صفحة 1
"عكوس" أثير السادة
هل الصورة فعلاً تختصر تعقيدات الحياة، وتختصر تناقضاتها؟
هل في الصورة الفوتوغرافية ما يساعد على اللعب بها، وفيها، وعليها؟ هل صحيح أنّها أكثر الوسائل لتمرير الأجندة السياسية، والبرامج السياسية إلى الجمهور؟ ولتمرير البرامج الثقافية أيضاً؟! كم من الصور الفوتوغرافية نحتاج لتمرير أفكار سياسية إلى الجمهور؟ هل يعتمد ذلك على الصور أم على ثقافة الجمهور؟ أم عليهما معاً؟ هل الصورة مطية الكذب؟ إلى أين تصل تنميطات الصورة؟
أسئلة كثيرة كانت في بالي لم يزدها الصديق أثير السادة في كتابه الذي بين يدي إلاّ أسئلة أخرى. فالصورة الفوتوغرافية لا تختصرُ شيئاً، ولا تختصر التعقيدات أيّا كانت. الصورة لم تكن يوماً تبسيطاً للواقع، ولا تبسيطاً لأيّ مشهد مهما كان. أقول ذلك وأنا أجد للصورة الواحدة فقط حالات، وللشخوص فيها حالات. وحتى عندما بدأ التصوير ينتقل من تصوير الشخوص إلى تصوير الموضوعات غدت هذه الموضوعات حالات أيضاً، فيها من رائحة الإنسان حالات واحتمالات. هي مصنوعة به عليه.
الصورة الفوتوغرافية مفتوحة التعقّد ومفتوحة الكلام لا يمكن أن تكون مختصرة، ولا يمكن أن "تختصر تعقيدات الحياة" على حدّ قول رئيسة لجنة تحكيم جائزة «World Press photo» العالمية لعام ٢٠٠٦ ميشال ماكنللي "إنّها صورة لا نملُّ النظر إليها. إنّها تختصر تعقيداتِ الحياة الحقيقية وتناقضاتها وسط الفوضى. هذه الصورة تجعل المشاهد يتجاوز المنظور" بعد فوز المصور الأمريكي سبنسر بلات بصورة لمشهد متناقض من الحرب الإسرائيلية على لبنان عام ٢٠٠٦.
الصورة ليست مكثّفة بالكثافة التي تعني "الاختصار" لكنها مفتوحة التكثيف. كان جورج هبرمان مؤلف كتاب «الصورة الصامدة 2001» يرى أنَّ لدى الصورة قوة مجهولة، أو شكلاً من اللاوعي يصفه بـ «لا شيء» .. لا شيء مقروء لا شيء مرئي مع ذلك فهو "أساسي في معنى الصورة".
كلّ هذا في الصورة الفوتوغرافية. لا أعرف إن كانت عبارة ماكنللي مستعجلة، أو انطباعية سريعة، أم هو استعجال مترجميها إلى العربية؟!
صفحة 2
الكاميرا تهبك الكثير كلما وهبتها عينيك، ولطافة حسّك. لكنّها لا تهبك الاختصار. ربّما تهبك كلاماً كثيراً على صورها. لكنها أيضاً بين الحين والآخر تلقنك درساً من دروس الخيبة، تنزع به منك كلّ ما تعرفه عنها وعن صورها بنات الواقع. سوف تنتج صوراً أقل من عادية، ليس فيها ممّا كنت ظننته أن تضعه فيها. ما في خاطرك لم يأت، ولم ينعكس على بناتها. وما أنتجته من صور كأنه ليس من تصوريك. ينال منك الإحباط بها، وتظنّ أنّك عاجز. وهي إذ تفعل ذلك بك ليس في نيتها أن يكون درسها الأخير. ستعود للنيل منك ربّما في اليوم الثاني، غداً، أو بعد لحظات، أو بعد أيام. حينها عليك إعادة النظر في علاقتك بها وفي نواياك اتجاهها، وأن تتربص لنواياها اتجاه عينيك أيضا، وأن لا تتأفف كثيراً من درس التواضع أمام الكاميرا.
يحدث ذلك في الكتابة أيضاً، فلا يعود الطقس الذي أنت فيه هو ما كنت ترجوه. تغلق أوراقك، أو تلملم صفحات شاشة الكمبيوتر وتغادر. هما – التصوير والكتابة – لا يتشابهان لكن بينهما علاقة شبه من وجه، هو وجه الناظر عبرهما. الكتابة تقبل بعض الكذب، والصورة لا تكون حتى يكون الكذب كلّه فيها. ويحدث ذلك كله أيضاً في الكلام على الصورة الذي يثيره هذا الكتاب كثيراً، وفي مواضع مختلفة خصوصا عند المرور بتزويلات رولان بارت وكلامه على الصورة.
أثير السادة يملك حساً غير عاديّ بالمكان، بتصويره فوتوغرافياً، وبالكلام المفتوح على الصورة، والمسرح، وثقافة رصينة في الصورة، ومن ثمّ تأثير كلّ ذلك في تحويل نقده للصورة بما يشبه مسرحة لهذه الصورة الفوتوغرفية. وهو إذ يفعل ذلك أجد كلامه على الصورة ونقده لها ليس شرحاً لهذه الصورة. بمعنى آخر ليس من النوع الذي يظن أنَّ الناظر للصور لا يمتلك حساً واعياً بها، وعليه ينبغي لفت نظره لكلّ شيء في الصورة، ووضع تأويلات للأحداث فيها.
شكرا لك يا أثير.. استمتعت بكتابك كثيراً.
حسين المحروس
المنامة / ٢٣ نوفمبر ٢٠١٠
صفحة 3
صورة الصورة
حين كان آباؤنا يصفون الصورة بـ"العكس" كانوا يشيرون بنحو أو بآخر إلى آلية اشتغال هذا الجهاز الجديد على عالمهم، فقد وجدوا فيه قدرة على عكس صور الأشياء، تماماً كما تصنع المرايا، فامتدَّ الوصف ليصبح المصور عكاساً ومجموع الصور عكوساً وهكذا.
لقد كانت تلك إشارة أولية إلى طبيعة وعينا للصورة الفوتوغرافية، ولعل الاستخدام الشعبي لمفردة "عكس" يبدو مخالفاً للمعنى القاموسي، غير أنه واضح بأن المراد منه فعل الانعكاس، أي انعكاس صورة المرئي على رقائق التصوير آنذاك.
لم يكن السؤال عن ماهية الصورة الفوتوغرافية وحقيقتها يتجاوز هذا الحد في الوعي الجمعي، إلا أن الخطاب الديني الذي ظل متحفظاً على هذه الممارسة انشغل مبكراً في توصيف دور الإنسان في هذه العملية، فالذين انتهوا إلى تحريم التصوير كانوا يرون بأن في ذلك مضاهاة لفعل الخالق، وهم يجمعون في ذلك بين التصوير باليد وبالآلة، وبين الصورة المنحوتة وَالصورة المطبوعة، وبعضهم توقف عن القول بالحرمة على اعتبار أن فعل التصوير بالكاميرا هو فعل الآلة أولاً، ونقل للشيء على صورته ثانياً، أي أن الصورة هي انطباع للشيء كما خلقه الله دون مضاهاة.
هذا السجال الديني على ما فيه من تعميم أحياناً وتسطيح أحياناً أخرى، بدا قريباً من سجالات قديمة وأخرى متقدمة في فضاء الصورة الفوتوغرافية، تختص بحقيقة الصورة، وبحقيقة اتصال الصورة المباشر بالحقيقة، ومدى تأثير المصور والآلة في إنتاج المعنى والحقيقة في هذه الصور.
كانت النظرة السائدة منذ البدايات أن الصورة هي منتج جاهز تصنعه الآلة، ولذلك كانت موضع تشكيك في جدارة انتسابها للفن، فعلى خلاف الممارسات الإبداعية الأخرى التي هي من صنيعة الإنسان، وبالأحرى صنيعة يده التي كانت تكتب وترسم، بدت الصورة الفوتوغرافية التي تستند إلى الضوء في وجودها مجرد إعادة إنتاج ميكانيكي للحظة الأصلية، للموضوع المنظور، أي أنها بالنتيجة ليست سوى هذا الجهد لاستثمار مصدر الضوء لإبصار الأجسام وخلق أشباه لها على الورق ضمن عمليات كيميائية خاصة بالاستظهار.
صفحة 4
جاءت الصورة وهي تحمل صفة المطابقة والمشابهة، وتختص بوظيفة العمل الوثائقي الذي يعنى بنقل الحقيقة كما هي، وكان أكثر الأسئلة جدلاً وقتها هو كيف يمكن ربطها بالفن دون أن يكون فيها عناصر التخييل التي تتصل عادة بأشكال التعبير الفنية، فسحة التخييل التي يتحكم فيها المبدع ليحيل إدراكاته إلى محسوسات ضمن قوالب فنية، فضلاً عن الاعتقاد بمحدودية قدرة المصور على التدخل في بناء الصورة، فما هو إلا أسير لميكانيكا الآلة وخصوصية الأحماض.
لا يمكن للصورة الفوتوغرافية بحسب المعترضين أن تلحق بركب الفنّ ما دامت لا تحمل شيئاً من روح الفنان وإضافاته، الزخم الروحي الذي يؤسس للقيمة الفنية لأي عمل إبداعي، وعليه اعتبر البعض التصوير ملجأً للرسامين الفاشلين وفاقدي الموهبة لا أكثر.
بعض الهجوم الحاد على الصورة كان دافعه خوف الرسامين على مستقبل الرسم بعد أن أخد التصوير في مزاحمته من حيث الوظيفة والقيمة، فكان واضحاً في المراحل الأولى مدى تأثر رسامي البورتريه على سبيل المثال بهذا الواقع الجديد، وتراجع الطلب على هذا النمط من الرسم لصالح الصورة الفوتوغرافية التي كانت تراهن على دقة التفاصيل، وعدم حاجتها لذلك العدد من الجلسات الطويلة اللازمة لإنجاز رسوم البورتريه.
لم تحظَ الصورة وقتها باعتراف المتاحف الفنية كواحدة من مفردات الفنون الجميلة، وظلت لاعتبارات كثيرة بعيدة عن العرض وعن الحضور الفني في هذه المواقع المعنية بعرض الأعمال الإبداعية في مسيرتها التاريخية، ومن الطرائف أن حادثة جرت في فرنسا عام 1862 تقدم فيها أحد المصورين بدعوى إلى المحكمة ضد شخص استغل فيها صورة من صوره، وحكمت المحكمة حكماً أولياً بعدم شرعية المطالبة على اعتبار أن حقوق الملكية الفكرية تطبق فقط على ما هو أثر فني وإبداعي، وبما أن التصوير ليس محسوباً على الفن، فلا أصل للدعوى!
كانت المقارنات المستمرة بين الرسم والتصوير الفوتوغرافي تمثل عائقاً حقيقياً في دخول الأخير ساحة الفن، وفي إيجاد إدراك واضح للجوهر الفني لهذا الشكل المستجد من أشكال التعبير، ومن تلك المقارنات التي خرج بها السجال آنذاك هي سهولة تنفيذ اللقطة وعدم الحاجة للتدرب والتعلم قياساً بالرسم الذي يستلزم الدربة والدراية لإنجاز بورتريه على سبيل المثال، وهي مقايسة بها من التبسيط المخل، حيث تعمد إلى حصر جماليات الصورة في مجرد التقاطها، ولو كان الأمر كذلك لصحت المقارنة، غير أن صناعة الصورة الجيدة تستوجب في الحد الأدنى الإلمام بمفاتيح الكاميرا وآلية عملها فضلاً عن توافر الإحساس والخبرة الفنيين.
في المقابل، كانت تجربة التصوير الفوتوغرافي تسير باتجاه التمدد والاتساع متزامنة في ذلك مع تطورات التقنية التي حملت الكاميرا في مراحل مختلفة من صورتها الأولى ذات الجودة المتدنية، إلى آفاق التقنية بتحولاتها المستمرة، في سعي لم يتوقف في اكتشاف وسائط التحميض وأسرار مصادر النور داخل الغرف المظلمة واختباراتها.
لا يمكن للصورة الفوتوغرافية بحسب المعترضين أن تلحق بركب الفنّ ما دامت لا تحمل شيئاً من روح الفنان وإضافاته، الزخم الروحي الذي يؤسس للقيمة الفنية لأي عمل إبداعي، وعليه اعتبر البعض التصوير ملجأً للرسامين الفاشلين وفاقدي الموهبة لا أكثر.
بعض الهجوم الحاد على الصورة كان دافعه خوف الرسامين على مستقبل الرسم بعد أن أخد التصوير في مزاحمته من حيث الوظيفة والقيمة، فكان واضحاً في المراحل الأولى مدى تأثر رسامي البورتريه على سبيل المثال بهذا الواقع الجديد، وتراجع الطلب على هذا النمط من الرسم لصالح الصورة الفوتوغرافية التي كانت تراهن على دقة التفاصيل، وعدم حاجتها لذلك العدد من الجلسات الطويلة اللازمة لإنجاز رسوم البورتريه.
لم تحظَ الصورة وقتها باعتراف المتاحف الفنية كواحدة من مفردات الفنون الجميلة، وظلت لاعتبارات كثيرة بعيدة عن العرض وعن الحضور الفني في هذه المواقع المعنية بعرض الأعمال الإبداعية في مسيرتها التاريخية، ومن الطرائف أن حادثة جرت في فرنسا عام 1862 تقدم فيها أحد المصورين بدعوى إلى المحكمة ضد شخص استغل فيها صورة من صوره، وحكمت المحكمة حكماً أولياً بعدم شرعية المطالبة على اعتبار أن حقوق الملكية الفكرية تطبق فقط على ما هو أثر فني وإبداعي، وبما أن التصوير ليس محسوباً على الفن، فلا أصل للدعوى!
كانت المقارنات المستمرة بين الرسم والتصوير الفوتوغرافي تمثل عائقاً حقيقياً في دخول الأخير ساحة الفن، وفي إيجاد إدراك واضح للجوهر الفني لهذا الشكل المستجد من أشكال التعبير، ومن تلك المقارنات التي خرج بها السجال آنذاك هي سهولة تنفيذ اللقطة وعدم الحاجة للتدرب والتعلم قياساً بالرسم الذي يستلزم الدربة والدراية لإنجاز بورتريه على سبيل المثال، وهي مقايسة بها من التبسيط المخل، حيث تعمد إلى حصر جماليات الصورة في مجرد التقاطها، ولو كان الأمر كذلك لصحت المقارنة، غير أن صناعة الصورة الجيدة تستوجب في الحد الأدنى الإلمام بمفاتيح الكاميرا وآلية عملها فضلاً عن توافر الإحساس والخبرة الفنيين.
في المقابل، كانت تجربة التصوير الفوتوغرافي تسير باتجاه التمدد والاتساع متزامنة في ذلك مع تطورات التقنية التي حملت الكاميرا في مراحل مختلفة من صورتها الأولى ذات الجودة المتدنية، إلى آفاق التقنية بتحولاتها المستمرة، في سعي لم يتوقف في اكتشاف وسائط التحميض وأسرار مصادر النور داخل الغرف المظلمة واختباراتها.
صفحة 5
ومع نمو التجربة نما الإحساس بجماليات وإمكانات هذه الصنعة، وبدا المشتغلون في صناعة الصورة الفوتوغرافية أكثر اقتداراً على إثبات حضورهم إبداعياً وهم يقتربون بالكاميرا إلى كل تفاصيل الحياة، يرصدون كل الأشياء من حولهم، في امتياز حقيقي يتعذر الحصول عليه في تجارب الرسم وأشكال التصوير الأخرى، ومن هناك أفاد التشكيل من التصوير الضوئي في وجوه عدة، فقد وجهت الكاميرا الأنظار إلى زوايا غير منظورة، لحظات غير مدركة ضمن جزئيات الحركة، كما استعان البعض بالصورة لاستكمال أعماله الفنية، وفي كل ذلك إقرار بفرادة هذا الجهاز العجيب.
لقد سعى المصورون إلى إعادة الاعتبار لدور المصور في صناعة الصور، وهو الدور الذي تم انتقاصه تحت دعاوى النقل المباشر للواقع ومحدودية القدرة على التدخل، فكانت البراعة في تصوير المواضيع وابتكار الأفكار، ومحاولة محاكاة فن الرسم في أحيان أخرى كما في تنعيم صور البورتريه، الأمر الذي ساهم في بناء القناعة وإن في شكلها البسيط بوجود لمسات المصور على الصورة الفوتوغرافية.
وشيئاً فشيئاً بدا الحديث عن إمكانية خروج الصورة عن مجرد النسخ المباشر مستساغاً ومتداولاً، إلى أن صرنا اليوم نتحدث صراحة عن وجود أشياء عديدة لها اتصال بعملية إنتاج الصورة، ولها فاعلية في توجيه الصورة وبناء دلالاتها، منها سياق الصورة، موضوع الصورة، علاقة المصور بالصورة وهكذا..
وقد قدمت الدراسات السيميولوجية لاحقاً على هذا المستوى وصفاً تحليلياً لتلك للعناصر الرئيسية في بناء الصورة والعلاقات المتداخلة فيما بينها، ضمن اشتغالها على تحليل النماذج غير اللسانية، وهو تحليل مبني على النظر إلى الصورة بوصفها لغة، لها قواعدها ونماذجها، كما هو موضح في الرسم المدرج أدناه، والذي يمكن لنا أن نعتبره تخطيطاً لأشكال الصرف والنحو في بناء الصورة. (أنظر الصورة ص16)
صفحة 6
كانت الصورة الفوتوغرافية بحسب الدراسات السيميولوجية أقرب أشكال التمثيل مطابقة لموضوعاتها، بمعنى أن الصورة تمثل حالة أيقونية في سلوكها العلاماتي، أي أن الدال والمدلول وفق التقسيم السوسيري لإنتاج الدلالة متقاربان إلى الحد الذي "نفقد فيه الشعور بأنها ليست الشيء نفسه"، مع التأكيد على قابلية الصورة أن تكون علامة شاهدية أو رمزية بحسب طريقة اتصالها بموضوعها.
غير أن مسألة المماثلة والتشابه كانت محل مراجعة جوهرية من جهة الطبيعة التمثيلية للتصوير الفوتوغرافي، حيث سعت منهجيات النقد الحديث إلى إخراج الصورة الفوتوغرافية من ميدان التبسيط والبحث عن مدخل جديد لاكتشاف "البنية الإدراكية" التي تحدد بها طبيعة العلاقة بين الصورة وموضوعاتها، وإعادة تعريف فكرة التمثيل الأيقوني المفترض في بناء الصورة.
وهنا نمت الجهود ناحية التمييز بين إدراك الصورة على مستوى وجودها وبين إدراكها على مستوى الدلالة والمعنى، فالصورة بما هي انعكاس تحيل على حادثة ما، وهذه هي الإشارة الصريحة على اتصالها بالحقيقة، أي حقيقة وجود الشيء المصور، غير أن ذلك لا يعني إدراكاً لحقيقة معناها، "فالتعرف على هذه الواقعة باعتبارها شيئاً موجوداً خارج الذات، عملية مختلفة عن عملية تأويلها وتحديد كامل دلالاتها داخل الصرح الثقافي الذي يحكم مجتمعاً ما..".
وعلى هذا الأساس ستقترح المقاربات النقدية والأبستمولوجية أشكالاً جديدة لسيرورة الدلالة في ميدان الصورة التي ستتخلص من طابعها الأيقوني ضمن فرضيات التلقي والاتصال الحديثة، وبناء عليه سيندرج المتلقي هو الآخر في معادلة البناء وتشييد المعنى، وسيسند إليه فعل القراءة والتأويل، مع الاحتفاظ بصورة المبدع/المصور كطرف آخر في معادلة الاتصال التي تمر من خلال وساطة الصورة.
ليس ثمة تمثيل بريء خال من ترسبات الذات، هذا ما ستقرره الدراسات الثقافية لاحقاً وهي تؤسس للمقروئية الجديدة لأشكال التعبير الفنية ومنها الصورة، ستصبح الصورة امتداداً لهذه الذات وترسباتها، معارفها ومواقفها، انفعالاتها التي سترسم حدود الصورة وأبعادها.
صفحة 7
الصورة بذلك تشبه نفسها، بمقدار ما تشبه الواقع، تشير إلى ذات صانعها بقدر ما تشير إلى الحادثة ذاتها، ففي كل صورة يمارس المصور معاودة إنتاج ذاته داخل الصورة ضمن سلسلة من الاستحسانات والانتخابات من مشهد الحدث الذي سيقبض منه في كل مرة على حفنة ضوء، ووحدة صغيرة من حساب الزمن المستمر في تدفقه.
وبذلك لن يكون انعكاس الضوء سوى انعكاسٍ لذات الفنان، وتلك المساحة غير المرئية من الأحلام والهواجس والمواقف التي تعلن حضورها عبر تفاصيل الصورة، وهو التفسير الذي سيعيد تشكيل مفهوم الصورة على خلاف الحالة المرآتية التي كانت تفترض غياب المصور كوسيط فاعل في إنتاج الصورة، لتكون وظيفته الحقيقية صناعة الصورة وليس مجرد التقاطها.
والحقيقة أن التغير في فهم وظيفة المصور وإدراك طبيعة الصور ما كان منفصلاً عن سياق التحولات الثقافية والمعرفية من جهة، والتحولات التكنولوجية من جهة أخرى، فلا ينبغي عزل حرفة التصوير عن باقي الممارسات الإبداعية والتي مرت بأشكال من التغيير في تقاليدها ومظاهرها وذلك ضمن أفق التحولات الثقافية التي شكلت الوعي البشري في القرنين الفائتين.
يتعين النظر إلى الصورة الفوتوغرافية في سياق نقاشات الحداثة وما بعدها، وما أنتجته تلك النقاشات من تصورات ومفاهيم ومعايير مؤطرة للعمل الثقافي، حتى نتفحص تأثيرات هذه الحقبة الزمنية وتياراتها على اتجاهات الصورة الفوتوغرافية على مستوى الإنتاج والتلقي على السواء.
يتمثل المظهر الحداثي للصورة بحسب الباحثين في افتراقها عن النزعة التأثيرية/الانطباعية التي نمت في أواخر القرن التاسع عشر ضمن محاولات المصورين الاقتراب من عالم التشكيل لاكتساب شرعية الدخول في نادي الفن، فصارت الدعوة مع الحداثة باتجاه إيجاد صورة فوتوغرافية خالصة، تعكس خصائص هذا الوسيط الفني وتعمل على استثمارها.
صفحة 8
لم يكن الحداثيون منشغلين بجعل الصورة وسيطاً للبحث في المواضيع بقدر ما كانوا مهتمين بالمسائل الجمالية، فكان العمل منصباً على إنتاج صورة مباشرة حادة التفاصيل دون أي تدخلات، وكان الشعار هو لنجعل الصورة أكثر شبهاً بالصورة، في إشارة إلى هاجس حداثي آخر هو الحفاظ على موضوعية الصورة الفوتوغرافية.
تجارب إدوارد وتسون كانت واحدة من العلامات البارزة في حقبة الحداثة، انشغل فيها بداية بصناعة البورتريه ثم باكتشاف الجسد وتغيراته، وحتى اكتشاف الطبيعة وجمالياتها النحتية إلى أن اقترب من لحظات التجريد في التشكيلات الطبيعية للخضروات، ولعل الصورة الأبيض والأسود لتكوين الفلفل البارد هي الأشهر، وفيها تظهر الصورة تأثيرات أشبه بالنحت في تفاصيل قطعة الفلفل.
وإذا كانت الحداثة في التصوير بدأت من لحظة الانزياح في التركيز من الموضوع محل التصوير إلى الصورة ذاتها باعتبارها الموضوع، فإن ما بعد الحداثة جاءت لتركز على ما وراء الصورة أكثر من الصورة ذاتها، أي الأفكار التي تستبطنها الصورة والرسالة التي تحملها، وكان النقد منصباً على مقولات الحداثة وفي مقدمتها الموضوعية، فبحسب الوعي المابعدي ثمة بعد ذاتي في الصناعة الفنية لا يمكن التجرد منه ولا الحديث معه عن الموضوعية الخالصة، ولذلك لم تنشغل تجارب ما بعد الحداثة بمسألة حدة الصورة بل وجدتها إمعاناً في الإيهام بالموضوعية، وعليه أصبحت الصورة التي يقدمها الفنان هي تعبير عن ما يراه وما يشعر به معاً.
كان يبدو جلياً مدى تأثر الصورة الفوتوغرافية بالتيارات الفنية والمدارس الفكرية التي رسمت ملامح هذه المرحلة، في الوقت الذي كانت تعيش فيه الفنون تجاوراً وتقاطعاً دائماً، ما جعل الصورة حاضرة ضمن بناءات فنية جديدة كأشكال التجميع والدمج التي ظهرت في تجارب الكولاج والمفاهيمية والتركيبية.
برزت طرق جديدة للتعبير بالصورة غير أنها لم تكن في الغالب مشغولة بتطوير الصورة بقدر انشغالها في توظيفها لدعم فكرة العمل المفتوح على مساحة الإبداع بكافة ألوانه التعبيرية، فهي أداة مكملة في أحيان، ومفردة ضمن جملة مفردات كما في الفن المفاهيمي والتركيبي، أي أن الممارسة بذاتها لم تنتج تغلغلاً في جماليات الصورة، بل قدمت تصورات عن أشكال العلاقة الممكنة للصورة الفوتوغرافية في حال تضافرها مع الفنون الأخرى.
صفحة 9
ثمة مصورون جدد لكن ليس بالمعنى التقليدي، فهم في الغالب لا يملكون دراية فنية بتقنيات التصوير، بل يفيدون من الصورة في تصعيد الجدل المعرفي الذي تنحو باتجاهه فكرة العمل، ما يمنح العمل قيمته الجمالية التي تتصل بالدرجة الأولى بجماليات التلقي من المنظور النقدي الحديث.
الصورة اليوم في صيغتها الرقمية هي أقرب لتصورات ما بعد الحداثة، من حيث انفتاحها على قابليات التركيب والتفكيك، فهي بحسب الأوصاف الجديدة حزمة من الطبقات والشرائح، وعدد مقدر من البكسلات.. هي اليوم أكثر مرونة، أكثر طواعية، تبدو كمجموعة "بكسلات" قابلة للحركة، وعليه تتكاثر احتمالات الخداع، أي بنحو هدم معنى وبناء آخر، وإذا كانت الصورة في وجهها الإبداعي تعيش أسئلة جمالية مع تنامي حضور الفوتوشوب، أو لنقل فنية لمزيد من الدقة، فإنها في وجهها الوثائقي تواجه أسئلة أخلاقية حول مصداقيتها وقيمتها، حول التزام المصورين برواية الواقع كما يرونه عبر الصورة.
كلنا يمارس بنحو أو بآخر محاولة التأثير على الصورة بعد التقاطها عبر البرامج المعروفة لتصحيح الصور، وثمة ما هو مشترك ومتفق عليه كسلوك مقبول في معالجة الصور كتصحيح عمق الألوان، وإزالة الزوائد، ومعالجة مساحات العتمة الناتجة عن فوارق التعريض، وهذه المعالجات يجري قبولها باعتبارها تصحيحاً لأخطاء فنية وليس التأثير على اتجاه الموضوع بغرض التضليل أو تزييف الحقائق.
إنها صورة الواقع الجديد، أو الحقيقة الجديدة، وفيها يمارس الكمبيوتر عملية هدم وإزالة لكثير من يقينيات الصورة، وتعريض المسافة بين الأصل والصورة، وإعادة تأهيل لعلاقة الصورة بالتصاميم، وعلاقة الصورة بالرسم والنحت، وعلاقة العين بما ترى وما لا ترى من الصورة الفوتوغرافية، حتى انتهينا اليوم في عهد الديجتال إلى السؤال إن كان ما نراه من هذا الفن الجديد هو صورة فوتوغرافية أم لا، وذلك في صورة مقلوبة من السؤال القديم الذي كان يجادل حول ما إذا كانت الصورة الفوتوغرافية من أشكال الفن!.
صفحة 10
المصادر
1. Linda Grace-Kobas: N.Y. Times critic discusses photography as an art form (http://www.news.cornell.edu/chronicle/97/10.9.97/photography.html).
2. Niamh Sloyne, how photographs can be seen as involving the photographer’s interpretation of the world (2004) http://www.aber.ac.uk/media/Students/nss0201.doc
3. Soutter, Lucy. “The Photographic Idea: Reconsidering Conceptual Photography.” Afterimage Vol. 26 1999.
4. Gregory t. Davis: “ The Relevance of Modernism in Contemporary Photography", lecture at
Savannah College of Art and Design, 2005.
5. Kate Ames, “Evolution of photography”, lecture at Central Queensland University.
6. 2003 سعيد بن كراد، التمثيل البصري بين الإدراك وإنتاج المعنى http://www.saidbengrad.com/ar/art1.htm.