صفحة 1
شاعر.. وإن كتب نثرا
بقلم : معالي د.نبيل الشريف
إنه لمن دواعي سروري أن أقدم للقراء الكرام هذا الكتاب الذي يضم بين دفتيه مجموعة من مقالات الكاتب الصديق علام خربط. وقد عرفت السيد خربط منذ سنوات عملي رئيسا لتحرير جريدة الدستور فقد كان وما يزال، من كتاب الجريدة المميزين والمثابرين.
ولعل أبرز ما يميز مقالات الكاتب هو الصدق في التعبير وملامسة قضايا المواطنين بوضوح وجرأة والتزام، كما أنه يعبر بكل شفافية عن أوجاع وآلام المواطن العادي الذي يسمع الوعود الرسمية ولكنه لا يلمس منها شيئا على صعيد الواقع. فالكاتب لا يجلس في برج عاجي ولكنه واحد من المواطنين الذين يحلمون بغد أفضل رغم صعوبات الواقع وإحباطاته الكثيرة.
وقد عرف كثيرون المبدع علام خربط كشاعر مرهف الحس حيث صدرت له مجموعة شعرية بعنوان " بردا وسلاما" وقد لاقى هذا الديوان استقبالا طيبا من قبل القراء والنقاد على حد سواء.
وأحسب أن اللغة الشعرية المرهفة لم تفارق هذا الكتاب النثري في كثير من المواقع، فكاتبنا يرى العالم بعيون الشاعر حتى وإن كتب نثرا، فالشاعرية حالة مرهفة وموقف لا يهادن في انحيازه إلى كل ما هو جميل وعادل وفي رفضه لكل أشكال الظلم والزيف والطغيان.
ولعل أجمل ما في هذا الكتاب هو أنه من الكتب الأولى على الساحة العربية التي تؤرخ لمرحلة الربيع العربي الذي بدأت أزهاره البديعة من الحرية والكرامة والعيش الكريم تتفتح في الأرض العربية مع إطلالة العام الماضي.
وقد قام الكاتب الشاب علام خربط بمواكبة أحداث هذا الربيع وثورته "الفيسبوكية" منذ الأيام الأولى لتفجره ثورة وأملا في العالم العربي وذلك من خلال زاويته الأسبوعية في جريدة "الدستور" وها هو يضع هذه المقالات وغيرها من إبداعاته التي كتبت في السنوات الأخيرة بين يدي القراء الأعزاء.
ولا يساورني شك أن الكتّاب الشباب هم الأقدر على نقل طموحات وتطلعات أقرانهم في الوطن وفي كل الأرض العربية، فهم يعيشون المعاناة التي يعيشها الكثير من الشباب العرب في العالم العربي جراء السياسات التي لم تأخذ طموحاتهم بعين الاعتبار ونتيجة للتقصير في معرفة ما يجول في أذهانهم من أحلام عراض وتطلعات لا حدود لها.
ولا يفوتني أن أحيي الصديق خربط على إصراره الرائع على قهر كل التحديات والتغلب عليها، فهو نموذج للإنسان المثابر الذي لا توقفه العقبات ولا تحول الصعاب بينه وبين تحقيق أحلامه مهما بدت صعبة وبعيدة المنال أول الأمر.
وسيحكم القراء بأنفسهم أن هذا الكتاب يضم بين دفتيه ليس فقط مجموعة من المقالات ولكنه يحوي أيضا تسجيلا صادقا لخفقات قلب مفعم بالصدق ومعبر بشفافية عن كل ما هو جميل ونقي وأصيل في العالم من حولنا.
صفحة 2
توطئــــة
تملكتني بفضل من الله وتوفيقه شجاعة مقرونة بإصرار لأن أبادر إلى جمع بعضٍ من مقالاتي التي كنت نشرتها على مدار الستة أعوام الأخيرة في صحيفتنا الغالية "الدستور" التي منحتني إدارتها مشكورة زاوية أسبوعية كنت وما زلت اعتبرها متنفسي الجميل، وذلك كي أعبر ما استطعت عن آراء شخصية في شجون وأحداث تمر في حياتنا، بحلوها ومرها... بصغيرها وكبيرها، وذلك لنتفاعل مع تفاصيلها كل وفق قدراته وقناعاته الشخصية كجزء من كلٍ مجتمعي مترامي الأطراف.
ولما كان حلما ساميا طالما راودني فقد سعيت مصمما على بلورته وتحقيقه بأن يكون لي كتاب يحمل توقيعي، يشكل دون ريب علامة فارقة في حياتي عموما وفي رحلتي مع الكتابة الصحفية خصوصا، تلك التي لملمت من خلالها مكونات هويتي كإنسان لم يرضه أقلّ من أنْ يكون له فكر خاص يترك من خلاله بصمة في زماننا القاسي هذا، وهي المهمة الصعبة بحق، سيما وأنَّ الكلمة المطبوعة وكأني بها تعاني من غربة قاسية جدا، وسط ما نعيش من انفتاح معرفي هائل لم يعد من السهل في خضم رياحه العاتية التي تعصف على مدار الساعة بالناس من كل حدب وصوب أنْ تثبت وجودها وتؤدي رسالتها، غربة نجابهها ما استطعنا بأقلامنا نحن الصامدين لم نزل في خندق الكلمة المطبوعة والتي تظل فرحتها لا تضاهيها فرحة تحفزنا للقبض أكثر على جمر الكتابة الجميل، التي غذت داخلي آهاته اللذيذة إصراراً لأن أقدم كتابي هذا آملا أنْ يلامس بعضاً من هموم القراء الذين وحدهم يشكلون رصيد الكاتب الحقيقي، أولئك الذين كان أنْ كتبت وأكتب لهم وعنهم مع احترامي العميق لكل من يتفق معي منهم أو يعارضني بفكرة أو نهج معين.
وليس من الضعف بمكان أنْ نعترف أننا قد نصيب مرة ونخطئ مرات... قد نجتهد في أمور تخضع لجدل له أصوله وآدابه، لكن وأيا كان الأمر فقد آليت على نفسي أنْ أظل أحارب بالقلم والكلمة لأثبت أولاً وأخيراً أنني لم أزل على قيد الحياة، وبناء عليه فإني آمل تالياً أنْ تروق مادة كتابي هذا للقارئ الكريم متمنيا أن لا يضن عليّ بملاحظاته وجلَّ من لا يسهو وللجميع مني أطيب الأمنيات.
ع.خ
صفحة 3
المـثقف والربيـع العربـي
دون سواه من الناس الذين يفترض أنّه ناطق باسم عذاباتهم لا سيما في لحظات اصطدامهم مع الهرم السلطوي أو واحد من تناسلاته، فإن المثقف أو المبدع العربي عموما يجد نفسه في وضع حرج للغاية إزاء تحديد موقفه مؤيدا كان أم معارضا لأي قضية أو ثورة تندلع هنا أو هناك، ذلك أنَّ مسؤوليته تبقى مضاعفة حيال قضايا أمته التي تغفل في جزئها الكبير، أنَّ هذا المثقف ما هو في النهاية إلا مواطن عادي منبثق من نسيج مجتمعي متعدد المشارب والاتجاهات والأفكار، بغض النظر عن دوره أو مكانته وسط مكونات هذا النسيج، الذي وكأن أفراده ينظرون إليه على أنّه قديس منحازٌ انحيازاً فطريّاً لهموم الشارع والمواطن البسيط الذي لا يعترف بالضرورة، بحسابات السلطة المختلفة كليا عن حساباته المتفقة مع معاناته من عقلية العسكرتاريا الحاكمة لأي نظام سياسي، مجبرا بشكل أو آخر على المواءمة بين شروط اللعبة السياسية وبين حاجة الشعوب لتحررها من قيودها العديدة، وفي هذا المناخ، إذ فرضت نفسها بقوة مصطلحات سلطة الثقافة باعتبارها شرطا ضروريا لرقي الشعوب وتطورها، وثقافة السلطة التي يوصم تلقائيا بتبنيها والدفاع عنها كل مثقف ينحاز وفق رؤاه الشخصية لمبادئها وأفكارها، باعتبار هذا الأخير مواطنا قبل أنْ يكون شخصية عامة محط أنظار الجميع. ومن هنا وفي ظل ما سبق فإنَّ ثورات الربيع العربي سرعان ما أفرزت ما سمي بالقوائم السوداء التي ضمت أسماء الكثير من نجوم الفكر والأدب والفن المنحازة لسياسات أنظمتها في لجة جبروتها المستخدم بالتعامل مع حراك الشارع، الذي لم يقده شيء غير قهره ونفاد صبره جراء الاضطهاد والظلم الواقع عليه من أجهزة بلاده الرسمية، وهو الذي يعتبر في هذه الحالة أنَّ أي مثقف أفصح وقتها عن آرائه الشخصية فهو بالضرورة ضد ثورة شعبه، وبالتالي صار محل سخطه لا محالة من وجهة نظر راديكالية، لكن وبغض النظر عن تأويلات المسألة وتشابكاتها فإن الأصل بالمثقف العربي أو المبدع عموما أن يكون ندا أساسيا للعقلية العسكرية التي لا فكاك من أدواتها لأي نظام سياسي، وبالتالي فإن الشارع يصاب في كثير من الأحيان بخيبة أمل تلفها الدهشة أو الفجيعة، تجاه مواقف بعض مثقفيه ومبدعيه، لا سيما في غمرة غموض تعريف مثقف السلطة وثقافة السلطة آنفي الذكر.
ولا شك فإن ربيعنا ذاته ومنذ اندلاعه في شوارعنا زاخرا كان ولم يزل بعديد التصنيفات لشخصيات عامة بين من هو في خانة القوائم البيضاء، وبين من تم تسجيل اسمه بأحرف من غضب في تلك القوائم السوداء التي حددت أسلوب التعامل الشعبي مع منتسبيها منذ إعلانهم صراحة عن مواقفهم، وذلك دون هوادة مطلقا، وإلى ذلك فإن إشكالية نجوم الفكر والثقافة والفن تظل قائمة بينهم وبين جماهيرهم ولا حكم فيها سوى ضمائرهم، وبحسب المفكر اللبناني جورج قرم فإن "هناك أنماطا عديدة لعلاقة السلطة بالمثقّف تسوغها نوعية السلطة ونظام الحكم وموقفهما من الاستقرار الاجتماعي اللذين يهدفان إلى الحفاظ عليه من جهة، ومبادراتهما إلى تشجيع ودعم الإبداع والعلم والتقدُّم، مما قد يعرِّض الحكم إلى عدم الاستقرار، من جهة أخرى. وهذا يعتبر مدخلا أساسيا لإشكالية العلاقة بين السلطة والمثقّف".
وبعد فإنَّ المبدع بشكل عام والمثقف اليوم هما أكثر الناس عرضة للانتقاد إن لم نقل التخوين في ضوء إعلانهم مواقف سياسية مناهضة للأفعال الثورية التي أخذت على عاتقها تغيير ما لم تستطع تغييره ثقافتنا العربية العريقة، التي كانت ولم تزل تتحرك في فلك رقيب يعمل مخبرا لدى النظام، بوصف الأول يحارب في خندق غير خندقه.
18-12-2011
صفحة 4
نهايـة عادلـة
على ذلك النحو المفجع الذي تناقلته الفضائيات، فإن أحداً لم يكن ليتوقع أن تكون تلك نهاية "ملك ملوك" أفريقيا التي اختزلت خلال فترة مداهمته والقبض عليه، عذابات ومرارات بلغت حناجر الليبيين طيلة سنيّ حكم القذافي الطويلة، الذي يمثل نمطا فريدا للحكام المسكونين بجنون العظمة، ذلك الذي ما توانى من خلاله أن يحكم شعبا طيبا مسالما بأسلوب غريب ديدنه قهره وذلّه في واقع الأمر. ولعل مشاهد أسر القذافي ورغم ما نعرفه عنه، فقد أحزنتنا بعض الشيء سيما تلك الطريقة التي اقتيد بها على أيدي نفر من ثوار ليبيا الذين إنّما ثاروا على الظلم والتجبر الذي طالما مارسه نظام القذافي، وكأن الوطن الليبي ليس إلا شركة مساهمة محدودة لصاحبها معمر القذافي وأولاده.
وإذا كانت مثل تلك النهاية مؤلمة وخادشة لمشاعر أصحاب القلوب الضعيفة، الذين كأنهم تناسوا ما اقترفته يديّ القذافي وأفكاره المنبثقة عن شعور بالعظمة، فإن ما جرى لم يكن سوى نهاية حتمية لم تخرج عن قوانين الطبيعة التي تفترض أنَّ نهاية أي نظام متجبر في مشارق الأرض ومغاربها، يستحيل أن تكون بطرق هادئة أنيقة تحافظ على "برستيج" الطغاة حتى لحظاتهم الأخيرة، ذلك أنَّ ثورات المظلومين لا يمكن أن يكون دستورها الأبرز إلا غضبا يغذيه إحساس مرير جدا بالظلم والقهر معاً، ومن هنا فلا يحق لكائن من كان أن ينتقد الطريقة التي اقتيد بها معمر القذافي إلى حتفه حتى وإنْ كان زعيما لدولة يعاني شعبها من القهر ما يعاني، نتيجة لسلوك حاكم مغرور إلى حدّ لا يمكن تخيله.
وبغض النظر عن تحفظات البعض على ما شاهدوه من تفاصيل لنهاية القذافي، فإنَّ ثورة الفاتحين الجدد لليبيا جديدة ينبغي أن تحظى باحترام وتقدير من الجميع، سيما أولئك الذي تابعوا الثورة عن بعد مكتفين بتعليقات وتحليلات ارتدت ثوب النصح والإرشاد، في الوقت الذي لا يناسبهم فيه أبداً القيام بمثل هذا الدور، كونهم مارسوا دورهم المعتاد كمشاهدين لمجريات الثورة الليبية التي لم يعلم حقيقة تفاصيلها وحجم معاناتها إلا أهلها أنفسهم، وهم الذين عانوا ما عانوا قبل وأثناء الثورة، الذي لا يجوز لكائن من كان أن يتوجه ولو بكلمة انتقاد واحدة لكل ما جرى، إذْ إنَّ الفعل الثوري سواء الليبي أو غيره يبقى الرديف الأوحد لآليات العمل الدبلوماسي العربي، تلك التي أثبتت على مدى أعوام ولم تزل فشلها وعجزها عن رد الظلم ورفع سيوف القهر المسلطة على رقاب عباد الله. ذلك أنَّ أي ثورة شهدتها منطقتنا العربية إلى حد الآن لم تكن بتقديري، إلا لمجابهة تقصير بعض الدبلوماسيات العربية التي أرى أنَّ على جميع مؤسساتها تقديم استقالتها فورا، كونها عاجزة حقا عن إحقاق الحق كما ينبغي وكما كنا نأمل، كشعوب علقت آمالها طويلا، على الهمم الدبلوماسية العربية التي كادت تقنعنا أنَّ كافة حقوق الشعوب المقهورة سترد إليهم وستصلهم إلى أمكانهم، وعلى طريقة «الديلفري» كما يبدو، غير أنَّ شيئا من ذلك لم يحدث يوما فكان لا بد للقهر أنْ ينفجر في كافة الاتجاهات، وفي سياق ذلك لا ينبغي لدعاة الإنسانية أنْ يستهجنوا ما جرى لمعمر القذافي، الأمر الذي إنْ لم نكن معه فلسنا ضده في الوقت نفسه، وذلك كون الكبت والظلم يولدان الانفجار حتما، ذلك الذي يستحيل أن يتمكن أحد من تحديد اتجاهاته أو رسم آلية نموذجية لمهمته أو حتى وضع جدول أعمال له.
07-12-2011