصت غرفة من غرف المسجد للنساء يؤدين فيها الصلاة ، وأضيفت إليه دورة مياه ومتوضأ يستعمله ضيوف القرية وأبناؤها .
وقد تناوب على مسجد صانور عدد من العلماء الكرام خلال القرن العشرين ، فكانوا يخطبون الجمعة ويؤمون الناس في الصلاة ، ويعطون الدروس في المسجد .. وكان في مقدمتهم الشيخ موسى السيد من قرية جيت ، والشيخ رفيق العنبتاوي من عنبتا ، والشيخ محمد السلفيتي ، والشيخ رفيق حوّا من ميثلون ، والشيخ شحادة أبو الضباع من الخليل ، وغيرهم . وكانت تمر على المسجد فترات لا يوجد فيها إمام ، فكان الشيخ فريز الحاج محمود يأتي إلى القرية في إجازته الأسبوعية ، ويخطب الجمعة ، ويعود إلى عمله ، وكان في تلك الفترة يعمل ضابط مهاجرة في منطقة بيسان، وكان أهل القرية يجلّونه ويقدّرون له هذا العمل .
وكان الحاج حسن جاراً للمسجد وهو من أهل القرية ، وكان صاحب صوت جهوري جميل ، وكان يؤذن للصلاة لفترة طويلة من الزمن ، وكان أهل القرية وأهل قرية ميثلون التي تبعد (2كم) عن صانور يسمعون أذانه . وفي شهر رمضان كنت وجميع أبناء القرية الصغار نقف باب المسجد قبل غروب الشمس بدقائق ، وعندما يرتفع صوت الحاج حسن بالأذان ننطلق في حارات القرية ونصيح قائلين "إفطروا يا صائمين" ، ونكرر هذا يومياً طيلة شهر رمضان . أما يوم العيد فكان جميع أهل القرية يلتقون في المسجد لصلاة العيد ، وبعد الصلاة يتوجّه الكبار إلى مقبرة القرية لزيارة الأموات وقراءة الفاتحة .. ثم يتوجهون إلى ديوان المختار ، وإلى دواوين عدد من وجهاء القرية للمعايدة .
وفي عام ألفين ميلادية قام أهالي القرية ببناء مسجد ثان ، وتولى الخطابة ودروس الوعظ في المسجدين شابان من شباب القرية هما : الشيخ زياد صادق عبد الله ، والشيخ شحادة محمود أمين .. وكان لهما جهد مشكور في توجيه أبناء القرية إلى الإسلام . وفي هذا العام 2006 بدأ الخيّرون ببناء مسجد ثالث في مدخل القرية .
أما الجانب التعليمي ، ففي القرية مدرسة تأسست في العهد العثماني عام 1305هـ الموافق 1887م ، وكان إمام المسجد يقوم بتعليم أبناء القرية في إحدى غرف المسجد . وفي فترة الانتداب البريطاني على فلسطين قام أهل القرية ببناء حجرة كبيرة للمدرسة في الجهة الجنوبية من القرية ، وتمّ نقل الطلاب إليها . وبقي إمام المسجد يدرّس الطلاب الصغار لفترة من الزمن ، كصف تمهيدي ، وبعده يلتحق الطالب بالمدرسة . وكانت حجرة المدرسة الوحيدة تضم أربعة صفوف من الأول الابتدائي حتى الرابع الابتدائي ، ويدرّس الجميع معلم واحد . وبقي هذا حال المدرسة حتى نهاية الانتداب البريطاني على فلسطين عام 1948م .
التحقتُ بالصف التمهيدي عام 41/1942 ، وكان عدد الطلاب قليلاً . وكان الشيخ رفيق العنبتاوي يدرّسنا في الحجرة المجاورة للمسجد . وفي عام 42/1943 التحقتُ بالصف الأول الابتدائي ، وكان يدرّسنا الأستاذ إبراهيم سليمان جرار (من الهاشمية) ، وفي عام 43/1944 في الصف الثاني الابتدائي درّّسنا الأستاذ محمود عودة (من بديا) ، وفي عام 44/1945 في الصف الثالث الابتدائي درّسنا الأستاذ سليم عزوقة ، وفي عام 45/1946 في الصف الرابع الابتدائي ، درّسنا الشيخ محمد علي البزّاري الذي كان يدرّس الصفوف الأربعة واللذين لا يتجاوز عددهم خمسين طالباً في حجرة واحدة . وأتذكّر من الطلاب الذين كانوا معي في تلك السنة ، الإخوة : فتح الله فايز جرار ، أديب محمد سعيد العماوي ، محمود ذيب اليونس ، محمود سعيد العاصيري ، رشدي ياسين العبد الرحمن ، أنيس صادق العماوي ، فريد ناجي قعدان، عاهد حسين ذيب .
وبقيت المدرسة على هذا الحال إلى أن حدثت نكبة عام 1948م .. وعاد إلى صانور الأستاذ طاهر أحمد الحاج حسين ، وكان قد عمل مديراً لعدد من المدارس أيام الانتداب البريطاني ، ومنها مدارس رفيديا ، أم الفحم ، قلقيلية ، عنبتا ، يعبد ، طيرة حيفا .. وتسلّم إدارة مدرسة صانور وأخذ يحث أهل القرية على بناء غرف جديدة للارتقاء بالمدرسة إلى صفوف أعلى ، وصارت المدرسة إعدادية كاملة ، وقد ضمت في عام 66/1967م (175) طالباً . وكان قد تخرّج من أبناء صانور مجموعة أنهوا المرحلة الثانوية ، وبعضهم أنهى الدراسة الجامعية ، وعملوا في حقل التعليم في مدرسة صانور ، وفي غيرها من مدارس الضفة الغربية ، وفي مقدمتهم الأساتذة : نايف زهدي جرار الذي عمل في مدرسة صانور ، ثم عمل مديراً لمدرسة جبع ، وحيدر محمد عباس ، وحسني أدهم جرار ، ومحمد كامل مصطفى جرار ، وحسين أبو علي النصر ، وبشير جوهر العبد الرحمن ، وفواز ياسين ، ومحمد أدهم جرار ، وعبد الهادي العماوي ، ولطفي عبد الغني ، وسليم محمد السليم ، وحسني عمر ، وغيرهم .. ومن الأساتذة القدامى – من أبناء صانور – الذين عملوا فترة طويلة في حقل التعليم : الأستاذ محمد عباس خضر (أبو حيدر) الذي عمل في عرابة وزرعين وغيرها ، كما عمل مديراً لإحدى مدارس جنين ، والأستاذ عبد الهادي جرار الذي عمل مدرساً في عكا ويافا من عام 1936-1948 ، ثم عمل مدرساً ومديراً في جنين ، والأستاذ عبد الرؤوف الحاج نصر الذي درّس في عدة مدارس ، والشيخ توفيق جرار الذي عمل مدرساً في مدرسة جنين الثانوية من عام 1946-1953م ، ثم عُيّن مفتياً لمحافظة جنين .
وفي عام 1999م أصبح في صانور مدرسة ثانوية للذكور ، وثانوية للإناث ، ومتوسطة لوكالة الغوث . كما تمّ إنشاء روضتين لتربية الأطفال وتعليمهم .
وأهل صانور كباقي أهل فلسطين ؛ وجدوا في العلم سلاحاً يصارعون به الاحتلال ، فاهتموا به ، وأصبح عدد كبير منهم من حملة الشهادات الجامعية في التربية والشريعة والآداب ، والطب والهندسة والعلوم ، والاقتصاد والحاسوب ، وغيرها من المجالات العلمية والتربوية .
صفحة 8
• الجانب الاجتماعي والاقتصادي :
صانور قرية يسكنها عدد من العائلات والأسر العربية المسلمة ، الذين تسود بينهم علاقات المودّة والتراحم والتعاون .. والذين يتمسكون بالأخلاق الإسلامية ، والعادات العربية الأصيلة ، من تقدير واحترام للكبير ، وتقديم للغريب ، وإكرام للضيف .
يعود سكان القرية بأنسابهم إلى العائلات التالية :
- آل جرار : وينتسبون إلى قبيلة الشقران الأزدية(16) .. وقد تحدّثت عن أصولهم ، منذ أن قدموا من اليمن ، واستقروا في القسطل من أرض البلقاء . وتناولتُ دورهم في بناء قلعة صانور . وسوف أواصل الحديث عنهم وعن غيرهم في هذا الجانب الاجتماعي والجوانب الأخرى .
- وِلد علي : وهم جماعة علي الأحمد ، وقد قدموا إلى صانور من قرية كفر الديك بقضاء نابلس(17) .
- العيسة : قدموا إلى صانور من قرية سوعير بقضاء الخليل ، ومن قرية سالم بقضاء نابلس(18) .
- الحبايبة : قدموا إلى صانور من قرية حجّة بقضاء نابلس(19) .
- الغُربيّة : وهم أقسام ، وكل منهم ينتسب إلى جهة .. فقسم منهم ينتسب إلى العتوم ، ومنهم آل عبد الله العبد الغني وآل سعد . وقسم قدموا إلى صانور من خربة انخيل وخربة مغارة ، ومنهم آل ذيب اليونس وأسعد الكبش وغيرهم . وقسم من مصر ، وقيل إنه كان لهم ارتباط بجيش إبراهيم باشا ، ويسمّون "دار أبو علي" .
وهذه العائلات قدمت إلى صانور في فترات متفاوتة بعد تشييد قلعة صانور .. فمنهم من كان له دور في الدفاع عن القلعة عندما كانت تُهاجم ، ومنهم من شارك في إعادة بناء القلعة بعد هدمها ، ومنهم من كان يقوم بزراعة الأرض .. وقد لقي هؤلاء جميعاً كل رعاية وتكريم من شيخ القلعة الذي قيل عنه أنه كان يوصي أبناءه وأبناء عمومتهم بإكرام ضيوفهم وزوّارهم وجيرانهم وأهالي بلدتهم ، وخاصة الذين يسكنون معهم .. وقد حافظ الأبناء الأوائل على هذه الوصية .. فعندما أصدرت الدولة العثمانية (قانون الطابو) وطلبت من شيوخ العشائر تسجيل أراضي البلدان التابعة لنفوذهم بأسمائهم .. لم يقم آل جرار بتنفيذ هذا الطلب ، ولم يستأثروا بجميع الأراضي التي كانت تابعة لهم ، وإنما سجلوا لأنفسهم أراض في بعض البلدان مثلما سجلوا لغيرهم .. أما أراضي قرية صانور – قلعتهم وقاعدتهم الرئيسية – فلم يسجلوا لأنفسهم شيئاً منها ، فقد تركوها لعائلات صانور من غيرهم ممن كانوا يسكنون معهم في القرية ، إكراماً لأبناء هذه العائلات الذين كانوا يشاركون في الدفاع عن القلعة ، وكانوا يزرعون الأرض .. وسوف أكتب ذكرياتي ومشاهداتي باختصار عن الفترة التي عشتها وعاصرتها في صانور في الثلاثينيات والأربعينيات والخمسينيات من القرن العشرين .
لقد كان يدير شؤون القرية مختار ولجنة تتكوّن من مجموعة من وجهاء القرية يمثلون عائلاتها .. وسوف أذكر عدداً من وجهاء القرية في تلك الفترة – على سبيل المثال لا الحصر – الذين غالباً ما كان لهم رأي في تكوين اللجنة :
- من آل جرار : فريد الحاج محمود ، فهد الفياض ، مثقال محمد اليوسف ، فوزي الفياض ، زهدي النايف ، كامل المصطفى ، عادل محمد حسن ، محمد سليم سليمان ، أمين الأحمد ، جميل العبد الرحيم .
- من ولد علي : كامل الحاج حسين ، أحمد الحاج حسين ، جوهر العبد الرحمن ، نصر الحاج عبد الله ، طاهر أحمد الحاج حسين ، ياسين العبد الرحمن .
- من الحبايبة : الحاج صالح العماوي ، محمد سعيد العماوي ، يوسف الحاج صالح ، الحاج أمين الصالح ، محمود الحمدان، الحاج خليل العماوي ، ناجي القعدان .
- من العيسة : سلامة القاسم ، عبد الله الطه ، محمد الأهدب ، عثمان أبو الحاج علي ، أحمد ناصر اليوسف ، عبد الله الأهدب ، علي الأسعد ، سعيد أبو ليمون .
- من الغُربية : يوسف السعد ، عبد الله العبد الغني ، ذيب اليونس ، أحمد الأسعد .
أما المختار ، فكان نصر الحاج عبد الله مختاراً للقرية حتى عام 1935م . وفي عام 1936م تم اختيار فريد الحاج محمود مختاراً ، واستمر في هذا العمل مدة (45) سنة ، ولما قامت قوات الاحتلال الإسرائيلي بتشكيل روابط القرى ، وأتبعت المخاتير لهذه الروابط ، قدّم استقالته سنة 1982م . وتم تعيين يوسف القيسي مختاراً لعدة سنوات . ثم عُيّن صادق عبد الله الأهدب مختاراً ومازال حتى اليوم .
وكان المختار وأعضاء اللجنة يديرون شؤون القرية ، ويقومون بالإصلاح بين الناس .. وفي عام 65/1966م تم تشكيل مجلس قروي في صانور ، وكان أول رئيس للمجلس جوهر عبد الرحمن ولد علي ، ولما توفي قبل انتهاء مدة رئاسته ، تشكلت لجنة شؤون القرية برئاسة نافع حسن عبده ، ولما انتهت مدة اللجنة ، تسلّم حسن القعدان رئاسة المجلس القروي ، وبعده تسلّم رئاسة المجلس عماد أسعد أبو ليمون، وفي انتخابات 2005 فاز بالانتخابات الشيخ زياد الصادق "وهو معتقل".
صانور قرية يسكنها عدد من العائلات والأسر العربية المسلمة ، الذين تسود بينهم علاقات المودّة والتراحم والتعاون .. والذين يتمسكون بالأخلاق الإسلامية ، والعادات العربية الأصيلة ، من تقدير واحترام للكبير ، وتقديم للغريب ، وإكرام للضيف .
يعود سكان القرية بأنسابهم إلى العائلات التالية :
- آل جرار : وينتسبون إلى قبيلة الشقران الأزدية(16) .. وقد تحدّثت عن أصولهم ، منذ أن قدموا من اليمن ، واستقروا في القسطل من أرض البلقاء . وتناولتُ دورهم في بناء قلعة صانور . وسوف أواصل الحديث عنهم وعن غيرهم في هذا الجانب الاجتماعي والجوانب الأخرى .
- وِلد علي : وهم جماعة علي الأحمد ، وقد قدموا إلى صانور من قرية كفر الديك بقضاء نابلس(17) .
- العيسة : قدموا إلى صانور من قرية سوعير بقضاء الخليل ، ومن قرية سالم بقضاء نابلس(18) .
- الحبايبة : قدموا إلى صانور من قرية حجّة بقضاء نابلس(19) .
- الغُربيّة : وهم أقسام ، وكل منهم ينتسب إلى جهة .. فقسم منهم ينتسب إلى العتوم ، ومنهم آل عبد الله العبد الغني وآل سعد . وقسم قدموا إلى صانور من خربة انخيل وخربة مغارة ، ومنهم آل ذيب اليونس وأسعد الكبش وغيرهم . وقسم من مصر ، وقيل إنه كان لهم ارتباط بجيش إبراهيم باشا ، ويسمّون "دار أبو علي" .
وهذه العائلات قدمت إلى صانور في فترات متفاوتة بعد تشييد قلعة صانور .. فمنهم من كان له دور في الدفاع عن القلعة عندما كانت تُهاجم ، ومنهم من شارك في إعادة بناء القلعة بعد هدمها ، ومنهم من كان يقوم بزراعة الأرض .. وقد لقي هؤلاء جميعاً كل رعاية وتكريم من شيخ القلعة الذي قيل عنه أنه كان يوصي أبناءه وأبناء عمومتهم بإكرام ضيوفهم وزوّارهم وجيرانهم وأهالي بلدتهم ، وخاصة الذين يسكنون معهم .. وقد حافظ الأبناء الأوائل على هذه الوصية .. فعندما أصدرت الدولة العثمانية (قانون الطابو) وطلبت من شيوخ العشائر تسجيل أراضي البلدان التابعة لنفوذهم بأسمائهم .. لم يقم آل جرار بتنفيذ هذا الطلب ، ولم يستأثروا بجميع الأراضي التي كانت تابعة لهم ، وإنما سجلوا لأنفسهم أراض في بعض البلدان مثلما سجلوا لغيرهم .. أما أراضي قرية صانور – قلعتهم وقاعدتهم الرئيسية – فلم يسجلوا لأنفسهم شيئاً منها ، فقد تركوها لعائلات صانور من غيرهم ممن كانوا يسكنون معهم في القرية ، إكراماً لأبناء هذه العائلات الذين كانوا يشاركون في الدفاع عن القلعة ، وكانوا يزرعون الأرض .. وسوف أكتب ذكرياتي ومشاهداتي باختصار عن الفترة التي عشتها وعاصرتها في صانور في الثلاثينيات والأربعينيات والخمسينيات من القرن العشرين .
لقد كان يدير شؤون القرية مختار ولجنة تتكوّن من مجموعة من وجهاء القرية يمثلون عائلاتها .. وسوف أذكر عدداً من وجهاء القرية في تلك الفترة – على سبيل المثال لا الحصر – الذين غالباً ما كان لهم رأي في تكوين اللجنة :
- من آل جرار : فريد الحاج محمود ، فهد الفياض ، مثقال محمد اليوسف ، فوزي الفياض ، زهدي النايف ، كامل المصطفى ، عادل محمد حسن ، محمد سليم سليمان ، أمين الأحمد ، جميل العبد الرحيم .
- من ولد علي : كامل الحاج حسين ، أحمد الحاج حسين ، جوهر العبد الرحمن ، نصر الحاج عبد الله ، طاهر أحمد الحاج حسين ، ياسين العبد الرحمن .
- من الحبايبة : الحاج صالح العماوي ، محمد سعيد العماوي ، يوسف الحاج صالح ، الحاج أمين الصالح ، محمود الحمدان، الحاج خليل العماوي ، ناجي القعدان .
- من العيسة : سلامة القاسم ، عبد الله الطه ، محمد الأهدب ، عثمان أبو الحاج علي ، أحمد ناصر اليوسف ، عبد الله الأهدب ، علي الأسعد ، سعيد أبو ليمون .
- من الغُربية : يوسف السعد ، عبد الله العبد الغني ، ذيب اليونس ، أحمد الأسعد .
أما المختار ، فكان نصر الحاج عبد الله مختاراً للقرية حتى عام 1935م . وفي عام 1936م تم اختيار فريد الحاج محمود مختاراً ، واستمر في هذا العمل مدة (45) سنة ، ولما قامت قوات الاحتلال الإسرائيلي بتشكيل روابط القرى ، وأتبعت المخاتير لهذه الروابط ، قدّم استقالته سنة 1982م . وتم تعيين يوسف القيسي مختاراً لعدة سنوات . ثم عُيّن صادق عبد الله الأهدب مختاراً ومازال حتى اليوم .
وكان المختار وأعضاء اللجنة يديرون شؤون القرية ، ويقومون بالإصلاح بين الناس .. وفي عام 65/1966م تم تشكيل مجلس قروي في صانور ، وكان أول رئيس للمجلس جوهر عبد الرحمن ولد علي ، ولما توفي قبل انتهاء مدة رئاسته ، تشكلت لجنة شؤون القرية برئاسة نافع حسن عبده ، ولما انتهت مدة اللجنة ، تسلّم حسن القعدان رئاسة المجلس القروي ، وبعده تسلّم رئاسة المجلس عماد أسعد أبو ليمون، وفي انتخابات 2005 فاز بالانتخابات الشيخ زياد الصادق "وهو معتقل".
صفحة 9
أما الجانب الاقتصادي .. فسكان القرية يعتمدون في معيشتهم على عدة أمور.. فقسم منهم يعتمدون على الدخل الذي يصلهم من أبنائهم الذين يعملون في الخارج في بلدان كثيرة . وقسم يمارس التجارة أو الوظيفة أو العمل في الداخل . وغالبية أهل القرية يعتمدون على الزراعة ، وتشكل أشجار الزيتون دخلاً رئيسياً لعدد منهم .. فصانور قرية زراعية ، أراضيها صالحة ومناخها ملائم للزراعة .
تحيط بصانور سهول من ثلاث جهات – الجنوب والشرق والشمال – تبلغ مساحتها (15) ألف دونم . أما أراضيها الجبلية فتبلغ (14) ألف دونم . ويزرع في أراضي صانور الحبوب بأنواعها (القمح والشعير والذرة والعدس والحمص والغول والسمسم والقطاني والقزحة) ، والبصل والبطيخ والخضار بأنواعها . وفيها خمسة آلاف دونم مغروسة بالزيتون ، وألف دونم مغروسة بفواكه اللوز والتين والعنب والمشمش وغيرها . ولأهل القرية قطعان من الغنم والبقر ترعى في أحراش القرية .
وفي الجهة الشمالية من القرية يقع مرج صانور الذي يبلغ قطره (3-4) أميال، وهو محاط بالجبال والوديان ، ويرتفع 350 متراً عن سطح البحر ، وتملأه الأمطار وتصب فيه الوديان إبان فصل الشتاء ، فيصبح بحيرة تزيد مساحتها على ثمانية آلاف دونم ، مما يجعل البعض يسميه (مرج الغرق) ، ويبقى مدة غير صالح للزراعة حتى تجف مياهه . وهو يقع ضمن أراضي صانور وميثلون .
هذا المرج لم يزرع منذ مئات أو آلاف السنين ، فقد كان مرعى للخيول والأغنام والمواشي الأخرى . وفي عام النكبة 1948 قام أهل القرية بحراثته بالتراكتورات ، وزرعوه لأول مرة ، فأنتج محصولاً لم يره أحد في تاريخ المنطقة ، وقد شاهدتُ منتوجاته في السنوات الأولى لزراعته ، فكانت كما يلي : الذرة البيضاء قطفوا عرانيسها ، وهم يعتلون ظهور الخيل ، وبذرة القمح أنتجت مجموعة سنابل ، ونبتة البطيخ كانت تغطي مساحة عشرين متراً مربعاً تقريباً ، وأنتجت أكثر من عشرة بطيخات كبار ، وأما القثاء (الفقوس) فقد زاد طول الفقوسة الواحدة على المتر، وقطرها كقطر الشمامة الكبيرة .. وقس على هذا باقي المزورعات . ومع مرور السنين تناقصت هذه الأحجام .
وكان اليهود يتطلعون لامتلاك هذه الأرض ، وقد روى لي بعض الكبار من أهل القرية أن "موشي دايان" القائد البارز في إسرائيل ، قد جاء إلى صانور في بداية الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية عام 1967 ، والتقى بعدد من وجهاء القرية ، وعرض عليهم استئجار أرض المرج مدة تسع وتسعين سنة ، وقال : إن المرج يمتلئ في الشتاء ، ويكثر فيه البعوض ، ونحن مستعدون لتصريف مياهه وزراعته ، وبهذا نستفيد نحن وأنتم .. فقال له أحدهم : وستبقون عندنا تسعاً وتسعين سنة ؟ فأجاب: ولِمَ لا !! فقال له : ألا تعلمون أنكم تتجمعون في فلسطين ليوم تُهزمون فيه وتُذبحون ؟ أجاب : نعرف ذلك .. ولكن لستم أنتم الذين ستذبحوننا ، ولسنا نحن الذين سنُذبح .. وهذا الموضوع نتركه للأجيال القادمة التي تأتي بعدنا .. فإن وافقتم استأجرنا منكم هذه الأرض . فقالوا له : هذه الأرض ورثناها عن آبائنا وأجدادنا ، ونحن راضون بحالها كما هي .. فلا نؤجّر ولا نبيع .
• الجانب الجهادي :
كان لقعلة صانور دور بارز في تاريخ الجهاد بفلسطين .. فكانت منذ أن تأسست قلعة من قلاع الرباط في أرض الإسراء والمعراج .. فلمّا زحف نابليون على بلاد الشام ليحتلها عام 1799م ، وحاصر عكا ، وأعلن عن خطته لإقامة دولة لليهود عاصمتها القدس .. كان لقلعة صانور دور رائد في استنهاض الهمم ، وجمع المجاهدين من جبل نابلس وبلدان فلسطين وشرقي الأردن ، وقيادتهم لحرب نابليون في معارك عزون وقاقون ومرج ابن عامر .. وكان لتلك الجموع دور كبير في إنهاك جيوش نابليون ، وتحطيم آماله ، وانسحابه مهزوماً من فلسطين .
وكان لهذه القلعة دور مشهود في الوقوف في وجه الانتداب البريطاني منذ دخلت القوات البريطانية إلى جبل نابلس عام 1918م ، فقد عمل الإنجليز على تنفيذ خطة ماكرة حاولوا فيها الاتصال بقادة البلاد ووجوه العشائر ، وإغرائهم بمناصب كبيرة لكسب تأييدهم .. ففي عام 1918 قام القائد الإنجليزي لمنطقة جنين بزيارة لصانور ، وعرض على شيوخها ووجهائها أموراً كثيرة تحمل الإغراء ، منها تعليم أبنائهم في الجامعات البريطانية على نفقة الحكومة ، فرفضوا العرض ، ورفضوا التعاون لتشكيل مجلس تشريعي للبلاد ، فتوعّدهم بالتضييق عليهم ، وحُرموا من المناصب الهامة في الحكومة طيلة مدة الانتداب على فلسطين .
تحيط بصانور سهول من ثلاث جهات – الجنوب والشرق والشمال – تبلغ مساحتها (15) ألف دونم . أما أراضيها الجبلية فتبلغ (14) ألف دونم . ويزرع في أراضي صانور الحبوب بأنواعها (القمح والشعير والذرة والعدس والحمص والغول والسمسم والقطاني والقزحة) ، والبصل والبطيخ والخضار بأنواعها . وفيها خمسة آلاف دونم مغروسة بالزيتون ، وألف دونم مغروسة بفواكه اللوز والتين والعنب والمشمش وغيرها . ولأهل القرية قطعان من الغنم والبقر ترعى في أحراش القرية .
وفي الجهة الشمالية من القرية يقع مرج صانور الذي يبلغ قطره (3-4) أميال، وهو محاط بالجبال والوديان ، ويرتفع 350 متراً عن سطح البحر ، وتملأه الأمطار وتصب فيه الوديان إبان فصل الشتاء ، فيصبح بحيرة تزيد مساحتها على ثمانية آلاف دونم ، مما يجعل البعض يسميه (مرج الغرق) ، ويبقى مدة غير صالح للزراعة حتى تجف مياهه . وهو يقع ضمن أراضي صانور وميثلون .
هذا المرج لم يزرع منذ مئات أو آلاف السنين ، فقد كان مرعى للخيول والأغنام والمواشي الأخرى . وفي عام النكبة 1948 قام أهل القرية بحراثته بالتراكتورات ، وزرعوه لأول مرة ، فأنتج محصولاً لم يره أحد في تاريخ المنطقة ، وقد شاهدتُ منتوجاته في السنوات الأولى لزراعته ، فكانت كما يلي : الذرة البيضاء قطفوا عرانيسها ، وهم يعتلون ظهور الخيل ، وبذرة القمح أنتجت مجموعة سنابل ، ونبتة البطيخ كانت تغطي مساحة عشرين متراً مربعاً تقريباً ، وأنتجت أكثر من عشرة بطيخات كبار ، وأما القثاء (الفقوس) فقد زاد طول الفقوسة الواحدة على المتر، وقطرها كقطر الشمامة الكبيرة .. وقس على هذا باقي المزورعات . ومع مرور السنين تناقصت هذه الأحجام .
وكان اليهود يتطلعون لامتلاك هذه الأرض ، وقد روى لي بعض الكبار من أهل القرية أن "موشي دايان" القائد البارز في إسرائيل ، قد جاء إلى صانور في بداية الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية عام 1967 ، والتقى بعدد من وجهاء القرية ، وعرض عليهم استئجار أرض المرج مدة تسع وتسعين سنة ، وقال : إن المرج يمتلئ في الشتاء ، ويكثر فيه البعوض ، ونحن مستعدون لتصريف مياهه وزراعته ، وبهذا نستفيد نحن وأنتم .. فقال له أحدهم : وستبقون عندنا تسعاً وتسعين سنة ؟ فأجاب: ولِمَ لا !! فقال له : ألا تعلمون أنكم تتجمعون في فلسطين ليوم تُهزمون فيه وتُذبحون ؟ أجاب : نعرف ذلك .. ولكن لستم أنتم الذين ستذبحوننا ، ولسنا نحن الذين سنُذبح .. وهذا الموضوع نتركه للأجيال القادمة التي تأتي بعدنا .. فإن وافقتم استأجرنا منكم هذه الأرض . فقالوا له : هذه الأرض ورثناها عن آبائنا وأجدادنا ، ونحن راضون بحالها كما هي .. فلا نؤجّر ولا نبيع .
• الجانب الجهادي :
كان لقعلة صانور دور بارز في تاريخ الجهاد بفلسطين .. فكانت منذ أن تأسست قلعة من قلاع الرباط في أرض الإسراء والمعراج .. فلمّا زحف نابليون على بلاد الشام ليحتلها عام 1799م ، وحاصر عكا ، وأعلن عن خطته لإقامة دولة لليهود عاصمتها القدس .. كان لقلعة صانور دور رائد في استنهاض الهمم ، وجمع المجاهدين من جبل نابلس وبلدان فلسطين وشرقي الأردن ، وقيادتهم لحرب نابليون في معارك عزون وقاقون ومرج ابن عامر .. وكان لتلك الجموع دور كبير في إنهاك جيوش نابليون ، وتحطيم آماله ، وانسحابه مهزوماً من فلسطين .
وكان لهذه القلعة دور مشهود في الوقوف في وجه الانتداب البريطاني منذ دخلت القوات البريطانية إلى جبل نابلس عام 1918م ، فقد عمل الإنجليز على تنفيذ خطة ماكرة حاولوا فيها الاتصال بقادة البلاد ووجوه العشائر ، وإغرائهم بمناصب كبيرة لكسب تأييدهم .. ففي عام 1918 قام القائد الإنجليزي لمنطقة جنين بزيارة لصانور ، وعرض على شيوخها ووجهائها أموراً كثيرة تحمل الإغراء ، منها تعليم أبنائهم في الجامعات البريطانية على نفقة الحكومة ، فرفضوا العرض ، ورفضوا التعاون لتشكيل مجلس تشريعي للبلاد ، فتوعّدهم بالتضييق عليهم ، وحُرموا من المناصب الهامة في الحكومة طيلة مدة الانتداب على فلسطين .
صفحة 10
ولما بدأ الشيخ عز الدين القسام يستعد للثورة عام 1935م اتصل به المجاهد كامل الحاج حسين ، وعرض عليه أن يجعل صانور قاعدة له ، وأن يبدأ الثورة ضد الإنجليز من جبالها . وقام القسّام بزيارة المنطقة ، والتقى بالعالم الجليل الشيخ موسى السيد في صانور ، وبحث معه الأمر ، ولكنه لم يجد الأشجار الكثيفة الكافية التي تمكن المجاهدين من الاختفاء فيها لتحميهم من طائرات العدو ، ففضّل الاتجاه إلى مناطق أخرى ، واختار في النهاية أحراش يعبد .
ولما بدأت ثورة عام 1936 كان المجاهدون يعتبرون صانور مركزاً هاماً من مراكز الثورة ، نظراً لما تتميز به من موقع حصين ، ولما يجدون من عون ومساعدة من جميع أهالي القرية .. أضف إلى هذا ما قام به أهلها من جهاد ريادي في محاربة الإنجليز ، وكان من بينهم المناضل كامل الحاج حسين (قائد فصيل) ، والمناضل فوزي جرار (قائد فصيل) ، والشهيد سليمان السعد (قائد فصيل) . وفي بداية الثورة بدأ كثير من المجاهدين يتجمعون في صانور وفي جبل (حريش) المجاور لها .. وقد وصل في تلك الفترة عدد من قادة الجهاد ، وفي مقدمتهم المجاهد سعيد العاص ، والشيخ محمد الأشمر من الشام ، والقائد جاسم من العراق ، وتجمعوا في صانور قرابة الشهر، ثم انتشروا في البلدان الأخرى .. واشترك معهم أبناء صانور في خوض عدد من المعارك كان من أبرزها معركة (احريش) ومعركة (بيت امرين) عام 1936م .
وعندما أصبح المجاهد عبد الرحيم الحاج محمد قائداً عاماً للثورة ، كان يعتبر صانور من مراكزه الرئيسية ، فكثيراً ما كان يأوي إليها وإلى جبالها الحصينة المحيطة بها هو وجنوده ، فيلقون فيها المعين والنصير والحارس الأمين .
وفي أوائل عام 1939 توجه القائد عبد الرحيم إلى دمشق للتشاور مع القيادة في أمر الجهاد ، وللحصول على أسلحة وذخيرة ، وبعد أن أمضى قرابة شهر ، قرر العودة إلى فلسطين لاستئناف الجهاد . وعاد برفقته عدد من قادة الفصائل ، وهم : سعيد بيت إيبا ، وفوزي جرار ، وسليمان أبو خليفة ، ومعهم مجموعة من المناضلين الذين كانوا يحرسون القائد ، وكانوا من قرى صانور وميثلون وسيريس والجديدة وبرقين . وفي الطريق نزلوا بمضارب عشيرة الصقر بجوار نهر الشريعة في منطقة طوباس ، فاستقبلهم شيوخ الصقر وأكرموهم ، وأرسلوا معهم عدداً من الخيالة من شبابهم ، رافقوهم إلى بلدة صانور ليلة 27 آذار 1939 ، ونزلوا مع المناضل فوزي جرار في ديوان آل جرار ، وكان في استقبالهم عدد من وجهاء القرية . وأرسل القائد مرافقه سليمان أبو خليفة ليقابل المجاهدين في عدد من القرى المجاورة ، ليوافوه في صباح اليوم التالي في قرية الفندقومية لاستئناف الجهاد .
وبعد أن استراح القائد ومرافقوه في صانور ، توزّعوا للمبيت ، فتوجه أبناء ميثلون وسيريس والجديدة إلى قراهم للمبيت فيها والتوجه فجراً إلى الفندقومية ، وبات خيالة الصقر في قرية الجديدة ، وفي الصباح عادوا إلى مضاربهم . وبات القائد عبد الرحيم الحاج محمد ومساعده سعيد بيت إيبا في ديوان آل الحاج حسين . أما المناضل سليمان أبو خليفة فقد قام بالمهمة التي كُلّف بها وعاد مرهقاً ، وبات في ديوان المختار فريد الحاج محمود(20) .
وكان عملاء الإنجليز يتابعون القائد منذ خروجه من دمشق واتجاهه إلى نهر الشريعة ثم إلى صانور .. وفي فجر تلك الليلة كانت قوات كبيرة من الإنجليز بصحبة أحد العملاء تطوّق القرية ، ويعتلي أفرادها سطوح المنازل ويحاصرون الثوار . وكان شباب القرية يتناوبون الحراسة في الطرقات ، ولما أحسّوا بالإنجليز أخبروا الثوار الذين لم يكن عددهم كاف لأي مواجهة . وتمكن بعض الثوار من الاختفاء داخل البلدة .. أما القائد – رحمه الله – فقد رفض الاختفاء رغم الإلحاح الشديد من أهل البلدة للقيام بإخفائه ، وقرّر أن يصلي ركعتين ، وينطلق بجواده مهما تكن النتائج ، ليلتقي مع إخوانه المجاهدين ، ويبدأ المعركة مع الأعداء .. وقد استطاع أن يتجاوز الطوق الأول والطوق الثاني ، وأن يصل إلى أسفل القرية من الجهة الشرقية ، حيث كان أحد الشباب ينتظره ومعه جواده . ولما اعتلى ظهر الجواد أصابته رصاصة ، فقد كان الإنجليز يطلقون النار على كل من يحاول مغادرة القرية ، فسقط على الأرض .. وكان أول الذين وصلوا إليه بعد إصابته ، ذلك العميل الخائن الذي أحضر الإنجليز إلى صانور ، فداس على رأسه وأفرغ مسدسه فيه . وكانت قوات الإنجليز في نفس الوقت قد حاصرت ديوان المختار ، ولم يجرؤ أحد منهم على اقتحامه ، فخرج إليهم المجاهد سليمان أبو خليفة ، ودارت معركة غير متكافئة استشهد فيها البطل رحمه الله .
وفي يوم استشهاد المجاهدين البطلين قام الإنجليز بالقبض على جميع رجال القرية ، وأودعوهم سجن عكا ، وقاموا بضرب المرحوم عبد الرحمن أبو زهرة حتى الموت ، وألقوه على الأرض ، ولكن الله منّ عليه بالحياة والشفاء . وقاموا بإجلاء النساء والأطفال إلى قرية ميثلون المجاورة لعدة أيام ، قاموا خلالها بتفتيش البيوت بيتاً بيتاً ، فكسروا الأبواب ونهبوا بعض الموجودات ، وأتلفوا جميع المؤن المخزونة بعد طرح بعضها فوق بعض من قمح وطحين وسكر وأرز وحبوب وغيرها ، وصبوا فوقها الكاز وزيت الزيتون ، ومزقوا الفراش والملابس . وقاموا خلال عملية التفتيش بنسف ديوان المختار فريد الحاج محمود ، وقسماً من دارنا المجاورة له ، ونسفوا ديوان آل الحاج حسين والدور المجاورة له ، وديوان محمد اليوسف ، وبيت فوزي الفياض .. كما نسفوا ودمروا عدداً كبيراً من بيوت القرية . وبقيت القرية مطوقة بالعساكر مدة شهر ، ولم يُبقوا فيها في الأسبوع الأول سوى المختار ، الذي كانوا يهددونه يوميّاً بالقتل ، طالبين منه أن يدلّهم على مخابئ الثوار ، وهو صابر على ما يلاقي من إيذاء .. هذا ولا تزال آثار جرائمهم من هدم البيوت شاهدة عليهم حتى اليوم .
ولقد شاهدتُ هذا الحال وهذه المناظر وأنا طفل صغير ، وإن نسيت شيئاً منها فلن أنسى منظر الشهيد البطل سليمان أبو خليفة عندما مررت – مع والدتي – بجانب جثمانه المسجّى على الأرض بجوار بيتنا ، ودمه ومخّه منثور على الجدار من كثرة الرصاص الذي أطلقوه عليه بعد استشهاده .. ومن الأمور التي لا أنساها أيضاً منظر بيتنا وهم ينسفونه بالمتفجرات ، فقد شاهدت الغبار والدخان وهو يرتفع منه إلى عنان السماء ، وأنا في الطريق إلى ميثلون .
أما القائد الشهيد عبد الرحيم الحاج محمد ، فقد كان بطلاً من أبطال الجهاد ، نازل البريطانيين وأنزل بهم خسائر لا تنسى ، وكان اسمه يتداول بين جموع القوات البريطانية مخيفاً مرعباً .. وكان يأبى على نفسه أن يختبئ أو أن يقع أسيراً بيد الإنجليز .. فاستشهد في المعركة وهو يعتلي جواده .. فحزنت لفقده كل فلسطين ، ولم يُخفِ الشعب حداده على القائد الشهيد ، فرفعت المنازل الأعلام السوداء ، وأقامت المساجد صلاة الغائب ، وأقيمت التعازي والمآتم في أغلب المنازل ، وأضربت المدن كلها حداداً عليه (21) .
أما في صانور ، فقد حزن جميع أهل القرية على الفقيد الغالي ، الذي كانوا يعتبرونه أخاً كريماً ، وقائداً شجاعاً من أعزّ قادتهم ، ومازالوا يتغنون بصفاته الحميدة حتى اليوم .
وعندما قام الانتداب البريطاني بتنفيذ المؤامرة على فلسطين ، وقام الإنجليز بتسليم العديد من البلدان والأراضي للصهاينة عام 1948 ، ليعلنوا قيام دولة إسرائيل .. كانت صانور في طليعة القرى والبلدان التي شارك أبناؤها في الدفاع عن جنين ، وطرد اليهود منها ومن القرى التيتقع شمال مدينة جنين .. بل وكان لها دور ومشاركة في النجدة التي توجهت إلى القدس للدفاع عنها في الأيام الأولى من هجوم العصابات الصهيونية عليها(22) .
هذا وقد قدّمت قرية صانور كباقي مدن وقرى فلسطين العديد من الشهداء في مقاومة الإنجليز(23) ، ومقاومة الاحتلال الصهيوني ، بالإضافة إلى المعتقلين في سجون الاحتلال .
ولما بدأت ثورة عام 1936 كان المجاهدون يعتبرون صانور مركزاً هاماً من مراكز الثورة ، نظراً لما تتميز به من موقع حصين ، ولما يجدون من عون ومساعدة من جميع أهالي القرية .. أضف إلى هذا ما قام به أهلها من جهاد ريادي في محاربة الإنجليز ، وكان من بينهم المناضل كامل الحاج حسين (قائد فصيل) ، والمناضل فوزي جرار (قائد فصيل) ، والشهيد سليمان السعد (قائد فصيل) . وفي بداية الثورة بدأ كثير من المجاهدين يتجمعون في صانور وفي جبل (حريش) المجاور لها .. وقد وصل في تلك الفترة عدد من قادة الجهاد ، وفي مقدمتهم المجاهد سعيد العاص ، والشيخ محمد الأشمر من الشام ، والقائد جاسم من العراق ، وتجمعوا في صانور قرابة الشهر، ثم انتشروا في البلدان الأخرى .. واشترك معهم أبناء صانور في خوض عدد من المعارك كان من أبرزها معركة (احريش) ومعركة (بيت امرين) عام 1936م .
وعندما أصبح المجاهد عبد الرحيم الحاج محمد قائداً عاماً للثورة ، كان يعتبر صانور من مراكزه الرئيسية ، فكثيراً ما كان يأوي إليها وإلى جبالها الحصينة المحيطة بها هو وجنوده ، فيلقون فيها المعين والنصير والحارس الأمين .
وفي أوائل عام 1939 توجه القائد عبد الرحيم إلى دمشق للتشاور مع القيادة في أمر الجهاد ، وللحصول على أسلحة وذخيرة ، وبعد أن أمضى قرابة شهر ، قرر العودة إلى فلسطين لاستئناف الجهاد . وعاد برفقته عدد من قادة الفصائل ، وهم : سعيد بيت إيبا ، وفوزي جرار ، وسليمان أبو خليفة ، ومعهم مجموعة من المناضلين الذين كانوا يحرسون القائد ، وكانوا من قرى صانور وميثلون وسيريس والجديدة وبرقين . وفي الطريق نزلوا بمضارب عشيرة الصقر بجوار نهر الشريعة في منطقة طوباس ، فاستقبلهم شيوخ الصقر وأكرموهم ، وأرسلوا معهم عدداً من الخيالة من شبابهم ، رافقوهم إلى بلدة صانور ليلة 27 آذار 1939 ، ونزلوا مع المناضل فوزي جرار في ديوان آل جرار ، وكان في استقبالهم عدد من وجهاء القرية . وأرسل القائد مرافقه سليمان أبو خليفة ليقابل المجاهدين في عدد من القرى المجاورة ، ليوافوه في صباح اليوم التالي في قرية الفندقومية لاستئناف الجهاد .
وبعد أن استراح القائد ومرافقوه في صانور ، توزّعوا للمبيت ، فتوجه أبناء ميثلون وسيريس والجديدة إلى قراهم للمبيت فيها والتوجه فجراً إلى الفندقومية ، وبات خيالة الصقر في قرية الجديدة ، وفي الصباح عادوا إلى مضاربهم . وبات القائد عبد الرحيم الحاج محمد ومساعده سعيد بيت إيبا في ديوان آل الحاج حسين . أما المناضل سليمان أبو خليفة فقد قام بالمهمة التي كُلّف بها وعاد مرهقاً ، وبات في ديوان المختار فريد الحاج محمود(20) .
وكان عملاء الإنجليز يتابعون القائد منذ خروجه من دمشق واتجاهه إلى نهر الشريعة ثم إلى صانور .. وفي فجر تلك الليلة كانت قوات كبيرة من الإنجليز بصحبة أحد العملاء تطوّق القرية ، ويعتلي أفرادها سطوح المنازل ويحاصرون الثوار . وكان شباب القرية يتناوبون الحراسة في الطرقات ، ولما أحسّوا بالإنجليز أخبروا الثوار الذين لم يكن عددهم كاف لأي مواجهة . وتمكن بعض الثوار من الاختفاء داخل البلدة .. أما القائد – رحمه الله – فقد رفض الاختفاء رغم الإلحاح الشديد من أهل البلدة للقيام بإخفائه ، وقرّر أن يصلي ركعتين ، وينطلق بجواده مهما تكن النتائج ، ليلتقي مع إخوانه المجاهدين ، ويبدأ المعركة مع الأعداء .. وقد استطاع أن يتجاوز الطوق الأول والطوق الثاني ، وأن يصل إلى أسفل القرية من الجهة الشرقية ، حيث كان أحد الشباب ينتظره ومعه جواده . ولما اعتلى ظهر الجواد أصابته رصاصة ، فقد كان الإنجليز يطلقون النار على كل من يحاول مغادرة القرية ، فسقط على الأرض .. وكان أول الذين وصلوا إليه بعد إصابته ، ذلك العميل الخائن الذي أحضر الإنجليز إلى صانور ، فداس على رأسه وأفرغ مسدسه فيه . وكانت قوات الإنجليز في نفس الوقت قد حاصرت ديوان المختار ، ولم يجرؤ أحد منهم على اقتحامه ، فخرج إليهم المجاهد سليمان أبو خليفة ، ودارت معركة غير متكافئة استشهد فيها البطل رحمه الله .
وفي يوم استشهاد المجاهدين البطلين قام الإنجليز بالقبض على جميع رجال القرية ، وأودعوهم سجن عكا ، وقاموا بضرب المرحوم عبد الرحمن أبو زهرة حتى الموت ، وألقوه على الأرض ، ولكن الله منّ عليه بالحياة والشفاء . وقاموا بإجلاء النساء والأطفال إلى قرية ميثلون المجاورة لعدة أيام ، قاموا خلالها بتفتيش البيوت بيتاً بيتاً ، فكسروا الأبواب ونهبوا بعض الموجودات ، وأتلفوا جميع المؤن المخزونة بعد طرح بعضها فوق بعض من قمح وطحين وسكر وأرز وحبوب وغيرها ، وصبوا فوقها الكاز وزيت الزيتون ، ومزقوا الفراش والملابس . وقاموا خلال عملية التفتيش بنسف ديوان المختار فريد الحاج محمود ، وقسماً من دارنا المجاورة له ، ونسفوا ديوان آل الحاج حسين والدور المجاورة له ، وديوان محمد اليوسف ، وبيت فوزي الفياض .. كما نسفوا ودمروا عدداً كبيراً من بيوت القرية . وبقيت القرية مطوقة بالعساكر مدة شهر ، ولم يُبقوا فيها في الأسبوع الأول سوى المختار ، الذي كانوا يهددونه يوميّاً بالقتل ، طالبين منه أن يدلّهم على مخابئ الثوار ، وهو صابر على ما يلاقي من إيذاء .. هذا ولا تزال آثار جرائمهم من هدم البيوت شاهدة عليهم حتى اليوم .
ولقد شاهدتُ هذا الحال وهذه المناظر وأنا طفل صغير ، وإن نسيت شيئاً منها فلن أنسى منظر الشهيد البطل سليمان أبو خليفة عندما مررت – مع والدتي – بجانب جثمانه المسجّى على الأرض بجوار بيتنا ، ودمه ومخّه منثور على الجدار من كثرة الرصاص الذي أطلقوه عليه بعد استشهاده .. ومن الأمور التي لا أنساها أيضاً منظر بيتنا وهم ينسفونه بالمتفجرات ، فقد شاهدت الغبار والدخان وهو يرتفع منه إلى عنان السماء ، وأنا في الطريق إلى ميثلون .
أما القائد الشهيد عبد الرحيم الحاج محمد ، فقد كان بطلاً من أبطال الجهاد ، نازل البريطانيين وأنزل بهم خسائر لا تنسى ، وكان اسمه يتداول بين جموع القوات البريطانية مخيفاً مرعباً .. وكان يأبى على نفسه أن يختبئ أو أن يقع أسيراً بيد الإنجليز .. فاستشهد في المعركة وهو يعتلي جواده .. فحزنت لفقده كل فلسطين ، ولم يُخفِ الشعب حداده على القائد الشهيد ، فرفعت المنازل الأعلام السوداء ، وأقامت المساجد صلاة الغائب ، وأقيمت التعازي والمآتم في أغلب المنازل ، وأضربت المدن كلها حداداً عليه (21) .
أما في صانور ، فقد حزن جميع أهل القرية على الفقيد الغالي ، الذي كانوا يعتبرونه أخاً كريماً ، وقائداً شجاعاً من أعزّ قادتهم ، ومازالوا يتغنون بصفاته الحميدة حتى اليوم .
وعندما قام الانتداب البريطاني بتنفيذ المؤامرة على فلسطين ، وقام الإنجليز بتسليم العديد من البلدان والأراضي للصهاينة عام 1948 ، ليعلنوا قيام دولة إسرائيل .. كانت صانور في طليعة القرى والبلدان التي شارك أبناؤها في الدفاع عن جنين ، وطرد اليهود منها ومن القرى التيتقع شمال مدينة جنين .. بل وكان لها دور ومشاركة في النجدة التي توجهت إلى القدس للدفاع عنها في الأيام الأولى من هجوم العصابات الصهيونية عليها(22) .
هذا وقد قدّمت قرية صانور كباقي مدن وقرى فلسطين العديد من الشهداء في مقاومة الإنجليز(23) ، ومقاومة الاحتلال الصهيوني ، بالإضافة إلى المعتقلين في سجون الاحتلال .