إهداء
إلى البريئة... من تفتخر بي،
مع قبلة...
1
لم يصدق نفسه في ذلك اليوم التاريخي... يوم 15 مارس 2006م، اليوم الذي اختير فيه وزيراً للصحة في بلاده، كان يوماً تاريخياً ورائعاً بالنسبة له، لم يصدق رغم اتصال الديوان الملكي به إلا بعد سماعه نشرة أخبار التاسعة والنصف مساء.
أهلا بكم في نشرة أخبار التاسعة والنصف...
يقدمها لكم حامد الغامدي
أمر ملكي كريم بتعيين الدكتور حمود زراع وزيراً للصحة.
عندها فقط تأكد أنه أصبح وزيراً للصحة، تلقى التهاني من أحبائه وأصدقائه وحتى أعدائه أرسلوا له برقيات التهاني والتبريكات وهاتفه الجوال لم يكف عن الرنين، لأنه أصبح وزيراً، هل يعني ذلك أنه أصبح فوق الجميع، والجميع تحت مظلته يعملون، وإلى مرضاته يسعون ويبتغون، لو كان الوزير يعبد فالملوك ماذا يصنع بهم؟؟
من منا لا يريد أن يصبح وزيراً في بلده، وقد تكون نقطة نهاية لطموح الكثيرين، لأن هذا المنصب هو الممكن، أما أبعد منه فلن يستطيع أي شخص أن يصل، أما في الغرب فهو بداية الطموح لكثيرين لرئاسة حكومات وأحزاب ودول.
أدى القسم أمام الملك، أقسم بالله العظيم على أن يعمل بكل طاقاته وأن لا يخون وطنه وأمته وأن يسعى للارتقاء بوزارته إلى الأفضل، ذهب إلى الملك وقبّل يده الكريمة وكتفه، وتلقى التهنئة بمناسبة الثقة الملكية التي حظي بها وكلمات داعمة من الملك وتمنياته بالتوفيق.
أحياناً يصبح وزيراً من لا يستحق الوزارة، أو من يستحق الحد الأدنى من الثقة لكن أمامه الآلاف ممن يستحق وبجدارة أن يقود وزارة كوزارة الصحة... الوزارة الأهم في نظري بعد وزارة التربية والتعليم في أي دولة في هذا العالم.
جميل أن تكون نوايانا طيبة لكن هذا لا يكفي ولن يكفي... أما الأفعال فهي قليلة في الاتجاه الذي يريده الجميع في التطور والتقدم والوصول للمكان الذي يطمح له الصغير قبل الكبير.
أول قرار اتخذه بعد أن أصبح وزيراً هو تغيير أثاث مكتبه بالكامل... من إلى، أرسل على طلبيات من مختلف أنحاء العالم للحصول على المكتب الذي يليق بحمود الوزير، من السويد وأمريكا وقليل من الصين، حتى الصينيين لا يستهان بأثاثهم الأنيق البسيط، المكتب الفاخر يعطيه نوعاً من الأبهة التي يحتاجها، والمكتب السابق قد أصبح قديماً بعد جلوس الوزير السابق عليه ولا يجوز أن يكون مكتبه قديماً.
يومه الأول كوزير لم يكن عادياً أبداً، الآلاف من البشر قدموا لتهنئته، ليس فقط للتهنئة بل معهم بعض الأوراق والمستندات والآمال المعلقة على سعادته، يريدون منه التوسط لهم والتكرم عليهم بواسطته وفيتامينه، لأنهم لن يعيشوا دون واسطته وكرمه الذي وسع كل شيء في الأرض، كان من الأجدر لهم أن يعملوا أو يسألوا خالقهم بدل سؤال الناس والوزراء والملوك.
أعطى هذه الأوراق والمستندات لمدير مكتبه، وأمره بأن يحرقها ويرميها في أقرب سلة نفايات من الحجم الكبير جداً، لأنه لا يريد تخريب سمعته من أول أيامه، يجب أن يثبت أقدامه في الوزارة أولاً ثم يفعل ما يحلو له.
مدير مكتبه قادم من جدة... المدينة التي قدم منها حمود أيضاً، المدينة التي يعشقها، تمنّى أن ينقل وزارته إلى جدة، لكن العاصمة هي الرياض، ويجب أن تكون الوزارة موجودة فيها، مدير مكتبه هو صديقه مروان، يحمل ماجستير في إدارة الأعمال من جامعة كامبردج البريطانية، لم تكن صداقته له فقط هي سبب تعيينه له بل كفاءته وقدراته أيضاً.
أما سيرة الوزير فهي سيرة جيدة جداً لا بأس بها... ولد في جدة سنة 1958م... أعزب، حصل على بكالوريوس الطب والجراحة من جامعة الملك عبد العزيز بجدة، حصل على دكتوراه في طب الأطفال وتحديداً في قلب الأطفال من جامعة (ألبرتا) بكندا، عيِّن قبل أربع سنوات مديراً لمستشفى الملك فيصل التخصصي بجدة، وبعدها أصبح وزيراً للصحة في بلاده.
أعزب لأنه لم يجد حتى الآن الفتاة التي تستحقه ويستحقها... الفتاة التي يحبها، الفتاة التي تفهم أسلوب حياته وتفكيره وتحاول أقلمة نفسها معه... على الأقل تحاول.
سيارته كانت من نوع تويوتا أفالون، أما اليوم فسيارته من نوع مرسيدس بنز الفئة الأغلى بسائق خاص أسمر البشرة، سيارته ضد الرصاص طبعاً حفاظاً على حياته الغالية على قلوبهم.
الدكتور حمود... وسيم جداً، لا توجد في وجهه أي شعرة، يمرر موسه يومياً على ذقته ووجهه ليلمع ويبرق بشدة، أبيض البشرة، عيونه عسلية اللون تغطيها نظارة طبية بحدود سوداء، يحب اللون الأسود كثيراً، رغم أنه كلون حزن يذكره بوفاة والديه بحادث سيارة أثناء رجوعهما من أداء العمرة قبل عشر سنوات تحديداً، بقي وحيداً... ليس له أخوة، هو وحيد والديه المدلل، كانا يريدان رؤيته وهو عريس، لكنه اليوم وبكل فخر أحلى وزير.
سيعيش وحيداً في قصره مع خادمة وسائق، حياة الوحدة جميلة جداً وممتعة، فيها حرية لأبعد حدودها، مثلاً بإمكانك أن تتجول عارياً كما ولدتك أمك في قصرك دون أن يقول لك أحدهم: هل أنت مجنون؟؟ يمكنه أيضاً أن يرقص ويغني على وقع الموسيقى التي يحبها دون أن يقول له أحدهم: هذا حرام... اتق الله، لكن بعد سنوات قليلة... قليلة جداً من الذي ستعيش معك نهايات حياتك؟ نهايات قصتك في هذا العالم، من سيواسيك عندما تمرض وتصبح الوزير السابق يعاني من وعكة صحية ألزمته الفراش الأبيض، لن يزورك أحد لأنك الوزير السابق وأنت لا تعني لهم أي شيء.
يرتدي مشلحاً (بشتاً) سكري اللون، يزعجه قليلاً... لكنه يعطيه شيئاً من الوقار والاحترام الذي يحتاجه طبعاً كوزير جديد، بجانب الثوب والغترة والعقال ليكون زياً سعودياً كاملاً، مقيد للحركة قليلاً... لو لم يغطِّ رأسه لظهر شعره الأبيض وصلعته التي بدأت تأخذ شكلاً مميزاً.
حضر أول جلسة له في مجلس الوزراء، كان الجو غريباً عليه، أجواء الهيبة والكلاسيكية التي تجعل الشخص يمل منها، أجواء الوزراء الغريبة والمريبة، أجواء ليست لطيفة جداً... الله يعدي أيام الاثنين على خير.
نعم الوزراء يعيشون حياة مترفة، لكن سنوات الوزارة تسرق من أعمارهم وأوقاتهم، دوام وسفرات خارجية وداخلية للاطمئنان بأن كل الأمور تسير حسب المخطط لها، لكن التخطيط هو الأهم، وضع آلية عمل واضحة تسير عليها الوزارة هو أهم ما يمكن للوزير أن يقوم به، أيضاً الصلاحيات الكاملة له، وبعد ذلك محاسبته إن أخطأ، لو قمنا بذلك لأصبحنا أكثر تقدماً من الآن، لكن الأخطاء واردة جداً.
فرّاشه يدعى العم حسن... يعيش في بطحاء الرياض، هو أكثر من يقابله في دوامه بمكتبه، قهوته الساعة التاسعة صباحاً وشايه بسكّره الزائد عند الواحدة ظهراً، بعد أدائهم لصلاة الظهر جماعة في مكتبه وهو دوماً الإمام ليس لكونه وزيراً بل لأنه يحفظ القرآن كاملاً ولله الحمد والمنّة، تعلمه في تحفيظ حيهم بجدة... حي الأندلس الذي عاش فيه وترعرع، هذا بخلاف الأوراق التي ينقلها العم حسن بين الموظفين في الوزارة، وقد عرض عليه حمود العمل في منزله مساء لكنه رفض، لأن لديه أسرته التي يحتاج قضاء وقت معها، رغم فقره لكن حمود وجد فيه الصديق والمأمن والكاتم على أسراره وحكاياته الخاصة.
معظم وقته يقضيه في عمله كوزير، مهمة عظيمة تحتاج إلى جهد منه وتفرغ كامل لها، لكنه يعيش وحيداً منذ رحيل والديه، يعيش دون أنثى والذي يعيش من دون أنثى لن يستمتع بحياته كما ينبغي لها أن تعاش، أن يحب أنثى هو أمر معقد بالنسبة له... أمر معقد جداً، يجب أن يغوص في أعماق فكرها قبل جسدها الذي لا يعني له أي شيء.
سأله فرّاشه العم حسن:
- هل أبحث لك عن عروسة؟؟
- أصبحت خطّاباً للوزير كذلك يا عم حسن، لا... فقط أعطني مزيداً من القهوة التي أحبها.
2
ما أجمل بطحاء الرياض، حيث البساطة والحياة كما يجب أن تعاش، مع امرأة عجوز مثله، وابنه علي الذي تجاوز العشرين من عمره ولم يجد وظيفة ولم يدخل الجامعة لأنه فاشل دراسياً، أقولها بكل صراحة... فاشل كوالده الفراش، رغم أنه فراش الوزير، وزير الصحة، وهو لا يجد ما يكفي أهله على الأقل، حيث بيته الصغير، غرفتان أصبحت بيته في حارة ضيقة، في مدينة جميلة كالرياض.
راتبه 1500 ريال شهرياً، مبلغ جيد لكنه لا يكفيه حتى منتصف الشهر، نصفه للإيجار، والباقي يذهب في المصاريف والمأكل والمشرب، وابنه يحتاج لمصروف شهري، وجد عملاً قبل فترة في سوبرماركت كمحاسب، لكن صاحب العمل قرر الاستغناء عنه بسبب الأزمة المالية العالمية والأجنبي أرخص بكثير كما يقول، حتى ولده علي لم يسلم من الأزمة، كان يمكن أن يساعده بالصرف على نفسه على الأقل.
فرّاش الوزير... الكلمة الأولى لشخص قد يكون من أحقر البشر في نظر البعض، والثانية لرجل من أفضل البشر في نظرهم أيضاً، لكن ليس في كل شيء، فمثلاً فرّاش الوزير استمتع بممارسة الجنس مرات ومرات مع زوجته أم علي، أما الوزير فلم يمارس الجنس مع أنثى... أؤكد لكم هذه المعلومة، لأن الدكتور حمود لا يقبل أبداً أن يسوق امرأة إلى فراشه دون حب.
هل هذا معيب للرجل؟؟
إنه أعزب... دون امرأة، هل من تشكيك في قدراته الجنسية؟ هل من تشكيك في أهليته، وفي ميوله الجنسية، نعم أفتخر أني أعزب إن لم أجد الفتاة التي أحبها فأنا أعزب حتى الوفاة.
تأقلم وتجانس مع حياة العزوبية، وقرر أن يتزوجها إلى أن تأتي المرأة التي تنتشله منها، كان يطبخ قبل تسلمه الوزارة، يجيد طبخ الكبسة والبيض بكل أنواعه والمعكرونة وطبخة إيطالية تدعى (الفوتوتشيني)، أما بعد أن أصبح وزيراً... بريستيجه لم يسمح له بالطبخ، فلديه طباخة تصنع له كل ما يشتهيه، لكنه لا زال يحضّر قهوته التركية المفضلة لديه، وهو من النوع الانطوائي الذي لا يحب كثرة الصداقات والعلاقات والكلام الكثير... ليس اجتماعياً، لأن البشر قد يكونوا اجتماعيين ومنعزلين وأحياناً تختلط كلتا الحالتين لتكون مزيجاً آخر إنساني.
لو تزوج وهو في أوائل العشرين من عمره، لكان لديه أولاد في أوائل العشرين، ومن الممكن أن يكون له أحفاد، لكنه لم يرد ذلك، رغم أنه يحب الأطفال كفطرة بشرية ربانية، لكن مشاغل الحياة قد سرقته وطموحاته التي ليس لها حدود جعلته لا يفكر كثيراً في المرأة كأنثى... في المرأة كحب دائم في حياته التي تستحق أنثى لتكتمل، لأن الحياة من غير أنثى حياة ناقصة من نعومتها وحنانها.
عندما كان يدرس طب الأطفال في كندا، كانت زميلته في نفس التخصص واسمها... (نيكاي)، تحاول أن تلمح له بمشاعرها تجاهه، وكانت جميلة جداً وشقراء، لكنه لم يشعر بأي نوع من المشاعر تجاهها... بأي نوع من الحب، رغم أنها كانت ترغب بممارسة الجنس معه وهي راضية بذلك، لكن كانت مبادئه وقيمه تحتّم عليه أن... لا جنس دون حب.
وصوله إلى الوزارة دليل على نجاحه، نجاح مسيرته، نجح بدعم من والديه، برعايتهما وحبهما، رغم أنه افتقد الحب من الزوجة، لكن ذلك لم يعرقل مسيرته الناجحة تماماً، بداياته في جامعة الملك عبد العزيز في الطب والجراحة مع دفعة لم يتجاوز عددها الثلاثين طالباً، لم يكن الأفضل بينهم، لكنه كان مثالاً واضحاً للالتزام والدقة والجد والمثابرة.
سبع سنين حصل بعدها على بكالوريوس الطب والجراحة، بعدها ابتعث إلى كندا، وهناك تفوقه كان واضحاً رغم الغربة، لكن الغربة قد تصنع الرجال الحقيقيين وتصقلهم، حصل على الدكتوراه بعد عشر سنين قضاها في كندا في مدينة أدمنتون، بعد عودته إلى وطنه، عمل في مستشفى الملك فيصل التخصصي بجدة في تخصص طب الأطفال، عُيِّن بعدها رئيساً لقسم الأطفال، وبعدها مديراً للمستشفى، أمتع وأحلى أوقاته قضاها عندما كان يشرف على علاج الأطفال مباشرة، كان هذا كل ما يريده منذ دخوله كلية الطب والجراحة، تخفيف آلام الأطفال... هل لأنه محروم من الأطفال؟ لأنه لم يتزوج حتى الآن، رغم بلوغه الثامنة والأربعين من عمره، لكنه يعتبر في عرف الوزراء وزيراً شاباً، لأن أغلب الوزراء في تلك الفترة كانوا في العقد السادس من عمرهم تقريباً.
عنونت إحدى الصحف المحلية بعد توليه وزارة الصحة، الوزير الشاب خطوة في طريق الإصلاح في السعودية، (الوزير الأعزب) كانت جذابة أكثر للقارئ السعودي.
3
كابوس راوده كثيراً بعد توليه الوزارة، لم يدعه يهنأ بنومه، عكّر عليه مزاجه العام وزاد التوتر والضغط الواقع عليه، كوابيس الوزير تأتيه يومياً دون أدنى رحمة به وبحاله، عندما يقوم فزعاً من كابوسه لا يجد من يعطيه كأس ماء ليبلل به ريقه الناشف، لا يجد من تحتضنه بحنان وحب لأن غرفته خالية من الحب.
الكابوس هو...
يجد نفسه (حمود) دون ملابس يرتديها... وحيداً، في جو مظلم شديد الظلمة، لا يرى شيئاً سوى أنه غريق ويحتاج من ينقذه، لا يسمعه أحد، لا ينقذه أحد، يغرق ويغرق، وقبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة، يأتيه نمر من النمور الكبيرة المخيفة ويحاول التهامه...
يستيقظ من نومه دوماً قبل أن يلتهمه النمر، يذهب إلى الحمام ويغسل وجهه ويتوضأ استعداداً لأداء صلاة الفجر.
الكابوس هو الحلم المفزع، لا حياة دون أحلام، أحلام النوم واليقظة، هي من تسلينا أحياناً، نستمتع بها في نومنا وحياتنا، نشاهدها على طريقة الأفلام القصيرة التي تعطيك الفكرة... الفكرة فقط وتدعك تفتش عن بقية الأمور... وحدك.
4
راتبه الشهري يقارب السبعين ألف ريال سعودي فقط لا غير، في الشهر الماضي اشترى لوحة كبيرة أعجبته جداً رسمها الفنان السعودي الكبير (علي حسنين)، اشتراها بمبلغ قارب الخمسين ألف ريال، لوحة وجدها معبرة عن حياته الخالية من الأنثى، وجدها معبرة عن حبه الذي لم يجده حتى الآن.
هو من عشاق الساعات الغالية والثمينة، اشترى ساعة صناعة سويسرية من إنتاج شركة تاج هوير صممت لأجله فقط، اشتراها بمبلغ صادم، لكنه لا يبخل على نفسه بأي شيء يرغب فيه، ملايينه التي في البنك تشتكي من تركها دون صرف أو تدوير.
دوماً يقول لنفسه:
لمن أتجمل؟ لمن أتزين؟ لنفسي فقط، لا أحد يرقب حركاتي وسكناتي سوى رجال الإعلام، من يريدني جميلاً، المرأة وحدها هي من تريدني رائعاً أمامها، لن يقدرني أحد مهما كنت وسيماً، سوى أنثى تحبني أكثر من نفسها.
هو ليبرالي الهوى، ويفتخر بذلك دوماً، ويدرك ما يعنيه بذلك، يعني أنه حر ويريد أن تعمّ الحرية هذا العالم بأسره، التزامه بدينه لا يعني بالضرورة أنه من أصحاب العقول المتحجرة التي لا تقبل التغيير والتبديل، بل عقليته متفتحة تقبل كل جديد ومتغير.
في لقاء مطوّل أجرته معه إحدى الصحف المحلية ذائعة الصيت، عنونت هذا اللقاء بجملته التي قالها بكل فخر:
أنا ليبرالي الهوى!!
تلك الفترة قامت الدنيا عليه ولم تقعد... وزير سعودي ليبرالي وعلماني ومتأمرك، الصحف المحلية والمواقع لم تكف عن انتقاده والمطالبة بإقالته من منصبه بعد أقل من ستة أشهر على تعيينه، دستورنا الكتاب والسنّة فكيف يأتي هذا العلماني السفيه وزيراً علينا؟؟ بل وطالب بعضهم بتطبيق حد الردة عن الإسلام عليه.
علينا أن نقبل التغيير، التغيير مطلوب في أي بلد في هذا العالم، في البلدان المتقدمة والنامية، عليهم أن يغيروا أي شيء تكون فيه مصلحة هذا البلد وتقدمه وتطوره مهما كانت تبعات هذا التغيير ومضاعفاته.
تقبل الآخر مهم جداً، ويجب أن يفرض على الجميع، تقبل العلماني والليبرالي وأتباع جميع الأديان وحتى الطوائف، لا يوجد مجتمع في هذا العالم مكون من تيار واحد، تيارات مختلفة والجميع يشارك في الحكم ويكون مؤثراً فيه بما تقتضيه مصلحة مجتمعه ووطنه وليس طائفته أو مذهبه.
لم يرد على كل تلك الحملة، قرر أن يبتعد قليلاً عن الظهور إعلامياً، ليس خوفاً منهم بل إشفاقاً عليهم وعلى حالتهم التي وصلوا إليها منذ فترة طويلة، يريدون السيطرة على كل شيء... كل شيء، يجب ألاّ نعطيهم فرصة للسيطرة علينا، لأننا ولدنا أحراراً وسنبقى أحراراً إلى يوم الدين.
قدسوا الحرية لكي لا يحكمكم طغاة الأرض.
(جبران خليل جبران)
صحف ومحطات كثيرة طلبت لقاءه، لكنه اعتذر بكل لباقة، لا شيء جديد يضاف ولا قديم يعاد، حواره في الشرق الأوسط كان واضحاً تماماً ولا يحتاج إلى أي تفسيرات أخرى.
لا يخاف حتى من إقالته من منصبه في أسوأ الأحوال، هل سلطتهم قد تصل إلى هذا الحد المخيف؟ مخيف جداً ما وصلوا إليه، تعيين وإقالة وزراء، لا أعتقد ذلك تماماً، المنطلق الديني الذي يحاولون التلاعب به كورقة رابحة يخرجوها متى أرادوا، ورقة ضغط يلعبون بها فينا لم تعد بتلك القوة التي كانت عليها سابقاً، رغم أن تأثيرها لا زال موجوداً.
الليبرالية تعني الحرية المطلقة للجميع ولكل البشر، هم لا يريدون الحرية... يريدون (الخنقة)، يدعون أنه فكر آتٍ من الغرب إذا لا نؤمن به ولن نعتنقه أبداً، هم من بدأ بغزونا فكرياً قبل الغرب، أفكارهم يجب أن ينفض عنها الغبار لتكون صالحة للاستخدام البشري.
جاءت الثقة مفاجئة له وللجميع... تجديد الثقة في وزير الصحة السعودي حمود زراع، دعم كبير له ولعمله كوزير، سيعطيه مزيداً من الثقة التي يحتاجها في مواجهة ضغوطاتهم... ثقة ملكية يستحقها.
عندما تشعر أن أعلى سلطة وأعلى رأس في هذا البلد معك ويدعمك بقوة، تستطيع أن تعمل وأنت مرتاح البال... أن تعمل دون ضغوطات تؤثر على القرارات التي تتخذها.
5
لديه في قصره ملحق صغير، قرّر أن يعطيه للعم حسن وأسرته للعيش فيه، عرض ذلك على العم حسن... رفض في البداية، لكن حمود ضغط عليه حتى وافق، لم تهن عليه نفسه التي أصبحت مكسورة، نفوس كثيرة غدت مكسورة ذليلة في هذه الحياة التي لا تعطي البشر كامل حقوقهم من الأنفة والكرامة.
علي ابن العم حسن أصبح السائق الخاص بالوزير، سيعطيه مرتباً جيداً... حوالي الثلاثة آلاف ريال شهرياً، وسيقود الشبح مرفوع الرأس، يفتح باب السيارة الخلفي للوزير... يلملم ما تبقى من مشلح الوزير (عباءته) داخل السيارة ويغلق باب السيارة ثم ينطلق مع الوزير إلى حيث يريد أن يذهب.
لم يفعل كل ذلك بغرض الشفقة عليهم، بل لأنه يريد عائلة تعيش قربه، عائلة لم يستطع خلقها حتى الآن، سيشعر على الأقل بوجود الأسرة، بوجود أهل قربه، شعور سيخفف من الضغوط والتوتر الذي يعيشه لأنه لم يجد حتى الآن من يشعر تجاهها بالحب.
انتقالهم من البطحاء إلى قصر الوزير في أرقى أحياء مدينة الرياض، يستنشقون أخيراً هواء نظيفاً، يعيشون الحياة التي يستحقوها، لأن لهم كرامتهم كبشر حقيقيين، يعيشون في وطن غني، يمتلك ثروات كبيرة... يجب أن يتذوقوها.