صفحة 1
برلين/ الخريف 2009
حين كانت برودة الريح تقرس الإنسان قرساً كان قلب الفتاة يَدفأ بحرارة يدي حبيبها. كانتْ شوارعُ برلين ملأى بأوراق متطايرة وناس مهرولين في ارتباكٍ.. وكان هطول مطر غزير وحده باعثاً على ارتباك (إيجه) كغيرها من المارين. كان ثمة أمر يشغل بالها عندما أخذت تستحثُّ حبيبَها على السرعة ساحبة إياه بيده، ألا وهو أن تصل البيت قبل وصول أمّها، لئلا ترى الشابَ (توم) الذي لم توافق عليه منذ البداية، ولكي تتفادى شجاراً قد ينشأ بينهما. وبينما كانت (إيجه) تشدُّ اللفحة التي تلفّ بها رقبتها، لتغطي بها أنفها، تذكرت الشجارَ الذي دار بينها وبين أمِّها حين فاتحتها بأمر (توم)... أمُّها كعادتها استهلتِ الشجارَ حينها بأنّ (إيجه) مازالت صغيرة على قصص الغرام بعدُ، وشدَّدتْ على أنّ سنّ السابعة عشرة من أهم المراحل التي تُرتكب فيها الأخطاء. والأهم من هذا وذاك أن واجبها واجبها هو أنْ تحذرها من عواقب علاقة مع شخص من غير بني جنسها، عواقب قد تفضي إلى ما لا تحمد عقباه. ولم تُخفِ رأيَها ملوِّحة بسبابتها إلى وجه (إيجه): "تظنين نفسك عاشقة ها!؟". ولمَّا أجابتها (إيجه): بأنها لا تعشقه وإنما تستمتع بصحبته، رغد الزَّبدُ في فم الأم.
ـ "أمّي! ليس بمقدور كلُّ شخص أن يجد مستر داركي Mr Darcy". قالت (إيجه) معترضة، مستخدمة أسهلَ أسلوب قد تفهمه أمُّها بسوق مثال من رواية لـ (جين أوستن) لا تفارق يدَ أمِّها، ظناً منها أنَّها ستخفف من وطء تعنيفها لها. إلا أنَّ كلماتها الغاضبة لم توحِ بذلك.
ـ "أنا أصلاً لا أثق بمستر داركي ولا بالعشق. حين تكبرين ستجدين مَن يناسب طبعك وعُرْفك. لمَ العجلة؟". أجابتها أمُّها كاظمة ًغيظها بصعوبةٍ.
مع برودة يد (توم) التي لفّتْ حضرها، عادت (إيجه) التي كانت لا تزال تجادل أمَّها في خيالها، إلى وعيها.
كان (توم) يهزُّ شعرَه الأشقر الطويل إلى اليمين واليسار كذيل الحصان حين عرض عليها:
ـ "هل تعرفين بماذا أفكر؟ عليكِ أن تعرِّفيني على أمِّكِ اليومَ".
صفحة 2
ـ "لا أظنُّ أنَّ الوقتَ مناسبٌ". اعترضتْ (إيجه).
أطار (توم) ورقة سقطتْ على الأرض حديثاً بضربة من قدمه.
ـ "طيّبْ! هل من المناسب أن أكون بعيداً عن حبيبتي في يوم ميلادها". قال (توم) مؤِّنباً.
أخفضت (إيجه) عينيها الكستناوين، وحاولتْ أن تطيَّبَ خاطر حبيبها:
ـ "غداً. في يوم آخر نحْيي معاً عيد ميلادي. وعدٌ".
ثمّ انتبهت إلى أنهما وصلا إلى أمام بيتها، فابتعدتْ عن (توم) وراحت ترتب ثيابها. ثمَّ ودّعتْ حبيبها بقبلة خاطفة.
ـ "غداً أنتِ مدينة لي بقبلة مرتّبة". قال توم مبتسماً وهو يرفع بنطاله (الجينز) الذي انزاح نحو الأسفل.
دون أنْ تحيرَ جواباً شرعتْ (إيجه) تفتح الباب، فلم تميّز المفتاح من شتيت المفاتيح من الارتباك. شهقتْ شهقة عميقة، وألصقتْ أذنها بالباب كي تسمع وقع خطى أمِّها، إلا أنها أيقنت أنّ البيت خالٍ من الجميع. شعرتْ بالرّاحة. راحت تقلّب المفتاح في القفل فإذا بالهاتف يرنُّ، فانتفضت في مكانها. وحين وصلتْ إليه كانت ميزة "الرّسائل الصوتيّة" قد حفظت رسالة تقول إن أمَّها علمتْ مؤخراً أنَّ الطائرة ستتأخر زهاء خمس ساعاتٍ، وأنّها حزينة على تأخِّرها، ولن تستقلَّ طائرات هذه الشركة ثانية". همت (إيجه) بأنّ ترفع السماعة وتخبر أمَّها بأنّها في البيت، إلا أنها أعرضت ليقينها بأنّ صوتها سيَفضحها، إذ كلما ارتكبت ما لا يُرضي أمَّها (أسماء) جاء صوتها قلقاً. فلا تريد أن تدخل في سجال مع أمِّها في هذا اليوم الخاصِّ. الأفضل هو أن تأخذ شراباً من (البوفيه) استعداداً لحفلة الليل... خلعتْ بنطالها الأحمر، وعلقت لفحتها على المشجب، ثم أخذتْ تصعد درجات السلم قفزاً درجتين درجتين إلى (البوفيه) في الطابق الثاني.
أخذت تبحث في (البوفيه) الخفيفة الإضاءة عن نبيذ أحمر من نوع (بروديكس) ـ صنع فرنسا، عام 1985 ـ ممّا تفضله أمُّها، من بين مشروبات صُفَّتْ حسب تاريخ صنعها... في هذه الأثناء صادفت نظراتها صندوقٌ خشبيٌّ محشور وراء جناح البوفيه الثخين. كان غطاء الصندوق موارباً... تنهَّدتْ (إيجه) قائلة: "يبدو أنَّ أمَّي قد رمت فيه كلُّ ما وقع في يدها، ولم تُطبق غطاءه".. أمها لا تطيق (الفوضى)، والشغّالة تأتي في الأسبوع مرّة. من المحتمل جداً أنّها نسيت أنْ تنظفَ (البوفيه) هذه المرّة. الأفضل هو أن تغلق هي الصندوق، وتزيل غباره قبل أن تعلم أمُّها بالأمر. وإلا ستسمِعُ الشغالة المسكينة (أولغا) توبيخاً ليسَ بقليل. كما أنّ ثلج السطح إذا شرع يذوب ويتسرّب إلى الداخل قد يرطب الصندوقَ، وينتن ما فيه. وحين بلغت الصندوق وانحنتْ عليه، لاحظتْ أنّ الأمر لم يكن كما توقعته أبداً، حتى أنّ الصندوقَ لم يكن مليئاً. لم يكن يحتوي إلا كتاباً واحداً. وإذا بها تبهتُ برسالة وجدتها بين صفحاته المغبرّة. كانت رسالة بخطّ أمِّها، من غير أن تحمل أيّة إشارة إلى تاريخ كتابتها أو لمن كتبتها. عجزت (إيجه) عن أن تجد أيَّ مغزى لحفظ هذا الكتاب الذي تآكلت صفحاته، إن لم يكن من القراءة فمن الاحتفاظ به وسط الغبار
صفحة 3
والوسخ.. كانتْ أمُّها تُغرَم بالكتب كثيراً، وكانت تمسح الغبارَ عنها كلُّ يوم بيديها.. كانت تصلح الأغلفة التالفة، وتلصق الصفحات المنزوعة على الفور. إلا أنَّ هذا الكتاب على الرَّغم من احتوائه رسالة في داخله، فقد أُهمل في رُكن وكأنه موغل في القدم. إيجه حين فتحتِ الكتابَ علمت بما فيه من توقيع بأنّه هديّة المؤلِف إلى أمِّها. لكن الكتاب كان خالياً من أية إشارة إلى دار النشر أو عدد النسخ. وحده العنوانُ الذي طُبع بأحرف كحليّة غامقة، كان واضحاً: "الليالي المظلمة".
كان الموقّع قد ذيّل توقيعه بعبارة تقول: "عزيزتي أسماء!: أرسلُ إليك هذا الكتاب آملاً أنْ تصفحي عني يوماً، وإني أعلمُ أنّ كتاباً لا يمحو الحقائق المُرّة، لكن حاولي، واقرأي الكتاب. رجاءً". كتُبتِ العبارة بتوسّل حقاً. والتوقيع لم يكن واضحاً. كان حرف (C) وحده في بداية التوقيع واضحاً... تركت إيجه العبارة جانباً وراحت تقرأ رسالة أمِّها ملهوفة:
"هذه قصّة حبٍّ.. حطامُ حبٍّ..أحياناً ختامُها يكون سريعاً وأحياناً صعباً بما لا يُصدّقُ....كان ختامُ قصتنا معروفاً منذ البداية. أنتم ألا تستسلمون لسحر الحبِّ مع معرفتكم ختامَه، شاعرين بمرارتَه؟ كنتُ في السابعة عشرة حين رأيته أوّلَ مَرّة. في السابعة عشرة كنتُ مسكونة بأحزان كبيرة، وقلبي ينوء بهموم ثقيلة. كنتُ قد عزفتُ عن السروح مع الخيال أو نسج أحلام مذ أن فارقني بصيصُ نورِ الأمل، إلى أن التقيتُ به. قرأتُ في عينيه حياة تتدفق في مسارها إلى درجة تنسيني نفسي. أمّا هو فكان خارجَ ذلك المسار. أردتُ أن أمدَ إليه يدي وأمسّه حين أيقنتُ أنَّ ناره لابدّ أن تكويني...
في البداية تطلعتُ إليه من لجّة ظلمةٍ ظننتُها لن تنتهي أبداً. كانت عيناه أوَّلَ شعاع يخترق العتمة الحالكة. ربّما لهذا السبب كان شاهداً لقلبي إلى هذه الدرجة. مَن كان يدري أنني بعدَ أيّام مريرةٍ سأنهلُ أوّل كأس من يديه يوماً في مكان ما، وأنّ قلبه سيدغدغُ بلطفٍ أغواريَ العميقة، وسيرتعشُ فيها ببطءٍ كشمعةٍ خائفةٍ مبدّداً ظلمة سكوني، مُرشداً كلماتي إلى الدربِ في تلك السكينة، وستدعو عيناه أحلاميَ من حيثُ نسيتها، وستركم الماضيَ في ركن عن طوع خاطر. لكنه سيجعل الجديدَ طوع بناني فاتحاً دربَ الأمل أمامي...
كنتُ خائفة. لأنّني لم أفقدْ من قبلُ شيئاً من هذا القبيل، ولم أتشوّق في العثور عليه إلى هذه الدرجة. كان قلبي هادئاً كقاع المحيط لمن لا علم به. مع أنه كان هائجاً ملوّناً لمن يدري كيف يرى ما به. كانت عيناي مطبقتين كروحي. كان قلبي غافلاً كأملي. لكنْ كلُّ شيءٍ كان راسباً في سكون القاع الأزرق.
صفحة 4
كنتُ خائفة. خوفٌ لا عهدَ لي به لأبدأ قصة من جديد. ولم أتلهف يوماً على شقِّ طريقي من جديدٍ كلّ هذا التلهف. كانت عيناه كنجمة القطب حيثما وليت وجهي شدّتني إليها. كان التعلق بها سهلاً، وكذلك الامتزاجُ بعبقها والفناءُ فيها. كنتُ على خبرة بالسكوت، وكان قلباً قد ألف القبول الصامت. لكنّ ما يجري الآن في قلبي شيءٌ جديدٌ. لأوّل مرّة يتخطاني صوتي مرفرفاً ليُسمَع في قلبٍ آخر. لأوّل مرّة تزرع نظرةٌ الأملَ في قلبي.
كنتُ أعلم. كنتُ أعلمُ منذ الوهلة الأولى أنه قدري. كنتُ أشعرُ منذ الشهقةِ الأولى بأنَّ ذلك القدرَ سيهلكني. ولكنْ إذا كان الهلاكُ بين ذراعيه والموتُ على صدره فأهلاً ومرحباً. لأنني كنتُ في أمسّ الحاجة إلى التشبّث بهذا الأمل الأخير، موقنةً أنه نهايتي... كان القدرُ قد أراد لنا الاكتواءَ، لكنْ في دروبٍ مختلفة. كنتُ دائماً على مقربة منه، وبعيدة عنه في الوقت ذاته. في اللحظات التي دنا فيها من قلبي كان قد تأخّر كثيراً. ماضينا، أمسنا لم يسعهما أن يجمعانا في غدٍ مشتركٍ. الأمسُ لم يسعفنا بغير يومين من الغد... لقد هُزمنا أمام الدهر.
أسماء قراطاي".
بعد أن قرأتْ (إيجه) الرسالة دفعةً واحدة قلبّتْ صفحاتِ الكتاب، علها تجد عباراتٍ أخرى فيه، إلا أنها لم تقع على كلمات مخطوطة غيرها. لا شكّ أن شخصاً آخر ألفّ الكتاب، إلا أنّ الرسالة تلخص الكتاب بوضوح، وبلسان أمها. من المؤكد أنّ أمراً غريباً يكتنف الموضوع. لكن ما هو؟... أمُّها كانت في باريس في شأن محاضرةٍ. و(إيجه) لم تذق طعم النوم طوال الليلة الماضية لمطالعتها كتاب (دان براون). ولأنها لم يسعها أن ترمي الكتاب من يدها استسلمتْ للنوم صباحاً. إلا أنَّ عالَم (دان براون) السرّي لم يفارق نومَها الذي امتد ثلاثَ ساعاتٍ، مع أنها كانت تريد أن تنام إلى لحظة وصول أمِّها. اليوم بلغتْ (إيجه) السابعة عشرة، إنه يوم ميلادها. كانت تتوقع استعداد أمِّها قبل أيّام لهذا اليوم الخاصّ، وكم كانت تتلهف إلى مفاجآت الليل. فهذا الكتاب يبدو لها أنيساً ممتعاً يُبقيها يقظى. دخلتْ إلى غرفة الجلوس في الطابق السفلي، وأخذت تعدُّ لنفسها عصير فواكه، إذا بهاجس يخطر في بالها بأنها على حافة سرٍّ ينتظر الاكتشاف. ومادام هناك خمسُ ساعاتٍ قبل وصول الطائرة التي تقلُّ أمَّها، فثمّة مزيد من الوقت أمامها.
انكبَّتْ على قراءة الكتاب بشغفٍ، بل برغبةٍ عارمةٍ وإن لم تدرِ لها سبباً واضحاً.
صفحة 5
الليالي المظلمة ـ أسكيشهير/1988
في ساعةٍ متأخرةٍ من الليل لم يعد للحبيبين قدرة على مزيد من الجدال، فجلسا متجانبين صامتين. لاشكّ أنهما مشغولان في العثور على كلمات تعنيهما على مواصلة الشجار. ما الذي يختلفان عليه يا ترى؟ ما عادا يذكران لماذا نشأ الجدال وكبُر إلى هذه الدرجة. في مثل هذه الأثناء كثيراً ما تنشأ بينهما ملاسنة تبدو مجهولة السبب، في حين لابدّ أن يكون لها سببٌ خفيٌّ. هي ملاسنات لا يُعرف فيها فائزٌ أو محّق. كان الجدالُ بينهما يفتر فقط حين يضنيهما الصراخ في وجه بعضهما أو يعيا كلّ واحدٍ منهما في أن يثبتَ أنه على حقّ. في تلك الليلة كانا مرهقين، ولكنهما كانا عازمين على بلوغ نقطة معينة. بعد كلِّ هذا الحبّ المتبادل، بعد كلِّ هذا الضيق ذرعاً بالفراق ولو كان ليوم، كيف ينتهي لقاؤهما بالصمت دون أن تمضي عليه ساعة من الوقت؟ لم يكونا يدريان!... هما ذان ينتظران صامتين دون أن يعرفا إلى أيّ وقتٍ تشير ساعة الجدار. كان كلّ واحدٍ منهما متوثباً لمن يبتدر بالحديث أولاً... هذه المرّة كانت زينب حقاً متعبة، مرهقة، فهمّتْ بأن تبتدر بالحديث بهدوءٍ، إلا أنها لاذتْ بالصّمت من جديدٍ ما إن لمست يد أحمد. أسندتْ رأسها على كتفه. تنفستْ. وحين شهقتْ رائحته تذكرتْ: كيف كانت حياتها باهتة قبل أن تتعرف على هذا الجسد وهذه الرائحة. في تلك اللحظة دبَّ في نفسها خوفٌ من أن تفقده، فلاذت به معانقة. أخذ أحمد يدها بين يديه، وطبع على جبينها قبلة صغيرة ناظراً في عينيها.
ثم كوّر عينيه بسرعة:
ـ "لماذا تظنين نفسكِ دائماً على حقٍّ..". سأل أحمد، وأردف:
ـ "لماذا تجدين كلّ هذه الصعوبة في أن تثقي بي؟ الصراحة: أنا لا أصدّقُ يا زينب!".
تسمَّرتْ زينب في مكانها ناظرة في عيني حبيبها. فهذا كلامٌ يختلف جدّاً عمّا كانت تنتظره منه. هي لم تدرِ أبداً بأنّ انعدام ثقتها بأحمد واضحٌ كلّ هذا الوضوح وملموسٌ، ومحاولتها إظهار ذاتها على حقّ دائماً بيّنٌ جليٌّ. هو الآخر طرح هذه الأسئلة على نفسه طوال الليالي، لكنه لم يجرؤ على أن يجيب عليها. من لا يقوى على محاسبة ذاته كيف له أن يحاسب غيره؟. أو كيف يُقنع غيره بما لا يعرف له جواباً؟. أو كان يعرف الجوابَ، لكنه يخشى أن يصرّح به؟... أخذ يطرق بضيق على الطاولة بأنامله. لاشكّ أنه لم يكن يتوقع أنَّ الجوابَ عسيرٌ إلى هذه الدّرجة. في البداية تنهدَّتْ زينب تنهيدة عميقة ثمَّ انقبضتْ وكأنّ كلَّ ما في الكون من توتر قد ملأ جوفها. كان واضحاً بأنه لا سبيل لتجاهل السؤال. فإمّا أن تقرّ بالحق وإما أن تستره بكذبةٍ جديدةٍ، وتضيف بذلك إلى المسائل المؤجَّلة مسألة جديدة.
ـ "يبدو أننا سنسهر حتى الصّباح. سأصنع لنفسي قهوة. هل تريد أنت الآخر؟". سألتْ زينب.
قد تتوارد ـ أثناء صنع القهوة ـ إلى ذهنها إضاءاتٌ منطقية من النوع الذي يمكن أن يُصاغ في عباراتٍ، فعليها أن تكسب مزيداً من الوقت.
صفحة 6
قال أحمد وهو يمسّد رأسه:
ـ "أنا أريد قهوة ثقيلة. رجاءً!".
هل فهمت زينب هذه الجملة على أنها ستجري بينهما مناقشة حادّة، أم إنها ككلّ مرّة تحمّل الكلام معنىً واضحاً؟. زينب من طبعها أن تحمّل العبارات معنىً مجازيّاً ومعانٍ أخرى. لم تكن متأكدة من الأمر. ففكرُها ظلّ عالقاً بأهمّ أسئلة الليل: "لماذا لا تثق به؟". ربّما كان أصل السؤال: في الوقت الذي يثق هو بها كيف لا تثق هي به؟ إلى اليوم ما حدّثته عن نفسها غير نذرٍ يسير، والآن للإجابة على هذا السؤال ستضطر إلى أن تحدّثه عن ماضيها، أبيها، خيبة أملها، وسبب إخفائها وحدتها السابقة قليلاً، والتظاهر بأنه غير موجود. كان اضطرارُها إلى الإفصاح عن كلّ ما سبق يسّبب لها انقباضاً في صدرها، ولا يدع لها ركناً خفياً في نفسها. لم يكن خوفها نابعاً من أن تروي هذه الأمور لأحمد، وإنما من أن تتعثر بالكوابيس والأغلال نفسها بعد أن ترويها. فلا تدري إن كانت قادرة على مواجهة هذه الأمور، إذ لم تكن تعتقد بأنها على استعداد لأنْ تواجه ماضيها في مثل هذه الساعة المتأخرة من الليل... تمزّقتْ أفكارُها مع صوت جهاز القهوة المفاجئ. كان الضوء الأحمر الذي يشير إلى غليان القهوة يظلُّ يشتعل وينطفئ. كانت القهوة جاهزة، إلا أنّ زينب لم تكن جاهزة بعدُ للعودة إلى الغرفة. فكّرتْ في نفسها: الإنسان لا يكون مهيأ لمثل هذه اللحظة فيما بخار القهوة يلفُّ وجهه. لا يمكن أن يكون ثمّة تهيؤ أو خطة لمثل هذه الأمور. ينبغي أن يجري كلُّ شيءٍ ويمضي على فطرته. لقد آن الأوان لأنْ تخرج اللحظاتُ المغبرّة من قمقم الماضي، وتوجَّب عليها أن تقتسم ماضيها مع مَن توّد أن يشاركها مستقبلها.
الابتسامة التي لمحتها في وجه أحمد حين قدّمتْ له القهوة كانت برهاناً على صدق من أحبّتْ. فها هو يشكرها من أجل فنجان قهوةٍ بعد كلّ ذلك الصياح والجدال وساعات الصّمت... كانت زينب تحبّه حبّاً جمّاً، كانت تحتار في أمر هذا الحبّ. لقد لاح لها أحمد حين كانت في أدنى حافة من الهاويّة. لعلّ الزمنَ أو القدر قد جاد به عليها. مهما يكن فها هي وجهاً لوجه مع من تهيم به حبّاً. كان عليها أن تبوح له هذه الليلة، بالأجوبة التي ينتظرها كي يظلّ دائماً إلى جوارها، ينظر إليها بصدق، وكلما نظر أرعشَ فؤادها.
فكرت زينب في سرّها: "لعلّ الأوان قد آن.. لعلّ الوقت مناسب كي أتخلص من الأفكار التي تستحوذ على فكري". كان عليها أن تسرّ له بكلّ شيءٍ دفعة واحدة، وتخفف عن نفسها. أن تسرّ بكلّ شيءٍ كما هو، وكما تشعر به، ربّما بالبكاء حيناً وبالإغماء حيناً آخر. كان عليها هذه الليلة أن تتجاوز مسافة سوء التفاهم بكسر ذلك الجدار الفاصل بينهما، والذي يبدو وكأنه يوشك أن يتداعى عليهما... ارتشفت زينب رشفة من قهوتها، وبادرت بالحديث:
ـ "كنتَ قد سألتني: "لماذا لا تثق بي؟" ليس الموضوع: لا أثق بك، وإنما لا أستطيع أن أثق بك!. أنت تعرف الفرق بين هذا وذاك. لا أستطيعُ وإن حاولتُ. الثقة بالنسبة لي كلمة تركتها ورائي منذ زمن... الثقة في قاموسي تعني إهانة واضحة. ليست الثقة بك فحسب، وإنّما بالجميع، حتى أنني في كثير من الأحيان لا أثق بذاتي".
صفحة 7
اعتدل أحمد في جلسته، يريد أن يقطع حديثها، إلا أنها أومأت إليه بالسكوت بأنْ وضعت إصبعها على شفتيها:
ـ "أحمدُ! رجاءً: إذا قاطعتني هذه المرّة، أو سكتُّ، فلن أجدَ الجرأة في نفسي مرّة أخرى. دعني أكملْ ما أريد أن أقوله".
واصلتْ زينب حديثها دون أن تنتظر موافقة حبيبها:
ـ "أنت تعلم أنّ أبي وأمي مطلقان. أخبرتك بهذا منذ اليوم الأول من تعارفنا. حتى أنني تعجّبتُ من نفسي حين أخبرتك به، لأنني كنتُ أوّل مرّة أخبر به أحداً. ذكْرُ مثلِ هذه الأمور يكون سهلاً لبعض الناس. وإذا فكرنا في عمري، نظنّ أنَّ ذكرَها سهلٌ لمن كان في مثل عمري. لكنّ الأمر ليس كذلك. أنا حاولتُ طوال سنواتٍ أن أتقبل هذه الحقيقة، أي طلاقهما، أنّ أتقبل أنّ لي أسرة. طبعاً الإنسان لا يستطيع أن يتحدّث بما لا يتقبله".
أخذتْ زينب رشفة أخرى من فنجانها، وتجرّعتها دون أن تبالي بالحرارة التي ألهبت حنجرتها... كانت تُجهد نفسَها لاستئناف حديثها، وتحاول أن تنتزع الكلمات من أعماق الذكريات التي استودعتها في أغوارها. لعلّ أصحَّ ما في الأمر هو أن تبدأ ممّا يَجرحها أكثر. مِن لحظة معرفتها أنها فقدتْ أمَّها وأسرتها إلى الأبد... المهمّ: إنَّ كلَّ شيءٍ لم يتغيّر أثناء التعرّف على استانبول على عجل، وإنما حين ذهبتْ إليها لتبحث عنهم. وكأنَّ بداية النهاية قد بانت. في هذه اللحظة كانت هذه الذكرى الأليمة تحاصر زينب كاللبلاب أخذ يلفها بدءاً من قدميها، ووصولاً إلى خيبة الأمل المستقرّة في قلبها.
ـ "كان قد مضى شهرٌ على انتقالي مع أمي إلى (آيدين). لكني لم أفهم بعدُ لماذا كنتُ أضطر للبقاء في (آيدين)، ولماذا لم يسأل عنا أبي منذ سنة. ربّما كنتُ أتهم أمِّي في نفسي... أثناء العطلة الصيفية كانت أسرة إحدى صديقاتي ذاهبة إلى استانبول. استطعتُ بوسيلة أو بأخرى أن أقنع أمي بأن يصحبوني معهم. أعتقد أن أمّي تحاشتْ أن تمنعني. وإلا ليس من الأمر السهل إقناعها".
الحديثُ عن أمها، واتهامها إياها ظلماً آلم أحمدَ كثيراً. وهو كي يثبت لها بأنه كله آذان صاغية وضع يده على كتفها، ومسح على ظهرها بلطفٍ، ثمّ فكر في أن يطرح عليها أسئلة كي يستحثها على مواصلة حديثَها.
ـ "طيّب! هل استفدتِ من ذهابك إلى استانبول؟". سألها أحمد ثم أصغى إلى بقية حديثها. هزّت زينب رأسها يميناً وشمالاً. وحين أردفتْ انقبضت ملامح وجهها كلها:
صفحة 8
ـ "نعم! ولكن ليس كما أريد. فبعد أن كنتُ آمل أن أجد أبي وأصلح كلَّ شيءٍ، وجدتُ أنه لم يبق هناك ما يمكن إصلاحه".
سأل بدهشة ممزوجةٍ بالحزن:
ـ "لم تجدي أباك؟".
ـ "بلى! وجدتُه في نفس المكان الذي توقعته فيه".
تنهّدتْ زينب قائلة.
إلى الآن كلما تذكرتْ ذلك اليوم كانت تحسّ بتشنج في معدتها، ودُوار في رأسها. حاولتْ أن تستجمع كلماتها، وتهدِّئ من غضبها. ثم بادرت بالحديث كمن يُفرغ لهيب برْكان يغلي. شرعتْ تتحدّث بكلِّ صراحة عن ذلك المشهد الذي ندر أن تحدثت به حتى مع نفسها، والذي حاولتْ أن تغيّره في خيالها.
ـ "أولاً بأوّل أسرعتُ إلى بيتنا في (أسكودار) واثقة من أن أجد أبي هناك. لم أخطئ. حين وصلت إلى أمام بيتنا استصعبت كثيراً أن أرنّ الجرس. خلال عام كمْ صار غريباً ذلك البيت الذي شهد طفولتي، وذلك الجرس الذي قرعته مراراً. لا أعلم كمْ بقيتُ أمام الباب، ولكنني أعتقد أنه كان كافياً لأن أسمع الأصوات الصادرة من البيت. كان صوت أبي يسجح بحنان كما كان يسجح في حالات العطف. كان يحدّث أحدهم حديثاً لطيفاً. ثم فجأة فُتح الباب. كان إلى جوار أبي امرأة أصغر من أمّي بكثير، وفي حضنها طفلة في سنتها الأولى أو الثانية. وقفت قبالتي تنظر إليّ. ثم فجأة سألتْ أبي: بابا! مَن هذه البنت؟ كانت تقول بابا لأبي...".
غصّت الكلمات في حلق زينب. وارتعشتِ العبرات في جانب عينيها، فإذا سمحت لها بالانفطار فسوف تغرق بنوبة بكاءٍ طويلة. كانت تعلمُ هذا جيداً. وكان أحمد آخرَ شخص تريد أن يراها على تلك الحالة. علقّتْ عينيها على نقطة بعيدة، وحاولتْ أن تستكين. سعت إلى أن تستجمع قواها لبناء جملةٍ جديدةٍ، غير أنَّ الأمر لم يكن سهلاً أبداً. مشهدُ الطفلة الصغيرة، ومدُّ يدها المقبوضة إلى فم أبيها وسؤالها البريء، كان كلُّ ذلك يتماثل في مخيلتها من جديد. كان أحمد يهمُّ بأنْ يقول لها شيئاً، أن يواسيها، إلا أنّه لم يكن واثقاً من صحّة الجمل التي سيستخدمها أو من أنه لن يؤذيها. فالألم الذي رآه في عينيها أمضّ فؤادَه. بدأ يشعر بتأنيب الضمير لأنه دفعَ حبيبته إلى الحديث عن هذه الأمور. فما فعله لا يعدو غير فتق الجروح من جديد، ليس غير الظلم بعينه. إلا أنه إنْ أسكتَ زينب هذه المرة فلن يسعهما أن يعودا إلى الخوض في الموضوع ثانية، ولن تخطو علاقتهما خطوة إلى الأمام. لذلك آثرَ السكوت، وقرر أن يمنحها مزيداً من الوقت كي تواصل ما بدأته. ودون أن تزيح زينب عينيها عن الماضي البعيد أردفتْ من حيث توقفت:
صفحة 9
ـ "في مثل هذه اللحظات يعتقد الإنسان أنه سيمكث مذهولاً في مكانه. أليس كذلك؟ أنا أيضاً كنتُ أعتقد هذا الاعتقاد. لكن ما يحدثُ غيرُ هذا تماماً. فذهنُ الإنسان سرعان ما يضع خطة، وما على الجسد إلا أنْ يطيع. في تلك اللحظة بدأتُ أجري كالمجنون. لم أكن أريد سماع كلمة أخرى. لم أكن أريد رؤيتهم لحظة أخرى داخل الإطار الأسروي السعيد. هذا الإطار سُلب مني ظلماً، لذا حنقتُ على أمّي سنة كاملة بسببه. لم أكن أظنّ أنَّ بمقدوري أن أجري بتلك السرعة وبلا وعي. لكنني جريتُ. جريتُ بلا توقف، ولربّما لساعة كاملة. وإنْ كان أبي قد جرى ورائي لحظة إلا أنه أخفق في اللحاق بي نظراً لسرعتي، كما أني سلكتُ الشوارع الفرعيّة التي خبرتها منذ أيام طفولتي خبرتي براحة يدي".
لاذتْ زينب بالصمت من جديدٍ. حركات بؤبؤيها كانت تحكي أنّ أمراً ما يجري داخلها، لكنها لم تكن لتفصح عنه. كانت تكابده وحدها، وتحوم عيناها يميناً وشمالاً. فكرَ أحمد يتحلى ببرودة أعصابه، ويسألها شيئاً، إذ لا يمكنه أن يدعها تتجرّع ألمها الداخلي وحدها.
ـ "ثم ماذا فعلتِ؟ يعني إلى أين ذهبتِ؟". سأل ملهوفاً.
كان مستعجلاً وكأنه ـ إن تأخر لحظة في طرح سؤاله ـ سيفقدُ زينبَ داخل ركام تلك الذكريات.
ـ "ثمّ.. ثمّ عدتُ إلى مكان الخطيئة". قالت زينب باسمة. إلا أنّ ابتسامتها كانت جامدة، وبقيتْ مدّة عالقة بوجهها، وكأنها قد التصقت به.
ـ "حين هبط الليل عدتُ إلى البيت. لكنْ هذه المرة إلى شجرة الجوز. في الحديقة الخلفية لبيتنا كانت لنا شجرة جوز. كلمّا شعرتُ بالضيق أو وُبِّختُ من أمِّي آويتُ إليها. كنتُ أغفو في ذؤابتها حالمة. لاشكّ أنني لم أحلم مثل هذه الأحلام من قبلُ أبداً. ما جرى في تلك اللحظة كان كابوساً حقيقياً. مع ذلك فكرتُ بأنَّ صديقي القديم لابدَّ أن يواسيني. لم أنزل منها حتى الصباح. ولم يكن أحدٌ يدخل تلك الحديقة غيري، فلم تكن هذه المرة استثناء. وهكذا بقيتُ فيها من غير أن يراني أحدٌ".
ـ "حتى الصباح؟". سأل أحمد.
كانت هذه المدة طويلة لطفلةٍ في الثانية عشرة من عمرها.
ـ "نعم! حتى الصباح. مع أنوار الصباح الأولى قصدتُ منزل صديقتي. لاشكَّ أنني كنتُ في حالٍ مزرية. أسرتُها جنّتْ من القلق. المهم: حالتي منعتهم من الإصرار عليّ. سريعاً فرشوا فراشاً لم أنهض منه يوماً كاملاً. في اليوم التالي حين فتحتُ عينيَّ رأيتُ أمَّي بجواري. كان هذا كارتسام قوس قزح بعد انهمار أمطار وابلة. خيالها الذي تراءى لي من خلال أجفاني كان ملاكاً... ملاكي المنقذ..."
لاذتْ زينب بالصمت من جديدٍ. حركات بؤبؤيها كانت تحكي أنّ أمراً ما يجري داخلها، لكنها لم تكن لتفصح عنه. كانت تكابده وحدها، وتحوم عيناها يميناً وشمالاً. فكرَ أحمد يتحلى ببرودة أعصابه، ويسألها شيئاً، إذ لا يمكنه أن يدعها تتجرّع ألمها الداخلي وحدها.
ـ "ثم ماذا فعلتِ؟ يعني إلى أين ذهبتِ؟". سأل ملهوفاً.
كان مستعجلاً وكأنه ـ إن تأخر لحظة في طرح سؤاله ـ سيفقدُ زينبَ داخل ركام تلك الذكريات.
ـ "ثمّ.. ثمّ عدتُ إلى مكان الخطيئة". قالت زينب باسمة. إلا أنّ ابتسامتها كانت جامدة، وبقيتْ مدّة عالقة بوجهها، وكأنها قد التصقت به.
ـ "حين هبط الليل عدتُ إلى البيت. لكنْ هذه المرة إلى شجرة الجوز. في الحديقة الخلفية لبيتنا كانت لنا شجرة جوز. كلمّا شعرتُ بالضيق أو وُبِّختُ من أمِّي آويتُ إليها. كنتُ أغفو في ذؤابتها حالمة. لاشكّ أنني لم أحلم مثل هذه الأحلام من قبلُ أبداً. ما جرى في تلك اللحظة كان كابوساً حقيقياً. مع ذلك فكرتُ بأنَّ صديقي القديم لابدَّ أن يواسيني. لم أنزل منها حتى الصباح. ولم يكن أحدٌ يدخل تلك الحديقة غيري، فلم تكن هذه المرة استثناء. وهكذا بقيتُ فيها من غير أن يراني أحدٌ".
ـ "حتى الصباح؟". سأل أحمد.
كانت هذه المدة طويلة لطفلةٍ في الثانية عشرة من عمرها.
ـ "نعم! حتى الصباح. مع أنوار الصباح الأولى قصدتُ منزل صديقتي. لاشكَّ أنني كنتُ في حالٍ مزرية. أسرتُها جنّتْ من القلق. المهم: حالتي منعتهم من الإصرار عليّ. سريعاً فرشوا فراشاً لم أنهض منه يوماً كاملاً. في اليوم التالي حين فتحتُ عينيَّ رأيتُ أمَّي بجواري. كان هذا كارتسام قوس قزح بعد انهمار أمطار وابلة. خيالها الذي تراءى لي من خلال أجفاني كان ملاكاً... ملاكي المنقذ..."
صفحة 10
ـ "هل أخبرتِ أمُّك بما جرى؟". سأل أحمدُ.
وما إن أفلت السؤالُ من فمه حتى شعر بأنه أخطأ في إطلاقه. ولكن لا جدوى لسحبه. كما إنه كان حقاً راغباً في معرفة الجواب.
-"كلا. يبدو أنها كانت تعرف الحقيقة. كما هي أخفتْ عني هذه الأمور فأنا أخفيتها عنها أيضاً. كان الأمر كاتفاق متبادل. غالباً حاولتُ ألا أفتح هذا الموضوع وسيرة أبي. خاصة نحن ـ الاثنتان ـ كنا موفقتين في التفاهم إلى حدٍّ بعيدٍ".
بعد هذه الجملة الأخيرة أسندت زينب رأسها على كتف أحمد، وتناولت رشفة من قهوتها التي بَردتْ. شعرتْ بالارتياح بعد أن تحدّثتْ وفُهم حديثها. ودون الحاجة إلى مزيد من الإفصاح كان أحمدُ يشعر بالعواصف التي تندلع في داخلها. أصبح يعرف منذ الآن لماذا لا يسعها أن تثق به، وأدرك أنها لن تستطيع أن تكاشفه بما تخفي بعد ذكرياتها المريرة مع أبيها الذي كانت تأمل بأن تسند ظهرها عليه طوال سنين.
أدار أحمدُ وجهَ زينب نحوه، وطبع على جبينها قبلة حارَّة، ثم شدّ على يدها.
ـ "عليكِ أن تثقي بي. سأثبتُ لكِ هذا بأفعالي، لا بأقوالي. سأظلُّ مدى الحياة إلى جانبكِ كي أضمّكِ، كي أحميكِ". قال معاهداً، وكانت ابتسامته الدافئة تشي برجولةٍ واثقةٍ.
ـ "أعرف هذا". قالتْ زينب موافقة. وأضافتْ:
ـ "أشعرُ بهذا في داخلي، في قلبي".
كان هذا الشعورُ في قلبها يتدفق دفئاً، لا يسعها أن تنكر هذه الحقيقة. لكنْ على الرَّغم من ذلك كان ثمَّة نقصٌ، نقصٌ لا تعرفُ له اسماً. مهما يكن فإنَّ القلب الذي ينبض في الجهة اليسرى من صدر أحمد كان يخفقُ لها. لكنّها حتى إن عرفت هذا فإنَّ شكاً ظلّ يساور قلبها على الدّوام. كانت ترى أنه لا يمكن للإنسان أن يثق بأحدٍ ثقة عمياء، بل حتى بنفسه في كثير من الأحيان. هذا الشكّ هو ما يعتريها دائماً. إنه تحذيرٌ يهمسُ في أذنيها. نصيحة لا يمكنها أن تغفلها. ولكن ألا يعتبر حتى هذا الأمرُ نضجاً كبيراً؟ رجلٌ إلى جانبها تسكن إليه نفسها، إذا التفتتْ ذات اليمين تشعر بوقع أنفاسه في روحها. عليها أن تتشبّثَ بهذه الأنفاس ملءَ وجودها، و تأذن لها بأن تنتشلها من براثن الماضي.