صفحة 1
* ملاذ *
أولاد قحبة· كلّهم· الرجال· دبقون حتى على مقاعد السيّارات العامّة· يا الهي!!· قدري اللعين أن أفكر، في وقت واحد، بنفسي وبأولاد القحبة الذين يجالسونني الآن، في ظهيرة رهيبة، تفوح منهم روائح الأجساد المتعفنة والنفط الأبيض والشهوات الجاهزة والتبع الرديء، كما أسماك حمقاء تطش نظراتها اللزجة، نحو النساء، حدّ إثارة القرف· وأنفاسي تتثاقل· أختنق بخوفي وأفكاري المجنونة ثانية بعد ثانية·
أنا قطرة دم، مسافرة نحو مجهول، تريد أن تتحرر من نفسها، تنفجر، أو حتى تتلاشى في مكان آخر، أي مكان آخر· بشاعة تلاحقني مذ أيقنت أن أرخص ما في وجودنا الآن هو: الانسان!· وأن ثمن الحرية، وهي تغطس بسرعة في مستنقعات أعمارنا، يزداد إرتفاعاً يوماً بعد يوم·
أحقاً هي (بشاعة)؟!
الرشوة للجنود، في السيطرة الأولى، والمرور لنا· مضاعفة أخذه السائق منّا· دفعناها بفرح، كما أطفال (سرّتهم) اللعبة· خطوة أخرى نحو ذلك المجهول· ثمة ثلاث سيطرات أخرى للحكومة أمامنا· يتناوب الرعب والفرح فينا على الطريق·
سيطرتان مدجّجتان بالأسلحة لم توقفا الحافلة العتيقة، التي حشرنا أنفسنا فيها في محطة (كركوك)· لم يكلف جندي الحراسة نفسه حتى بالنهوض عن صفيحة النفط (الفارغة)· أشار بملل صريح (مر!!) فمررنا!!· وكذلك فعل الجندي الآخر في السيطة الثالثة·
قطرة الدم مرعوبة فيّ· الرجال يبتلعون الهواء الرديء بصعوبة· يختنقون بكراماتهم المهددة بنظرات الجنود المرتابة· (حصصهم مدفوعة منذ السيطرة الأولى)· قال السائق غير واثق مما يدور· كان هو الآخر قد حوّل فمه إلى مدخنة تبغ، متخلياً عن نظراته العاهرة الدبقة نحو النساء عبر مرايا سيارته القذرة·
ــ بقيت واحدة· الأخيرة!! يا الله!!·
همس الشاب الذي يجاورني· لم يوجه كلامه إلى أحد· ولكنه رمقني بطرف عينه· محاولة (باهتة) لاستدراجي نحو حديث ما· تشبثت بسكوتي· ربّما كان يقرأ خوفي من السيطرات من (فرحي) برشوة الجنود!!· ربّما كان يعالج خوفه (الأكيد) بثرثرة مع لا أحد!!·
أفكاري أكثر من مشوّشة، بين المسافرين الذين حشروا أنفسهم مع بعضهم، ومع الأكياس الملآنة، والحقائب، المثيرة للارتياب، وعبوات النفط الأبيض الراشحة نحو كل الاتجاهات، فيما تركل الحافلة نفسها، بزقزفة ضاجّة، على الشارع المجدور بحفر قنابل الحروب الماضية، نحو السيطرة (الأخيرة!!)، التي بدت لي بعيدة· بعيدة جدّاً· والتي ربّما (تفر) الآن منا كلّما تقدمنا نحوها (نكاية) بكل شيء يعنينا!!
ثوان ثقيلة تمر على ساعتي· تنتحر بين العقارب (البطيئة)· زمن يفر نحو لا شيء، أو كل شيء، لا أدري!!
الشاب الذي يجاورني أشعل سيكارة أخرى· ربّما كان يريد (الفرار) مع دخان تبغه· ق يكون سياسياً (خطيراَ) يفر الآن· قد يكون أحمقاً آخر، مثلي، بات يشعر بالمخاطر تخنقه دون أن يرتكب ذنباً ضد أحد غير التفكير بطريقة (أخرى!!)·
على وجنتيه اليسرى ندبة جرح قديم· مستطيلة· تشبه ختماً رسمياً أو طابعاً بريدياً· يتحسّسه بقلق كأنه يريد محوه، أو التأكد من وجوده لحد الآن· شفتاه تنفثان الدخان دون توقف مع كلمة (يا الله!!) همساً خافتاً جداً·
وأنا تقتلني الذكريات والرغبات (المحبطة) دائماً، والأماني المنحورة· يا الهي!!
تمزقني أحلام يقظتي التي لم يتحقق ولو واحد منها!! ووحدنا أنا وأنت نعلم بذلك الآن·
صفحة 2
* أنا *
علمتني (···) هكذا· أرفع كفي· مفتوحة الأصابع كلها· وأصبع واحد مفتوح من الكف الأخرى· ستة!!· فيعرفون (···) ستة!! كان ذلك منذ زمن طويل· أخبرتني أن عمري (تغير!)· منذ زمن· ولكنني (···) لماذا (تغير!) فبقت أستعمل (الستة!) لأنها لم تعلمني غير هذا· هذا· (···) كان تريد له· عمري· أن يتغير· لا أعرف إن كنت أنا أريد ذلك أيضاً أم لا· رفعت (···) كانوا يتضاربون بالرصاص· بم بم! ببم!! وأنا مريض· الوجع· وأمي على (···) الجدول· كأنها تشرب الماء· ولكنها لا تشرب· منبطحة على بطنها وبركة حمراء، تتسع، (····) تتلاصف مع الثلج الوردي· وأنا لا أستطيع الحركة· كنت أريدها مثل أخي الذي (···) في حضنها الآن· ولكني لا أستطيع· تحبه أكثر مني· أنا أعرف· وكانوا يتضاربون (···) بين الصخور والأشجار· والخوف يكتّفني· رفعت كفّي· ستة!!· لا أدري لماذا (···) أن أقول ستة!! حتى لم ترتفع يداي· لا أدري لماذا!!· بم برررم!! بم!!· واضعاً (····) على صخرة· (العميد)· ينظر نحو قمة الجبل الآخر· يبتسم بارتياح· وصدره يشخب دماً· (···) على صدره واليد الأخرى على الصخرة المثلوجة· خمسات· خمسات· (···) السجناء في ساحة (التعداد)· شرطة الأمن تضربهم بالهراوات فلا يغادرون (···)· كأنهم قد التصقوا بالأرض القذرة· كان يريد أن ينهض· (العميد)· مستعيناً بالصخرة (···)· وكان أخي ساكناً في حضن أمي الدافيء دائماً· يكتفني الوجع فلا أستطيع أن أصلها· لا تشرب (···) الآن· الماء أحمر من جهتها· روديء· كنت أحبه· أخي· وأنا عطشان· أحب الحلوى (···) أريد حضنها الدافيء لأني بردان· ولكن الوجع!!· لا أستطيع الحركة· لا أدري لماذا· ولا أدري لماذا (···) بالرصاص الآن· وأمي وأخي راقدان على الجانب المعشب من جدول الماء· يحث الثلج الوردي!! وحصوة بيضاء كبيرة· (···) لامعة· مثل بيضة مغسولة· تكاد أصابع أمي تمسّها· لا أدري لماذا!! (أبو غريب)· (···) ثلاثاء لا· ثلاثاء نعم· خمسات· خمسات· عيون السجناء مخيفة· خائفة· وجه أبي (···) الممر الطويل· الرائحة الكريهة· ساحة (التعداد)· ما كدت أتذكره وجه أبي· كنت (···) في حضنه كل ليلة قبل أن يذهب إلى السجن· أحلم أني نائم في حضنه· أنا نائم· لا أستطيع (···) ولكن الوجع!! الآ· كانت تريد أن تمسكها· أعرف· أمي· كانت تريدها· (····) أخي لم يكن يريد الحصوة البيضاء· كان يريد أمي· دون حراك· لا أدري لماذا!! تحتضن أخي (···) حافة الجدول· حيث فردة حذاء (الدكتور)· لم أره· كان في مكان آخر· وكنت أعرفها· (···) الحذاء· كانت جديدة· عرضها علينا عدّة مرّات وهو يضحك· كان سعيداً· قبل أن (···) (مستوردة)· قال ذلك عدة مرّات· و(ثمينة)· لم تشتر