صفحة 1
مقدمة
ينطوي هذا الكتاب على مجموعة متنوعة من الموضوعات الأدبية والثقافية والفكرية التي تتضمن نوعا من الثنائيات والمقارنات التي تتقابل فيها وقائع ثقافية وفكرية وفنية معينة إزاء وقائع أخرى تتداخل معها، أو تقف على مقربة منها، على صعيد القوّة أو الفعل، فاتحة الطريق نحو رؤية جديدة أكثر شمولا وتكاملا من النواحي النقدية والفنية· وهي رؤية تتجاوز، في أحيان كثيرة، المفاهيم التقليدية السائدة في الأدب المقارن، من التي تقصرعنايتها على تتبع العلاقات بين الأعمال الأدبية المتشابهة، وبيان مصادر التأثير والتأثر في النصوص المفردة والحالات الخاصة في مجال العلاقات الأدبية والثقافية القائمة بين اللغات والآداب القومية المختلفة· الأمر الذي يعني توسيعا لهذه المفاهيم، وسعيا نحو جعل العلاقة بين بعض النصوص المتباينة والأنواع الأدبية والفنية المختلفة، قائمة على مستوى التطبيق العملي، وليس فقط على مجرد الادعاءات والمزاعم النظرية؛ فضلا عما يمكن أن يكون لذلك من صلة بالنقد الثقافي الذي يمكن لبعض الموضوعات فيه أن تتجاوز الأطر الضيقة للنقد المتخصص، والآفاق الأدبية واللغوية المحددة باشتراطاتها الفنية والمعرفية؛ على اعتبار أن هذا النوع من النقد يبدو أكثر فاعلية وقوة في الربط بين بعض نتاجات الفكر البشري، والمعرفة الإنسانية الخاصة بالممارسات الاجتماعية وأساليب الحياة ومظاهرها الثقافية المختلفة·
ولئن كانت بعض الموضوعات المقارنة في هذا الكتاب غير جديدة تماما، وأن المؤلف تتبع فيها المدّونات والوثائق والسياقات التاريخية لتبيّن أوجه العلاقة القائمة بين نصوص متباعدة، أحيانا، في لغاتها وأزمانها، فإن الروح الشمولي الذي توفّر على دراستها، قد جعل عديدا منها قابلا للظهور بمظهر الحقول الأدبية والثقافية الجديدة التي تتطلب مزيدا من الجهد لإبراز عناصر اللقاء والتفاعل بينها، وما يتصل بذلك من ضرورات تفاعل يفرضها واقع الاتصال بين الآداب والثقافات والفنون المختلفة، مهما تباعدت مراكز الإرسال والاستقبال فيما بينها·
وهكذا تبدو العلاقة بين الرواية والسينما، وبين الأدب وعلم الاجتماع، وبينه وبين التكنولوجيا، وبين التاريخ والرواية، والمسرح والشعر، والكلمة والخط كما يظهر في الرسم،·· الخ واعدة بالكثير من الرؤى والأفكار والتكامل أو التناظر في العلاقة، وما يتصل بها من أدوات البحث والدراسة، من دون مصادرة حق استقلال كل حقل من هذه الحقول الثقافية والفنية لصالح حقل آخر قد يختلف عنه في الجوهر والماهية اختلافات أساسية أو جزئية·
صفحة 2
وقد حاولتْ موضوعات أخرى مثل (مسألة الأثر الاجنبي في البلاغة العربية) و(مستقبل الثقافة بين طه حسين وت· س· اليوت) و(مكانة المتلقي في الأدب المقارن) و(التوراة وآداب بلاد الرافدين) والثقافة العربية والسلطة السياسية، أن تستكشف الآفاق التي يصنعها اللقاء الحقيقي، أو المزعوم بين الثقافتين العربية والغربية ضمن حدود معّينة، وما يمكن أن ينتج عن ذلك من وجود تأثيرات تعمل على بلورة فاعلية التلقي، وبيان مدى أصالة العناصر الثقافية الداخلة في تكوين الرؤى والأساليب الجديدة التي تبدو مغايرة، أحيانا، لبعض التقاليد والثوابت الأدبية والثقافية السائدة·
وفي الأحوال كلها، تحتل التأثيرات الثقافية المتبادلة بين العمل الأدبي وقارئه مكانة متميّزة في استراتيجيات التلقي ونظرياته المختلفة· فالقول بوجود المعنى داخل النص، وإعادة الاعتبار للقارئ، وإعطائه مسؤولية استثنائية في توجيه وتفسير هذا النص أو ذاك، قد جاء بعد انكشاف قصور المناهج النصية بما يتعدى الدائرة المغلقة التي يُحيل إليها التحليل اللساني للبنية أو البنيات التي ينطوي عليها العمل الأدبي، على نحو يبدو معه مكتفيا بنفسه، ومبّررا لذاته، وغير محتاج للبحث عن مرجعيات أخرى تقع خارج العلاقات اللسانية والصوتية والتركيبيّة الموجودة في مثل هذا النص·
وحين نتحدث، في موضوع آخر، عن (مستقبل الثقافة بين طه حسين وت· س· إليوت) فإننا إنما نتحدّث، كما أشرنا في مقدمة الموضوع، عن نمطين متميّزين في الحوار الحضاري بين الشرق والغرب، حتى إذا كانت أشكال هذا الحوار غير مباشرة، وذات طبيعة إشكالية، ونتائجها متباينة وغير متوازنة من الناحية التاريخية، لأنها تميل إلى الهيمنة وإرادة فرض السيطرة من طرف، والتبعية أو محاولة اللحاق بالآخر بأي ثمن، من طرف آخر·
واختيار (طه حسين) و(ت·س·إليوت)، الأول ممثلا للثقافة العربية الشرقية، والآخر للثقافة الأوربية الغربية، لا يقصد به غير رؤية وجهين معبّرين عن هذين النمطين الثقافيين المجسّدين لتلك اللحظة من التقابل التاريخي بين الشرق والغرب، على صعيد المنهج والرؤية الثقافية الممثلة لكل منهما· وهي لحظة لها من قوّة الامتداد ما يجعلها فاعلة في الحاضر الراهن قدر فعلها في الماضي، على الرغم مما بين الرجلين من اختلافات في الرؤية والمنهج والسياقات الحضارية السائدة·
صفحة 3
والنتيجة أو النتائج التي يمكن أن نتحصل عليها بعد رؤية حوار متصل أو مقطوع من هذا النوع، تجعلنا نفكّر بشعور المغلوب إزاء الغالب، كما عبّر عنه (ابن خلدون) مرّة في (المقدمة)، حين تحدّث عن الاقتداء الناتج عن >اعتقاد المغلوب الكمال في من غلبه، ولذلك نرى المغلوب يتشبَّه بالغالب في ملبسه وسلاحه، وفي سائر أحواله، حتى لقد يستشعر من ذلك الناظر بعين الحكمة أنه من علامات الاستيلاء<·
لقد انطوى الكتاب، إضافة إلى ذلك، على ثنائيات مقارنة في موضوعات المسرح والسينما، والقصة والرواية، والترجمة، والعلم كما جرت رؤيته وتطبيقه بطرائق متباينة، وسياقات تاريخية مختلفة، بين العرب والأوربيين، يجمعهما ويوحّد بين أطرافها هذا التوسط الذي نجد الغرب والثقافة الغربية موجودة بهذا الشكل أو ذاك في ثقافتنا العربية القديمة والحديثة بأنواعها المختلفة، وعلى نحو لا يخلو من اللبس والتعقيد أحيانا· وهو ما يدفع الدارس نحو مزيد من الانتباه والحذر لملاحظة أوجه القضّية أو القضايا المطروحة، وتبيّن سياقاتها التاريخية ومرجعياتها المختلفة· إذ إن أوجه الشبه بين الأعمال الأدبية والثقافية والفكرية لدى الأمم المختلفة قد تكون جاءت نتيجة مصادفات تدفع إليها حاجات وسياقات حضارية متشابهة، فضلا عن أن البحث الأدبي المقارن الحديث قد أثبت بأن الأصالة المطلقة التي تصبح فيها بعض الآداب مصدرا دائما للإرسال، أمر نسبي، حتى إذا اعترف اللاحقون بفضل السابقين، وتحدّثوا عن مصادر الأخذ وأنواعه في آدابهم وثقافاتهم·
وقد رأينا كيف أن أجدادنا العرب القدماء كانوا ينظرون إلى هذا الموضوع داخل بنية الثقافة العربية بشيء من التساهل الذي يحق فيه للاحق أن يستغلَّ عمل السابق، على نحو يبدو معه الأدب وما فيه من معان وألفاظ إرثا مشاعا يستطيع من يشاء أن يأخذ منه، شريطة أن يغيّره أو يعدّل فيه، ويضيف إليه شيئا ما، على مستوى المضمون أو الشكل، ويترك عليه ما نسميه (بصماته الشخصية)· وهو ما يمدّ الدرس العربي المقارن بعدّة إضافية يستعين بها لزحزحة الجمود الذي عانت منه الدراسات العربية المقارنة، من التي ما زال الكثير منها لصيقا بالمنهج الفرنسي القديم في دراسة الأدب المقارن من خلال التأكيد على رؤية العلاقات الأدبية المباشرة وتوفرالمدوّنات التاريخية والأسباب والمسّببات·
صفحة 4
وهي، كما أوضحنا، وضعية دفاعية فقدت مبرّراتها مع ظهور المدرسة أو المدارس البنيوية، وما تلاها من مدارس نصيّة لا تعير الوجود الفعلي أو المتخيّل لكل هذه الأمور اعتبارا كافيا، ومنذ أن وضعتها، قبل ذلك بسنوات، تساؤلات (رينية ويلك) عن (أزمة الأدب المقارن ) في موقف حرج، بدأت تنطوي فيه على نفسها، وتعيد النظر في بعض مسلّماتها، خصوصا بعد أن فتح الدرس المقارن في أمريكا والمدرسة السلافية المقابلة، الباب واسعا نحو مناهج ورؤى أخرى للنظر في العلاقات القائمة بين الآداب والثقافات القومية المختلفة، وتداخل الأنواع، وتجاوز الطابع المسرف لأحادية النظر والنوازع القومّية الضيّقة التي تجعل همّها محصورا في ملاحقة طرق استثمار الآخرين للنتاج الخاص بأمة معيّنة متفوّقة في لغتها وثقافتها وفكرها، تبعا لتفوقها الاقتصادي، والعسكري والسياسي، وما يفرضه، الآن، ويساعد عليه، عصر العولمة والإنترنت والقرية الكونيّة الشاسعة، من وسائل اتصال لم يشهد لها العالم مثيلا من قبل·
واستعراض موضوعات هذا الكتاب والتعليق عليها، بهذا الشكل، لا تُغني، بطبيعة الحال، عن مباشرة قراءته والاطلاع عليه، ورؤية ما فيه من جهد نأمل معه أن يكون قادرا على الإسهام في إعطاء دفعة أخرى، وإضافة دماء جديدة للدرس الأدبي والثقافي المقارن في لغتنا العربية، بعد أن قصرت أغلب مقرّراته المدرسية والاكاديمية على مجموعة من التعريفات المبتسرة، والاستعراضات السريعة لمدارس هذا الأدب ومناهجه، و رؤية نماذج من الصلات الثقافية التي يظهر فيها، بشكل خاص، التأثيرات التي تركها أدبنا وثقافتنا العربية والاسلامية على بعض الأعمال والأنواع الأدبية الشرقية والغربية في عصور سابقة·
وفي ختام هذه المقدمة لا يسع المؤلف إلا أن يشكر جميع الأصدقاء من الباحثين والأساتذة المختصين من الذين قدّموا له العون، ولم يبخلوا عليه بشيء· كما يسّره أن يشكر بعض طلبته في الدراسات العليا بجامعة بغداد، من الذين كانت بعض ملاحظاتهم ونقاشاتهم قد أثرتْ الكتاب وحفّزت صاحبه على إدخال بعض التغييرات الضرورية في بعض الموضوعات، وإضافة موضوعات جديدة من شأنها توسيع صورة هذه الثنائيات المقارَنة واستكمال بعض جوانب النقص فيها·
ولا يفوت المؤلف، كذلك، أن يقدم امتنانه وعرفانه بالمساعدة القيّمة التي قدمها صديقه الكاتب والقاص المبدع الراحل العزيز خليل السواحري، الذي أخرجت دارالكرامل التي يملكها، الطبعة الأولى من الكتاب عام 1992م، وعمل مع الكاتب على إعداد الطبعة الثانية للنشر، آملا أن تكون هذه الطبعة الثالثة الجديدة أكثر غنى وتكاملا من النواحي النقدية والفكرية والفنية جميعا·
والله وليّ التوفيق
أ· د ضياء خضير
جامعة صحار - سلطنة عمان
البريد الإلكتروني [email protected]
صفحة 5
الثقافة العربية والسلطة السياسية
قد يكون من الضروري إلقاء الضوء على علاقة المثقف العربي بالسلطة السياسية في بلده وعصره، في هذا الوقت الذي عصفت فيه رياح الربيع العربي الجديد بكثير من القناعات السائدة، وكنست بعض التصورات القائمة على فاعلية الثقافة وأصحابها، بعد أن أصبح الشارع في الوطن العربي وساحات الحرية في كثير من مدنه، المحرك والفاعل الأساسي في التحولات السياسية الظاهرة على السطح أو الكامنة في أعماقه·
والعنوان يضعنا، منذ البدء، أمام صعوبة خاصة نجد أنفسنا فيها أمام التناقض القائم بين ما هو معرفي، وما هو إيديولوجي· ذلك أن وظيفة الثقافة عموما هي إنتاج المعرفة، وبيان كيفية توظيفها· في حين أن وظيفة السياسة تتحدد في ممارسة السلطة، أو بيان كيفية ممارستها·
ولكن ارتباط الثقافة بالسياسة وشكل السلطة المتفرعة عنها يبقى، مع ذلك، ارتباطا عضويا، بحيث لا يمكن لأحدهما الأستغناء عن الآخر، مهما يكن هذا الارتباط قلقا ومتناقضا· على اعتبار أن الثقافة لا تعني الخطابين الأدبي والفكري وحدهما، بل هي مجموع التنظيم المدني والعمراني المستند إلى خبرة الإنسان العملية والروحية، وتصوراته الفكرية والخيالية·
ولئن كان تاريخ الإنسانية قد شهد تقابلا دائما بين المثقف والفيلسوف، والفنان والبطل الرومانسي العاجز عن الفعل والمواجهة العملية، وبين رجل السياسة وصاحب السلطة، الذي يبدو مطمئنا إلى نفسه وعارفا بطبيعة عمله، فإن موقف كلّ منهما إزاء الآخر يتحدد، من الناحية التاريخية، بطبيعة الوظيفة الاجتماعية التي يمكن أن يمنحها لهما النظام الاجتماعي الذي ينتميان إليه كلاهما·
ولئن كان من الصعب الحصول على تعريف دقيق يحدد ما نعنيه بـ (الثقافة)، فإن من الممكن الوصول إلى مقاربة معقوله للمفهوم من خلال فحص وضع (المثقفين)، أي هؤلاء الذين يجدون مثلهم الأعلى في قضية تتوفر لهم مقدرة فعلية على خدمتها، وفقا لهدف محدّد يمكنهم بوسائلهم الخاصة بلوغه· وهؤلاء هم الذين يطلق عليهم الفيلسوف الألماني (هيغل) (الحيوانات المثقفة)، وقضيتهم هذه تمثل لهم الهواء الجوي الذي لا يستطيعون بدونه الحياة· وهم في الواقع كل الأساتذة والأدباء والشعراء والفنانين والمفكرين، الذين يخلعون على مهمتهم قيمة مطلقة، ولا يفطنون غالبا إلى أن هذه المهمة قد لا تشكل بالنسبة إلى غيرهم شيئا ذا بال، أو أنها تمثل واقعا غريبا يسعون إلى أن يحققوا من ورائه قضيتهم أو مصالحهم الخاصة· (1)
صفحة 6
وهكذا يظل الغموض محيطا بكلمة الثقافة والمثقفين، على الرغم من تعدد التعريفات والمفاهيم التي حاولت تحديد وظيفتها ووظيفتهم· وحين حاول الفيلسوف الفرنسي جون بول سارتر في كتابه المعروف (دفاع عن المثقفين) وضع تعريف للمثقف، لم يجد غير القول إنه (شخص يمثل حالة خاصة من جملة أشخاص يتحددون بوظيفة اجتماعية)·(2)
وسارتر يرفض أن يطلق كلمة مثقف على من يسميهم اختصاصي المعرفة الذين بدأوا بالتكاثر والنمو مع نمو الطبقة البرجوازية وتطورها· وهو ما جعل صورة هؤلاء ملتحمة عضويا بواقع التطور التاريخي في أوروبا، وغير منفصلة عن المشروع البرجوازي الطموح، الذي كان يجد في ذلك النفر من الناس، الذين يعملون بألسنتهم ورؤوسهم أكثر مما يعملون بأيديهم، أدوات ضرورية لحماية هذا المشروع، وتقديم التبريرات الفكرية والايديولوجية لديمومته ونشره والتخطيط له والتعريف بأهدافه·
علما بأن ما كان يسميه (هيغل) بـ(الوعي التعيس) سيظل سمة أساسية من السمات المرافقة لوضع هؤلاء المثقفين وتكوينهم الداخلي· وهو أمر يفرضه كون (النفي) الذي يشعر به هؤلاء شعورا غريزيا يمكن أن يتطور نحو مبدأ النقض، الذي يشكل خطوة ضرورية بحسب الجدل الهيجلي· أي ما يشكل في بعض مراحل حياة هذا المثقف موقفا مناقضا أو غير منسجم كليا مع الموقف العام للسلطة الزمنية والدينية القائمة·
غير أن من الأمور اللافتة للانتباه في تطور الثقافة الأوروبية أنها بدأت منذ الثورة الصناعية تميل إلى الارتباط بالسلطة القائمة ارتباطا بنيويا· وقد بيّن (رايموند وليامز) في كتابه (الثقافة والمجتمع) أن فكرة الثقافة واللفظة نفسها قد برزت في التفكير الإنكليزي، في الفترة التي توصف عادة بـ (الثورة الصناعية)·
ومنذ أن نشر (كارليل) مقالته المهمة إمارات الزمن (SIGNS OF TIME) عام 1826، ترسخ في التفكير العام لكثير من الكتاب الأوروبيين ما كان هذا الكاتب قد عبّر عنه بقّوة في تلك المقالة عن آلية العصر الحديث:
إذا اقتضى الأمر أن نصف عصرنا هذا بكيفية واحدة، فلن يغرينا أن نسميه عصرا بطوليا، أو تعبّديا، أو فلسفيا، أو أخلاقيا· إنما نسميه العصر الآلي خلافا لكل العصور· فهو عصر الآلات بكل معنى ظاهر أو باطن لهذه اللفظة··· فلا شيء يتم الآن بطريقة مباشرة، أو تصنعه اليد، فكل الأمور تتحقق على أساس قاعدة أو اختراع محسوب
وقد توضحت هذه القضية، بادئ ذي بدء، بالاستناد إلى التغيرات في طرق الإنتاج:
يطرد الصانع الحي من حانوته في كل مكان ليتبوّأ مكانه ما هو أسرع منه، وما لا تنبض فيه الحياة· ويسقط النول من أصابع النسّاج، ويقع بين أصابع حديدية تدفعه إلى العمل بطريقة أسرع·