eKtab
EN ع
ثماني غيمات لرجل ماطر
اقرأ عينة مجانية

ثماني غيمات لرجل ماطر

بقلم د. أحمد النعيمي

صفحة 1
رباعيّة··· ما
 
خرج من باب المستشفى مُمسكاً بيد زوجته حيث كانا يسيران بصمتٍ وبطءٍ متناهيين· وما إن دخل السيارة، واستقرَّ إلى جوار زوجته التي وضعت المفتاح في جهاز التشغيل حتى رسم شارة الصليب· لم تَكَدْ زوجته تصدّق ما رأته عيناها، حيث تركت المفتاح، ونظرتْ إليه بتمعّن ودهشة· هل فَعَلَها حقّاً بعد أربعين عاماً قضاها في الحزب الشيوعي يحارب الدين، ويدعو إلى مساواةٍ تنطلق من الإنسان وتعود إليه؟ وبعد خمس سنوات كان قد أمضاها في السّجن أيام شبابه ثمناً لآرائه؟ هل فَعَلَها حقّاً وهو الذي لم يدخل الكنيسة إلاّ في أفراحٍ ومناسباتٍ نادرة؟·
 
ورغم أنّ زوجته لم توافقه يوماً على آرائه، ورغم أن الإيمان كان يملأ قلبها، وكانت تزور الكنيسة بانتظام، فإنّها لم تفرح حين رأته يرسم الشّارة، ولأوّل مرة يتحوّل حبها له، ورُعبها من المرض الذي ألَمَّ به إلى ما يشبه الشعور الغامض·· إنّه شعور تائه ومختلط بين الشفقة، والألم، والحسرة، والهزيمة، والرغبة في البكاء!! الهزيمة؟! وتساءلت في سرّها كيف تشعر بالهزيمة، وصَلاتُهُ انتصارٌ لصمودها في وجه اللادين؟ غير أنّ مشاعرها المختلطة عادتْ وتغلّبت عليها وهي تتساءل في سرّها مرة أخرى: هل كنتُ راضية، أو حتى سعيدة حين كان يدافع عن الشيوعيّة حتى في لحظة انهيارها؟!
 
قالت: ميخائيل·
 
فنظر إليها ببرود وتمعّن·
 
قالت: لا بدّ من التمسّك بالأمل·
 
حوّل بصره عنها فقادت السيارة بصمت·
 
ها هو الدكتور ميخائيل في عمّان منذ بضعة أشهر، وعلى وجه الدّقة منذ أنْ أدرك أنّ السرطان قد استفحل في جسده، وبعد أنْ أحال نفسه إلى التقاعد من الجامعة التي كان يعمل بها في مدينة الزرقاء كأُستاذ للأدب الإنجليزي عُرِفَ بكفاءته العالية، سواء من خلال أبحاثه الرّصينة، أم من خلال محبّة طلبته غير العادية له، وتعلّقهم به·
 
ورغم أنّ سَكَنَهُ في عمّان كان نابعاً -في أحد أبعاده- من رغبته في البقاء قريباً من المستشفى، والأطباء المعالجين له، إلاّ أنّ اكتشافه لرباعيّةٍ ما في شارع المصدار كان سبباً آخر -وربما أقوى من الأوّل- دفعه للسكن في منطقة قريبة من ذلك الشارع، مع أنّه شارع لا يخلو من بعض الضوضاء، وهو في أمَسّ الحاجة للهدوء·
صفحة 2
قال: حين نصل المصدار توقّفي باب الحانة، سأجلس ساعة أو ساعتين، ثمَّ أعود للبيت·
 
قالت: لكن أبناءنا سيأتون لزيارتنا، لقد أخبروني بذلك عبر الهاتف·
 
- بإمكانهم انتظاري حتى أعود·
 
- أخشى أنْ تتأخّر·
 
- ربما، لا·
 
- لماذا رسمْتَ شارةَ الصليب يا ميخائيل؟·
 
- تعتقدين أنّني فعلت ذلك لأنّني أخشى المرحلة القادمة، مرحلة العلاج الكيماوي، أليس كذلك؟·
 
- لم يكن مثل هذا الأمر في ذهني·
 
- ما الذي كان في ذهنك إذن؟·
 
- تاريخُكَ!!
 
الصُّدْفَةُ وحدها هي التي كانت قد وضعتْ أمامه ذلك الاكتشاف العجيب لتلك الرُّباعيّة في شارع المصدار، الرباعيّة التي ربّما لم ينْتَبِهْ لها أحدٌ رغم وضوحها الصّارخ· كان مع صديق له يسكن في ضاحية الحاج حسن القريبة من الإذاعة والتلفزيون، يتجوّلان في شوارع عمّان، ويتداولان في أمر المنطقة المناسبة لسكنه الجديد إذا ما أراد الاستقرار في عمّان، ثمّ كان أنْ سمع جرس الهاتف الخلوي لذلك الصديق، فكانت زوجتُهُ على الخطّ الآخر، وكان أنْ طلبتْ منه أنْ يشتري خبزاً حين عودته· توقّف ذلك الصّديق في المصدار قرب مخبز يعرفه جيداً، وهناك كانت دهشة ميخائيل الكبرى، فقد لفتَ نظرَهُ ذلك التجاور العجيب بين الكنيسة، والمخبز، ومحلّ لبيع التوابيت، وحانة صغيرة· لم يكد يصدّق ما رأته عيناه، فلفتَ نظرَ صديقه إلى تلك الرُّباعيّة، مما حدا بالصّديق أنْ يستغرب كيف لم يلاحظ مثل هذا الأمر، رغم كثرة مروره من ذلك الشارع·
 
قرَّر ميخائيل -في نفسه- أنْ يرتاد تلك الحانة في وقت قريب· إنَّها نقطة الاكتشاف، أو المكان الذي يجرؤ على دخوله بما أنّ ثمّة حرباً مُعْلَنَة بينه وبين الكنيسة· وفي أوّل زيارة له للحانة تعرَّف إلى صاحبها الذي رحَّب به كزبون جديد يراه للمرة الأولى، فهو يعرف زبائن حانته الصغيرة واحداً··· واحداً· وكان أنْ عرَّفه ميخائيل على نفسه، ثمَّ طلب منه أنْ يساعده في البحث عن سكن قريب· ولم يطل الوقتُ حتى عثَرَ صاحبُ الحانة على مَنْزِلٍ رأى فيه ميخائيل سكناً مناسباً، فانتقل إليه مع زوجته التي لم تُبدِ أيّة معارضة·
صفحة 3
في زيارات تالية روى ميخائيل لصاحب الحانة بعضاً من صفحات حياته -وكأنّه كان بذلك يسعى للتخلُّص من وقاره الأكاديمي- حيث حدّثَهُ عن كونِ وضعِهِ المادّي جيّداً، وأنّ له بناية ورثها عن والده في مدينة الزرقاء، وهي بناية مؤجّرة منذ ذلك الحين، كما أنّه قد ورث في شبابه أموالاً كثيرة، لم يغامر بالتجارة فيها، لأنّه آثر العلم على المال·
 
بدا كما لو كان يسارع إلى النظر للحياة من زوايا جديدة لم يألفها من قبل؛ وكأنّه يسابق الموت، أو يترك عالماً ليتّصل بآخر، فكانت دهشته الجديدة حين اكتشف أنَّ الخبّاز، وبائع التوابيت من زبائن الحانة الدّائمين، بل هما صديقان حميمان لبعضهما أيضاً· ومن خلال زيارته المتكررة للحانة -التي كان يتجاوز فيها كل المحظوْرَات الطبيّة- توطّدت علاقته بهما، وصار يُجَالِسُهُمَا على نحوٍ شبه دائم·
 
وكان أن استغرق في تفكير عميق لم يصل بعده إلى نتيجة، حين اكتشف أنْ بائع التوابيت وَرِثَ المهنةَ عن والده، وكذلك الخبّاز·
 
لم يكن أثناء سكنه في الحي الجديد يدخل سوى مكانين محدّدين، هما: المخبز لشراء الخبز، والحانة لقضاء وقت فيه من الغموض بقدر ما فيه من الاكتشاف، لكنّه ذات مرّة زار بائع التوابيت الذي أظهر سعادته بتلك الزيارة من زميل له في الحانة ذي مكانة اجتماعيّة مرموقة· تفحّص التوابيت الموجودة في المحل، وكان أنْ استوقفه أنّها أحجام: صغيرة، متوسطة، كبيرة، فسأل البائع إنْ كان حجم التابوت يتعلّق بحجم الميّت أم المكانة الاجتماعية له؟ ورغم إحساس بائع التوابيت بأنّ ثمّة مغزىً بعيداً للسؤال، فإنّه أجاب على الفور: الأمر يتعلّق بالاثنين معاً·
 
قالت وهي تُوْقِفُ السّيارةَ قُرب الحانة: لعلّك وجدْتَ رمزاً آخر للحلم·
 
قال: تقصدين شارة الصليب؟!
 
قالت: بالضّبط·
 
قال: أعتقد أنّني أفهم -إلى حدٍّ ما- ثلاثة أشياء·
 
قالت: الخبز بالنسبة لك يعني الحياة أو صورتها، والحانة تعني حُلماً قائماً بقدر ما هو مؤجّل، أمّا التوابيت فمغزاها في محتواها، لكنَّ شارة الصليب التي رسمتها صارت ذات معنى محيّر بالنسبة لي·
 
قال: هي كذلك بالنسبة لي أيضاً
صفحة 4
رقّة الدكتاتور
 
كان طاعناً في تجاعيد الوجه والقلب حتّى لكأنَّ الزمن قد غفل عنه·· لم يكن يُحبّ المرآة· كان يفضّل أن يرى وجهه بطريقة خاصّة؛ لذلك ما إنْ جلس إلى مائدة إفطاره حتى خلع وجهه، ثمّ أمسكه بكلتا يديه··· حدّق فيه وتساءل: ماذا لو سحبتُ الشّمسَ من جدائلها، ثمّ صفعتُ القمرَ فهوى فوقها، فقتلْتُهُمَا معاً وانْتَزَعْتُ ما مضى منّي من فَمَيْهِمَا؟ وقبل أن يتيح لنفسه فرصة التفكير باستحالة أمنيته، أعاد وجهَهُ إلى مكانه وشرعَ في تناول طعامه·· في تلك الأثناء كان كبير الخدم -كالعادة- قد مثل بين يديه·
 
قال الدكتاتور دون أن ينظر إلى كبير الخدم: كم هو لذيذ هذا الطعام؟!·
 
أجاب كبير الخدم محاولاً أنْ يُدْخِلَ إلى قلب الدكتاتور مزيداً من السرور: وجبةُ الغداء ستكون أكثر لذّة، فهناك مجموعة كبيرة من النساء والأطفال والرّجال بانتظار الذّبح، وقد أرسلتُ في طلب كبير جزّارين جديد، واشترطتُ أنْ يكون ماهراً كسابقه·
 
صرخ الدكتاتور غاضباً: كيف يجرؤ كبير الجزّارين على ترك العمل دون إذنٍ مني؟·
 
قال كبير الخدم مرتعداً: أنتَ من أذِنَ له يا سيدي!·
 
نظر الدكتاتور إلى كبير الخدم حائراً: لا أذكر أنّني أذنْتُ له بذلك، لقد كان ماهراً جدّاً ومخلصاً جدّاً!·
 
أجاب كبير الخدم: بل أذنْتَ له يا سيدي بالانتقال إلى عمل أكثر سُمُوَّاً وعظمة من عمله الأوّل·
 
قال الدكتاتور بصوتٍ كالرّعد: وهل يوجد أفضل من عمله الأوّل؟ هل يوجد في الدنيا كلّها عمل لإنسان أفضل من أن يكون كبيراً لجزَّاريَّ؟·
 
ردّ كبير الخدم بحيرة: نعم يا سيّدي؟·
 
انفعل الدكتاتور ونادى على أحد جزاريه وهو يقول لكبير الخدم: سأقتلك للتّو والحال·
 
راح كبير الخدم يتوسّل إلى الدكتاتور: أُقسم لكَ يا سيّدي أنّ هناك عملاً أفضل من أنْ يكون الإنسانُ كبيراً لجزاريك·
 
اشتدّ غضبُ الدكتاتور: وتقولُهَا في وجهي؟!·
 
قال كبير الخدم: نعم يا سيّدي، فأن يكون الإنسان في معْدَتِكَ أفضل له ألف مرّة من أن يكون كبيراً لجزاريك·
 
ردّ الدكتاتور باندهاش: وما علاقة كبير الجزارين بمعدتي؟
 
أجاب كبير الخدم كمن آن له أنْ يخرج من مأزق: لقد استهواك بالأمس، فشرِبْتَ دمَهُ، وطهونا لكَ لَحْمَهُ·
 
قال الدكتاتور: لكنّ النسيان ليس من عادتي؟
 
ردّ كبير الخدم وهو يحكّ رأسه: ربّما أمرْتَ بذبحِهِ وأنتَ مُنْفَعِلٌ يا سيّدي، أَذكُرُ ساعتها أنّكَ كنتَ تحاول قتلَ الظِّلّ لأنّه أخفى خيالك·
 
قال الدكتاتور بارتياح: صدقْتَ يا كبير الخدم، فأنْ يكون الإنسان في معدتي أفضل له ألف مرّة من أن يكون كبيراً لجزاريَّ·· حقاً إنك لإنسان مخلص وسوف أمنحُكَ هذا الشرف، بل أنتَ تستحقّه عن جدارة···
صفحة 5
الحنطة
 
في الخامس من أيّار لعام ألفين أسْدَلْتُ السّتارةَ على لعبة الحانات، وواصلتُ اختلافي مع أبي الحواجب في الواجب هذه مسألة تفكيكية·
 
كان أبو الحواجب أكثر دقّةً من ساعة بغ بن فسمّاه أصدقاؤه الدّقيق، أمّا أنا فسميته الحنطة هذه مسألة بنيوية·
 
كيف تشعر بالخجل بسبب وجودك في مكان ما· الوضْعُ كلّه مؤلم·· كان يجب أن أفهم الدنيا في يوم واحد·· ليلة الكسوف كان الموت ماكراً، ويحمل إصراراً هائلاً على أن يتركني لمصيري هذه مسألة نفسية·
 
منذ أن اختلفتُ مع أبي الحواجب خُضتُ معه عشرات المعارك، كان أبرزها السيف، والبندقية، والصّاروخ هذه مسألة إخبارية، فلنبدأ بالسيف إذن·
 
··· وتقابلنا بالسيف· كان سيفي ماضياً·كان سيف أبي الحواجب أمضى· كان أبو الحواجب ماهراً في النِّزَال، غير أنّي كنتُ أمهر، وبذلك أصبحت المعادلةُ شبْهَ مقبولة· كان يريد قطع رأسي· كنتُ أريدُ تحطيمَ قدميه· كان يريدني أنْ أزولَ عن الدّنيا· كنتُ أريدُ أنْ أراه عاجزاً· كان يسدِّد ضربته باتجاه رقبتي، فأُخفِض رأسي وأجرحُهُ في يده، أو بطنه، أو إحدى قدميه· كان يقاتِلُ على مبدأ الضّربة القاضية، وكنتُ أقاتِلُ على مبدأ الضّربات الموجِعَة·
 
فجأة وجّهَ لي ضربةً مباغتةً كادت تطيح برأسي، غير أنّه حين التفت وجدني على يساره أتّكئ على سيفي، فعاجلْتُهُ بضربةٍ تسبّبتْ له في جرح غائر· كان جرحي أكثر غوراً لأنّ سيفه أمضى· كان جرحُهُ أكثر ألماً لأنّي كنتُ أمهر·
 
لأبي الحواجب واجب، فلكلّ مكان مريدوه ومُبغضوه هذه مسألة تاريخية· لم أفهم قانون المُدُن بعد، ولا أريد أنْ أفهمه هذه مسألة شخصية، حسناً لأبي الحواجب واجبه ولي قناعاتي·
 
كان أبو الحواجب -رغم دقّته- أكثر قسوة من ضبعٍ جائع يصادف طفلاً أعزل في أرض خالية·· لا علاقة لي بهذا التشبيه· إنّه يخصّ أبا الحواجب، فلم أكن طفلاً رغم أن أبا لحواجب كان يشترك مع الضّبع في كثير من الصفات هذه مسألة نفسية جديدة·
 
انتهت معركة السّيف وخرجنا بجراحٍ كثيرة، فتقابلنا بالبنادق·· صوَّبَ نحوي· صوَّبتُ نحوه· لم يصبْني· لم أصبْهُ، فتقابلنا بالمدافع· راح يُطلق نحوي، رحتُ أطلق نحوه· كانت قذائفنا تلتقي في منتصف الطريق، تتعانق هناك، ثم تنتحي زاوية وتنفجر فيها، لذلك تقابلنا بالصواريخ·· صاروخٌ يقابل صاروخاً، يتناطحان، ثم يتجادلان في أسباب المعركة:
 
- أبو الحواجب ينفّذ التعليمات بدقّة، والرّاوي يؤمن بالمرونة·
 
- أبو الحواجب صارم في تنفيذ القوانين، والرّاوي لا يعترف بيقينٍ مطلَق·
 
- أبو الحواجب يُحبّ تدجين الآخرين، والرّاوي يصرّ على أن يظلّ برّيّاً·
 
أيها الكاتب الأبله عليكَ أن تقلب الصفحة فوراً هذا خطأ فنّي فادح، فقد يكتشف المتلقّي أن ما ترتديه ليس سوى قناع·
 
ليكن الأمر كذلك، فللأخطاء جمالياتها أيضاً، لذلك سأنْقَلِبُ مائة وثمانين درجة فقط!!·
 
حين أدمنتُ تعاطي التبغ قالت أمّي: فسدَ التّبْغُ في فمه· وتكرّرت المسألةُ لاحقاً حين فسدَ الخمرُ في فمي·
 
لأبي الحواجب واجب، فَليَفْسُدُ كل شيء في فمي، ثمة شيء لن يَفْسُد أبداً·· إنّه اللُّقْمَة·· سأُقابل أبا الحواجب كثيراً· سنتعارك كثيراً·· وسأتذكّر دائماً أنّ أصدقاءَهُ سمّوه الدّقيق، أمّا أنا فسمّيتُه الحنطة·· الحنطة التي لا أريدها، ولا أريد أن تَفْسُدَ في فمي·