صفحة 1
المقدمة
إنَّ من الطبيعي أن تكون لغة الشعر الجديد لغة جديدة. فتفسير قصيدة من هذا الشعر يحتاج منا إلى أن نقف عند أسلوبها في الأداء أطول بكثير من الوقوف عند موضوعها أو مضمونها أو الباعث عليها.
فالأسلوب هو المظهر اللغوي المباشر للتحول الذي طرأ على الواقع والمألوف في هذا الشعر، لقد اختل التوازن القديم بين مضمون العبارة وأسلوب أدائها. وأصبح الأسلوب الجديد بما فيه من تنافر وتضاد وإغراب وقلق وتقطع وفجوات هو الذي يجذب الأنظار قبل أي شيء آخر. فالتباين والتنافر بين أسلوب التعبير والشيء المعبر عنه أو بين الإشارة والمشار إليه قد أصبح من أهم قوانين الشعر والفن الحديث كافةً.
هذا الأسلوب المتنافر الشاذ قد زاد ثقله في القصيدة إلى حدّ تجريد الموضوعات التي يلمسها من أهميتها ومعناها، بل ومن وجودها الواقعي نفسه. فالقصيدة الحديثة تتلافى الاعتراف بموضوعية العالم الكائن خارج الذات أو داخلها حتى لا ينال من أسلوبها، وإذا تناولت بعض بقايا هذا العالم الموضوعي فهي تستغلها لتحريك المخيلة وزيادة طاقاتها على التحويل والتشويه والتبديل. وليس معنى هذا أن الشعر الحديث يقصر نفسه على موضوعات قليلة أو عديمة الشأن فهنالك قصائد تزدحم بالعديد من الأشياء والموضوعات المهمة ولكن هذه الأشياء والموضوعات تخضع لتركيبة جديدة وأسلوب جديد في الرؤية والأداء الفني الجديد.
وقد ألح الشعراء والفنانون الجدد على الصدمة والمفاجأة التي تحدثها هذه اللغة حتى صار الانقطاع هو ما يميزها، وذلك في سعي الشعراء الدائم لخرق توقع القارئ ومفاجأته ببنىً شعرية متجاورات بالنظم متفارقات بالروابط والصور والمعاني، ومن هنا جاء اختيار (المجاورة الانقطاع في الشعر العربي الحديث) موضوعاً لهذه الدراسة بعد أن أنعمت النظر بما قرأت عنه في كتاب (قراءات في الأدب والنقد) للدكتور شجاع مسلم العاني، وبما جاء في بحث لكمال أبو ديب بعنوان (لغة الغياب في شعر الحداثة) نشر في مجلة الأقلام، في العدد الخامس من العام 1989، وقد تحدث فيه عن الانقطاع، وعده من تجليات لغة الغياب.
وحقيقة أنَّ الانقطاع كان قد ذكر بوصفه مصطلحاً عند جان كوهن في كتابه (بنية اللغة الشعرية)، وجاكوب كورك في كتابه (اللغة في الأدب الحديث)، كما ذكره عبد الغفار مكاوي بصورة غير مباشرة في كتابه (ثورة الشعر الحديث) فهو لم يذكر الانقطاع بشكل مباشر ولكنه ذكر صفات ذلك الشعر من تشتت وتنافر وعدم ترابط بالمفردات والجمل والخطاب، أما في الرسائل الجامعية فقد ذكر الانقطاع في أطروحة الدكتوراه (التوازي في القرآن الكريم) لوداد مكاوي من كلية التربية للبنات جامعة بغداد 2001م، وأطروحة الدكتوراه (الإشارة الجمالية في المثل القرآني) لعشتار داوود محمد من كلية التربية، جامعة الموصل 2005م.
وعلى الرغم من توافر بعض المعطيات النقدية الحديثة التي لها صلة مباشرة بموضوع هذه الدراسة، إلا أنَّ المشكلة التي كانت قد واجهتني في مراحل الكتابة، هي قلة المصادر التي تناولت المجاورة والانقطاع في الشعر، لاسيما أن حاجتي كانت ملحة وضرورية إلى أن أجد أساساً رصيناً أرتكز عليه في قضايا التنظير والتطبيق التي قامت عليها هذه الرسالة. من أجل ذلك أخذت أبحث بعناية في كتب النقد والبلاغة القديمة، كما في كتب الدراسات العربية والغربية المترجمة ومحاولة إيجاد انسجام بينها.
وكان مشوار رحلتي في الدواوين الشعرية أصعب، لكثرة النصوص الدالة على الظاهرة موضوع الرسالة، واختلاف مقاصد الشعراء في بناء المتجاور من أبنية الشعر وانقطاعاته، وكد المتلقي في التأويل واحتمال التعدد، فضلاً عن فقر المكتبات داخل العراق من الأعمال الشعرية التي تغطي مساحة الوطن العربي وخارجه والتي تقع بحدود الزمن المقرر لدراسة الظاهرة (1970-2000)م ومهما يكن من أمر فقد سهل علينا ما صعب بمشيئة الله تعالى، وعون المخلصين حتى تكاملت لدينا الرؤية والوسيلة فكان التخطيط لهذه الدراسة على النحو الآتي:
التمهيد وتضمَّنَ تحديد المفهوم بين الموروث والحداثة وقد تناولت فيه المجاورة الانقطاع أو الفصل والوصل من وجهة نظر البلاغة العربية القديمة وحاولت ربطها بالأسلوبية الحديثة، أما الفصول فقد ضم الفصل الأول مبحثين: اشتمل المبحث الأول فيه على الانقطاع على أساس العطف بين المفردات عبر المغايرة في استخدام أدوات العطف، أو التحرر منها كليا، أما المبحث الثاني فقد تكفل بالتضاد والتنافر بين المفردات، أما الفصل الثاني فقد خصص للانقطاع بالجملة، وقد اقتصر على مبحثين تحدثت في المبحث الأول كما في الفصل الأول عن الانقطاع على أساس العطف بين الجمل، عبر المغايرة في استخدام أدوات العطف، أو التحرر منها كليا، أما المبحث الثاني فقد خصّص للالتفات درست خلاله الالتفات بالبلاغة العربية القديمة، وحاولت ربطه بالأسلوبية الحديثة وعرضت فيه أهم الآراء التي تناولت الموضوع قديما وحديثا، وقد خصصت فقرتين لدراسة الانقطاع ضمن مبحث الالتفات، وهي الانقطاع بالتبادل الضمائري والانقطاع بالزمن (من الماضي إلى المستقبل وبالعكس)، أما الفصل الثالث فكان عن الانقطاع في الخطاب، وقد ضم مبحثين، وقفت في المبحث الأول عند حدود الصورة، وقد درسته بمسربين، الأول شمل المفارقة، والثاني التراكم الصوري وتوليد الصور بعضها من بعض، أما المبحث الثاني فقد كان عن الإيقاع، وتحدثت خلاله عن الإيقاع الداخلي للقصيدة الحديثة ومحاولة الشعراء التركيز على التكرار والتوازي في الشعر، لِلَمّ شتات الفقرات المتنافرة، ومحاولة ضم القصيدة إلى مرتكز ترتكز عليه، وإلا أفضى شعرهم إلى اضطراب كامل، لأنهم لم يُعْنَوا بالوزن ولا القافية ولا المعنى، وقدمت الدراسة بعد هذه الفصول نتائج تضمنت أهم ما توصلت إليه.
صفحة 2
التمهيد النظري
الانقطاع تحديد المفهوم من الموروث إلى الحداثة
إنَّ الإلمام بظاهرة الانقطاع، ومحاولة تحديد مفهومه بوصفه شكلاً نصيًّا يزدحم به الشعر العربي الحديث، مسألة تقتضي الوقوف عند الكثير من الشواهد الأدبية والنقدية الدالة عليه قديما وحديثا. فالتقليد الفني الموروث في بنية القصيدة الجاهلية يكاد يكون قائماً على الانقطاع التام، وإليه يعود اختراع الظاهرة، ولا يقتصر الانقطاع على الشعر فحسب، إنما يتعداه إلى القرآن الكريم الذي يظهر فيه وعلى كل المستويات:
فعلى مستوى الجملة قوله تعالى: (وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا..) (البقرة 189). وعلى مستوى الآية قوله تعالى: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي..) البقرة 186. وعلى مستوى السورة (سورة القيامة )(1)
فالنص القرآني يمكن قراءته على أنّه انقطاع من أوله إلى آخره في كل شيء فالسورة منقطعة عما يسبقها وعما يليها( 2). ولقد أكد الرسول الكريم (ص) هذا في قوله: « لا أقول (الم) حرف ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف »(3)
إذا عدنا إلى البلاغة العربية نجد أنّ كلاً من عبد القاهر الجرجاني في (دلائل الإعجاز) والسكاكي في (مفتاح العلوم) قد ذكرا ذلك في باب الفصل والوصل. وعلى الرغم مما يبدو على هذا المصطلح في البلاغة العربية من اختصاره على العطف وعدمه فإن هذه التقنية الأسلوبية قد عالجت قضية حضور الوصل عند غياب العطف أيضا. ومما لا شكَّ فيه أنّ الفصل والوصل أصعب وأدق مبحث في البلاغة يقول الجرجاني: « وأعلم أن ما من علم من علوم البلاغة أنت تقول فيه خفي غامض، ودقيق صعب إلا وعلم هذا الباب أغمض وأخفى وأدق وأصعب »( 4) وسأحاول أن أقدم شرحاً مبسطاً لهذا الفن من وجهة نظري العالمين الجليلين الجرجاني والسكاكي وكالآتي:
من وجهة نظر الجرجاني:
ويكون الوصل إما بعطف مفرد على مفرد، ويرى أن فائدة العطف في المفرد أن يشترك الثاني في إعراب الأول، وأنه إذا اشترك في إعرابه فقد أشركه في حكم ذلك الإعراب مثلما يكون المعطوف على المرفوع بأنه فاعل مثله والمعطوف على المنصوب يكون مفعولاً به أو فيه أو غير ذلك.
صفحة 3
وأما بعطف جملة على جملة ويكون على ضربين:
الأول:- أن يكون للمعطوف عليها موضع من الإعراب إذا كان كذلك كان حكمها حكم المفرد.
الثاني:- عطف جملة على جملة أخرى لا محل لها من الإعراب ويعلق الجرجاني على هذا فيقول: « لا سبيل لنا إلى الادعاء أنّ الواو أشركت الثانية في إعراب قد وجب للأولى بوجه من الوجوه وإذا كانت كذلك ينبغي أن تعلم المطلوب من هذا العطف والمغزى منه ولم لم يستوِ الحال بين أن تعطف وبين أن تدع العطف »(5 ).
ويعود الجرجاني ليؤكد مسألة أخرى، هي أن الأسماء الواصفة أو المؤكدة لا تحتاج إلى رابط يربطها بموصوفها أو مؤكدها مثل ذلك "جاءني زيد الظريف" و "جاءني القوم كلهم" ولم يكن "الظريف" و"كلهم " غير زيد وغير القوم.
وما يجري على المفرد يجري على الجمل، فالجملة المؤكدة للتي قبلها أو المثبتة لها لا تحتاج إلى رابط يربطها. ويضرب الجرجاني مثلاً الآية الكريمة ( الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ) (البقرة1-2) إذ إنَّ قوله تعالى: (لا رَيْبَ فِيهِ) بيان وتوكيد وتخفيف لقوله: ( ذَلِكَ الْكِتَابُ ) وزيادة وتثبيت وبمنزلة أن نقول: (هو ذلك الكتاب، هو ذلك الكتاب) فنعيده مرة ثانية لتثبيته وليس يثبت الخبر غير الخبر ولا شيء تميز عنه فيحتاج إلى ضام يضمه إليه وعاطف يعطفه عليه(6).
ومما تجدر الإشارة إليه أن الجرجاني قد وضع قاعدة لفصل الجمل ووصلها منطلقا من المفرد ومعمماً أساسه هذا على الجمل وصلاً وفصلاً ولكن الأمر لا يسلم حين ينفلت عطف الجملتين من قاعدة المفرد فيعمل باجتهاده لتبرير هذه المسألة بمبدأ معنوي ليخرج بها بتفسير للعطف الحاصل بين الجملتين لا محل للمعطوف عليها من الإعراب وقد وجدها بما يسميه (معنى الجمع) ويضرب مثلاً لذلك (زيد قائم وعمرو قاعد). على أن مبرر هذا العطف هو إما أن زيداً كائن بسبب من عمرو وإما أن زيداً وعمراً كالنظيرين والشريكين بحيث إذا عرف السامع حال الأول عناه أن يعرف حال الثاني: « ويدلك على ذلك أنك إنْ جئت فعطفت على الأول شيئاً ليس منه بسبب ولا هو مما يُذكر بذكره ويتصل حديثه بحديثه، لم يستقم، فلو قلت: (خرجت اليوم من داري) ثم قلت: (وأحسن الذي يقول بيت كذا) قلت ما يضحك منه»( 7).
يعود الجرجاني إلى الحديث عن مبدأ خاص يسميه (الإخبار عن الأول وعن الثاني) والقيد المجوز للعطف هنا هو أن يكون الخبران شبيهين أو نقيضين أو نظيرين ويتضح من الأمثلة الآتية:
ـ زيدٌ طويل القامة وعمرو شاعر.
صفحة 4
زيدٌ طويل القامة وعمرو قصير.
ـ زيدٌ شاعر وعمرو كاتب.
فالعطف الأول شاذ لأن الخبرين ينتميان إلى حقلين دلاليين مختلفين والأصوب أن يؤتى لكل خبرٍ بما يشاكلهُ أي طول بقصر أو قول الشعر وكتابة القصة ففي الأولى انتزعت من السمة الواحدة وفي الثانية انتزعت من نشاط المشابهة( 8).
إن الجرجاني ينظر إلى الخطاب من زاوية التلقي، أي من علاقة المتلقي بالخطاب إذ إنّه قد برر الأمثلة السابقة معنوياً يعود في مثال آخر ليبررها بما هو متداول فيقول في جملة: (عمرٌ قائم زيدٌ قاعد) بما أنَّ (زيدا)، (عمرا) « إذا كانا أخوين أو نظيرين أو مشتبكي الأحوال على الجملة كان الحال التي يكون عليها أحدهما، من قيامٍ أو قعود أو ما شاكل ذلك، مضمومة في النفس إلى الحال الآخر من غير شك »(9).
ويشير محمد الخطابي في شرح هذه الفقرة إلى: « إن اقتران الأشخاص في ذهن المتلقي، بعضها ببعض مختلف من متلق إلى آخر، فإن مبدأ التضام النفسي بالنسبة لمن يعرفهما ويعنيه حالهما فحسب ولا يمكن أن نعتبر كذلك بالنسبة لجميع الناس »( 10).
ويضرب مثلاً آخر هو « العلم حسن والجهل قبيح، لأن كون العلم حسناً مضموم في العقول إلى كون الجهل قبيحاً »(11).
وإذا علَّق الخطابي على مسألة التضام النفسي لكونها خاصة فإنّ التضام العقلي عام لكل الناس وبهذا يخلص الجرجاني إلى مبدأ عام وضعه للعطف يضع فيه معنى لكل اشتراك بين شيئين.
ثم يعود الجرجاني ليفصل في أمر العطف الذي يكون بالجملة التي لا تعطف على التي تليها ولكن تعطف على جملة بينها وبين هذه التي تعطف جملة أو جملتان ويبدأ بقياس العطف على الشرط والجزاء ويضرب المثال الآتي:-
تولوا بغتةً فكــأن بينــــاً تهيبنـي ففاجـــأني اغتيالا
فكان مسير عيسهم ذميلاً وسير الدمع إثرهم انهمالا(12 )
فمن المحتمل أن يجعل قارئ البيتين قوله: ( فكان مسير عيسهم ذميلاً) معطوفاً على (ففاجأني اغتيالا) بينما هو معطوف على (تولوا بغتة) والقرينة التي تمنع العطف الأول هي (كأن) التي تفيد التوهم.
صفحة 5
وإذ ما دخلت عليه أداة التشبيه هذه واقع في حيرة المتوهم، وقوله: (فكان مسير عيسهم ذميلاً) حقيقة، امتنع أن تعطف هذه على تلك لأنها إن جعلت معطوفاً عليها غدا (مسير العيس) متوهماً بينهما وهو حقيقة، والقرينة الثانية المعتمدة في امتناع هذا العطف قرينة منطقية. ذلك أن الجرجاني يعد الجملة الداخلة في المتوهم مسبباً (فكأن بيناً تهيبني)، وجملة (تولوا بغتة) سبباً وعلى هذا النحو يكون المعنى (تولوا بغتةً فتوهمت أن بيناً تهيبني) فإذا عطفت الثالثة (فكأن مسير عيسهم ذميلاً) على المسبب غدت هي أيضاً مسبباً على التولي بغتة وهو معنى لا يستقيم. علاوة على ذلك يرى الجرجاني أنّ العلاقات بين الشطر الأول والشطر الثاني من البيت الأول قوية، بل تابعة لأن كلاً منهما في حاجة إلى الآتي كي يستقيم المعنى، وربما كانت العلاقة المسببة القائمة بينهما وراء هذا الرأي، إذا كان الأمر كذلك بين شطري البيت الأول، فإن البيتين لا يشذان عنه، ودليل ذلك أن « الغرض من هذا الكلام أن يجعل قولهم بغتة، وعلى الوجه الذي توهم من أجله أن البين تهيبه مستدعياً بكاءهُ وموجباً أن ينهمل دمعه فلم يعينه أن يذكر العيس إلا ليذكر هملان الدمع...»(13).
أما عن قياس العطف على الشرط فيضرب الجرجاني المثال الآتي:
قوله تعالى: ( وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدْ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا) (النساء 112).
فالشرط هنا في الجملتين المعطوفة والمعطوف عليها، لا في كل واحدة على الانفراد لأننا إن قلنا: إنّه في كل واحدة منها على الانفراد جعلناهما شرطين، وإذا جعلناهما شرطين اقتضتا جزاءين، وليس معنا إلا جزاء واحد هذا من حيث القرينة النحوية، أما المعنوية فنحن نعلم « أنّ الجزاء الذي هو احتمال البهتان والإثم المبين أمر يتعلق إيجابه لمجموع ما حصل من الجملتين، فليس هو لاكتساب الخطيئة على الانفراد، ولا لرمي البريء بالخطيئة أو الإثم على الإطلاق، بل لرمي الإنسان البريء بخطيئة أو إثم كان من الرامي »(14).
بعد أن أتم الجرجاني توضيح وصل الجمل بعضها ببعض باستخدام الروابط الشكلية كالواو وغيرها من حروف العطف يعرج على العلاقات الخفية القائمة بين الجمل دون روابط شكلية واضحة ويورد أمثلة على ذلك ونأخذ منها الآية الكريمة:
قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ*خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (البقرة 6-7).
صفحة 6
فقوله تعالى: (لا يُؤْمِنُونَ) تأكيد لقوله (سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ) وقوله: (خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ) تأكيد ثان أبلغ من الأول، لأنّ من كان حاله إذا أنذر مثل حاله إذا لم ينذر كان في غاية الجهل، وكان مطبوعاً على قلبه لا محالة( 15).
ففي هذه الآية نحن أمام تأكيدين كل منهما يضيف شيئاً إلى المعنى وليس الثاني لأنه أبلغ من الأول.
ومما يندرج تحت هذا الباب يؤكد الجرجاني مسألة أخرى فيقول:
« ومما هو أصل في هذا الباب أنّك قد ترى الجملة وحالها مع التي قبلها حال ما يعطف ويقرن إلى ما قبله، ثم تراها قد وجب فيها ترك العطف، لأمر عرض فيها صارت به أجنبية مما قبلها »(16 ).
أي أنّه أراد أن يبحث في مظهر آخر من مظاهر الخطاب التي توجب الفصل على خلاف ما يعتقد وقد اصطلح عليه محمد الخطابي بـ "مظاهر النص" (17).
ويضرب الجرجاني لهذه الفقرة المثال الآتي:
قوله تعالى: (وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ*اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ) (البقرة 14،15)
إنَّ من يمعن النظر في الآية الكريمة قد يعتقد ظاهرياً بوجوب عطف (اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ) على قوله (إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ) لأنه ليس أجنبياً عنه ولأن له نظائر في القرآن الكريم جاءت معطوفة على ما قبلها، مثال ذلك قوله تعالى: (يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ) (النساء 142) وقوله: (وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ ) (عمران 54) وما شابه ذلك مما يرد فيه العجز على الصدر. والمبرر الذي يقدمه الجرجاني هو اختلاف في صيغة الخطاب في الآية فقوله (إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ) حكاية عن المنافقين وليس بخبر من الله تعالى، وقوله: (اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ) خبر من الله تعالى أنّه يجازيهم على كفرهم واستهزائهم لذلك امتنع عطف ما هو خبر من الله على ما هو حكاية عن الكفار والشيء نفسه يقال على الأمثلة الأُخر التي طرحها الجرجاني. فصيغة الخطاب تختلف، لذلك كان الفصل. أما إذا تماثلت صيغة الخطاب فيكون هناك وصل وعلى النحو الآتي:
ـ خبر / حكاية = فصل
ـ حكاية / خبر = فصل
ـ خبر / خبر = وصل
ـ حكاية / حكاية = وصل( 18)
صفحة 7
ومما يندرج أيضاً تحت هذا الباب فصل كلام عن كلام سابق لوجود سؤال مقدر غير مُتجلٍّ في سطح الخطاب، والذي يدعو إلى تقدير هذا السؤال هو بناء الخطاب على شكل زوج مكون من سؤال نقدر جواباً ظاهراً، يمثل الجرجاني لذلك بالقول الآتي:
زعم العواذل أنني في غمرةٍ صدقوا، ولكن غمرتي لا تنجلي(19 )
ويعلق عليه قائلاً: « لما حكي عن العواذل أنهم قالوا (هو في غمرة) وكان ذلك مما يحرك السامع لأن يسأل فيقول: ( فما قولك في ذلك، وما جوابك عنه؟) أخرج الكلام مخرج إذا كان ذلك قد قيل له وصار كأن قال: (أقول صدقوا إنما كما قالوا، ولكن لا مطمع لهم في فلاحي) ولو قال: (زعم العواذل أنني في غمرة وصدقوا) لكان يكون لم يضع في نفسه أنه مسؤول ، وأن كلامه كلام مجيب »(20).
وهذه الوسيلة من الكلام هي وسيلة قوية من حيث الربط دون وجود رابط شكلي.
من وجهة نظر السكاكي:
لقد سار السكاكي في طريق غير التي سلكها الجرجاني، وذلك بانطلاقه في أول ما عبر به عن الفصل والوصل بالعبارة الآتية: « مركوز في ذهنك، لا تعبد لرده مقالاً، ولا لارتكاب جحده مجالاً أن ليس بمتلع بين مقومي جملتين اتحاد بحكم التآخي وارتباط لأحدهما بالآخر مستحكم الأواخي ولا أن يباين أحدهما الآخر مباينة الأجانب لانقطاع الوشائج بينهما من كل جانب، ولا أن يكون بين بين لآصرة رحم ها هنالك فيتوسط حالهما بين الأولى والثانية لذلك »( 21).
فالأولى: هي كمال الاتصال، والثانية: كمال الانقطاع، والثالثة: بين بين ، ثم يورد السكاكي أن مدار الفصل والوصل كمظهر خطابي لا يلم به إلا إذا أتقن المستعمل أصولاً ثلاثة يعتمدها العطف في باب البلاغة وهي:
1. الموضع الصالح للعطف.
2. فائدة العطف.
3. وجه كون العطف مقبولاً لا مردوداً.
* في الأول يقتضي من المستعمل أن يعرف موضع العطف ويميز بين نوعين من الإعراب الذي يتبع فيه الثاني الأول والذي لا يتبع فيه الثاني الأول، والأول يكون على عدة مواضع هي:
1. البدل.
صفحة 8
2. الوصف.
3. التأكيد.
4. البيانات.
وهي ليست موضعاً لدخول الواو لأن التابع فيها هو المتبوع.
أما الثاني فيتبع الثاني الأول في الإعراب مع وجود أداة عاطفة.
* أما فائدة العطف فهي في « معرفة معاني حروف العطف كالفاء، و(ثم) و(حتى) ، و(لا)، و(لكن)، و(أو)، و(أم)، و(أي) »(22). كذلك معرفة أن الواو كحرف عاطف فائدته مشاركة المعطوف والمعطوف عليه في المعنى الإعرابي.
* أما الأصل الثالث الذي هو وجه مقبولية العطف أو لا مقبوليته فهو في معرفة كون العطف بالواو مقبولاً لا مردوداً وذلك من خلال إيجاد جهة جامعة بين المعطوف والمعطوف عليه، ومما يثير التساؤل حقاً أننا نرى في تفصيل الجرجاني والسكاكي للفصل والوصل أنهما جعلا سبباً لكل ورود واو عطف في الجملة أو عدم ورودها وعندما لا يجدان مبرراً منطقياً لذلك يبدأ كل منهما بالاجتهاد لإيجاد ذلك السبب أو المعنى لكل شيء سواءً استطاعوا فيه إقناع القارئ أم لم يستطيعوا(23).
يقول السكاكي إن الحال المقتضية للقطع نوعان:-
أولاً: « أن يكون الكلام السابق حكم وأنت لا تريد أن تشركه، الثاني في ذلك فيقطع ويكون إمّا على وجه الاحتياط أو الوجوب »( 24)، أما داعي الفصل للاحتياط فهو « ما كان بوجه قبلي الكلام السابق كلام غير مشتمل على مانع من العطف عليه لكن المقام مقام احتياط فيقطع لذلك »(25)، ويضرب المثال الآتي:
وتظن سلمى أنني أبغي بها بدلاً أراها في الضلال تهيم(26)
فسلمى تظن أن حبيبها يبغي بها بدلاً وفي قوله: (أراها في الضلال تهيم) نفي لاتهامها ولذلك تم القطع في أراها كي لا يعتقد القارئ أنه معطوف على (تظن) بحيث يصير ذلك من مظنوناتها وليس هو كذلك، فالداعي إلى القطع هو أمن اللبس وليس لأجل الوزن( 27).
صفحة 9
أما داعي الفصل للوجوب فيمثل له السكاكي بقوله تعالى:(وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ * اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ) (البقرة 14- 15) حيث لم يعطف (اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ)، وبيان ذلك إنه « لو عطف لكان المعطوف عليه إمّا جملة (قَالُوا) وإمّا جملة (إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ) ولكن لو عطف على (إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ) لشاركه في حكمه وهو كونه من قولهم وليس هو بمراد ولو عطف على (قالوا) لشاركه في اختصاصه بالظرف المقدم وهو (إِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ..) وليس هو بمراد، فإنّ استهزاء الله بهم وهو أن خذلهم فخلاهم وما سولت لهم أنفسهم مستدرجاً إياهم من حيث لا يشعرون متصل في شأنهم لا ينقطع بكل حال خلوا إلى شياطينهم أم لم يخلوا إليهم »(28).
ثانياً: « أن يكون الكلام السابق بفحواه كالمورد للسؤال فتنزل ذلك منزلة الواقع ويطلب هذا الثاني وقوعه جواباً له فيقطع من الكلام السابق لذلك وتنزيل السؤال بالفحوى منزلة الواقع لا يصار إليه إلا لجهات لطيفة »(29) هي:-
1. تنبيه السامع على موقعه.
2. لإغنائه أن يسأل.
3. لئلا يسمع من شيء.
4. لئلا ينقطع كلامك بكلامه.
5. للقصد إلى تكثير المعنى بتقليل اللفظ وهو تقدير السؤال وترك العاطف (30).
ولا نعطي مثلاً لها لأننا فصلنا ذلك في شرح الجرجاني وهو لا يختلف كثيراً عن تفصيل السكاكي.
وأما الحالة التي تقتضي الإبدال بسبب « أن يكون الكلام السابق غير واف بتمام المراد »(31)، فقوله تعالى: (بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الأَوَّلُونَ * قَالُوا أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ) (المؤمنون81 -82) إذ يفترض أن المتلقي لا يعرف ما قاله الأولون وإن كان سياق الآيات منبئاً عما قالوا، ومن ثم فدرءاً للتأويل واحتمال التعدد، نهج الخطاب نهج تحديد ما قالوا لإتمام معنى المقول السابق غير المذكور.
صفحة 10
وأما الحالة المقتضية للإيضاح والتبيين فـ« هو أن يكون الكلام السابق نوع خفاء والمقام مقام إزاله له »(32) ومثاله الآية الكريمة (وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ) (البقرة 8-9) إذ لم يعطف يخادعون على ما قبله « لكونه موضحاً له ومبيناً من حيث إنّهم حين كانوا يوهمون بألسنتهم أنهم أمنوا وما كانوا مؤمنين بقلوبهم قد كانوا في حكم المخادعين »(33).
وأما الحالة المقتضية للتأكيد والتقرير فمثاله قوله تعالى: (الم* ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ) (البقرة1-2)، إذ لم يعطف (لا رَيْبَ فِيهِ) على (ذَلِكَ الْكِتَابُ) حين كان وزانه في الآية وزان نفسه في قوله: (جاءني الخليفة نفسه) أو زان في قولك (هو الحق بيننا) يدلك على ذلك أنه حين بولغ في وصف الكتاب ببلوغه الدرجة القصيا من الكمال فقد جعل المبتدأ لفظة (ذلك) وأدخل على الخبر حرف التعريف بشهادة الأصول، وكذلك فصل (هدىً للمتقين) لمعنى التقرير فيه للذي قبله(34).
التقسيمات السابقة يسميها السكاكي كمال اتصال ولا يخفى علينا أنه لا يشتمل على ورود واو « رابطة بين الجملتين أما الحالة المقتضية لكمال الانقطاع ما بين الجملتين فهي أن تختلف خبراً وطلباً مع تفصيل يعرف في الحالة المقتضية للتوسط أو إن اتفقتا خبراً فأن لا يكون بينهما ما يجمعهما عند الفكرة جمعاً من جهة العقل أو الوهم أو الخيال »(35).
وهذا يعد نقلة نوعية في تصور العلاقات بين أجزاء خطاب ما، ويفصل السكاكي في الجامع العقلي: بأن يكون بين عنصرين أو أكثر: إمّا اتحاد في التصور (مثل الاتحاد في المخبر والمخبر عنه أو في الخبر)، أو تماثل أو تضايف كالذي بين العلة والمعلول والسبب والمسبب فالعقل يأبى أن لا يجتمعا في الذهن.
أما الجامع الوهمي: فهو أن يكون بين تصوراتهما إمّا شبه تماثل مثل أن يكون في أحدهما لون بياض وفي الآخر لون صفرة فإن الوهم يحتال في أن يبرزهما في معرض المثلين مثال:-
ثلاثة تشــــرق الدنيا ببهجتهــا
شمس الضحى وأبو إسحاق والقمر(36)