صفحة 1
تقديم الطبعة الثانية مقدّمة لإعادة قراءة رئيف خوري
تأتي الطبعة الثانية لهذا الكتاب بمناسبة احتفال الأوساط الأدبيّة والفكريّة، الوطنيّة والديمقراطيّة والتقدّميّة، العربيّة عموماً واللبنانيّة خصوصاً، بالذكرى المئويّة لمولد رئيف خوري، بعد مرور نحو ثلاثة عقود من السنين على الطبعة الأولى التي ارتبط صدورها بمناسبة احتفال الحزب الشيوعي اللبناني، سنة 1984، بالذكرى السنويّة الستّين لتأسيسه. ولعلّ من مكر الزمان أن يقع على عاتق هذا التقديم للطبعة الجديدة من «أعمال مختارة...» تبريرُ اختيار أعمال بعينها من نتاج رئيف خوري في حيّز زمنيّ محدود بعقد واحد من السنوات (1934 ـ 1944)، والمناسبة هذه المرّة تتجاوز ذكرى تخصّ الحزب، إلى أخرى تخصّ «الفتى العربيّ» دون منازع، تحتفل بها الحياة الثقافيّة على صعيد وطنيّ، حاملةً بشرى البدء بإصدار «الأعمال الكاملة»[1]. كان الدافع الأساس للاختيار، آنذاك، كما يتبيّن من التقديم الأوّل، التأكيد على راهنيّة الإرث الثقافيّ التأسيسيّ الذي أرساه رئيف خوري في حياة الحزب، وعلى أهمّيّة الاستنارة بذلك الإرث في المعركة الوطنيّة المصيريّة التي كان الشيوعيّون يخوضونها إبّان العقد التاسع من القرن الماضي، في المقاومة الوطنيّة اللبنانيّة ضدّ الاحتلال الإسرائيليّ، المعركة التي شكّلت امتداداً لنضالهم في الحركة الوطنيّة اللبنانيّة، دفاعاً عن وحدة لبنان وتطوّره الديمقراطيّ، وضدّ محاولات اليمين اللبنانيّ زجّ لبنان في المؤامرة الإﻣﭙﺮياليّة الصهيونيّة الرجعيّة لتصفية قضيّة الشعب الفلسطينيّ، ولخنق طموح الشعوب العربيّة بعامّة إلى التحرّر الوطنيّ والتطوّر الديمقراطيّ والتقدّم الاجتماعيّ والوحدة.ليس عبثاً ولا ترفاً، ليس تعسّفاً ولا تباهياً، التفت الحزب الشيوعيّ، في عيده الستّين، إلى رئيف خوري بالذات. كان إرث رئيف خوري بالنسبة إلى الشيوعييّن، آنذاك كما اليوم، بمثابة مَدد من روحيّة تسقي معدنَ المقاومة الوطنيّة فتطبعه سيفاً يقارع آلة العدوّ الغاشمة ويعطبها. إنّها روحيّة صاحب «جهاد فلسطين»، «الفتى العربيّ» الذي عهِد «الحزبَ الشيوعيَّ مدرسةً رائعةً لتخريج الوطنيّين المستنيرين الراسخين»، كما قال في الكلمة التي ألقاها في «المؤتمر الأوّل» لـلحزب الشيوعيّ (31/12/1943 - 2/1/1944). لم تكن تلك الشهادة مجرّد واحدة من تلك العبارات الجاهزة لمثل تلك المناسبات. فلا يمكن أن نقرأها اليوم، آتية من رئيف خوري، إلّا كتعبيرٍ موزونةٌ كلماتُه، في تلك المناسبة بالذات، بميزان دقيق. وما اختيارنا هنا لهذه العبارة تحديداً، مستلّة من نصّ زاخر بما لا يقِلّ عنها احتفالاً بمزايا الحزب من عبارات التقدير، إلّا لكونها تصلح عنواناً لمقدّمة هذه الطبعة الثانية. ذلك أنّ تَطَرّق رئيف خوري في كلمته أمام المؤتمر إلى فكرة الحزب/المدرسة كان بالتأكيد يحظى بتوافق الذين أُلقيت الكلمة باسمهم، الأديب عمر فاخوري، والمؤرّخ يوسف إبراهيم يزبك، ورئيف خوري نفسه. وقد أشارت مقدّمة الطبعة الأولى إلى أنّ الفكرة كانت موضع أخذ وردّ بين رئيف وعمر بخاصّةً، وقد عادا إليها في غير مناسبة. لم يكن أحد من الثلاثة عضواً عاملاً في الحزب، بما في ذلك، آنذاك، يوسف يزبك، أحد مؤسّسيه. لكنّهم كانوا جميعاً من أركان «المدرسة»، متعلّمين ومعلّمين في الوقت نفسه. وكانت كلمة رئيف خوري أمام المؤتمر، بالتالي، كلمة تلك «المدرسة»[2].
ألقى رئيف خوري كلمته، باسم زملائه في «المدرسة»، كتقرير أمام المؤتمرين عن الإسهام المشرّف لممثّلي الثقافة الوطنيّة الديموقراطيّة في الكفاح الذي خاضه الشيوعيّون، مع الوطنيّين الديموقراطيّين عموماً، في الكفاح التحرّري ضدّ سلطات الانتداب الاستعماريّة، وفي معارك الاستقلال الوطنيّ، وفي المواجهة المبكِّرة التي كان الشعب العربيّ الفلسطينيّ يخوضها دفاعاً عن وجوده، ضدّ الخطر الإستعماريّ الصهيونيّ الداهم، وقد استشعره الشعب العربيّ في أقطاره كافّة، ولو بتفاوت وتدرّج، تهديداً لتراثه الإنسانيّ وهوّيّته ووحدته. في تلك المواجهة، قبل الحرب العالميّة الثانية وخلالها، إنحاز مثقّفون كبار وشباب مثقّفون إلى طلائع شعبهم في النضال الوطنيّ الديموقراطيّ، ليزجّوا بما يملكون من عُدّة ثقافيّة في الكفاح الملحميّ المصيريّ الذي خاضته البشريّة ضدّ الفاشيّة. كانت المعركة شرسة، وقد تمايز فيها الوطنيّون الديمقراطيّون العرب عن القوميّين اليمينيّن الذين حالَ قِصر نظرهم الطبقيّ دون إدراكهم أنّ الطبيعة الطبقيّة للصهيونيّة تجعلها صنواً للنازيّة والفاشيّة، رغم التنافر الإيديولوجيّ الظاهر بين هذه النزعات الرجعيّة، وهي تعمد إلى تجييش جمهورها بشعارات، من قبيل العداء للساميّة، والشعب المختار، والعرق المتفوّق... إلى ما هنالك على الصعيد المحلّيّ من شعارات إنعزاليّة طائفيّة وعنصريّة كان رئيف خوري يضعها تحت مسمّى «العصبيّات الصغيرة السامّة». ويمكن، اليوم، اعتبار هذه الطبعة الثانية من «ثورة الفتى العربيّ»، واستعادة بعض نتاج قلم رئيف خوري، إبّان تلك السنوات العشر، مشاركة في التحيّة الوطنيّة لذكرى مولده المئويّة، كمثقّف عربيّ من لبنان أسهم بشرف في النضال الأمميّ دفاعاً عن الثقافة والديمقراطيّة، مبيّناً أنّ المقاومة العربيّة لتغلغل الاستيطان الصهيونيّ المدعوم من سلطات الانتداب، ونضال الشعوب العربيّة في سبيل الاستقلال والديمقراطيّة، إنّما يرفدان ذلك النضال الأمميّ ويستمدّان منه قوّةً.
لا يمكن في هذه الذكرى المئويّة إغفال أنّ رئيف خوري كان في «مدرسة... تخريج الوطنيّين» تلك الأستاذ والتلميذ في الوقت نفسه، حسب تعبيره هو نفسه في معرض تقديم عمر فاخوري خائضاً «هذا الجهاد المقدّس ضدّ آفة النازيّة والفاشستيّة» كـ«سياسي متطوِّع» في «مدرسة». كذلك كان رئيف متطوّعا في «مدرسة» الحزب دون أن يكون منتسباً إليه. يوصف الحزبيّون عادةً بأنّ هذا «عضو عامل» وذاك «عضو غير عامل». لكنّ رئيف خوري يبقى خارج هذا التصنيف: كان «العامل غير العضو»، إذا صحّ التعبير. ذلك أنّه لم يكن، في العلاقة التي ربطته بالحزب، كمن يسمّى في بعض الجمعيّات «عضوَ شرف»، ولا هو كان عضواً سِرِّيّاً طلباً لتقيّة ما. كان رئيف خوري مع الحزب عاملاً وحسب، و«على رأس السطح»، كما يقال في التعبير الشعبيّ الدارج. كانت علاقته بالحزب علاقةً بـ«مدرسة» خبِرها عن كثب، منحازاً في النضال السياسيّ إلى جبهة الطبقة العاملة وحلفائها، على مختلف الصعد، وبخاصّةً على الصعيد الإيديولوجيّ، في إطار «عصبة مكافحة النازيّة الفاشستيّة»، مع غيره من أهل الثقافة من مفكّرين ومبدعين. إنّها «مدرسة» يتعذّر التمييز فيها بين رئيف المعلِّم القدوة ورئيف القدوة في التعلُّم. ولعلّ نصوص هذا الكتاب، بتنوّعها وتكاملها، تضيء في شخص صاحبها وعيَه لكونه يمثّل القدوتين معاً، ويحرص على الاضطلاع بمتطلّباتهما. كان هذا دأبه في «مدرسة» حزب الطبقة العاملة، حيث يتخرّج المثقّف كمناضل سياسيّ يعي أنّه يؤدّي قسطه في تغيير العالم، ويتخرّج المناضل السياسيّ كمثقّف يعي دور الثقافة في تسديد النضال الوطنيّ. هكذا نفهم قصد رئيف خوري في كلامه على «مدرسة» لتخريج مناضلين «وطنيّين»، أقحاح الولاء للوطن والذود عن قضاياه العادلة، و«مستنيرين»، غير غافلين عن منزلقات النضال، و«راسخين» في نضال دؤوب، لا يحرفه دون غايته إحباط ويأس قد يكونان، أحياناً، تبريرَ تنازلٍ لابتزاز، أو تمويهَ استجابةٍ لمغريات.
صفحة 2
ليس في هذه المواصفات للوطنيّ، إذ يغدقها رئيف خوري وصحبه على خرّيجي «مدرسة» الحزب الشيوعي، قفز فوق الصراع الطبقيّ. غير أنّ التناقض بين الوطنيّة والموقع الطبقيّ يظلّ ماثلاً، لأنّ من معاني الوطنيّة شمولها المجتمع ككلّ موحّد. وكلمة رئيف خوري أمام المؤتمر لم تغفل ذلك، إذ أشاد فيها بالحزب، بما هو الحزب السياسيّ للطبقة العاملة وحلفائها، كـ«منظّمة تؤيّد رأس المال الوطنيّ»، لكونها «هيئة تدرك ضرورة تركيز الاستقلال على دعائم اقتصاديّة ثابتة». كما نوّه، في السياق نفسه، بكون الحزب «منظّمة تضمّ الأعضاء من مختلف الطوائف والأجناس والطبقات، وتبثّ فيهم روح المفاهمة والمسامحة والمناصرة»، محيّياً «الحزب الشيوعيّ هيئة تسعى في سبيل وطن لجميع المواطنين على السواء من أيّة طائفة كانوا أو جنس أو طبقة». وذلك مع كون الحزب، في الوقت نفسه، «هيئة عربيّة تخدم وتعزّز فكرة العروبة الحرّة المجيدة». ولم يكن صوت رئيف في مؤتمر الحزب نشازاً، إذ أنّ فرج الله الحلو، الذي انتخبه المؤتمر رئيساً للحزب الشيوعيّ اللبنانيّ، ذهب أبعد منه في تأكيد لُحمة طبقات المجتمع جميعاً في النضال الوطنيّ والقوميّ، في مواجهة الفاشستيّة والنازيّة والصهيونيّة على السواء، مؤكّداً في المهرجان الذي أقيم في بيروت، بمناسبة ذكرى وعد بلفور، بعد نحو تسعة أشهر على انعقاد المؤتمر، أنّ «كلّ مواطن وطنيّ لبنانيّ على الإطلاق مهما كان موقفه السياسيّ ورأيه، ومهما كانت طبقته الاجتماعيّة، سواء كان رأسماليّاً أم عاملاً، فلّاحاً أم تاجراً، مثقّفاً أم طالباً، يبقى نضاله في سبيل استقلال لبنان ناقصاً، وتظلّ سياسته الوطنيّة غير رشيدة إذا لم يكافح الصهيونيّة وشركاءها في لبنان، وإذا لم يتضامن مع فلسطين العربيّة الشقيقة الشهيدة ويعاونها في النضال ضدّ هذه الآفة البغيضة آفة الصهيونيّة». ويمضي فرج الله الحلو مؤكّداً الموقف الطبقيّ بما لايترك مجالاً لتأويل خاطئ أو مغرض: «إنّ الفلّاح العربيّ والبدويّ العربيّ والإقطاعيّ العربيّ حين يكافح الصهيونيّة في فلسطين ويدافع عن أرضه ويناضل لأجل استقلال وطنه وتحريره هو أقرب إلى الديمقراطيّة والاشتراكيّة من أيّ صهيونيّ أو نصير للصهيونيّة ولو انتسب إلى أكبر الأحزاب الديمقراطيّة والاشتراكيّة في أوروبا وأميركا». ويسند فرج الله رأيَه هذا بالدليل الملموس على الطبيعة الواحدة للنازيّة والصهيونيّة: «وليس يعود إلى المصادفة أنّ النظام الهتلريّ الذي ألغى جميع الحرّيّات الديمقراطيّة الضروريّة، أبقى على حرّيّة الدعاية الصهيونيّة في ألمانيا وظلّ يسمح للصهيونيّين بدعوة اليهود للهجرة إلى فلسطين، في حين أنّ النظام السوفياتيّ الذي منح جميع الحرّيّات الديمقراطيّة وأمّنها يمنع، تحت طائلة العقاب الشديد، كلّ حرّيّة للدعاية الصهيونيّة».[3] بمثل هذا الإنحياز إلى معسكر الديمقراطيّة والاشتراكيّة ضد معسكر الفاشستيّة والنازيّة والصهيونيّة، فهم رئيف خوري علاقة نضاله الوطنيّ في سبيل الاستقلال والتحرّر، بانخراطه العمليّ في «العصبة» دفاعاً عن الثقافة. وفي موقعه هذا، أي في «المدرسة»، أدرك رئيف وعَلّم معنى الاستنارة في الوطنيّة، كما عبّر عنه، من على منبر مؤتمر الحزب الشيوعيّ، بعد نحو أربعين يوماً فقط على تحقّق الاستقلال السياسيّ للبنان، بما يصلح أن يكون خلاصة وخاتمة وتتويجاً لنصوص «الفتى العربيّ» المختارة، في حدود الفترة التي خُصّ بها هذا الكتاب: «لقد عرفنا في حزبكم منظّمة أدركت منذ اللحظة الأولى في هذه الحرب الحاسمة، أنّ النازيّة والفاشستيّة سائرتان إلى الموت المحتّم، وأنّ موتهما يتيح للشعوب المغموطة أن تطالب بحقوقها. فجاءت الحوادث العالميّة من جهة، وحوادث لبنان وسوريا من جهة أخرى، مؤيّدة صواب هذا الرأي». وهنا أيضاً نصل إلى اللازمة الفكريّة المشترَكة التي سيستعيدها عمر فاخوري معتبراً صحافة الحزب الشيوعيّ «مدرسة سداد الفكر»، فيحيّي رئيف في «الحزب الشيوعيّ هيئةً بصيرة، بعيدةَ مدى النظر، دقيقةَ التقدير، تَصْدُر في العمل عن الخطّة الرشيدة المثمرة».
***
كان لا بدّ من الخوض بهذا التفصيل، ولا نحسَبُه مملّاً، في ما مثّله رئيف خوري من علاقة نموذجيّة بين المثقّفين والحزب/المدرسة، لتسليط بعض الضوء على معنى أن يكون المثقّف ذلك المعلّم والمتعلّم في آن، أو المتعلّم كي يعلّم، مَثَله مَثَل أيّ عضو في الحزب الثوريّ. ذلك أنّ الثقافة ليست حكراً على «مثقّف» (بالمعنى التقليديّ النخبويّ)، أو «مفكّر» (بالمعنى التمييزيّ، في تعارض مع من لا يفكّرون، بل حتّى مع ذوي الاختصاص التقنيّ). فما من عامل في الإنتاج بجهده الجسديّ إلّا ويحمل قسطاً من الثقافة، ابتداءً من الثقافة الشعبيّة الشائعة، أو من ثقافة جماعته المهنيّة، إلى ما يكون قد تسنّى له من تحصيل مدرسيّ يُعوِّض انقطاعَه شغفُ القراءة ، وخبراتُ الحياة. وهذا القسط من الثقافة، مهما بدا ضئيلاً (بالمقارنة مع المخزون الذي يعتدّ به المثقّف التقليديّ) يخوّل صاحبَه، العاملَ المنتِج في المجتمع الرأسماليّ، أن يبدأ رحلة التعلّم والتعليم، مضطلعاً بدور تربويّ تنظيميّ، على الصعيد النقابيّ، الفئويّ، ووصولاً إلى الصعيد السياسيّ، الوطنيّ. استناداً إلى مواصفات هذا العامل المنتِج الناشط على الصعيد الوطنيّ، ومن منطلق ماركسيّ لينينيّ، استخلص أنطونيو غرامشي مفهوم «المثقفّ العضوي»، معارضاً به التصوّر التقليديّ لاستقلاليّة الثقافة و«المثقّفين»، الذين، في وَهْم تميّزهم كـ«نخبة»، يحوّمون بأفكارهم فوق الطبقات الاجتماعيّة، كملائكةٍ حرسٍ للمجتمع ككلّ، فيما هم، في واقع الأمر، خدمٌ للطبقة المسيطرة، يُدَعِّمون سلطتها بحراسة وَهْمِ أبديّةِ سيطرتها. كان غرامشي بذلك يضع «المثقّف العضويّ» في موقع نافذ، من البنية الاجتماعيّة الطبقيّة، يخوّله أن يضطلع بدور المناضل الحزبيّ، كقيادي وسط جماهير الطبقة الثوريّة، يتعلّم منها ويعلّمها: «في هذا الميدان لا بدّ من البحث عن المساهمة النظريّة القصوى التي قدّمها لينين (...) إنّ إقامة جهاز كامل للهيمنة (الحزب) باعتباره يخلق أرضيّة إيديولوجيّة جديدة، يؤدّي إلى إصلاح الوعي وطرق المعرفة، وهو بذلك فعل معرفة وعمل فلسفيّ».[4]
***
كان لا بدّ من الخوض بهذا التفصيل، ولا نحسَبُه مملّاً، في ما مثّله رئيف خوري من علاقة نموذجيّة بين المثقّفين والحزب/المدرسة، لتسليط بعض الضوء على معنى أن يكون المثقّف ذلك المعلّم والمتعلّم في آن، أو المتعلّم كي يعلّم، مَثَله مَثَل أيّ عضو في الحزب الثوريّ. ذلك أنّ الثقافة ليست حكراً على «مثقّف» (بالمعنى التقليديّ النخبويّ)، أو «مفكّر» (بالمعنى التمييزيّ، في تعارض مع من لا يفكّرون، بل حتّى مع ذوي الاختصاص التقنيّ). فما من عامل في الإنتاج بجهده الجسديّ إلّا ويحمل قسطاً من الثقافة، ابتداءً من الثقافة الشعبيّة الشائعة، أو من ثقافة جماعته المهنيّة، إلى ما يكون قد تسنّى له من تحصيل مدرسيّ يُعوِّض انقطاعَه شغفُ القراءة ، وخبراتُ الحياة. وهذا القسط من الثقافة، مهما بدا ضئيلاً (بالمقارنة مع المخزون الذي يعتدّ به المثقّف التقليديّ) يخوّل صاحبَه، العاملَ المنتِج في المجتمع الرأسماليّ، أن يبدأ رحلة التعلّم والتعليم، مضطلعاً بدور تربويّ تنظيميّ، على الصعيد النقابيّ، الفئويّ، ووصولاً إلى الصعيد السياسيّ، الوطنيّ. استناداً إلى مواصفات هذا العامل المنتِج الناشط على الصعيد الوطنيّ، ومن منطلق ماركسيّ لينينيّ، استخلص أنطونيو غرامشي مفهوم «المثقفّ العضوي»، معارضاً به التصوّر التقليديّ لاستقلاليّة الثقافة و«المثقّفين»، الذين، في وَهْم تميّزهم كـ«نخبة»، يحوّمون بأفكارهم فوق الطبقات الاجتماعيّة، كملائكةٍ حرسٍ للمجتمع ككلّ، فيما هم، في واقع الأمر، خدمٌ للطبقة المسيطرة، يُدَعِّمون سلطتها بحراسة وَهْمِ أبديّةِ سيطرتها. كان غرامشي بذلك يضع «المثقّف العضويّ» في موقع نافذ، من البنية الاجتماعيّة الطبقيّة، يخوّله أن يضطلع بدور المناضل الحزبيّ، كقيادي وسط جماهير الطبقة الثوريّة، يتعلّم منها ويعلّمها: «في هذا الميدان لا بدّ من البحث عن المساهمة النظريّة القصوى التي قدّمها لينين (...) إنّ إقامة جهاز كامل للهيمنة (الحزب) باعتباره يخلق أرضيّة إيديولوجيّة جديدة، يؤدّي إلى إصلاح الوعي وطرق المعرفة، وهو بذلك فعل معرفة وعمل فلسفيّ».[4]
صفحة 3
هكذا يكون المناضل الثوريّ في المجتمع الرأسماليّ («المثقّف العضويّ» في تعبير غرامشي، و«الوطنيّ المستنير» في تعبير رئيف خوري) منحازاً سياسيّاً في الثورة إلى الطبقة العاملة، واعياً كونها الطبقة الوحيدة ذات المصلحة بتغيير سياسيّ يقيم «شيئاً فشيئاً» ( كما يقول كارل ماركس في «البيان الشيوعي») مجتمع «شراكة» يكون فيه «كلّ الإنتاج ممركزاً بين يدي أفراد متشاركين». لذا فإنّ المناضل الثوريّ ذا الكفاءة الثقافيّة التقنيّة في المجتمع الرأسماليّ لا يكون متمرّداً على ما قد تتيحه له الرأسماليّة المتطوّرة من دور قياديّ تربويّ يؤول إليه كمواطن منتِج، بل يكون متمسّكاً بدوره هذا، مواصلاً الاضطلاع به في العمل الديمقراطيّ الثوريّ، الوطنيّ والأمميّ، لتحرير المجتمع. هكذا يرى كلّ من خوري وغرامشي في دور المثقّفين المنحازين إلى الثورة مؤشّراً إلى أنّ تغيّراً يجري يجعل المجتمع الجديد المُقْبِل يصطفي شعبَه، جماعات وأفراداً، من شعب المجتمع القديم المُدْبِر، والشعب واحد في تحوّله، ضمانة بقاء المجتمع وتماسكه ككيان إنسانيّ ذي هوّيّة وطنيّة، إلى أن تتمّ الغلبة للجديد الذي، كما يرى الماركسيّون، تجري رياح التاريخ بما تشتهي سفنُه المشرَّعةُ لِمَهَبِّها. وهكذا يكون المثقّف، في تعريفه الجديد، منحازاً إلى الطبقة العاملة اجتماعيّاً، يكتسب من الممارسة السياسيّة، بانضوائه إلى حزبها الوطنيّ والأمميّ، الحزب الشيوعيّ، الوعي التاريخيّ الذي يخوّله أن يلعب دوراً تربويّاً قياديّاً، ليس في حزبه وطبقته وحسب، بل في المجتمع، حيث يتوجّه إلى الكثرة، صانعي التاريخ، يتعلّم منهم ويعلّمهم... الـ«مدرسة» المراسيّة التي يتحقّق فيها ما اعتبره ماركس «تربية المربّي».
أليس استجابة لضرورة التوجّه إلى الكثرة خاض رئيف السجال مع «عميد الأدب»، طه حسين، (1955)، حول سؤال: «لمن يكتب الأديب؟ أللخاصّة أم للكافّة؟» لقد دافع بالتأكيد عن كونه يكتب للكافّة. ورغم القطيعة التي ميّزت علاقته بقيادة الحزب آنذاك، كانت أطروحته في المناظرة دفاعاً متواصلاً عن عمله في تلك «المدرسة» التي تُعِدّ «وطنيّين مستنيرين»، أخذاً وعطاء: «الكافة الذين أزعم أنّي أكتب لهم (...) يتألّفون من هذه الجماهير التي تسعى سعيها وتكدح كدحها في مختلف دروب الحياة. العامل في المحترف أو المصنع، الفلّاح في الحقل، الطالب في المدرسة، التاجر الصغير في الحانوت، الموظّف الصغير في المكتب (...) آخذ منهم وأردّ عليهم، يعطونني فلا أفقر ولا أجدب، وأعطيهم فلا يركد وجودهم ولا تبهت الألوان في حياتهم». لم يكنِ التِفاتُ رئيف خوري إلى هؤلاء «الكافّة» من باب الشعبويّةً طلباً لإظهار التواضع. فهو منهم منبتاً ومنشأ. الأهم عنده أنّهم مدخله إلى الوطن: «هؤلاء الكافّة هم القوام الذي لا شعب ولا أمّة ولا قوم ولا وطن من دونه». وهو كذلك لا ينكر أنّه يَنشُد من وراء اتصاله بالكافّة «الأثرَ التوجيهيّ» الذي يزرع فيهم طموحاً «إلى فهم الكون والتحكّم فيه»، وإرادةً «تتطلّب حرّيّةً واستقلالاً للوطن، أو عدلاً اجتماعيّاً للمواطنين، وسحقاً للاستعمار في أيّ صورة، ولحروب الفتح والنهب والاستعباد، وتبتغي سلماً وثقافة ورفاهيّة للإنسانيّة..».[5]
لكن حتّى هذا «الأثر التوجيهيّ» ليس، بالنسبة إلى رئيف خوري، هدفاً في ذاته، إذ إنّ ما يتطلّع إليه، عبر ما يرجو تركه من«أثر»، هو روحيّة جديدة تُخرج الفرد من عزلته، «لأنّ (الأثر) يبقى حرفاً ميّتاً ما لم (...) يتحوّل إيماناً واقتناعاً ونوراً (...) وغضباً وتحدّياً وحبّاً وتضحية (...) وعزماً وحركة وعملاً...». ويمضي صاحب «الفكر العربيّ الحديث» قُدُماً في إيضاح المقصود بإحياء الـ«حَرْف»، فيستحضر الإنكليزيَّ جون لوك والفرنسيَّ جان جاك روسّو، ومعهما فكرةَ «العقد الاجتماعيّ»، التي «لو لم تصبح توجيهاً في مدارك الشعب لبقيت حرفاً ميّتاً ولم يكن لها أثر ما كالأثر الذي ظهر في الثورة...». ولعلّ كلّ نتاج رئيف خوري كان متمحوراً حول تبيان أنّ «الفكر العربيّ الحديث» الذي تقبّل «أثر الثورة الفرنسيّة في توجيهه السياسيّ والاجتماعيّ»، دون أن يتنكّر لتراث الثورتين المتمثّلتين في «الإحياءَين المسيحيّ والإسلاميّ»، مؤهّلٌ كذلك لتقبّل «أثر» الثورات التي «شاركت في تكييف مصائر العالمين»[6]، بما فيه آخرها في حينه: الثورة الروسيّة. فقد كانت دراسة الثورات جميعاً حاضرة في أولويّات منهاج الـ«مدرسة» التي انتسب إليها رئيف، متطوِّعاً فيها كمعلّم وتلميذ، لأنّ عِلم الثورة يبقى «حَرفاً ميّتاً» دون ممارستها، أي إنّه عِلمٌ مِراسيّ، «فلسفة ﭘﺮاكسيس»، في مفهوم غرامشي الذي ييقول «إنّ شكل وجود المفكّر الجديد لم يعد يتلخّص في فصاحة الكلام والتحريك الخارجيّ والآنيّ السريع للعواطف والمشاعر، بل في الاختلاط الإيجابيّ بالحياة العمليّة كبنّاء ومنظِّم، ومُقنِع دائم (حيث) على المفكِّر أن يصل عبر التقنيّة ـ العمل إلى التقنيّة ـ العِلم وإلى المفهوم الإنسانيّ التاريخيّ الذي يبقى المفكِّر بدونه اختصاصيّاً ولا يصبح قياديّاً»[7].
هذا النشاط الثوريّ التنظيميّ يقتضي من الأديب «أن يخاطب الكثرة»، كما يقول رئيف، فيتخرّج معها كـ«وطنيّ مستنير»، صنو «المثقّف العضويّ»، شرط أن يكون موضوعُ خطابه «متّصلاً بالجديد النامي في الحياة». ولعلّ من توارد الأفكار التاريخيّ أنّ التعبيرين، «المفهوم الإنسانيّ التاريخيّ» (غرامشي) و«الجديد النامي في الحياة» (خوري)، يحملان المعنى نفسه لدى الرجلين اللذين يتشاركان في النظرة الماركسيّة اللينينيّة، المادّيّة التاريخيّة، لـ«الجديد» في زمنهما، المتحقّق على أيدي «الكثرة». فليس مجرّد مصادفة أن يضعا النظرة إيّاها، وفي الوقت نفسه، ضدّ الطرح النقيض لدى الناقد الأدبيّ والفيلسوف الإيطاليّ بنديتو كروتشه، إذ يذكره رئيف خوري مباشرة، في سياق المناظرة، كفيلسوف يرتئي وجوب عدم الجمع بين الفنّيّ والأخلاقيّ، ويأخذ عليه أنّه «يحبّ أن يسربل ماهيّة الفنّ والخَلق الفنّيّ بضباب غموض يدعوه الحدس». إنّ مأخذ رئيف ليس على «الحدس»، ولا نخاله يُنكِر ومضات الحدس التي تصيب الحقيقة مباشرة، مختزلةً، لدى أصحاب المراس، مسلسلات من عمليّات استدلال واستقراء. مأخذ رئيف يتركّز على ما يعتبره افتعالاً، في الصنيع الفنّيّ، لـ«ضباب غموض» يتقصّد التوجّه إلى «خاصّة» ما. ويلاقي مأخذ رئيف هذا، على غير موعد، نقد غرامشي لفلسفة كروتشه النخبويّة وتأثيرها المقصور على أوساط تقليديّة من الأنتلّجنسيا الأيطاليّة، مشدِّداً على مسؤوليّة الأدب في الكتابة «للكافّة»، فيؤكّد ضرورة اضطلاع الكتّاب بـ«وظيفة التربية الوطنية» مطالباً إياهم بأن «يطرحوا على أنفسهم (...) مهمّة معالجة المشاعر الشعبيّة بعد أن يعيشوها وتصبح جزءاً منهم». ويردّ على الشاكين، في «الطبقة المثقّفة»، من انصراف الشعب عن أعمالهم إلى «الكتب الأجنبيّة» فيعزو ذلك، ناقداً، إلى أنّ «العنصر الفكريّ المحليّ (بات) أكثر أجنبيّة من الأجنبيّ بالنسبة إلى الشعب ـ الأمّة»[8].
أليس استجابة لضرورة التوجّه إلى الكثرة خاض رئيف السجال مع «عميد الأدب»، طه حسين، (1955)، حول سؤال: «لمن يكتب الأديب؟ أللخاصّة أم للكافّة؟» لقد دافع بالتأكيد عن كونه يكتب للكافّة. ورغم القطيعة التي ميّزت علاقته بقيادة الحزب آنذاك، كانت أطروحته في المناظرة دفاعاً متواصلاً عن عمله في تلك «المدرسة» التي تُعِدّ «وطنيّين مستنيرين»، أخذاً وعطاء: «الكافة الذين أزعم أنّي أكتب لهم (...) يتألّفون من هذه الجماهير التي تسعى سعيها وتكدح كدحها في مختلف دروب الحياة. العامل في المحترف أو المصنع، الفلّاح في الحقل، الطالب في المدرسة، التاجر الصغير في الحانوت، الموظّف الصغير في المكتب (...) آخذ منهم وأردّ عليهم، يعطونني فلا أفقر ولا أجدب، وأعطيهم فلا يركد وجودهم ولا تبهت الألوان في حياتهم». لم يكنِ التِفاتُ رئيف خوري إلى هؤلاء «الكافّة» من باب الشعبويّةً طلباً لإظهار التواضع. فهو منهم منبتاً ومنشأ. الأهم عنده أنّهم مدخله إلى الوطن: «هؤلاء الكافّة هم القوام الذي لا شعب ولا أمّة ولا قوم ولا وطن من دونه». وهو كذلك لا ينكر أنّه يَنشُد من وراء اتصاله بالكافّة «الأثرَ التوجيهيّ» الذي يزرع فيهم طموحاً «إلى فهم الكون والتحكّم فيه»، وإرادةً «تتطلّب حرّيّةً واستقلالاً للوطن، أو عدلاً اجتماعيّاً للمواطنين، وسحقاً للاستعمار في أيّ صورة، ولحروب الفتح والنهب والاستعباد، وتبتغي سلماً وثقافة ورفاهيّة للإنسانيّة..».[5]
لكن حتّى هذا «الأثر التوجيهيّ» ليس، بالنسبة إلى رئيف خوري، هدفاً في ذاته، إذ إنّ ما يتطلّع إليه، عبر ما يرجو تركه من«أثر»، هو روحيّة جديدة تُخرج الفرد من عزلته، «لأنّ (الأثر) يبقى حرفاً ميّتاً ما لم (...) يتحوّل إيماناً واقتناعاً ونوراً (...) وغضباً وتحدّياً وحبّاً وتضحية (...) وعزماً وحركة وعملاً...». ويمضي صاحب «الفكر العربيّ الحديث» قُدُماً في إيضاح المقصود بإحياء الـ«حَرْف»، فيستحضر الإنكليزيَّ جون لوك والفرنسيَّ جان جاك روسّو، ومعهما فكرةَ «العقد الاجتماعيّ»، التي «لو لم تصبح توجيهاً في مدارك الشعب لبقيت حرفاً ميّتاً ولم يكن لها أثر ما كالأثر الذي ظهر في الثورة...». ولعلّ كلّ نتاج رئيف خوري كان متمحوراً حول تبيان أنّ «الفكر العربيّ الحديث» الذي تقبّل «أثر الثورة الفرنسيّة في توجيهه السياسيّ والاجتماعيّ»، دون أن يتنكّر لتراث الثورتين المتمثّلتين في «الإحياءَين المسيحيّ والإسلاميّ»، مؤهّلٌ كذلك لتقبّل «أثر» الثورات التي «شاركت في تكييف مصائر العالمين»[6]، بما فيه آخرها في حينه: الثورة الروسيّة. فقد كانت دراسة الثورات جميعاً حاضرة في أولويّات منهاج الـ«مدرسة» التي انتسب إليها رئيف، متطوِّعاً فيها كمعلّم وتلميذ، لأنّ عِلم الثورة يبقى «حَرفاً ميّتاً» دون ممارستها، أي إنّه عِلمٌ مِراسيّ، «فلسفة ﭘﺮاكسيس»، في مفهوم غرامشي الذي ييقول «إنّ شكل وجود المفكّر الجديد لم يعد يتلخّص في فصاحة الكلام والتحريك الخارجيّ والآنيّ السريع للعواطف والمشاعر، بل في الاختلاط الإيجابيّ بالحياة العمليّة كبنّاء ومنظِّم، ومُقنِع دائم (حيث) على المفكِّر أن يصل عبر التقنيّة ـ العمل إلى التقنيّة ـ العِلم وإلى المفهوم الإنسانيّ التاريخيّ الذي يبقى المفكِّر بدونه اختصاصيّاً ولا يصبح قياديّاً»[7].
هذا النشاط الثوريّ التنظيميّ يقتضي من الأديب «أن يخاطب الكثرة»، كما يقول رئيف، فيتخرّج معها كـ«وطنيّ مستنير»، صنو «المثقّف العضويّ»، شرط أن يكون موضوعُ خطابه «متّصلاً بالجديد النامي في الحياة». ولعلّ من توارد الأفكار التاريخيّ أنّ التعبيرين، «المفهوم الإنسانيّ التاريخيّ» (غرامشي) و«الجديد النامي في الحياة» (خوري)، يحملان المعنى نفسه لدى الرجلين اللذين يتشاركان في النظرة الماركسيّة اللينينيّة، المادّيّة التاريخيّة، لـ«الجديد» في زمنهما، المتحقّق على أيدي «الكثرة». فليس مجرّد مصادفة أن يضعا النظرة إيّاها، وفي الوقت نفسه، ضدّ الطرح النقيض لدى الناقد الأدبيّ والفيلسوف الإيطاليّ بنديتو كروتشه، إذ يذكره رئيف خوري مباشرة، في سياق المناظرة، كفيلسوف يرتئي وجوب عدم الجمع بين الفنّيّ والأخلاقيّ، ويأخذ عليه أنّه «يحبّ أن يسربل ماهيّة الفنّ والخَلق الفنّيّ بضباب غموض يدعوه الحدس». إنّ مأخذ رئيف ليس على «الحدس»، ولا نخاله يُنكِر ومضات الحدس التي تصيب الحقيقة مباشرة، مختزلةً، لدى أصحاب المراس، مسلسلات من عمليّات استدلال واستقراء. مأخذ رئيف يتركّز على ما يعتبره افتعالاً، في الصنيع الفنّيّ، لـ«ضباب غموض» يتقصّد التوجّه إلى «خاصّة» ما. ويلاقي مأخذ رئيف هذا، على غير موعد، نقد غرامشي لفلسفة كروتشه النخبويّة وتأثيرها المقصور على أوساط تقليديّة من الأنتلّجنسيا الأيطاليّة، مشدِّداً على مسؤوليّة الأدب في الكتابة «للكافّة»، فيؤكّد ضرورة اضطلاع الكتّاب بـ«وظيفة التربية الوطنية» مطالباً إياهم بأن «يطرحوا على أنفسهم (...) مهمّة معالجة المشاعر الشعبيّة بعد أن يعيشوها وتصبح جزءاً منهم». ويردّ على الشاكين، في «الطبقة المثقّفة»، من انصراف الشعب عن أعمالهم إلى «الكتب الأجنبيّة» فيعزو ذلك، ناقداً، إلى أنّ «العنصر الفكريّ المحليّ (بات) أكثر أجنبيّة من الأجنبيّ بالنسبة إلى الشعب ـ الأمّة»[8].
صفحة 4
ما يهمّنا من الأمر هو ملاحظة حرّيّة الفكر وموضوعيّته ارتباطاً بالالتزام الثوريّ. كان حرّاً أنطونيو غرامشي، مؤسّس الحزب الشيوعيّ الايطاليّ، وهو يكتب «دفاتر السجن». ولم يفرج السجّان الفاشستيّ عنه إلّا بعد أن تأكّد أنّه سيموت في بيته بعد أيّام. كان يعي أنّه يدفع حياته، بموتَه البطيء، ثمناً لحرّيّته، منذ أن أنهى المدّعي العام الفاشستيّ المرافعة الاتّهاميّة بحقّه قائلاً: «يتوجّب علينا منع هذا الدماغ من الإشتغال لمدّة عشرين سنة»[9]. أمّا رئيف خوري فلم يكن عدم انتسابه إلى الحزب الشيوعي من باب الحفاظ على حرّيّة فكره. على العكس، يشهد بعض نتاج «ثورة الفتى العربيّ»، كما تشهد كلمته في المؤتمر الأوّل للحزب، أنّه خَبِر حرّيّة الفكر باقترابه من الحزب والعمل معه، متحقّقاً من أنّ الفكر لا يكون حرّاً حقّاً إلّا حين يصدر عن علم ودراية. أمّا موضوعيّة الفكر، في الحالتين، فيَضْمنها كون المفكِّر لا يدفن رأسه في الرمال متعامياً عن مسؤوليّة النظام الرأسماليّ عن حرب عالميّة أولى وعن الاستعداد المحموم لثانية، بين المراكز الإﻣﭙﺮياليّة، لإعادة اقتسام العالم، تِبعاً لتغيّر موازين القوى في ما بينها، دون إغفال توافقها على أنّ الحرب الجديدة تستهدف في الوقت نفسه معالجة الخرق الذي أحدثته قوى السلام العالميّة في جدار سيطرة النظام الرأسماليّ، بنجاح ثورة أوكتوبر الاشتراكيّة العظمى في روسيا، «أضعف حلقات السلسلة الإﻣﭙﺮياليّة»، كما وصفها قائد الثورة، لينين. باتت الموضوعيّة في الوضع العالميّ المستجدّ تقتضي الاعتراف بأنّ الحرب التي يشنّها النظام الرأسماليّ على الثورة، ممثَّلاً بقواه الصداميّة النازيّة والفاشيّة، هي ثورة مضادّة مكشوفة الأهداف، مع كونها في الوقت نفسه حرباً تشنّها تلك القوى الصداميّة للانضمام إلى نادي ضواري الإﻣﭙﺮياليّة. وهذا يعني أنّ الموضوعيّة باتت تقتضي اعتبار كلّ نضال وطنيّ ديمقراطيّ موجّه ضدّ السيطرة الإمبرياليّة، وضدّ المحور الفاشيّ النازيّ الصهيونيّ، هو، في وجه رئيس من وجوهه، نضالاً طبقيّاً ثوريّاً يرفد كفاح الأمميّة اﻟﭙﺮوليتاريّة. لذا لجأت الثورة المضادّة الفاشيّة إلى التشويش على موضوعيّة الفكر في الصراع الطبقيّ لتضليل الشعوب بشعارات يمينيّة ورجعيّة ذات صدى وطنيّ وطبقيّ في آن، تُواجِه الوطنيّةَ الديمقراطيّة بالقوميّة العنصريّة، كما تواجه الشيوعيّة، ووحدة تنظيم وتحرّك الطبقة العاملة سياسيّاً على صعيد وطنيّ، والأمميّة اﻟﭙﺮوليتاريّة... بعقليّة «تضامن» (باركتها الكنيسة في حينه، ولا تزال وإن بصورة غير رسميّة) موروثة من طوائف الحِرَف المنغلقة العائدة إلى ما قبل الرأسماليّة، بذريعة أنّها كانت «اجتماعيّة» المضمون بتعويلها على أبويّة معلّمي الحِرَف، لتحقيق المصالحة بين العامل و«رب» العمل، «الشفيع» من معاني الكلمة المقابِلة بالفرنسيّة.
***
لم يكن كافياً إذاً، لتحقّق حرّيّة الفكر وموضوعيّته، أن يكون انحياز المفكِّر إلى الثورة مجرّدَ انضواء بإعلان الولاء: أي ما يشبه حفلة قَسَم يمين، في بعض الجمعيّات والحركات السياسيّة، وهي ممارسة تعتبرها المنظّمات الفاشيّة وشبه الفاشيّة كافية كتعهّد من «المفكِّر» بترداد «فكر» قائد الثورة المضادّة، الفرد الملهَم. فمع اقتراب الانقسام الاجتماعيّ الرئيسيّ، الطبقيّ، من بلوغ ذروة الصراع التناحريّ، بالاستعداد للحرب، يتقلّص مجال النظر «الموضوعيّ»، بالنسبة إلى الفكر المنخرط في الصراع، وصولاً إلى حرب عالميّة بين الثورة و«الثورة المضادّة» (نظراً لثِقَل والتباس تعبير «الثورة المضادّة» الذي شاع في العربيّة كترجمة للكلمة المركّبة «كونْتر رﻳﭭﻮلوسيون»، سنعتمد، في حدود هذا المقال، تعبير «حرب الرِدّة الرجعيّة» الأصْوَب تأديةً للمعنى المقصود، حتّى إذا اكتفينا من التعبير بـ«حرب الردّة» أو «الردّة». هذا مع التحفّظ على استخدام كلمة «ثورة» بالمعنى الحرفيّ الذي يشير إلى الانفعال دون الفعل الواعي، مغيّباً تحوّلات النضوج المادّيّ التاريخيّ للتغيير الذي يطال البنية الاجتماعيّة). «الموضوعيّ»، بالنسبة إلى المحارب الذي يتوجّب عليه أن «(ي) جهل فوق جهل الجاهلينا»، هو الصراع نفسه. في الحرب يتوحّد الذاتيّ والموضوعيّ ويتلاغيان، وتنتفي حرّيّة الفكر إذ ينتهي المفكِّر الذات قاتلاً و/أو مقتولاً. لا حياد بالتالي، بالنسبة إلى المفكّر الديمقراطيّ الثوري، في حرب عالميّة لا يخفي أحد أطرافها (الفاشيّة والنازيّة) أنّه يستهدف إخماد الثورة (ثورة أكتوبر في روسيا)، وتعطيل الفكر الديمقراطيّ الثوريّ المعتبَر متسبّباً بها. حرب الرِدّة العالميّة هذه، في الحرب العالميّة الثانية، كان يُراد لها أن تستكمل رِدّة عالميّة فشلت في الحرب العالميّة الأولى. كان حياد المثقّف في حقيقته انحيازاً، في الحرب على الفكر، إلى جانب مجرم الحرب على الفكر (هل من مجرم حرب أكثر إجراماً من البادئ بها؟ تماماً بالمعنى المقصود بالعبارة التي ختم بها المدّعي العام الإيطاليّ مرافعته في محاكمة أنطونيو غرامشي، أو بالقول المنسوب إلى ضابط نازيّ نكرة، أو مالئ الدنيا، لا فرق، بما معناه: «عندما أسمع كلمة ثقافة أضع يدي على مسدّسي»؟). لاخلاص للمفكِّر بالمضيّ في الحرب إلى نهاياتها. خلاصه بالانسحاب من الحرب.
اختلفت الحرب على الفكر، كوجه من وجوه الحرب العالميّة الثانيّة، التي بادرت الرِدّة العالميّة الرجعيّة إليها، عن الحرب عموماً باعتبارها «امتداداً للسياسة بوسائل أخرى». كان صاحب التعريف الشهير، كارل ﭬﻮن كلاوْساﭬِﺘْﺰ، أمير حرب (جنرالاً) ﭘﺮوسيّاً يمارس اختصاصه كمتعهّد حروب، عارضاً خدماته على غير دولة (ﭘﺮوسيا أوّلاً ثمّ روسيا)، لكن ليس كما يفعل العسكريّون المرتزقة. كان «نبيلاً» يتقن فنّ الحرب ، وانحاز فيها إلى «نبلاء»، ودائماً في مواجهة زميله في المهنة، الفرنسيّ الكورسيكيّ ناﭘﻮليون بوناﭘﺎرت. كان الأخير، في عين الجنرال النبيل، وضيعَ المنبت، تنطّح إلى النبالة ونصّب نفسه أمبراطوراً، آخذاً على عاتقه «تصدير» الثورة الفرنسيّة إلى أوروﭘﺎ، بعد أن انكفأ عن فتح مصر وسوريا لينغمس في الصراعات الداخليّة لفرنسا الثورة. كانت الحرب آنذاك أيضاً، في وجه رئيس من وجوهها، تدور كذلك بين ثورة ورِدّة رجعيّة على نطاق عالميّ نسبيّاً (قارّيّ)، وكان باستطاعة كلاوْساﭬِﺘْﺰ، من موقع اختصاصه كمحارب، أن يحتفظ لنفسه بنظرته المستقلّة إزاء «داخليّة» الدول التي يخدم. إلّا أنّ منطق الحرب كان يبيح التدخّل في «داخليّة» العدوّ، مع كون الحرب نفسها صداماً بين سياستين، بالمعنى الذي نقصده اليوم بـ«السياسة الخارجيّة». بهذا المعنى فُهمت عبارة كلاوساﭬﺘﺰ لاحقاً، مع أنّها كانت أقرب في الأصل إلى إعطاء كلمة «سياسة» المضمون المعطى اليوم لمفهوم «الدﭘﻠﻮماسيّة». لم يكن المحارب المفكّر، الذي ترك لنا كتاباً نظريّاً يحمل عنوان «في الحرب»، يقصد أبعد من أنّ السياسة (الخارجيّة) في الحرب تعتمد لغة العنف بديلاً من اللغة الدبلوماسيّة، داعياً إلى حصر أهداف الحرب بأهداف السياسة، «حتى بعد أن تكون الحرب قد بدأت»، كما يقول، لأنّ استقلال الحرب بأهدافها ينتهي بكارثة للحرب والسياسة.
***
لم يكن كافياً إذاً، لتحقّق حرّيّة الفكر وموضوعيّته، أن يكون انحياز المفكِّر إلى الثورة مجرّدَ انضواء بإعلان الولاء: أي ما يشبه حفلة قَسَم يمين، في بعض الجمعيّات والحركات السياسيّة، وهي ممارسة تعتبرها المنظّمات الفاشيّة وشبه الفاشيّة كافية كتعهّد من «المفكِّر» بترداد «فكر» قائد الثورة المضادّة، الفرد الملهَم. فمع اقتراب الانقسام الاجتماعيّ الرئيسيّ، الطبقيّ، من بلوغ ذروة الصراع التناحريّ، بالاستعداد للحرب، يتقلّص مجال النظر «الموضوعيّ»، بالنسبة إلى الفكر المنخرط في الصراع، وصولاً إلى حرب عالميّة بين الثورة و«الثورة المضادّة» (نظراً لثِقَل والتباس تعبير «الثورة المضادّة» الذي شاع في العربيّة كترجمة للكلمة المركّبة «كونْتر رﻳﭭﻮلوسيون»، سنعتمد، في حدود هذا المقال، تعبير «حرب الرِدّة الرجعيّة» الأصْوَب تأديةً للمعنى المقصود، حتّى إذا اكتفينا من التعبير بـ«حرب الردّة» أو «الردّة». هذا مع التحفّظ على استخدام كلمة «ثورة» بالمعنى الحرفيّ الذي يشير إلى الانفعال دون الفعل الواعي، مغيّباً تحوّلات النضوج المادّيّ التاريخيّ للتغيير الذي يطال البنية الاجتماعيّة). «الموضوعيّ»، بالنسبة إلى المحارب الذي يتوجّب عليه أن «(ي) جهل فوق جهل الجاهلينا»، هو الصراع نفسه. في الحرب يتوحّد الذاتيّ والموضوعيّ ويتلاغيان، وتنتفي حرّيّة الفكر إذ ينتهي المفكِّر الذات قاتلاً و/أو مقتولاً. لا حياد بالتالي، بالنسبة إلى المفكّر الديمقراطيّ الثوري، في حرب عالميّة لا يخفي أحد أطرافها (الفاشيّة والنازيّة) أنّه يستهدف إخماد الثورة (ثورة أكتوبر في روسيا)، وتعطيل الفكر الديمقراطيّ الثوريّ المعتبَر متسبّباً بها. حرب الرِدّة العالميّة هذه، في الحرب العالميّة الثانية، كان يُراد لها أن تستكمل رِدّة عالميّة فشلت في الحرب العالميّة الأولى. كان حياد المثقّف في حقيقته انحيازاً، في الحرب على الفكر، إلى جانب مجرم الحرب على الفكر (هل من مجرم حرب أكثر إجراماً من البادئ بها؟ تماماً بالمعنى المقصود بالعبارة التي ختم بها المدّعي العام الإيطاليّ مرافعته في محاكمة أنطونيو غرامشي، أو بالقول المنسوب إلى ضابط نازيّ نكرة، أو مالئ الدنيا، لا فرق، بما معناه: «عندما أسمع كلمة ثقافة أضع يدي على مسدّسي»؟). لاخلاص للمفكِّر بالمضيّ في الحرب إلى نهاياتها. خلاصه بالانسحاب من الحرب.
اختلفت الحرب على الفكر، كوجه من وجوه الحرب العالميّة الثانيّة، التي بادرت الرِدّة العالميّة الرجعيّة إليها، عن الحرب عموماً باعتبارها «امتداداً للسياسة بوسائل أخرى». كان صاحب التعريف الشهير، كارل ﭬﻮن كلاوْساﭬِﺘْﺰ، أمير حرب (جنرالاً) ﭘﺮوسيّاً يمارس اختصاصه كمتعهّد حروب، عارضاً خدماته على غير دولة (ﭘﺮوسيا أوّلاً ثمّ روسيا)، لكن ليس كما يفعل العسكريّون المرتزقة. كان «نبيلاً» يتقن فنّ الحرب ، وانحاز فيها إلى «نبلاء»، ودائماً في مواجهة زميله في المهنة، الفرنسيّ الكورسيكيّ ناﭘﻮليون بوناﭘﺎرت. كان الأخير، في عين الجنرال النبيل، وضيعَ المنبت، تنطّح إلى النبالة ونصّب نفسه أمبراطوراً، آخذاً على عاتقه «تصدير» الثورة الفرنسيّة إلى أوروﭘﺎ، بعد أن انكفأ عن فتح مصر وسوريا لينغمس في الصراعات الداخليّة لفرنسا الثورة. كانت الحرب آنذاك أيضاً، في وجه رئيس من وجوهها، تدور كذلك بين ثورة ورِدّة رجعيّة على نطاق عالميّ نسبيّاً (قارّيّ)، وكان باستطاعة كلاوْساﭬِﺘْﺰ، من موقع اختصاصه كمحارب، أن يحتفظ لنفسه بنظرته المستقلّة إزاء «داخليّة» الدول التي يخدم. إلّا أنّ منطق الحرب كان يبيح التدخّل في «داخليّة» العدوّ، مع كون الحرب نفسها صداماً بين سياستين، بالمعنى الذي نقصده اليوم بـ«السياسة الخارجيّة». بهذا المعنى فُهمت عبارة كلاوساﭬﺘﺰ لاحقاً، مع أنّها كانت أقرب في الأصل إلى إعطاء كلمة «سياسة» المضمون المعطى اليوم لمفهوم «الدﭘﻠﻮماسيّة». لم يكن المحارب المفكّر، الذي ترك لنا كتاباً نظريّاً يحمل عنوان «في الحرب»، يقصد أبعد من أنّ السياسة (الخارجيّة) في الحرب تعتمد لغة العنف بديلاً من اللغة الدبلوماسيّة، داعياً إلى حصر أهداف الحرب بأهداف السياسة، «حتى بعد أن تكون الحرب قد بدأت»، كما يقول، لأنّ استقلال الحرب بأهدافها ينتهي بكارثة للحرب والسياسة.
صفحة 5
ما يهمّنا هنا، هو تاريخ ذلك التطوّر في الفكر السياسيّ الذي سمح للعسكريّ والكاتب الآخر، ﭘﻴﺎر لوتي، في موقف إنسانيّ يتقاطع مع مواقف العديد من كبار المثقّفين الأوروﭘﻴّﻴﻦ آنذاك، بعد انقضاء نحو قرن من الزمن على الحروب الناﭘﻮليونيّة، أن يصف الحرب العالميّة الأولى، آسفاً، بأنّها «حرب أهليّة أوروﭘﻴّﺔ». كان في ذلك الموقف ولا شكّ إحياءٌ لفكرة الوحدة الأوروﭘﻴّﺔ، وقد جرى التلويح بها آنذاك في شعار «الولايات المتّحدة الأوروﭘﻴّﺔ» مرفوعاً كحلم أو كطموح، يتجاوب صداه مع حسابات بعض المحاربين ودعاياتهم الحربيّة، أو يأتي كردّ فعل إنسانيّ على أهوال الحرب، في الوسط البرجوازيّ الصغير بخاصّة، متجاوباً مع طروحات إشتراكيّة غائمة. وهذا ما استدعى تعليقاً من لينين (في مقالة اتّخذت الشعار نفسه عنواناً لها) الذي كان يقود المقاومة، على الصعيد الأوروﭘﻲّ، ضدّ الخطّ الانتهازيّ للأجنحة اليمينيّة في الأحزاب «الاشتراكيّة الديمقراطيّة»، التي سايرت برجوازيّاتِها في الاستعداد لحربٍ وُقودُها أبناء العمّال والفلّاحين والشعب عامّة، يجري تجييشهم باسم «الوطنيّة»، من أجل «مغانم» تستأثر بها الطغمة الماليّة. اعتبر لينين أنّ ذلك الخطّ الانتهازيّ يضع السياسة الديمقراطيّة الثوريّة، الرافضة اعتبار الحرب قدَراً لا مردّ له، أمام خيارين لا ثالث لهما: مقاومة الدخول في حرب عالميّة، وفي حال الفشل العمل على تحويلها إلى حروب أهليّة تبقى أقلّ كلفة، يخوضها كلّ فصيل ثوريّ لمنع برجوازيّته من زجّ شعبه في المذبحة العالميّة، أو إرغامها على الانسحاب منها. كان اعتبار «الحرب العالميّة الأولى» حرباً «أهليّة» (كان يقال «الحرب»، ثمّ «حرب ألـ 14»، ولم تدرج تسميتها بـ«الأولى» إلّا بعد أن لاح في الأفق شبح «الثانية») يستبطن حنيناً إلى سلام مفترَض، في «وحدة» سابقة تعود بالذهن إلى ما قبل قيام الدول/الأمم (البرجوازيّة) المتحاربة. هكذا بدت تلك الحرب (العالميّة الأولى) امتداداً مؤسفاً لحروب أهليّة سابقة، كانت دينيّة الطابع غالباً، أمعنت في تمزيق «الوحدة» التي بدت قائمة على أساس من العلاقات الإقطاعيّة في القرون الوسطى، في ظلّ «الأمبراطوريّة المقدَّسة» (الجرمانيّة) التي خيّمت فوق القسم الأكبر من أوروﭘﺎ، بالتحالف مع الكنيسة، على أنقاض الإمبراطوريّة الرومانيّة. وقد ظلّ الهجس بـ«الوحدة» يعاود الظهور في منعطفات المخاض الاجتماعيّ الثوري الطويل الذي تبدّى كتقلّص متفاوت لنفوذ السلطة الدينيّة المركزيّة، وصولاً إلى الفصل بين الدين والدولة، بقيام الثورة الفرنسيّة الكبرى (1789)، كثورة ديمقراطيّة برجوازيّة خاضت الصراع السياسيّ على السُلطة باسم الإرادة الشعبيّة. وكانت الحروب الناﭘﻮليونيّة امتداداً للسياسة الثوريّة (الخارجيّة ) منتقلة من الدفاع عن الثورة إلى تصديرها، ومثيرة حنيناً إلى «الوحدة» في تناقض مع الميل الحديث إلى تشكّل الدول الأمم. كان من شأن إشعاع الثورة بتوجّهها العلماني الذي أرساه قرن من التنوير العقلانيّ، يظَهّر الخلافات الدينيّة السابقة في عهود الإقطاع على حقيقتها كنزاعات دنيويّة تَتّخذ شكل اختلافات كلاميّة (لاهوتيّة)، وتفضي إلى صدامات طائفيّة ومذهبيّة، ومجازر وحروب مقدّسة. كما تجدّد الحنين إلى «الوحدة» نفسها بمضمون رجعيّ، من جانب الرِدّة، بشكل تحالفات لدعم الحزب الملكيّ الفرنسيّ، ثمّ لمواجهة تصدير الثورة على يد ناﭘﻮليون، وبعد هزيمة هذا الأخير، بقيام «التحالف المقدّس» الأوروﭘﻲّ للقضاء في المهد على أيّ تحرّك ليبراليّ جمهوريّ تقدّميّ قد يبرز في هذا البلد أو ذاك. لكنّ ذلك لم يمنع الهجس بـ«الوحدة» من الظهور مجدّداً، بعد نحو نصف قرن، في مطلع «البيان الشيوعيّ»، كصورة شبحيّة تهجس بها أوروﭘﺎ في كلا جانبي الصراع الطبقيّ بمضمون حديث، إذ انتشرت الثورات في أوروﭘﺎ سنة 1848 كالنار في الهشيم[10]. لقد كان من الضروريّ أن يمرّ التاريخ بكلّ تلك الفصول كي يدرك كلاوساﭬﺘﺰ أن «الحرب امتداد للسياسة...»، ثمّ لتفقد العبارة معناها إن لم تزدوج «السياسة» إلى «خارجيّة» و«داخليّة»، في الدولة/الأمّة، كسياسة طبقيّة دفاعاً عن مصالح البرجوازيّة المسيطرة. وليس مصادفة أن ينهي ماركس وإنغلز «البيان الشيوعيّ»، باعتبار أنّ غاية اﻟﭙﺮوليتاريا من «الظَفَر بالديمقراطيّة» هي إحداث تغيير «يُفقد السلطةَ العامّة طابعَها السياسيّ». والمعنى واضح في لغة «البيان»: صفة «السياسيّ» هنا تعني الطبقيّ، الرأسماليّ. (إنّه المعنى الذي يعطيه ماركس للكلمة في عبارة «الاقتصاد السياسيّ»). وهنا يهزل مضمون عبارة كلاوساﭬﺘﺰ ويتسطّح إذا لم يتطوّر فهمها مُواكباً التطوّرَ التاريخيّ اللاحق، وازدواج «السياسة» التاريخيّ إلى «سياسة خارجيّة» و«سياسة داخليّة»، مع بقائها واحدة، تستمدّ وحدتها من واحديّة الطبقة المسيطرة في المجتمع الطبقيّ. تناقض؟ _ بالتأكيد! لكنّ التناقض الفكريّ، بالنسبة للمادّيّة الديالكتيكيّة، لا حلّ له في الفكر، لأنه، في الواقع المادّيّ (أي في ممارسة الطبقة المسيطرة سيطرتَها الطبقيّة)، سابق على الفكر. وبالنسبة إلى عبارة كلاوساﭬﺘﺰ، ينسحب التناقض في «السياسة» على امتدادها في «الحرب»، فإذا بكلّ حرب تزدوج كذلك إلى خارجيّة وداخليّة، عالميّة وأهليّة.
ليست عبارة «الحرب امتداد للسياسة...»، بالتالي، ببعيدة عن الإقرار بأنّ الحرب، عموماً، يمكن أن تكون، أيضاً، امتداداً لصراع سياسيّ داخليّ. كان كلاوساﭬﺘﺰ، من موقعه في حروب الرِدّة الأوروﭘﻴّﺔ، يُقِرّ بذلك عمليّاً، في الممارسة. إلّا أنّه على الصعيد النظريّ كان يُقِرّ فقط، متأخّراً، بحقيقة سبقه إليها الفكر الثوريّ على مراحل، في أوروﭘﺎ الغربيّة عموماً وفي فرنسا خصوصاً، بتحرير عِلم السياسة من اللاهوت. كان ذلك التحرير تمهيداً ضروريّاً لما سيتيحه تَشكّل الدولة/الأمّة من تقسيم العمل السياسيّ، سلماً وحرباً، إلى «شؤون داخليّة»، و«شؤون خارجيّة»، وصولاً إلى ازدواج مفهوم «السياسة»، في العِلم، أو في اللغة الدﭘﻠﻮماسيّة أقلّه، إلى مفهوميْ «السياسة الداخليّة» و«السياسة الخارجيّة»، وبالطبع، مع «امتداد» كلّ من السياستين في حرب تختصّ بها، وتتخصّص بوسائلها: الجيوش (نظريّاً) للعدوّ الخارجيّ، أجهزة القمع (بدعم من الجيش إذا لزم الأمر) للعدوّ الداخليّ. في ضوء هذا التمييز التجريديّ، في النظريّة، يتمكّن الفكر من أن يأخذ في الاعتبار، في الممارسة، أنّ الحرب ضدّ الخارج يمكن أن تكون أيضاً تنفيساً لاحتقان داخليّ، وبتعبير أدقّ، امتداداً لسياسة عنف داخليّة، خصوصاً عندما تشعر الطبقة المسيطرة أنّ زمام السلطة يُفلِت من يدها، فتعمد إلى العنف استباقاً للثورة. في مثل هذا الوضع الاجتماعيّ المأزوم تبادر الرِدّة الرجعيّة إلى قمع الثورة في الداخل باعتبارها وافدة من الخارج، والعمل في الوقت نفسه على محاربتها في الخارج، معتبِرةً إشعاعها نحو الداخل اعتداءً يكون مبرَّراً الردُّ عليه بالمِثل، أي بتصدير الرِدّة. في هذا الديالكتيك حيث يؤدي تماثل الأضداد إلى ظهور كلّ شيء في نقيضه، نستطيع من موقعنا اليوم، بـ«قليل من الفلسفة» كما يقول رئيف خوري، أي في ضوء المادّيّة الديالكتيكيّة والمادّيّة التاريخيّة، أن نرى الاختلاف الجوهريّ بين الحرب التي خبرها كلاوساﭬﺘﺰ والحرب التي واجهها «الفتى العربيّ»، باعتباره اختلافاً يتعلّق بحرّيّة الفكر وموضوعيّته. فما دمنا قد سلّمنا بأنّ السياسة هي هي الحرب، ولو باختلاف في الوسائل، لم يَعُد يكفي أن نعيد الاختلاف بين الرجلين (والزمنين)، في النظرة إلى الحرب، إلى أنّ الأوّل، الجنرال، كان عسكريّاً غير معنيّ بالسياسة مباشرةً، والثاني، الأديب، كان سياسيّاً غير معنيّ مباشرةً بالعمليّات العسكريّة. إنّ الاكتفاء بذلك يقودنا نحو الركون إلى «مادّيّة» شبه ميكانيكيّة (ديكارتيّة المنحى) تعتبر «الفكر» إفرازاً لذاتيّة «المفكّر» الفرد، تبعاً للوظيفة التي يشغلها، الأمر الذي لا يلغي تاريخيّة الفكر فحسْب، بل كذلك مادّيّته. فـ«المادّيّة» التي تقصُر «المادّة» على فيزيولوجيا (جسد) المُفكِّر، توقعه في مثاليّة ذاتيّة لا مناصّ منها إلّا بعون من الله، ووداعاً لحرّيّة الفكر وموضوعيّته في «اللاهوت» الوضعيّ، بل وداعاً للفكر في عزلة «المفكِّر» عن المجتمع والتاريخ. إنّ الاختلاف الجوهريّ في نظرة كلّ من الرجلين إلى الحرب والسياسة، هو اختلاف تاريخيّ، نتيجة تطوّر موضوعيّ خاضع لقوانين مادّيّة، الديالكتيك.
ليست عبارة «الحرب امتداد للسياسة...»، بالتالي، ببعيدة عن الإقرار بأنّ الحرب، عموماً، يمكن أن تكون، أيضاً، امتداداً لصراع سياسيّ داخليّ. كان كلاوساﭬﺘﺰ، من موقعه في حروب الرِدّة الأوروﭘﻴّﺔ، يُقِرّ بذلك عمليّاً، في الممارسة. إلّا أنّه على الصعيد النظريّ كان يُقِرّ فقط، متأخّراً، بحقيقة سبقه إليها الفكر الثوريّ على مراحل، في أوروﭘﺎ الغربيّة عموماً وفي فرنسا خصوصاً، بتحرير عِلم السياسة من اللاهوت. كان ذلك التحرير تمهيداً ضروريّاً لما سيتيحه تَشكّل الدولة/الأمّة من تقسيم العمل السياسيّ، سلماً وحرباً، إلى «شؤون داخليّة»، و«شؤون خارجيّة»، وصولاً إلى ازدواج مفهوم «السياسة»، في العِلم، أو في اللغة الدﭘﻠﻮماسيّة أقلّه، إلى مفهوميْ «السياسة الداخليّة» و«السياسة الخارجيّة»، وبالطبع، مع «امتداد» كلّ من السياستين في حرب تختصّ بها، وتتخصّص بوسائلها: الجيوش (نظريّاً) للعدوّ الخارجيّ، أجهزة القمع (بدعم من الجيش إذا لزم الأمر) للعدوّ الداخليّ. في ضوء هذا التمييز التجريديّ، في النظريّة، يتمكّن الفكر من أن يأخذ في الاعتبار، في الممارسة، أنّ الحرب ضدّ الخارج يمكن أن تكون أيضاً تنفيساً لاحتقان داخليّ، وبتعبير أدقّ، امتداداً لسياسة عنف داخليّة، خصوصاً عندما تشعر الطبقة المسيطرة أنّ زمام السلطة يُفلِت من يدها، فتعمد إلى العنف استباقاً للثورة. في مثل هذا الوضع الاجتماعيّ المأزوم تبادر الرِدّة الرجعيّة إلى قمع الثورة في الداخل باعتبارها وافدة من الخارج، والعمل في الوقت نفسه على محاربتها في الخارج، معتبِرةً إشعاعها نحو الداخل اعتداءً يكون مبرَّراً الردُّ عليه بالمِثل، أي بتصدير الرِدّة. في هذا الديالكتيك حيث يؤدي تماثل الأضداد إلى ظهور كلّ شيء في نقيضه، نستطيع من موقعنا اليوم، بـ«قليل من الفلسفة» كما يقول رئيف خوري، أي في ضوء المادّيّة الديالكتيكيّة والمادّيّة التاريخيّة، أن نرى الاختلاف الجوهريّ بين الحرب التي خبرها كلاوساﭬﺘﺰ والحرب التي واجهها «الفتى العربيّ»، باعتباره اختلافاً يتعلّق بحرّيّة الفكر وموضوعيّته. فما دمنا قد سلّمنا بأنّ السياسة هي هي الحرب، ولو باختلاف في الوسائل، لم يَعُد يكفي أن نعيد الاختلاف بين الرجلين (والزمنين)، في النظرة إلى الحرب، إلى أنّ الأوّل، الجنرال، كان عسكريّاً غير معنيّ بالسياسة مباشرةً، والثاني، الأديب، كان سياسيّاً غير معنيّ مباشرةً بالعمليّات العسكريّة. إنّ الاكتفاء بذلك يقودنا نحو الركون إلى «مادّيّة» شبه ميكانيكيّة (ديكارتيّة المنحى) تعتبر «الفكر» إفرازاً لذاتيّة «المفكّر» الفرد، تبعاً للوظيفة التي يشغلها، الأمر الذي لا يلغي تاريخيّة الفكر فحسْب، بل كذلك مادّيّته. فـ«المادّيّة» التي تقصُر «المادّة» على فيزيولوجيا (جسد) المُفكِّر، توقعه في مثاليّة ذاتيّة لا مناصّ منها إلّا بعون من الله، ووداعاً لحرّيّة الفكر وموضوعيّته في «اللاهوت» الوضعيّ، بل وداعاً للفكر في عزلة «المفكِّر» عن المجتمع والتاريخ. إنّ الاختلاف الجوهريّ في نظرة كلّ من الرجلين إلى الحرب والسياسة، هو اختلاف تاريخيّ، نتيجة تطوّر موضوعيّ خاضع لقوانين مادّيّة، الديالكتيك.
صفحة 6
يصوغ لينين في «الدفاتر الفلسفيّة» (تلخيصات واستشهادات وملاحظات كمذاكرة لقراءاته الفلسفيّة لاستعماله الخاصّ) تعريفاً للمادّيّة التاريخيّة استخلصه كحصيلة من دراسة «الديالكتيك»، لدى هيغل بخاصّة، باعتباره «نظريّة المعرفة». فيقول إنّ الديالكتيك هو «ازدواج الواحد ومعرفة قسميه»[11]. عندما نقرأ عبارةَ كلاوساﭬﺘﺰ وتطوّرَ فهمِها في ضوء هذا التعريف للديالكتيك، نكون أمام حركة تاريخيّة مستقلّة عن الذات العارفة، سابقة على فعل المعرفة. أي إنّ الطبيعة الطبقيّة لـ«السياسة»، في مثَلنا، («الواحد»، المعطى الأوّل)، تكون غير قابلة للمعرفة قبل «ازدواج»ها في الصراع الطبقيّ، أي في الممارسة «السياسيّة»، حيث تجد الذات العارفة نفسها متورّطة في الصراع أصلاً، لا كذات فرديّة منعزلة تتأمّل المجتمع من خارجه، بل كـطبقة («مجموعة اجتماعيّة» في لغة غرامشي) تشكّل «قسماً» من «المادّة» الاجتماعيّة، التي تضمّ «المثقّف» في تكوينها «العضويّ» («الوطنيّين المستنيرين» في تعبير رئيف خوري). و«المعرفة» التي نحن بصددها هنا تتخطّى الإيديولوجيا الطبقيّة التي لا تلحظ إلّا الاختلاف، إلى تطوّر في العِلم الاجتماعي يمكن التوصّل إليه والاعتراف به في كلا جانبيْ الصراع، على مستوى «تماثل الضدّين»[12] في «وحدة»هما، أي، عمليّاً، في أوج اشتباكهما التناحريّ حيث يتلاغيان ويتحوّل الضدّ إلى ضدّه. وهكذا، في مواجهة الثورة (الفرنسيّة)، واستناداً إلى ممارسة «السياسة» بـ«الحرب»، يتوصّل كلاوساﭬﺘﺰ من موقع الرِدّة، إلى تجاوز إيديولوجيا معسكره (طبقته الاجتماعيّة الرجعيّة، نتيجة تفاوت التطوّر الاقتصاديّ الاجتماعيّ في القارّة الأوروﭘﻴّﺔ عموماً، وفي جانبها الشرقيّ المتخلّف خصوصاً)، ليحرّر «الحرب» من وصاية اللاهوت ويُخضعَها لـ«السياسة»، مُعَقلِناً النظرة إلى «الحرب»، ومعها (ضِمْناً) إلى «السياسة». والواقع أنّ هذا الميل إلى «التماثل» في مستوى العقلانيّة، بين الثورة والرِدّة، ما كان ليتمّ في اتّجاه واحد. ذلك أنّ معسكر الثورة، وقد آلت قيادته إلى الأمبراطور بوناﭘﺮت الأوّل، مال إلى «الحرب» إيّاها (لا فرق، في نظر «التاريخ»، أن يكون هذا الميل اضطراراً أو تطوّعاً؛ فالحرب هي هي «ما علمتم وذقتم»، رغم كلّ ما يضفيه «الأدب» على دوافعها الأولى من أريحيّات رومنطيقيّة) امتداداً لـ«سياسة» يمكن أن نعتبرها، اليوم، تصديراً للثورة، كأمر مرفوض مبدئيّاً، لأنّنا، اليوم، نستطيع أن نرى أنّ «العقل» الذي جعلته الثورة الفرنسيّة معبوداً جديداً (وبوشر عمليّاً بممارسة طقوس عبادته) قد تكشّف تاريخيّاً عن عقل ناقص، إذا صحّ التعبير ( وهو صحيح وعلميّ، وقابل للفهم شعبيّاً وإن أشكل على بعض الخاصّة). فالعقلانيّة التي آلت إلى الثورة من «عصر الأنوار» وفلسفته، اكتسبت مشروعيّتها الثوريّة (ومصداقيّتها كإيديولوجيا مُحَفِّزة) من الوعد النهائيّ بالسلام على الأرض (المجد لـ«العقل» في العلى). وبالفعل تكشّف التصدير البوناﭘﺮتيّ للثورة بـ«الحرب»، كامتداد للسياسة الثوريّة، عن كوارث فاجعة على جانبيْ الجبهة. وقد لاحظ رئيف خوري ذلك مشدّداً على «صعوبة التوفيق بين الأمانة لروح الثورة واتّباع سياسة توسّعيّة باتت تريدها الهيئة التي يمثّل ناﭘﻮليون مصالحها بعد أن ضمنت لنفسها سيطرة في الداخل»[13] كان قد تمّ في الصراعات السياسيّة «الثوريّة» (الحرب الداخليّة) تصفية النزوع الشيوعيّ الذي أثارته الثورة الفرنسيّة ( كما في كلّ ثورة حقيقيّة) متمثلاً في الأجنحة اليعقوبيّة الراديكالية والبابوفيّة... (تتجاهل الأدبيّات البرجوازيّة عامّةً فضل حركة التنوير في إغناء اللغة الفرنسيّة، عل يد صاحب «في عدم المساواة بين البشر» و«العقد الاجتماعيّ»، جان جاك روسّو، قبل سقوط الباستيل بأقل من ثلاثة عقود، بالمعنى الطبقيّ الحديث الذي نعرفه اليوم لكلمة «ﭘﺮوليتاريا»[14]). أمّا في الجبهة الخارجيّة، فكان لتصدير الثورة بالحرب أثر مُخيِّب في أوساط الأنتلّجنسيا، وبخاصّة في ألمانيا، على انتشار العقلانيّة وتجذّرها بتأثير من إشعاع الثورة الفرنسيّة، ابتداءً من كنط الذي كتب «مشروع السلام العالميّ» بدافع من تحمّسه للثورة نفسها. ولنا أن نلحظ مع محمود درويش «ما أكبر الفكرة! ما أصغر الدولة!»، إذ ينخفض مستوى «تماثل الضدّين» في «الحرب»، مع كلاوساﭬﺘﺰ وبوناﭘﺮت (على سبيل التمثيل)، من «تماثل»، في ذروة الاشتباك الوطنيّ، بين الثورة والرِدّة، إلى «تماثل»، في ذروة الإشتباك القارّيّ، بين تصدير «الثورة» بواسطة الدولة الأمبراطوريّة، وتوريد الرِدّة بواسطة الدول القيصريّة، مع ما في ذلك المستوى المنخفض لـ«التماثل» من عقلانيّة ناقصة لا تتخطّى عبارة كلاوساﭬﺘﺰ المعبّرة، تاريخيّاً، عن أقصى طموح الحكمة البرجوازيّة: إخضاع الحرب للسياسة، دون التفكير بالتخلّص منها باعتبارها من بقايا ما قبل التاريخ. وإذا كان كلاوساﭬﺘﺰ قد توصّل إلى قمّة الحكمة هذه كاكتشاف علميّ في الممارسة، فإنّ رئيف خوري يستند في تعريف «الحرب» إلى عقلانيّة جديدة، منحازة في الحرب العالميّة الدائرة في وقته، ومغتنية بخبرة البشريّة على مدى نحو قرن ونصف قرن من الزمن، دون أن تتخلّى عن الطموح الكنطيّ المجهَض إلى «السلام العالميّ».
بالعودة إلى المجتمع والتاريخ، أي إلى التطوّر الذي طرأ على المجتمع، بالنسبة إلى موضوع «الحرب والسلام» كشأن «سياسيّ»، يسعفنا رئيف خوري نفسه بـ«قليل من (تاريخ) الفلسفة». ففي معرض تمييزه بين «المادّيّة الآليّة والمادّيّة الديالكتيكيّة» يسوق مثلاً ملموساً يتعلّق مباشرةً بما كان يشغل تفكير الناس بعامّة، زمن الحرب، أي بالحرب نفسها، فيقول: «... إذا كنّا نجهل تفاعل العوامل التي تسوق إلى الحرب فلا نستطيع أن نعتبرها إلّا ضربة غيبيّة ونعزّي أنفسنا بخلق المبرّرات لها ونقبلها على أنّها أمر مقدّر نحن عبيد له. ولكن حين نفهم تفاعل العوامل التي تسوق إليها نجابه مشكلتها ولا نُعدَم جهازاً اجتماعيّاً يداويها بالنتيجة. وهكذا نخرج من عبوديّتنا لها إلى الحرّيّة والسيادة».[15]
نلاحظ بدايةً أنّ رئيف خوري يخوض في منطق جِداليّ، أو في جدال منطقيّ، مع قارئ افتراضيّ يتّفق وإيّاه على أنّ الحرب شرّ، إذ لا جدوى من مجادلة فاشيّ لا يرى خيراً في التي هي أحسن. وانطلاقاً من هذا التوافق يذهب المنطقيّ إلى تحريض حوافز العمل ضدّ الحرب: «نحن عبيد» لها إن كنّا «نقبلها على أنّها أمر مقدّر». غير أنّ في الإمكان أن «نجابه مشكلتها» و«نخرج من عبوديّتنا لها»، بدل أن «نعزّي أنفسنا بخلق المبرّرات لها» في أوهامنا. فهل نرضى أن «تسوقَـ(نا) إليها»، كما تُساق القطعان، «عواملُ» ينسبها جهلُنا ألى «غيبٍ» ما، فنتلقّى صَرْفَه كـ«ضربة» غاشمة؟ يبدو القارئ الذي اختار رئيف خوري التوجّه إليه مستعدّاً سلفاً لرفض ذلك. فهو، إضافةً إلى كونه يأبى الرَسْف في «العبوديّة»، ويتوق إلى «الحرّيّة والسيادة»، على درجة من الاستنارة بالعقل لتقبّل القول بأنّ التعلّق بأهداب «الغيبيّة»، في تفسير ظاهرة طبيعيّة ما، ما هو «إلّا» من نتائج عدم «فهم تفاعل العوامل» التي تُسبّب تلك الظاهرة. هنا ينتقل رئيف خوري من التحريض (التحضير) النفسيّ إلى مخاطبة العقل وإعطائه ما له من حقّ، عاملاً على ترسيخ قارئه في الاستعداد للتفكير العقلانيّ، وسندُه في ذلك، من تاريخ الفلسفة، الفيلسوفان بايكون وﺳﭙﻴﻨﻮزا، اللذان يَنسب إلى كليهما عبارة «يستحيل علينا أن نأمر الطبيعة إلّا بإطاعتها». ويضيف شارحاً: «أي بالاطلاع على قوانينها قبل كلّ شيء»[16]. وقياساً على التحوّل العقلانيّ الحاسم، من «إطاعة» الغيب إلى «إطاعة» العِلم، يدعو رئيف خوري قارئَه إلى العمل على التخلّص من «العوامل» التي تسبّب الحرب. وهذا يتطلّب التروّي، لأنّ التخلّص من أسباب الحرب، بينما نحن نخوضها مفروضةً علينا فرْضاً، يقتضي أخذ فرصة للتفكّر على مسافة من حرب شُنّت علينا ومن جملة أهدافها شَلُّ قدرتنا على التفكّر. يُنبِّه رئيف خوري قارئه ضمناً إلى ضرورة التروّي باعتبار أنّ «الاطّلاع على قوانين» الحرب يعني التعرّف على «قوانين» تطور المجتمع، لأنّ الحرب «ظاهرة اجتماعيّة». لا سبيل بالتالي إلى التخلّص من الحرب نهائيّاً إلّا بتغيير ثوريّ في البنية الاجتماعيّة يزيل مسبّبات الحرب. أمّا اعتبار الحرب مجرد ظاهرة سياسيّة، كما في عبارة كلاوساﭬﺘﺰ، فيعبّر عن توافق برجوازيّ رجعيّ على بقاء الحرب سلاحاً بيد الطبقات الاجتماعيّة المسيطرة، موجَّهاً ضدّ المجتمع. بهذا التنبيه يوحي رئيف خوري ضمناً، في السياق نفسه، بوجود إشكاليّة في اعتبار المجتمع البشريّ امتداداً للطبيعة. ذلك أنّ حركة المجتمع تتمّ بالعلاقة مع عامل جديد، طارئ على أشكال الحركة في الطبيعة، هو عامل الوعي الذي يحرّك الجماعات البشريّة، ويتحوّل من خلالها إلى قوّة مادّيّة قد تكون بنّاءة أو مدمِّرة، قوّة تُحرّر ناسها من مادّيّتها اللاواعية أو تستعبدهم بها لعدم وعيهم قوانينها. عامل الوعي الاجتماعيّ هذا، في الممارسة، هو ما اقتضى، «قبل كلّ شيء»، طَرْحَ تلك الإشكاليّة، ومن ثُمّ العملَ على حلّها. ولعلّ هذا التمرحل (الزمنيّ) والتدرّج (العمليّ)، من الطرح إلى الحلّ، لا ينفي، بل يؤيّد ويفسّر القول المقبول عموماً بأنّ حلّ إشكاليّة ما إنّما يبدأ بمجرّد طرحها طرحاً صحيحاً (نسبيّاً بالطبع).
بالعودة إلى المجتمع والتاريخ، أي إلى التطوّر الذي طرأ على المجتمع، بالنسبة إلى موضوع «الحرب والسلام» كشأن «سياسيّ»، يسعفنا رئيف خوري نفسه بـ«قليل من (تاريخ) الفلسفة». ففي معرض تمييزه بين «المادّيّة الآليّة والمادّيّة الديالكتيكيّة» يسوق مثلاً ملموساً يتعلّق مباشرةً بما كان يشغل تفكير الناس بعامّة، زمن الحرب، أي بالحرب نفسها، فيقول: «... إذا كنّا نجهل تفاعل العوامل التي تسوق إلى الحرب فلا نستطيع أن نعتبرها إلّا ضربة غيبيّة ونعزّي أنفسنا بخلق المبرّرات لها ونقبلها على أنّها أمر مقدّر نحن عبيد له. ولكن حين نفهم تفاعل العوامل التي تسوق إليها نجابه مشكلتها ولا نُعدَم جهازاً اجتماعيّاً يداويها بالنتيجة. وهكذا نخرج من عبوديّتنا لها إلى الحرّيّة والسيادة».[15]
نلاحظ بدايةً أنّ رئيف خوري يخوض في منطق جِداليّ، أو في جدال منطقيّ، مع قارئ افتراضيّ يتّفق وإيّاه على أنّ الحرب شرّ، إذ لا جدوى من مجادلة فاشيّ لا يرى خيراً في التي هي أحسن. وانطلاقاً من هذا التوافق يذهب المنطقيّ إلى تحريض حوافز العمل ضدّ الحرب: «نحن عبيد» لها إن كنّا «نقبلها على أنّها أمر مقدّر». غير أنّ في الإمكان أن «نجابه مشكلتها» و«نخرج من عبوديّتنا لها»، بدل أن «نعزّي أنفسنا بخلق المبرّرات لها» في أوهامنا. فهل نرضى أن «تسوقَـ(نا) إليها»، كما تُساق القطعان، «عواملُ» ينسبها جهلُنا ألى «غيبٍ» ما، فنتلقّى صَرْفَه كـ«ضربة» غاشمة؟ يبدو القارئ الذي اختار رئيف خوري التوجّه إليه مستعدّاً سلفاً لرفض ذلك. فهو، إضافةً إلى كونه يأبى الرَسْف في «العبوديّة»، ويتوق إلى «الحرّيّة والسيادة»، على درجة من الاستنارة بالعقل لتقبّل القول بأنّ التعلّق بأهداب «الغيبيّة»، في تفسير ظاهرة طبيعيّة ما، ما هو «إلّا» من نتائج عدم «فهم تفاعل العوامل» التي تُسبّب تلك الظاهرة. هنا ينتقل رئيف خوري من التحريض (التحضير) النفسيّ إلى مخاطبة العقل وإعطائه ما له من حقّ، عاملاً على ترسيخ قارئه في الاستعداد للتفكير العقلانيّ، وسندُه في ذلك، من تاريخ الفلسفة، الفيلسوفان بايكون وﺳﭙﻴﻨﻮزا، اللذان يَنسب إلى كليهما عبارة «يستحيل علينا أن نأمر الطبيعة إلّا بإطاعتها». ويضيف شارحاً: «أي بالاطلاع على قوانينها قبل كلّ شيء»[16]. وقياساً على التحوّل العقلانيّ الحاسم، من «إطاعة» الغيب إلى «إطاعة» العِلم، يدعو رئيف خوري قارئَه إلى العمل على التخلّص من «العوامل» التي تسبّب الحرب. وهذا يتطلّب التروّي، لأنّ التخلّص من أسباب الحرب، بينما نحن نخوضها مفروضةً علينا فرْضاً، يقتضي أخذ فرصة للتفكّر على مسافة من حرب شُنّت علينا ومن جملة أهدافها شَلُّ قدرتنا على التفكّر. يُنبِّه رئيف خوري قارئه ضمناً إلى ضرورة التروّي باعتبار أنّ «الاطّلاع على قوانين» الحرب يعني التعرّف على «قوانين» تطور المجتمع، لأنّ الحرب «ظاهرة اجتماعيّة». لا سبيل بالتالي إلى التخلّص من الحرب نهائيّاً إلّا بتغيير ثوريّ في البنية الاجتماعيّة يزيل مسبّبات الحرب. أمّا اعتبار الحرب مجرد ظاهرة سياسيّة، كما في عبارة كلاوساﭬﺘﺰ، فيعبّر عن توافق برجوازيّ رجعيّ على بقاء الحرب سلاحاً بيد الطبقات الاجتماعيّة المسيطرة، موجَّهاً ضدّ المجتمع. بهذا التنبيه يوحي رئيف خوري ضمناً، في السياق نفسه، بوجود إشكاليّة في اعتبار المجتمع البشريّ امتداداً للطبيعة. ذلك أنّ حركة المجتمع تتمّ بالعلاقة مع عامل جديد، طارئ على أشكال الحركة في الطبيعة، هو عامل الوعي الذي يحرّك الجماعات البشريّة، ويتحوّل من خلالها إلى قوّة مادّيّة قد تكون بنّاءة أو مدمِّرة، قوّة تُحرّر ناسها من مادّيّتها اللاواعية أو تستعبدهم بها لعدم وعيهم قوانينها. عامل الوعي الاجتماعيّ هذا، في الممارسة، هو ما اقتضى، «قبل كلّ شيء»، طَرْحَ تلك الإشكاليّة، ومن ثُمّ العملَ على حلّها. ولعلّ هذا التمرحل (الزمنيّ) والتدرّج (العمليّ)، من الطرح إلى الحلّ، لا ينفي، بل يؤيّد ويفسّر القول المقبول عموماً بأنّ حلّ إشكاليّة ما إنّما يبدأ بمجرّد طرحها طرحاً صحيحاً (نسبيّاً بالطبع).
صفحة 7
ما يطلبه رئيف خوري «قبل كلّ شيء»، في مواجهة الحرب باعتبارها «ظاهرة اجتماعيّة»، هو»... فهم تفاعل العوامل التي تسوق إليها»، الأمر الذي يتطلّب «الإطّلاع على قوانينها». قال «الاطلاع على...»، ولم يقل «اكتشاف...»، أو «تطبيق...». فهو يعتبر «القوانين» تلك مكتشَفة ومعروفة وتفعل فعلها حتى لو كان القابضون على السلطة في المجتمع يجهلونها أو يتجاهلونها. لكنّها في المجتمع تفعل فعلها على المجتمع بواسطة الناس الذين يشكّلون المجتمع نفسه، سواء أكانوا يعون ذلك أو لا يعون. وطبعا، يُفضَّل أن يكونوا على عِلم بوجهة المركب الذي يسافرون عليه وبالقوّة التي تدفع المركب، كما يقترح الشاعر ﭘﺎبلو نيرودا بتعبير آخر. أو كما جاء في قول من عيون ما قالته العرب قديماً وأورده الجاحظ في باب من أبواب «البيان والتبيين»: «قَتلتْ أرضٌ جاهلَها وقَتلَ أرضاً عالِمُها». ويؤكّد رئيف خوري المعنى نفسه في قوله إنّنا «نستطيع حين نحيط بفهم قوانين سير العالم أن نفهم كيف ينبغي لنا السير فيه ونتقوّى على مجابهة مشاكله وحلّها». وهو إذ يتوّج تقديمه للمادّيّة الديالكتيكيّة بالفقرة المتعلّقة بالموقف من الحرب، لا يتكلّم كالواعظ، بل كالمربّي الذي يشرك طلّابه بزاده من العِلم، فيتوصّلون معه إلى استخلاص الحلّ الذي باتوا يدركون أنّه ليس حلّاً فرديّاً لينجو كلٌّ بنفسه. فالحرب «مشكلة» اجتماعية الجذور والأسباب، ومعالجتها اجتماعيّة الوسائل، و«لا نُعدَم (نحن، المعلِّمَ وطلّابَه معاً) جهازاً اجتماعيّاً يداويها». منطق المربّي هذا لا يأنف مجازات اللغة، فالطبيب المداوي كناية عن «جهاز»، وليس فرداً نطاسيّاً يعالج مريضه سريريّاً. الطبيب هو نحن، والمريض هو نحن، وما علينا إلّا أن ننتظم في «جهاز اجتماعيّ» يدرك «تفاعل العوامل التي تسوقـ(ـنا) إلى (الحرب)»، فيأخذ المجتمعُ المريضُ أمورَه بيديه، ونبرأ.
يختم رئيف خوري عرضه الموجز للمادّيّة الديالكتيكيّة بقوله «أنّ من ميزات هذه الطريقة التي عرضناها لفهم العالم أنّها لا تجعل من الفلسفة شارحاً نظريّاً بل مرشداً، عمليّاً ـ سلاحاً إن لم يقم مقام سلاح الفولاذ فإنّه يعطيه عيناً مبصرة»[17]. منطق رئيف هذا لا يأنف مجازات اللغة. فالـ«سلاح» كناية عن الفلسفة، «طريقة... فهم العالم» باعتبارها «مرشداً، عمليّاً»، (يسمّيها غرامشي «فلسفة اﻟﭙﺮاكسيس»، معرَّبة بـ«الفلسفة الإجرائيّة» في كتاب «فكر غرامشي» السابق ذكره). أمّا «سلاح الفولاذ» فكناية عن «امتداد للسياسة» في عِرف كلاوساﭬﺘﺰ، أي «الحرب» التي تبقى عشواء رغم أنّه يريد إخضاعها لـ«السياسة»، لأنّ السياسة، في عقلانيّته الناقصة، برجوازيّة، عمياء. أمّا «السياسة» التي تعطيها الفلسفة «عيناً مُبْصِرة»، فواجدة في الحزب الشيوعيّ «هيئة بصيرة» باعتبارها «جهازاً اجتماعيّاً» لا يوفّر جهداً لتلافي الحرب، بل ويضع نصب عينيه إحداث تغيير اجتماعيّ من شأنه تعطيل «تفاعل العوامل» الذي يؤدّي إلى الحرب. وقد نوّه رئيف خوري، في كلمته أمام مؤتمر الحزب الشيوعيّ، بـ«الخطة الرشيدة» التي اعتمدها الحزب فجعل مثقّفينا في «عصبة مكافحة النازيّة والفاشستيّة» يتخذون مبكّراً الموقف الصائب الذي ربط تحقيق الاستقلال الوطنيّ بهزيمة الفاشيّة. بهذا المعنى رأى رئيف في الحزب «مدرسة لتخريج الوطنيّين المستنيرين»، مثلما رأى فيه «جهازاً اجتماعيّاً» كفيلاً بأن «نخرج من عبوديّتنا إلى الحرّيّة والسيادة»، ودائماً بهديٍ من المادّيّة الديالكتيكيّة.
***
لم تكن لغة الكناية هذه وقفاً على مثقّفينا في «العصبة». وما كان رئيف خوري ليلجأ إليها إلّا طلباً لإبلاغ أفكاره سائغة للأفهام بشيء من البلاغة ، فهو المربّي وهذا ديدنه، وهو يدرك أنّ المجازَ، لـ«المستنيرين»، إضاءةٌ وليس تعتيماً. لعبة الأضواء والظلال هذه نجدها كذلك في «دفاتر السجن» لغرامشي، بما يلجأ إليه من كنايات يدرك «المستنير» فَحْواها، ويعمى عنها الظلاميّ. كان يكتب لقرّاء خارج السجن، هم رفاقه في الحزب، ليوصل إليهم شعلةَ فكرٍ هي قسطه من تفكيرهم جميعاً كماركسيّين لينينيّين في شؤون التغيير الثوريّ بعامّة، وفي إيطاليا الفاشستيّة بخاصّة. كان قد أودع السجن لإخماد تلك الشعلة. وكان حريصاً بالتالي، في رأي العديد من الباحثين، على ألّا يفقه السجّان حقيقتها في حال وقعت الدفاتر في يديه[18]. فكانت عبارة «المفهوم الإنسانيّ التاريخيّ»، مثلاً، بديلاً من «المادّيّة التاريخيّة». ولعلّ ذلك ينطبق أيضاً على عبارة «فلسفة اﻟﭘﺮاكسيس» بديلاً من «الماركسيّة»، و«الحركة العمليّة لفلسفة الخطوات الجريئة» بديلاً من «الحزب اللينينيّ»[19]...
بهَدْيٍ من المنطق المادّيّ الديالكتيكيّ إذن يعالج رئيف خوري «مشكلة» الحرب باعتبارها «ظاهرة اجتماعيّة»، وليس مجرّد ظاهرة سياسيّة كما يعرّفها كلاوساﭬﺘﺰ.
إنّه الفكر، لا يتكبّل بتكبيل الجسد. حتّى بالنسبة إلى الأفراد. إذ تتكرّر الحكاية عبر التاريخ عن فيلسوف أو عالِم في مقاومة طاغية ظلاميّ، وبخاصّةً عندما يتعلّق الأمر بالشهادة لحقيقة تتعلّق بمصير شعب ومجتمع. بهذه الروحيّة الاجتماعيّة، روحيّته، كان على الفكر الثوري، الشيوعي، في مفهوم خوري وغرامشي، (حتّى لو كان الأوّل غير منضوٍ في التنظيم الحزبيّ، وكان الثاني في عزلة قسريّة منقطعاً عن تنظيمه)، الحؤول دون أن تعصف رياح الحرب بشعلة الفكر، والمقصود بذلك شعلة الفكر عموماً، بكلّ تناقضاته وصراعاته، وليس الفكر الماركسيّ وحده، إذ لا وجود للماركسيّة بالانقطاع عن الصراع الفكريّ الذي يطوّرها في الممارسة السياسيّة، المنحازة، الحزبيّة، في ضوء نهجها المادّيّ التاريخيّ. هي ذي المعضلة الفكريّة التي طرح التاريخ على الشيوعيّين مهمّةَ حلّها عمليّاً، كشرط لتمكينهم من مواصلة التفكير. كان وضعهم بمواجهة الفاشيّة هاملتيّاً بامتياز: «نكون أو لا نكون...». وربّما كانت الأمانة للنصّ الشكسبيريّ تقتضي أن يقال باللسان العربيّ: «أكون أو لا أكون...»! خصوصاً إذا شئنا ألّا نمضي في التعاطف مع أمير الدانمرك إلى حدّ التماهي وإيّاه، في وِحشة معضلته، حتّى الموت. معضلة الماركسيّين، على الصعيد الإيديولوجيّ، أنّهم لا يستطيعون الانقطاع عن جذور فكرهم في التراث الفكريّ الإنسانيّ عموماً والبرجوازيّ خصوصاً. ذلك أنّهم يحتاجون إلى تلك الجذور لإثبات الضرورة المادّيّة التاريخيّة لحضور فكرهم في تاريخ الفكر، كلحظة انتقاليّة نحو تحرّر الفكر عموماً، بما فيه فكرهم، من المكيِّفات المادّيّة الطبقيّة التي حكمت وتحكم تطوّره (مع مكيِّفات مادّيّة أخرى) عبر التاريخ. بهذا المضمون النقديّ تمحورت أعمال رئيف خوري حول العنوان البيان: «التراث القوميّ العربيّ نحن حُماته ومكمّلوه»، داعياً إلى الوقوف «بين يدي المعلّم الكبير، التاريخ»، لاكتشاف «شعلة كفاح الجهل والظلم»[20]. كذلك يقول غرامشي مناقشاً كروتشي ومدافعاً عن المادّيّة التاريخيّة: «لا يمكن فصل الفلسفة عن تاريخ الفلسفة، ولا فصل الثقافة عن تاريخ الثقافة. وبمعنى آخر أكثر مباشرة وانسجاماً مع الموضوع، فإنّه لا يمكن للإنسان أن يكون فيلسوفاً، أي أن يكون له مفهوم منسجم نقديّاً للعالم، دون وعي لتاريخيّته...»[21].
يختم رئيف خوري عرضه الموجز للمادّيّة الديالكتيكيّة بقوله «أنّ من ميزات هذه الطريقة التي عرضناها لفهم العالم أنّها لا تجعل من الفلسفة شارحاً نظريّاً بل مرشداً، عمليّاً ـ سلاحاً إن لم يقم مقام سلاح الفولاذ فإنّه يعطيه عيناً مبصرة»[17]. منطق رئيف هذا لا يأنف مجازات اللغة. فالـ«سلاح» كناية عن الفلسفة، «طريقة... فهم العالم» باعتبارها «مرشداً، عمليّاً»، (يسمّيها غرامشي «فلسفة اﻟﭙﺮاكسيس»، معرَّبة بـ«الفلسفة الإجرائيّة» في كتاب «فكر غرامشي» السابق ذكره). أمّا «سلاح الفولاذ» فكناية عن «امتداد للسياسة» في عِرف كلاوساﭬﺘﺰ، أي «الحرب» التي تبقى عشواء رغم أنّه يريد إخضاعها لـ«السياسة»، لأنّ السياسة، في عقلانيّته الناقصة، برجوازيّة، عمياء. أمّا «السياسة» التي تعطيها الفلسفة «عيناً مُبْصِرة»، فواجدة في الحزب الشيوعيّ «هيئة بصيرة» باعتبارها «جهازاً اجتماعيّاً» لا يوفّر جهداً لتلافي الحرب، بل ويضع نصب عينيه إحداث تغيير اجتماعيّ من شأنه تعطيل «تفاعل العوامل» الذي يؤدّي إلى الحرب. وقد نوّه رئيف خوري، في كلمته أمام مؤتمر الحزب الشيوعيّ، بـ«الخطة الرشيدة» التي اعتمدها الحزب فجعل مثقّفينا في «عصبة مكافحة النازيّة والفاشستيّة» يتخذون مبكّراً الموقف الصائب الذي ربط تحقيق الاستقلال الوطنيّ بهزيمة الفاشيّة. بهذا المعنى رأى رئيف في الحزب «مدرسة لتخريج الوطنيّين المستنيرين»، مثلما رأى فيه «جهازاً اجتماعيّاً» كفيلاً بأن «نخرج من عبوديّتنا إلى الحرّيّة والسيادة»، ودائماً بهديٍ من المادّيّة الديالكتيكيّة.
***
لم تكن لغة الكناية هذه وقفاً على مثقّفينا في «العصبة». وما كان رئيف خوري ليلجأ إليها إلّا طلباً لإبلاغ أفكاره سائغة للأفهام بشيء من البلاغة ، فهو المربّي وهذا ديدنه، وهو يدرك أنّ المجازَ، لـ«المستنيرين»، إضاءةٌ وليس تعتيماً. لعبة الأضواء والظلال هذه نجدها كذلك في «دفاتر السجن» لغرامشي، بما يلجأ إليه من كنايات يدرك «المستنير» فَحْواها، ويعمى عنها الظلاميّ. كان يكتب لقرّاء خارج السجن، هم رفاقه في الحزب، ليوصل إليهم شعلةَ فكرٍ هي قسطه من تفكيرهم جميعاً كماركسيّين لينينيّين في شؤون التغيير الثوريّ بعامّة، وفي إيطاليا الفاشستيّة بخاصّة. كان قد أودع السجن لإخماد تلك الشعلة. وكان حريصاً بالتالي، في رأي العديد من الباحثين، على ألّا يفقه السجّان حقيقتها في حال وقعت الدفاتر في يديه[18]. فكانت عبارة «المفهوم الإنسانيّ التاريخيّ»، مثلاً، بديلاً من «المادّيّة التاريخيّة». ولعلّ ذلك ينطبق أيضاً على عبارة «فلسفة اﻟﭘﺮاكسيس» بديلاً من «الماركسيّة»، و«الحركة العمليّة لفلسفة الخطوات الجريئة» بديلاً من «الحزب اللينينيّ»[19]...
بهَدْيٍ من المنطق المادّيّ الديالكتيكيّ إذن يعالج رئيف خوري «مشكلة» الحرب باعتبارها «ظاهرة اجتماعيّة»، وليس مجرّد ظاهرة سياسيّة كما يعرّفها كلاوساﭬﺘﺰ.
إنّه الفكر، لا يتكبّل بتكبيل الجسد. حتّى بالنسبة إلى الأفراد. إذ تتكرّر الحكاية عبر التاريخ عن فيلسوف أو عالِم في مقاومة طاغية ظلاميّ، وبخاصّةً عندما يتعلّق الأمر بالشهادة لحقيقة تتعلّق بمصير شعب ومجتمع. بهذه الروحيّة الاجتماعيّة، روحيّته، كان على الفكر الثوري، الشيوعي، في مفهوم خوري وغرامشي، (حتّى لو كان الأوّل غير منضوٍ في التنظيم الحزبيّ، وكان الثاني في عزلة قسريّة منقطعاً عن تنظيمه)، الحؤول دون أن تعصف رياح الحرب بشعلة الفكر، والمقصود بذلك شعلة الفكر عموماً، بكلّ تناقضاته وصراعاته، وليس الفكر الماركسيّ وحده، إذ لا وجود للماركسيّة بالانقطاع عن الصراع الفكريّ الذي يطوّرها في الممارسة السياسيّة، المنحازة، الحزبيّة، في ضوء نهجها المادّيّ التاريخيّ. هي ذي المعضلة الفكريّة التي طرح التاريخ على الشيوعيّين مهمّةَ حلّها عمليّاً، كشرط لتمكينهم من مواصلة التفكير. كان وضعهم بمواجهة الفاشيّة هاملتيّاً بامتياز: «نكون أو لا نكون...». وربّما كانت الأمانة للنصّ الشكسبيريّ تقتضي أن يقال باللسان العربيّ: «أكون أو لا أكون...»! خصوصاً إذا شئنا ألّا نمضي في التعاطف مع أمير الدانمرك إلى حدّ التماهي وإيّاه، في وِحشة معضلته، حتّى الموت. معضلة الماركسيّين، على الصعيد الإيديولوجيّ، أنّهم لا يستطيعون الانقطاع عن جذور فكرهم في التراث الفكريّ الإنسانيّ عموماً والبرجوازيّ خصوصاً. ذلك أنّهم يحتاجون إلى تلك الجذور لإثبات الضرورة المادّيّة التاريخيّة لحضور فكرهم في تاريخ الفكر، كلحظة انتقاليّة نحو تحرّر الفكر عموماً، بما فيه فكرهم، من المكيِّفات المادّيّة الطبقيّة التي حكمت وتحكم تطوّره (مع مكيِّفات مادّيّة أخرى) عبر التاريخ. بهذا المضمون النقديّ تمحورت أعمال رئيف خوري حول العنوان البيان: «التراث القوميّ العربيّ نحن حُماته ومكمّلوه»، داعياً إلى الوقوف «بين يدي المعلّم الكبير، التاريخ»، لاكتشاف «شعلة كفاح الجهل والظلم»[20]. كذلك يقول غرامشي مناقشاً كروتشي ومدافعاً عن المادّيّة التاريخيّة: «لا يمكن فصل الفلسفة عن تاريخ الفلسفة، ولا فصل الثقافة عن تاريخ الثقافة. وبمعنى آخر أكثر مباشرة وانسجاماً مع الموضوع، فإنّه لا يمكن للإنسان أن يكون فيلسوفاً، أي أن يكون له مفهوم منسجم نقديّاً للعالم، دون وعي لتاريخيّته...»[21].
صفحة 8
في الكفاح الأممي ضد النازيّة والفاشستيّة كان المثقّفون الشيوعيّون يعودون كلٌ إلى تراثه «الوطنيّ ـ الشعبيّ»، دون أن يكون انكفاؤهم عن أمميّتهم شكلاً من باب التقوقع داخل أسوار قوميّة. كان ذلك على العكس هدماً للأسوار لتواصل الشعوب في الكفاح المشترك. وهكذا تنحلّ في الممارسة معضلة الانكفاء/الانفتاح، ومعها معضلة الطبقيّ/الوطنيّ، ليتبيّن أنّ ليس في ذلك من معضلة إلّا بالنسبة إلى فكر متقوقع في ذاتيّته. لكنّ القول بالممارسة ليس شعاراً، ذلك أنّ جهداً فكريّاً خاصّاً يتوجّب بذله للتغلّب على هذه المعضلة الخاصّة بالمثقّف الديمقراطيّ بعامّة والشيوعيّ بخاصّةً، في ممارستهما الكفاحيّة المشتركة التي تتوحّد فيها نظرتهما إلى العالم وإدراكهما لحركة المجتمع والتاريخ. وتنطوي الممارسة في هذه الحالة على «وظيفة تربويّة» (غرامشي)، باعتبارها «مدرسة» (خوري). الجهد الخاصّ المطلوب من الممارس يتعلّق بالتعامل مع التناقض الذي يعرفه كلّ من يحرص على وحدة القول والعمل. فحرصه هذا بالنسبة إلى الماركسيّ هو التزامه بقضيّة عامّة تقتضي أن يكون متعلّماً ومعلّماً: متعلّماً من الممارسة كيف يدقّق ويصحّح ويطوّر تصوّره المسبق لموضوع هذه الممارسة، كممارسة ديمقراطيّة ثوريّة بالضرورة، في مواجهة الثورة المضادّة الفاشيّة. ومعلِّماً ينقل ما يتحصّل له من عِلم، في الممارسة، إلى جماهير الثورة على الصعيد الوطنيّ، وهو صعيد مفتوح لكلّ الأمم، لأنّ الثورة شأن جماهير، يقودهم وعي طبقيّ تاريخيّ.
ودائماً في الممارسة الثوريّة، في الحزب «المدرسة»، لم تكن الماركسيّة اللينينيّة بالنسبة إلى المثقّفين الديمقراطيّين الثوريّين، أمثال رئيف خوري، معطىً قَبْليّاً. لكنّهم أدركوها في الشعلة التي يصونون بانحيازهم إلى الثورة. وبإدراكهم إيّاها في الممارسة الديمقراطيّة الثوريّة طوّروها، كلٌّ انطلاقاً من ظرفه الخاص واختصاصه في عالميّة الصراع، يتوحّد فكرُهم في همّهم المشترك بالابتعاد عن الحرب فيما هم يخوضونها. هكذا طوّر رئيف خوري معنى الوطنيّة بالاستنارة، انطلاقاً من ظروف بلده العربي الساعي أصلاً إلى الاستقلال الوطنيّ، والتحرّر في الحرب من الوصاية النازيّة التي حضرت مباشرة في وطنه عبر «الانتداب» الإﻣﭙﺮياليّ الذي خضع لها. وهكذا طوّر غرامشي مفهوم «المثقّف العضويّ» بالمضمون نفسه، وهو مقيم في شدق الوحش الفاشستيّ الرابض على وطنه. هكذا أيضاً شرع برتولد بريشت في وطنه الذي اختطفته النازيّة، بمقاومة إيديولوجيّتها الظلاميّة المسيطرة، مطوِّراً في شغله المسرحيّ التعليميّ تقنيةَ صيانة حرّيّة الفكر المنخرط في الحدث المسرحيّ، مقدّماً بذلك للفكر عموماً تقنية صيانة حرّيّته في مسرح الأحداث، عبر مفهوم «التبوين» (في العربيّة من «بَوْن» = المسافة، معنى الكلمة التي اشتُقّ منها المفهوم في الألمانيّة) الذي يُغْني مضمون «البيان والتبيين» الأرسطي، لدى الجاحظ، بمضمون ديالكتيكيّ حديث.
***
ربَّ قائل إنّ في اقتصار منتخبات هذا الكتاب من نتاج رئيف خوري على فترة سبقت انقطاع صِلته بالحزب الشيوعيّ تهرّباً من التطرّق إلى المسؤوليّة عن انقطاع الصلة تلك. حَسْبنا أن نشير هنا إلى أنّ إبراز نشاط رئيف الإبداعيّ في السياسة والفكر خلال تلك الفترة يكفي شهادةً على عمق ومتانة الرابطة التي جمعت رئيفاً بالشيوعيّة كثوريّ أصيل، رغم عدم انتسابه الرسميّ إلى الحزب، وعلى صدق دفاعه عن وطن الثورة التي شرعت ببناء ما أسماه «حضارة جديدة» كانت، ولا تزال، مستهدفة للقضاء عليها من مختلف تلاوين قوى الردّة العالميّة الإﻣﭙﺮياليّة الفاشيّة. إن ذلك إذ يشير إلى المسؤولية عن تلك القطيعة الموقّتة بين رئيف والحزب في الحزب نفسه، يبيّن كذلك كم هي خائبة وبائسة محاولاتُ التفتيش عن بوادر اهتزاز في مواقف رئيف خوري في فترة القطيعة ليُبنى عليها القول بارتداده عن قناعاته السابقة. يؤكّد ذلك موقفه في المناظرة مع طه حسين المحسوبة في فترة القطيعة، إذ بنى سجاله مع عميد الأدب العربيّ على مواقفه الثوريّة كما رأينا، مع حرصه ، في ذلك السجال، على محو ما ربّما يكون قد علق في الأذهان من «أصداءِ شِنشِنةِ («أخزم») أشياعِ المذهبِ الماركسيّ كما يبدو مطبّقاً بشكل رسميّ في إحدى دول العالم». التلميح هناواضح إلى مناخ القطيعة ارتباطاً بمناخ «الحرب الباردة» عموماً، وأجواء الأحلاف الرجعيّة عشيّة «العدوان الثلاثيّ» في لبنان والعالم العربيّ خصوصاً. ولعلّ رئيف كان يتبرّأ بعبارته المذكورة مِن «شنشنة» صنف من «الماركسيّين» اعتادوا ترداد عبارته السبيكة: «إنّ الأدب كان مسؤولاً» (1948)، وكان قد جعلها عنواناً لتعريبه «تقريرَ جدانوف»، يشهرونها بببّغائيّة، في حرب إيديولوجيّة غير باردة، شهادةَ حسن سلوك في الأدب السوفياتيّ بعامّةً، بوجه «شنشنة» مضادّة تحطّ من شأن الأدب السوفياتيّ قاطبة، ومن شأن المسؤوليّة إطلاقاً، في الأدب والفنّ، وتنسب مفهوم «المسؤوليّة» إلى «الجدانوفيّة». المؤكّد بين السطور أن تلك القطيعة قد تركت مرارة في نفس رئيف. ولسنا هنا في معرض تحليل أسبابها وتوزيع المسؤوليّة عنها. فقد تصدّى لذلك كثيرون، بين مُنصِف ومُغرِض وحائر.
الياس شاكر
في 10 / 11 / 2013
ودائماً في الممارسة الثوريّة، في الحزب «المدرسة»، لم تكن الماركسيّة اللينينيّة بالنسبة إلى المثقّفين الديمقراطيّين الثوريّين، أمثال رئيف خوري، معطىً قَبْليّاً. لكنّهم أدركوها في الشعلة التي يصونون بانحيازهم إلى الثورة. وبإدراكهم إيّاها في الممارسة الديمقراطيّة الثوريّة طوّروها، كلٌّ انطلاقاً من ظرفه الخاص واختصاصه في عالميّة الصراع، يتوحّد فكرُهم في همّهم المشترك بالابتعاد عن الحرب فيما هم يخوضونها. هكذا طوّر رئيف خوري معنى الوطنيّة بالاستنارة، انطلاقاً من ظروف بلده العربي الساعي أصلاً إلى الاستقلال الوطنيّ، والتحرّر في الحرب من الوصاية النازيّة التي حضرت مباشرة في وطنه عبر «الانتداب» الإﻣﭙﺮياليّ الذي خضع لها. وهكذا طوّر غرامشي مفهوم «المثقّف العضويّ» بالمضمون نفسه، وهو مقيم في شدق الوحش الفاشستيّ الرابض على وطنه. هكذا أيضاً شرع برتولد بريشت في وطنه الذي اختطفته النازيّة، بمقاومة إيديولوجيّتها الظلاميّة المسيطرة، مطوِّراً في شغله المسرحيّ التعليميّ تقنيةَ صيانة حرّيّة الفكر المنخرط في الحدث المسرحيّ، مقدّماً بذلك للفكر عموماً تقنية صيانة حرّيّته في مسرح الأحداث، عبر مفهوم «التبوين» (في العربيّة من «بَوْن» = المسافة، معنى الكلمة التي اشتُقّ منها المفهوم في الألمانيّة) الذي يُغْني مضمون «البيان والتبيين» الأرسطي، لدى الجاحظ، بمضمون ديالكتيكيّ حديث.
***
ربَّ قائل إنّ في اقتصار منتخبات هذا الكتاب من نتاج رئيف خوري على فترة سبقت انقطاع صِلته بالحزب الشيوعيّ تهرّباً من التطرّق إلى المسؤوليّة عن انقطاع الصلة تلك. حَسْبنا أن نشير هنا إلى أنّ إبراز نشاط رئيف الإبداعيّ في السياسة والفكر خلال تلك الفترة يكفي شهادةً على عمق ومتانة الرابطة التي جمعت رئيفاً بالشيوعيّة كثوريّ أصيل، رغم عدم انتسابه الرسميّ إلى الحزب، وعلى صدق دفاعه عن وطن الثورة التي شرعت ببناء ما أسماه «حضارة جديدة» كانت، ولا تزال، مستهدفة للقضاء عليها من مختلف تلاوين قوى الردّة العالميّة الإﻣﭙﺮياليّة الفاشيّة. إن ذلك إذ يشير إلى المسؤولية عن تلك القطيعة الموقّتة بين رئيف والحزب في الحزب نفسه، يبيّن كذلك كم هي خائبة وبائسة محاولاتُ التفتيش عن بوادر اهتزاز في مواقف رئيف خوري في فترة القطيعة ليُبنى عليها القول بارتداده عن قناعاته السابقة. يؤكّد ذلك موقفه في المناظرة مع طه حسين المحسوبة في فترة القطيعة، إذ بنى سجاله مع عميد الأدب العربيّ على مواقفه الثوريّة كما رأينا، مع حرصه ، في ذلك السجال، على محو ما ربّما يكون قد علق في الأذهان من «أصداءِ شِنشِنةِ («أخزم») أشياعِ المذهبِ الماركسيّ كما يبدو مطبّقاً بشكل رسميّ في إحدى دول العالم». التلميح هناواضح إلى مناخ القطيعة ارتباطاً بمناخ «الحرب الباردة» عموماً، وأجواء الأحلاف الرجعيّة عشيّة «العدوان الثلاثيّ» في لبنان والعالم العربيّ خصوصاً. ولعلّ رئيف كان يتبرّأ بعبارته المذكورة مِن «شنشنة» صنف من «الماركسيّين» اعتادوا ترداد عبارته السبيكة: «إنّ الأدب كان مسؤولاً» (1948)، وكان قد جعلها عنواناً لتعريبه «تقريرَ جدانوف»، يشهرونها بببّغائيّة، في حرب إيديولوجيّة غير باردة، شهادةَ حسن سلوك في الأدب السوفياتيّ بعامّةً، بوجه «شنشنة» مضادّة تحطّ من شأن الأدب السوفياتيّ قاطبة، ومن شأن المسؤوليّة إطلاقاً، في الأدب والفنّ، وتنسب مفهوم «المسؤوليّة» إلى «الجدانوفيّة». المؤكّد بين السطور أن تلك القطيعة قد تركت مرارة في نفس رئيف. ولسنا هنا في معرض تحليل أسبابها وتوزيع المسؤوليّة عنها. فقد تصدّى لذلك كثيرون، بين مُنصِف ومُغرِض وحائر.
الياس شاكر
في 10 / 11 / 2013
صفحة 9
القسم الأول
ثورة بيدبا
من الإنتاج الشعري الغزير لرئيف خوري هذه المسرحية الشعرية التي تجمع في تعدد فصولها وتنوع مواقفها ألواناً شعرية، من البث الوجداني الشجي والشاكي والغزل الرقيق إلى المد الملحمي الذي يمثل نوعه بكل جدارة، مروراً بالحوارات المتقاطعة بهدوء وروية وتغلغل في النفسيات أو بردود سريعة متفجرة حتى في البيت الواحد. وفي هذا كله يتمكن رئيف خوري من تطويع اللغة العربية الفصحى وأوزان الخليل للشكل المسرحي الحديث، وليس هو الأول في ذلك، لكن النجاح في تطويع الكلاسيكية العربية لرومنطيقية ثورية ميّزت فتوة وشباب رئيف خوري بشكل خاص، تميّز بالانسحاب التام بين القول والعمل في شخصية رئيف نفسه الذي تأتيه الكلمات طيعة لفعل صاحبها ووجدانه. إنه شاعر مطبوع كما يُقال، يفكر منشداً ويقدم كل وعيه لثورة أمته المقهورة. فحري بهذه المختارات السياسية ـ الفكرية أساساً، أن تفتتح بالنشيد.مقدمة
«كان همّ الفلاسفة حتى اليوم أن يفسروا التاريخ، ويجب عليهم بعد اليوم أن يعملوا التاريخ».«كارل ماركس»
نستطيع، بكل سهولة، أن نأخذ كلمة ماركس هذه فنقولها عن الأدباء أيضاً. وبناءً على ذلك نستطيع أن نقسِّم الأدب إلى اثنين: الأدب المفسر أو الواصف، والأدب العامل.
كلا الأدبين عرفته الإنسانية. عرفت الأدب الواصف قبل الأدب العامل. وذلك أمر طبيعي... ترى، ألم تتأخر الإنسانية في معرفة الأدب العامل؟ لأننا مضطرون إلى الاعتراف بأن الأدب العامل ـ وإن كان معروفاً منذ زمان ـ لم يصبح ذا مدرسة، كما يقول الفرنج، أو ذا شخصية إلا في هذا الزمان.
زمان تشابكت فيه مظاهر النشاط في السياسة والاقتصاد والصناعة والاجتماع، وتداخل بعضها ببعض بعد أن كان من المظنون بقاؤها متباعدة متنافرة. زمان طلع فيه نظام جديد قلب وجه التاريخ ونفض العالم من أسسه، وصوب نشاط الأفراد على اختلافه إلى نقطة واحدة هي: المجموع... وليست الحركات القائمة على عكس ما يقوم عليه ذلك النظام الجديد كالفاشستية والنازية وغيرهما من الحركات العنصرية أو الوطنية أقل تأثيراً في الأدب وتحويله من الوصف إلى العمل. والفرق هو في النقطة فقط المصروف إليها هذا العمل.
لا ننكر أن الأدب كان في كل وقت متأثراً بما حواليه. ولكنه كان متأثراً قبل أن يكون مؤثراً. لم تكن غايته الأولى العمل، كما قلنا، بل كانت الوصف. وكان الأديب ـ الشاعر والناثر ـ عائشاً في شبه سلة تدلت من السماء ولم تصل إلى الأرض، أو دفعتها الأرض ولم تصل إلى السماء. وهو في هذه السلة السحرية، لا يرضى أن ينزل إلى معترك الحياة العام، بل كان الأدب لا يرضى له النزول. وكل ما يرضاه له أن يدور على نفسه في هذه السلة فيصف نفسه قاعداً وقائماً، باكياً وضاحكاً، غاضباً وراضياً.
وإذا أراد وصف أحد من المعترك وضع نظارتيه على عينيه ووصف ما رآه من خلال زجاجها السميك وضمن دائرتها الضيقة.
هذا هو الأدب الواصف وهذه هي مبادئه. ونزيد أنه ظل في جميع أدواره ومظاهره فردياً قاصراً عن النظرة الإنسانية الشاملة.
أما الأدب العامل فإنه يريد من صاحبه أن ينزل من السلة إلى المعترك، ثم لا يكتفي منه أن يحمل على كتفه آلة تصوير، بل يريد منه أن يكون قائداً وأن يشترك مع القواد الآخرين: قواد السياسة والاقتصاد والصناعة والاجتماع ويتكاتف وإياهم على تسيير الناس في طرق معايشهم.
لسنا هنا في مجال التفاضل بين الأدبين، ولكننا نبادر إلى الجزم بأن الأدب العامل يحمل إلى الإنسانية فوائد مباشرة لا يحملها الأدب الواصف، وأن من واجب العرب أن يساهموا فيه، ولا سيما في بدء يقظتهم هذه التي تبشر بمستقبل جميل.
و«ثورة بيدبا» هي المحاولة الأولى من نوعها في الأدب العربي، محاولة جريئة موفقة في الأدب، تعطينا قطعة قوية من حياة شعب مظلوم مضطهد، عرف أن يزيح عن كتفيه كابوس الظلم والاضطهاد.
فعسى أن يكون لها أثرها المنشود في أدبنا.
أجل، إن كلمة كارل ماركس تُقال عن الأدباء أيضاً:
كان همّ الأدباء حتى اليوم وصف الحياة، ويجب عليهم اليوم أن يعملوا الحياة.
الحياة التي تغنّى بها الأدباء في كل عصر ومصر:
العدل والحرية، قد جاؤوا اليوم يبنونها بأيديهم.
شتّان بين الغِناء والبناء!
توفيق عوّاد