صفحة 1
لغــز امـــرأة
الكآبة تغطي مساءات المدينة، والمطر يبلل شوارعها في نهار خبت شمسه، بعد أن لفت الغيوم سماء تلك المدينة المتمددة بقلب الصحراء·
فكانت كالعطشان الذي لم يرتوِ منذ أمد بعيد· فغفت بعد أن ارتوت ملتحفة رداء مبلل بالمطر ومطرز بحكايات أزلية تلك التي تنام تحت وسائد سكانها، أقفلوا عليها صناديق ذواتهم وأحكموا أقفالها·
في أحد أحياء المدينة الذي يغلب على سكانه الفقر، قطع سكونه صوت سيارة تسير متهادية في شارع ضيق في هذا الحي وتكاد مصابيحها أن تخترق جدرانه، وتشعل الضوء في جنبات عتمته !
وما أن وصلت عند أحد المنازل حتى أشار الرجل إلى السائق الذي بجواره أن يقف، وهنا فتح باب السيارة بهدوء، ونزل، ثم وقف بطوله الفارع، وهو لا يكاد يظهر منه شيئاً وقد لف غترته بأحكام حول رأسه، وتلثم بطرفها، وغطى عينيه بنظارة طبية مظللة !
وأخذ يطرق الباب بطرف أصابعه طرقات خفيفة مع ضغطة سريعة على جرس الباب كما أعتاد ذلك·
وبعينين شبه مغمضتين نهضت سارة مفزعة، وأخذت تتحسس بيدها باحثة عن ساعة المنبه في وسط الظلام الذي أغرق غرفتها المتواضعة، وما أن أمسكت به حتى أنارت المصباح المجاور لسريرها الخشبي القديم الذي ابتاعته من حراج المدينة منذ سنوات·
أخذت تمعن النظر في الساعة التي تشير عقاربها إلى الثالثة صباحاً·· وهنا هتفت بفزع:
اللهم أجعله خيرا من الذي يطرق بابي في هذا الوقت المتأخر، وأنا الذي يندر أن يأتيني أحد وبيتي لم يعتد على الزائرين إلا ما ندر من المـحـ··· سـ···نـ·· يـ·· ن !!
وبعد أن نطقت هذه الكلمة توقفت عندها·· وهنا ابتسمت·· نعم·· إن اليوم يصادف الثلاثين من الشهر، إنه أبو الخير···إنه موعده !!
صفحة 2
قفزت من سريرها بخفة الفتاة المراهقة، والصبية الفرحة بموعد لقاء في ليلة مقمرة، تركت سنواتها الخمسين خلفها ونسيت ما تشكو منه من متاعب صحية، ونفسية، ووحدة مؤلمة، وضربات الزمن المؤلمة، وصفعاته الموجعة·
فتحت باب غرفتها المؤدي إلى صالة صغيرة، في أخرها مطبخ متواضع، وبجواره حمام لا يكاد يفي بالغرض· وكل ما في هذا المنزل يوحي بالبؤس والتعاسة·
سابقت خطواتها وهي تكاد تتعثر بعد أن فتحت الباب المفضي إلى الفناء الخارجي الذي أصبح حفرا مترعة ببقايا ماء المطر والمتساقط من وريقات الشجرة الوحيدة الباقية والمتفرعة في هذا المنزل الصغير لتشارك هذه السيدة وحدتها وبؤسها !!
وصلت الباب الخارجي المكتسي باللون الأخضر والمغطى بالصدأ لاهثة الأنفاس، وبعد عناء مع الباب الحديدي الصدئ الذي أحدث صوتاً أثناء فتحه، فوجدت أمامها ما توقعته، إنه أبو الخير الذي أعتاد أن يأتيها في مثل هذا الوقت من كل شهر ليؤمّن لها احتياجاتها دون أن يكشف عن شخصيته أو دوافعه·
بادرها بتحيته وسألها عن أحوالها، وبعد أن اطمأن على صحتها، همس لها أن تأتي معه·
تسمرت بمكانها ودهشت لما يقول!!
وهنا سألته·· إلى أين يا بني، في هذا الوقت المتأخر؟
لا ترتابي يا والدتي !
ستعرفين ذلك في حينه·
نعم يا بني لن أرتاب، فماذا يريد شاب بعنفوان شبابه من عجوز مريضة، لا تملك إلا الشقاء والعوز وسبق له أن أرسل سائقة مرارا ليوصلني إلى المستشفى ويعالجني دون أن أعرف من هو، وما هي دوافعه إلا حب الخير والإحسان·
إذن هيا معي دون تأخير، ودون أن يستيقظ أهل الحي·
صفحة 3
استأذنته بعض الوقت لتغير لباسها وترتدي عباءتها·
أغلقت باب منزلها بإحكام وجلست على المقعد الخلفي، وهي لا تعلم إلى أين يقودها صاحب السيارة·
وما هو القدر الذي ينتظرها، لم يتضح لها الحال، وسط ذلك الصمت لأنها لم تتعوّد على سؤال الآخرين حتى فيما يخصها·
انطلقت السيارة بسرعة تخترق شوارع المدينة المزدحمة والمضاءة، و قوة سرعة السيارة جعل سارة تتحرر من صمتها، وانطلقت كلماتها :
لِـمَ السرعة يا بني ؟
مهما يكن من أمر ليس هناك ما يدعو لأن يفقد الإنسان حياته من أجله !
ثم أردفت قائلة بعد صمت لتتأكد من تأثير ما تقول على الشاب:
أنا لست خائفة على نفسي فقد أفل شبابي، وليس هناك من ينتظرني، ولكن أخاف عليك يا بني فأنت في ربيع العمر، والدنيا أمامك، وهناك من ينتظر عودتك·
بدون أن يتكلم أشار إلى السائق بأن يهدئ من السرعة·
وما لبثت حتى انعطفت السيارة يساراً لتدخل أحد الأحياء الراقية، وقد بدأت مبانيها المشيدة على الطراز الحديث، ووقفت بشموخ الأشجار الباسقة المشذبة المصطفة على جوانب الطريق·
وعند أحد الفلل الصغيرة وقفت السيارة وترجل منها الشاب، وأدار المفتاح في بابها الخارجي وما أن انفتح أشار للسيدة بالنزول، وهنا نزلت وهي لا تملك من أمرها شيئاً فقد وجدت نفسها محاطة بهالة من الغموض !
تبعته إلى داخل المبنى، فناء محاط بأشجار فارعة وأحواض للأزهار وإضاءة موزعة بشكل بديع·
وحينما دلفت إلى الداخل ذهلت بفخامة الأثاث وبأناقة المنزل من الداخل·· وهنا التفتت إلى نفسها وخجلت من ملابسها الرثة، فكيف تأتي إلى هذا المكان بهذا الشكل المتواضع، وكيف تقابل أصحاب المنزل ؟!
صفحة 4
أتى صوت الشاب من خلفها قوياً : تفضلي أجلسي لِمَ أنتِ واقفة· وعندما همت بالكلام أشار لها بيده، علامة الصمت ثم قال:
لا داعي للكلام··هذا البيت الصغير هو منزلك، وإليكِ المفتاح، وهناك ألين مدبرة المنزل تلبي طلباتك، وتقوم على خدمتك، وهنا بجانب الهاتف مجموعة من الأرقام إذا كان هناك ما يدعو فمدبرة المنزل ستقوم بالاتصال·
شعرت بدوار، لم تستوعب شيئاً، حاولت أن تسأل ولكن الحيرة سيدة الموقف سيطرت عليها فارتمت على أقرب أريكة، ووضعت يديها على رأسها، ولم تستطع أن تمنع دمعة انزلقت على خدها·
نادى على مدبرة المنزل وطلب منها الاهتمام بها، وأن تعـّرفها على بيتها الجديد، وتوصلها إلى غرفتها لترتاح وتغفو بعد أن طار النوم من عينها·
ثم وجه الكلام لها:
الآن ارتاحي ومساء اليوم ستجدين إجابة على كل أسئلتك، وستنجلي سحب حيرتك·
ثم غادر المكان مخلفاً وراءه علامات التعجب والاستفهام؟؟!!·
أتت مدبرة المنزل التي دُربت على كيفية خدمتها وتوفير سبل الراحة لها، فطلبت منها النهوض وأن تستبدل ملابسها· ونظرت إليها مستفهمة بعد أن انكسر نظرها على ملابسها الرثة، ولسان حالها يقول إنه ليس معها إلا هذا الذي ترتديه ولكن قبل أن تتفوه بذلك·
هزت ألين رأسها بحركة أفهمتها بمعرفتها بما يدور بداخلها ثم قالت:
تفضلي مدام كله موجود !
شعرت بالحيوية تسري في جسدها بعد حمام دافئ غسل تعبها وهي ممددة على السرير الوثير المريح بأغطيته الحريرية والإضاءة الخافتة التي تنعكس على الجدران بألوانها المريحة للأعصاب وهنا ابتسمت بسخرية وهي تتذكر سريرها المتهالك الذي كان يجلب لها الألم أكثر مما يريحها، و تتخيل سقف غرفتها الذي يسرب ماء المطر عبر الثقوب المنتشرة بإنحائه، نهيك عن أشعة الشمس التي لا تجد إلا وجهها ليكن أول من تسطع على صفحته· ولكن رغم كل هذا لم يجد النوم طريقه لها في هذا المكان المختلف الذي لم تحلم أن تراه فضلا عن أن تسكنه !!
صفحة 5
ثمة قلق يقض مضجعها، وحيرة تطوح بها إلى مواطن بعيدة، وخوف يقذف بها إلى مسارات معتمة!!
حاولت أن تقرب الصور أكثر، وتتهجى أحرف الغموض الذي زرعها في طريقها الملثم الغامض منذ أن امتدت يده لها بالمساعدة منذ خمسة عشر عاماً·
هزت رأسها وهي تحدث نفسها:
من يساعدني شخص أجهله، لا أعلم هل هو يخصني بمساعدته أنا فقط أم أن هذه هي طريقته
مع كل المحتاجين· لم أكن مهتمة للأمر في البداية، ولم أسأل عنه، من حقه علي فقط دعواتي الصادقة النابعة من قلب محروم، وذات مكلومة، ولكن مالفت نظري هو تغير الأشخاص الذين يحضرون لي المساعدة إلا أن هذا الشاب الغامض الملثم الصامت الذي لا يتكلم كثيراً اعتدت على مجيئه منذ ست سنوات، منفردا أو مصحوباً بالسائق الذي يساعده على إنزال المساعدات·
المرة الوحيدة التي تحدث معي فيها حينما حاول أن يذكرني بشرطهم الوحيد لاستمرار المساعدات هو أن أترك خدمة البيوت، وخاصة بعدما وصلهم خبر بأن رب أحد البيوت حاول الاعتداء علي ولم يخلصني منه إلا دخول زوجته في الوقت المناسب، وكان عمري في ذلك الوقت تجاوز السابعة والثلاثون· وقد اضطررت للعمل بعد وفاة والدتي التي تركتني لعواء الريح، ولعتمة الليل، وللهيب الشمس، في أرض فضاء لا بساط ولا غطاء ولا مأوى بعد أن كانت هي الحصن المنيع بجوارها كنت أشعر بالقوة والأمان·
استسلمت لحظة لحزنها، وتركت الحرية لدموعها تنطلق، وقد تمثلت لها تلك الليلة الرمادية الكئيبة لحظة دخول والدتها عليها قبيل الفجر وهي تستنهضها والخوف باديا عليها وهي ترتجف مرتبكة قائلة لها: هيا انهضي دون أن يصدر منك صوت واتبعيني ثم خرجتا من الباب الخلفي وقت هجوع كل من في المنزل دون أن يشعر بهما أحد، وغادرتا المنزل بخطى مسرعات على غير هدى !!
وكان ذلك آخر عهد لها بعائلتها وكان عمرها حينئذ ثمانية عشر عاماً·
ثم غادرتا المدينة إلى إحدى ضواحيها قاصدتين إحدى الهجر المعزولة البعيدة عن أي أحد ممكن أن يقتفي أثرهما، وقد دبرا أمرهما وحياتهما بما تحمله أمها من مال كفاهما لسنوات بالإضافة إلى مساعدة الآخرين لهما، وبعد عشر سنوات عادتا إلى المدينة، وسكنتا في إحدى الأحياء الفقيرة التي لا يمكن أن يستدل عليهما أحد ممن يعرفهما!!