صفحة 1
إضاءات أولى
يظل السؤال الصعب الذي يشغل بال المثقفين الجذريين من أبناء هذه الأمة هو البحث عن دور في مواجهة هذا الخراب الذي جعله الأمريكان والصهاينة والاستبداد عاّماً وموزعاً على جغرافية الوطن العربي الكبير ···· وهم إذ يواجهون أسئلة الراهن والمستقبل من تنوير وتثوير واستشراف، ودفاع عن الكرامة والحرية، فإنّهم في الوقت نفسه يكتشفون أن بين صفوف الحركة الثقافية العربية من يدّعي أنّه مثقف وهو ربيب السلطة ونديمها، أو أنّه وسطي معتدل وهو مهادنّ وخائف ، لذلك صار لزاماً على باحث ما أن يعدّ دراسة في طبقات المثقفين العرب في الزمن الحديث ·
لست بصدد إعادة مقولات نظرية معروفة، خاصة ما هو منها لسارتر أو غرامشي، فنحن نبحث في معايير الموقف والرؤية في زمن الشك والريبة والخوف، ولا بد أن تكون هذه المعايير صارمة تميّز بين الأقلام التي مدادها من أعماق القلب العاشق ، والرؤية الثائرة ، والحرية الخالدة ، وتلك التي لا رؤى في جماجم أصحابها غير الخوف والسلطة والتكسب··· وقد جفَت أقلام هذه الفئة وفقدت الصلة بالحياة منذ زمن بعيد، وضاع كثيرون بين السخرية والشفقة ، وحين استيقظوا من وهم اللاموقف وجدوا أنفسهم منبوذين، فلا الشعب قبل بهم ، ولا السلطة التي لفظتهم تحتاج إلى المزيد من خدماتهم ·
إننّي أرى أن حالنا يسمح باستعادة صور ومعايير قديمة لزماننا الجديد ما دام المثقفون يقومون بالأدوار نفسها، وينحاز بعضهم إلى الطغيان والأعداء لأنهم بلا ضمائر ، ولا يملكون من أدوات الفن الرفيع غير إيقاع لا يتجاوز ملامح شعر النفاق، وقد مدّوا أيديهم طلباً للعطاء لأنهم يستعيدون صورة الوالي ونداءه العتيق : أعطه يا غلام! إن صور النديم ، والطفيلي ، والمنافق ، والسلطوي، والخائف تملأ صفحات من هذا التراث ، بل إن كاتب السلطان، والنديم الملازم لمجلسه قد صارا من النماذج التي تملأ بطرائفها كتب الحكايات حتى أنّها وصلت حدود القصة المشهورة عن النديم والسلطان والباذنجان ·
إن ما يعنينا هنا هو إطلاق طاقات المثقفين الجذريين لمواجهة الأسئلة عبر سواد الرّاهن، وضبابية المستقبل، أسئلة الإرادة والحرية والعقل في عالم فوضوي يمكن أن تهذّب الكائنات الثقافية جنونه، وتكبح جموحه قبل أن يطبق المستبدون، والفاسدون، ودعـاة الهيمنة والعولمة على أطرافه كلّها، قهراً، واستعماراً، وتنكراً للفن والثقافـة ··· وهم بذلك يعيدون الدّنيا إلى صورة المراحل المظلمة الهمجية التي ناضل البشر للخروج منها آلاف السنين ·
صفحة 2
إن الثقافة ذات وجه إنساني ، وعلى أصحابها أن يكونوا كذلك ، وهذا الوجه الإنساني النبيل هو الذي نسج بين الشعوب وبين لوركا، وناظم حكمت ونيرودا، وماركيز، خيوطاً من التأثر والدهشة والإعجاب والاطمئنان إلى أملٍ سيحكم مستقبل الحياة!!
إن الواقع ليس مجرد صلصال يشكله الحكام أو الأحزاب أو الطغاة أو الممثلون على هواهم، فالواقع بشر لهم أشواق، وأحلام، وأخطاء، وطموحات ومطامع ···، فمن يضئ الطرقات لهم وهم في عتم هذا الزمان الذي تشظى بعد أن سقطت أفكار التقدم والنهضة والتنوير، وأيقظت قوى الهيمنة الرأسمالية غرائز الاستهلاك والترفيه ، بل لقد ظنّ البسطاء أن أنماط حياة المافيا مثلاً ، أو حفلات الغناء العاميّ السطحي ، أو المظاهر الفولكلورية التي ليس لها حسّ إنساني، ظنوا أنها هي الثقافة، وأنهم بخير ما داموا في أوهامها غارقين ·
ما هي الصورة إذن !!
- قلق لا حدود له ،
- وسرابٌ تتبعه أسرابٌ من الناس العطاش تبحث عن ماء!!
- وحكومات تبحث عن مثقفين يزينون قبحها ، هي تريدهم أن يعملوا لها، ومن يتعاون معها يظن أنه شريك لها في المنفعة والقرار!!
- وحالة من الإحباط والنفور في مناخات متعصبة مغلقة ، يدعي بعض الساكتين على خطرها أنهم يلتمسون حكمة في الصمت لأنه لم يبق للإصلاح سبيل !!
أقول : إذا كناَ غير قادرين على التصدي للأسئلة ، وإلزام أنفسنا بالحياة والحرية والناس، فلندافع على الأقل عن حق كل واحد منهم في حفظ كرامة قلمه وأوراقه، وفي رفض ما يرى أنه خطأ، وانحراف، وجهل، وحماقة ··· وأقول : ليكتبوا لنا قصائد حب على الأقل ، أو يقوموا بهجاء الجنرالات المهزومين، أو رثاء أنفسهم في صفحات الجرائد كل صباح !! أو إعلان اغترابهم الخائف عن دورهم المأمول في الحياة ·
صفحة 3
نموذج
إن هذه المحاولة في الكتابة عن المثقف الجذري قد تبدو بائسة، وقد أعادني إلى سؤالها الأساسي مقالة لي سابقة كان مالك بن الرّيب ضيفها، ذلك أنني وأنا أبحث في رحلته وقصيدته وقعت على رفيق له عُرض عليه أن يكون في الجيش نفسه معه، وهو جيش سعيد بن عثمان المتوجّه للقتال في خراسان، لكنه سار في طريق مختلف، وهذا أكثر شعراء زمانه جرأة، بل هو - في لغة اليوم، مثقف جذري مثل الشنفرى، وعروة بن الورد، ومالك ابن الرّيب، إنه يزيد بن مفرّغ، وقد اخترت الدخول إلى فضاءات موقفه الثقافي، ممّا وصل بي إلى هذا النص الذي يقدم نموذجا لحالة أولى من حالات المثقف العربي، وهي الجذري، أما الطفيلي والمنافق فلهم حديث غير هذا في زمان قريب0 هذا الجذري الحرّ الذي يتابع رفضه ورؤيته مهما اشتدّ القهر والطغيان هو يزيد بن مفرّغ، وقد لقب جدّه مفرّغاً لأنه راهن على سقاء لبن أن يشربه كله ففعل حتى فرّغه، فلقب مفرّغاً····
زمان ابن مفرّغ أموي، الخليفة يزيد بن معاوية، ومن ولاته عبّاد ابن زياد بن أبيه··· وهنا يقع الصّدام بين المثقف والسلطة، فهذا الشاعر صحب عبّاد بن زياد، وما أن أبطأ الوالي عليه بما يحبّه حتى ذمّه وهجاه، مطلقاً رؤيته الحرّة الساخرة في وجه سوط المال وسيف الوالي··· لقد رأى يزيد لحية عبّاد العظيمة وقد دخلت فيها الريح فنفشتها، فضحك وأنشد:
ألا ليتَ اللِّحَى كانت حَشِيشاً
فنعلِفها خيولَ المسلمِينا
وصل البيت إلى مسامع عبّاد فأحس يزيد بالعقوبة قادمة، فأستأذن في المغادرة··· لكنه حبسه وأضرّ به، وأخذ منه غلامه برد وجاريته الأراكة وكم كان شديد الضنّ بهما······ وذاك هو في مواجهاته التي ظلّ فيها يقول لا·
صفحة 4
مشهد رقم (1)
باعوا فرسه وسلاحه وأثاثه، وهو في السجن ينشد:
كمْ من نَعيمٍ أصَبْنا من لذاذتهِ
قلنا له إذْ تولى ليتَه خلدَا
وحين غادر السجن توجه إلى البصرة ثم خرج منها إلى الشام مواصلاً هجاء زياد وولده، وأشعاره تنتشر، بل تعدى إلى هجاء أبي سفيان، وقذفه بالزّنا، وسبّ ولده، فطلبه يزيد وهو مطاردٌ يتجنبّه الناس ولا يجيرونه···وحين وقع بين يدي عبدالله بن زياد استأذن الخليفة في قتله، فأبى عليه، لكنه أذن له في التنكيل به، لأن الخليفة يرى أن ليزيد عشيرة هي جندي وبطانتي، ولا ترضى بقتله····
صفحة 5
مشهد رقم (2)
ذاك هو تنكيل السلطة بأمر ابن زياد : سقوا الشاعر نبيذاً حلواً قد خلط معه الشبرم، فأسهل بطنه، وطيف به على تلك الحال، وقرن بهرة وخنزير··· والصبيان يتبعونه في شوارع البصرة·
صفحة 6
مشهد رقم (3)
أعادوه إلى الحبس وسلّموه محجماً وقدّموا له علوجاً كي يحجمهم، فكان يأخذ المشارط فيقطع بها رقابهم، فيهربون منه···بينما الشرطة تصبّ عليه السياط كي يستمر في العمل، حتى صاح بهم:
وما كنتُ حجّاماً ولكِنْ أحلّني
بمنزلة الحجّامِ نأيي عن الأهلِ
صفحة 7
مشهد رقم (4)
تلك هي قصيدته الخطيرة في هجاء بني سفيان وبني زياد··· إنه يرفض هذه المكانة التي نالها زياد وأبناؤه بحكم ما فعله معاوية من إلحاق زياد بنسب أبي سفيان····إنه لا يرى ذلك لائقاً بالدولة الجديدة، ولا يرى ما يعصم ابني زياد من قهر الناس باسم توطيد أركان سلطة بني أمية··· إذن فليكن الرفض الكامل بأعلى صوت متاح له:
ألا أبلغ معاويةَ بنَ حربٍ
مغلغلةً من الرجلِ اليمَاني
أتغضبُ أن يُقَالَ أبوكَ عفٌّ
وترضى أنْ يُقَال أبُوكَ زانِي
وإذا كان لا بد من شاهد لنفي هذا النسب فإنه مستعد لتقديم نفسه شاهداً على ذلك:
وأشهدُ أنُها ولدتْ زِياداً
وصخرٌ من سميّةَ غيرُ داني
(وصخر هو أبو سفيان وسمية والدة زياد)
وليكن عبّاد نقطة الارتكاز في هجومه على السلطة····وذاك هو يصيح من مكان ما وهو مطارد:
إنّ عاماً صِرْتَ فيهِ أميراً
تملك الناسَ لعامٌ عُجابْ