eKtab
EN ع
تهويد المعرفة
اقرأ عينة مجانية

تهويد المعرفة

بقلم ممدوح عدوان

صفحة 1

بعد قراءتك لكتاب كيت وايتلام عن تلفيق تاريخ إسرءيل التوراتية * ستعرف لماذا وصف إدوارد سعيد مؤلفه بالشجاعة. فالمؤلف لا يناقش فقط بل يقاتل بالحجة. وهو يقاتل اليهود الذين ستعرف أنهم يتحكمون بعقل العالم. وهو يقاتلهم ضمن ميدان اختصاصي دقيق: تاريخ فلسطين القديم وبأسلحتهم الأكاديمية ذاتها.

كانوا قد قرروا، من خلال ركام عالٍ من الدراسات الأكاديمية، أنه لم يكن هناك تاريخ في فلسطين إلا التاريخ اليهودي. وهذا لم يكن بحثاً في التاريخ أو بحثاً عن الحقيقة، بل كان جزءاً من المشروع الصهيوني الذي يفعل فعله في العقل الأوربي، مثلما يفعل اللوبي الصهيوني فعله في كواليس السياسة العالمية المعاصرة. ومثلما استعمروا فلسطين فإنهم يستعمرون العقل والبحث العلمي. ومثلما أراد الصهاينة المعاصرون تجاهل وجود شعب فلسطيني في فلسطين - على أساس أن فلسطين أرض بلا شعب لشعب بلا أرض - كذلك فقد أقاموا توازياً تاريخياً يجعل من فلسطين في التاريخ أرضاً خالية من الشعب والحضارة، بحيث لا وجود لأي تاريخ في تلك الأرض سوى التاريخ اليهودي.

وقد قُدمت الدراسات ضمن المؤسسات الأكاديمية التي تضغط بثقلها العلمي، وبحيث تحول الاجتهاد إلى رأي عام ثم إلى بديهية مسلّم بها.

ووايتلام يتصدى لهذا كله بعلمانية وصدق، وحماس لا يخرجه عن القدرة على الإقناع والمحاججة.

ولكن.. هل كان لليهود ذلك النفوذ على المؤسسات الأكاديمية والبحث العلمي ؟ وكيف حققوا ذلك ؟

ليست المسألة مجرد مسألة لوبي صهيوني أو يهودي، نشيط وفاعل ومؤثر في هذا البلد أو تلك المؤسسة. وليست مجرد ضغوط بالمال للسيطرة على الإعلام، أو للسيطرة على قرارات الدول. بل هي مسألة العوامل التي ساعدت هذا اللوبي على الوجود ، وسهلت له عمله.

سنتبين أن هذه العوامل المساعدة على ترعرع النفوذ اليهودي في العقلية الأوربية كانت موجودة قبل السياسة والاقتصاد. لقد كان اليهود متواجدين ومؤثرين قبل وجود مشروعهم الصهيوني. وبحيث صار هناك صهاينة غير يهود، ومتهودون بفعل الثقافة والتحرر والحس الإنساني والحمية الدينية.

خارج السياسة والاقتصاد كانوا موجودين في الثقافة والدين الأوربي، الذي هو الدين المسيحي حتماً.

صفحة 2

وفي الوقت الذي كان المشروع الصهيوني يتبلور حركة سياسية ثم استعمارية ثم استيطانية، كان هناك مشروع يهودي، صهيوني، ومتصهين غير يهودي بالضرورة، يجتاح العقل الأوربي الذي يستعمر العالم مادياً وثقافياً وفكرياً.

وحين سيطروا على العقل الأوربي الغربي سيطروا على عقل العالم.

فعقل العالم، سواء اعترفنا أم لم نعترف، قد صار عقلاً غربياً. الغرب هو المهيمن على مقدرات العالم وعلى ثرواته وأفكاره. وهو الذي يرسم مصيره. ويطلق عليه الأسماء والتوصيفات، ويرسم لدوله الحدود، ويقرر له القيم الثقافية والفكرية والسياسية والعلمية. واليهود ركزوا جهودهم على مركز القوة هذا في العالم. وبتتبع ولاءاتهم المتذبذبة بين هذه الدولة وتلك من دول المركز الأوربي، ظلوا يدورون في فلك الغرب الذي يحكم العالم. فعرفوا كيف يتحكمون بالعقل لكي يتحكموا بالقرار أو يؤثروا فيه.

وربما كان غيرنا من الشعوب لا يحس بسيطرتهم أو لا يتحسس منها. ولذلك أيضاً فالآخرون يتقبلون طروحات اليهود المغلفة بالعلمية والأكاديمية حيناً، والدينية والقدسية أحياناً أخرى. ولعلنا، نحن أيضاً، ما كنا لنحس بذلك لولا صراعنا معهم خلال القرن الماضي، وانكفاؤنا داخل هذا الصراع غير المتكافئ.

صحيح أنه كان هناك قلة من اليهود لم يكونوا صهيونيين. ولكن صحيح أيضاً أن اليهود، فكرياً وثقافياً وسياسياً، تحولوا إلى جراد. جراد سريع التفريخ، شره للالتهام. فالتهم الجراد اليهودي عقل الغرب، وتغلغل في مصادر تغذية هذا العقل من دين وثقافة، في الوقت الذي كان فيه يسعى إلى التهام أراضيَ وثقافاتٍ وحضاراتٍ وتواريخَ وشعوباً في العالم. وكنا نحن الضحية الأولى والأساس للشره الصهيوني.

وقد سبق لي أن قرأت كتاباً عربياً ، " قس ونبي \ بحث في نشأة الإسلام "، لأبي موسى الحريري، صادراً منذ أكثر من ربع قرن. وكان لا بد أن أتذكر ذلك الكتاب، وأنا أترجم هذا كتاب وايتلام.

يقول مؤلف " قس ونبي " إن محمداً لم يكن نبياً. بل هو مردد لتعاليم ورقة بن نوفل، قس مكة. وتعاليم ورقة التي لقنها محمداً، من وراء الستار على أنها الوحي، هي شذرات من كتاب كان ورقة يترجمه. والكتاب هو " الإنجيل بحسب العبرانيين ".

ويقول المؤلف، بأكثر من صيغة، إن العرب كانوا في حاجة إلى كتاب بلغتهم. والمعنى المقصود هو " نسخة عن هذا الكتاب بلغتهم "، لأن " كل أمة تدعو إلى كتابها " و " كل قرية لها كتاب ". والكتاب دائماً، وللشعوب كلها، هو " الإنجيل بحسب العبرانيين ". وكل ما لدى تلك الشعوب من كتب أخرى لا معنى لها، إن لم تكن نسخاً مترجمة من ذلك الكتاب إلى لغاتها.

ولما كان العرب بلا كتاب، فقد يسّر ورقة بن نوفل لمحمد أن يحل عقدة النقص لدى العرب، فجاءهم بنسخة من " الكتاب" بلغتهم.

" الإنجيل بحسب العبرانيين " !

صفحة 3

منذ متى يتبنى الدين القديم ( اليهودي ) ديناً لاحقاً به ( المسيحية ) ؟ ولماذا تكون " النصرانية "، التي هي الاسم الحقيقي للإسلام حسب قوله، هي " الطائفة التي آمنت من بني إسرءيل * " ؟ ومتى تمت هذه المصالحة بين الإنجيل والعبرانيين وبني إسرءيل؛ باختصار بين المسيحية واليهودية، التي يفترض أنها مكروهة من المسيحية، وأنها تحمل وزر قتل المسيح ؟

لم يكن اليهود قادرين في الماضي على التصدي لهذا الأمر. ولكن حدث تحول ذو أهمية كبيرة عبر التاريخ المعاصر.

حين يكتب الشاعر بايرون " قصائد عبرية " عن حق اليهودي في أن يكون له بيت، شأنه شأن الطيور والحيوانات، ويوجه نابليون نداء إلى يهود العالم بأن بعثهم قد أزف بمجيئه، وقد جاء وقت خلاصهم لكي يعودوا إلى أرضهم التي وعدهم الرب بها، ويوجه اللورد باترسون رسالة إلى السلطة العثمانية ( 1840 ) يبين فيها مخاطر حملة محمد علي باشا على بلاد الشام. ويقول: " إن تشجيع اليهود للعودة إلى فلسطين ووجودهم الدائم هناك يقطعان المخططات الشريرة لمحمد علي وخلفائه "، ويقول لامارتين أمام مجلس النواب الفرنسي: " بريطانيا تريد جمهورية يهودية، وفرنسا يجب أن تصر على مملكة مسيحية، عاصمتها القدس ". فهذا يعني أن المسألة أكبر بكثير من الاكتفاء بنظرية المؤامرة والضغط الاقتصادي لتفسيرها.

هناك تيار فاعل ومؤثر جعل هذا التماهي بين المسيحية الأوربية واليهودية ممكناً.

لقد سعى اليهود ببراعة للتغلب على الكراهية المترسبة عن دور أجدادهم في قتل المسيح. وقد نجحوا أخيراً في استصدار " فتوى " بتبرئتهم من دم المسيح من البابا نفسه. وصار من يذكر هذا الأمر يصنف فوراً على أنه معاد للسامية.

ثم بدأت الحملة المضادة لتتوصل إلى أن المسيح نفسه يهودي.

ولكن هذا لم يتم بسهولة. هناك تراكم من عمليات سرقة المسيح من أصله ونبوته لإحالته إلى اليهودية. وقد تم ذلك في ميادين متعددة سنتوسع قليلاً في بعض منها.

صفحة 4

يقول الدكتور رمسيس عوض في كتابه " صورة اليهودي في الأدب الإنكليزي " إن كتّاب المسرح الإنكليزي البارزين في العصر الإليزابيثي كلهم " أشاروا في إنتاجهم الأدبي إلى اليهود.. منذ ظهور " تاجر - البندقية " حتى وقت إغلاق المسارح ".

".. وفي غضون الخمسين عاماً التي انقضت منذ أن ألف شكسبير " تاجر البندقية " حتى إغلاق المسارح الإنكليزية 1642 شاهدت الحركة المسرحية في إنكلترا تدهوراً كبيراً. وتميزت مسرحيات ذاك الزمان بكثرة الإشارات إلى اليهود بشكل لافت للنظر، الأمر الذي يبدو غريباً إذا تذكرنا ضآلة عددهم في إنكلترا آنذاك. ولعله أصبح تقليداً مسرحياً أساسياً أن يشير أي كاتب مسرحي إنكليزي إلى اليهود إذا أراد تثبيت أقدامه كمؤلف مسرحي ".

وتشوسر ( 1340 - 1400 ) صاحب " حكايات كانتربري "، والتي تعتبر أول نص أدبي إنكليزي مقروء، يورد في " حكاية الراهبة " قصة الطفل المسيحي الذي يترنم بأغنية عن السيد\ة العذراء ويرددها في الشوارع. ثم يمر في حارة اليهود فيتآمرون عليه ويذبحونه. وكان جزاؤهم التكبيل والجر بالخيول قبل الشنق.

وفي " حكاية الفاخر " و " حكاية القسيس " يحملهم دم المسيح. كما أنه يورد في " حكاية السير توباس " أنهم شعب الله.

صفحة 5

ولكن رغم هذا الهجوم عليهم في أكثر من مجال ثقافي وفكري فقد صدر عام 1614 كتاب " السلام الديني " الذي يطالب بالسماح بعودة اليهود إلى إنكلترا، وكانوا قد طردوا منها عام 1290.

وفي 30 مقالة من مقالاته البالغة 118 في " قاموس الفلسفة " كان فولتير يتحدث عن اليهود بامتهان. وهو يسميهم " سادتنا وأعداؤنا.. الذين نحتقرهم.. الشعب الأكثر بغضاء في العالم ".

ولعل الدلالة تصبح واضحة في البحث عن أصل كلمة " غيتو ". فالغيتو كلمة إيطالية تعني الحي اليهودي. وربما ظهرت الكلمة في القرن السادس عشر. وأول غيتو لليهود كان في البندقية، حيث أقامت حكومتها في عام 1516 سوراً حول بيوت اليهود لعزلهم عن المسيحيين. وفي بداية القرن السابع عشر شاعت الكلمة في اللغات الأوربية. وفي 1936 استخدمت لوصف سياسة الدولة تجاه اليهود، حين تحظر عليهم العمل في بعض المشاريع الاقتصادية. وفي " رسالة اللاهوت والسياسة " يرى سبينوزا أن قيام الغيتو من صنع اليهود أنفسهم.

فكيف تم هذا الانتقال من اليهودي المرذول ( شايلوك مثلاً ) في أوربا إلى اليهودي المتماهي مع العقل المسيحي الأوربي الآن ؟

صفحة 6

منذ القرن الثامن عشر بدأت صورة اليهودي الكريه تتراجع من الأدب الغربي وتحل محلها بالتدريج صورة اليهودي الإنساني ( الجار والمعين ). وبعد يهودي مالطا عند مارلو، وشايلوك عند شكسبير، والأدبيات الكثيرة الأخرى التي تندد باليهود وجشعهم واستغلالهم، بدأ طرح شخصية اليهودي الطيب.

في رواية " هارنغتون " لماريا إدجورث ( 1767 – 1849 ) ظهرت الصورة الأولى. فمقابل باراباس ( عند مارلو )، الذي يرفض إقراض الدولة لمواجهة الغزو التركي، وشايلوك ( عند شكسبير )، الذي يطالب باللحم الآدمي مقابل دَينه، هناك مونتينيرو اليهودي الذي ينقذ هارلنغتون الإنكليزي من أزمته المالية.

لقد قالت تلك الكاتبة في روايتها، بشكل غير مباشر، إن اليهود بشر عاديون، وفيهم أثرياء طيبون يمكن أن يحلوا المشكلات الاقتصادية في بريطانيا وأوربا. وحتى عند تشوسر تعوّد حاكم المدينة أن يقترض الأموال منهم.

ومن الملاحظ أن هذه الصيغة متكررة. اليهودي معه المال دائماً. وكما يقول مونتسكيو في " رسائل فارسية ": " فلتعلم أنه حيث يوجد المال فهناك اليهودي ".

والآخرون يقترضون منه. تارة يرفض ( يهودي مالطة )، وتارة يقبل بشروط قاسية على المدين ( تاجر البندقية ). ولكنه في " ضمان التاجر "، بين القصص التي جمعها بيفرلي بويد في " معجزات العذراء مريم المكتوبة بإنكليزية العصور الوسطى "، هناك اليهودي الذي يقترض ثم ينكر الدَّين.

وحين جاء دزرائيلي ( بنيامين 1804 – 1881 ) جاء معه البطل اليهودي الإيجابي في الكتابة والحياة وعالم المال. يقول: " إن اهتمامي بسعادة شعبي - اليهودي طبعاً - لمن الحدة بحيث يمنعني من أن أكون أعمى للحظة واحدة تجاه العواصف المتلاحقة على أفق المجتمع ". ولكنه هو نفسه الذي يدرك أن " التوجه الفطري لدى الشعب اليهودي مضاد لمبدأ المساواة بين البشر. ولديهم صفة مميزة أخرى – هي القدرة على التملك. إن شغفهم هو بالدين والملكية والأرستقراطية الطبيعية ".

ثم جاءت روايته "آلوري"، ( عام 1833 )، وموضوعها بوضوح هو النضال من أجل إقامة كيان يهودي في فلسطين، وحتى إعادة بناء هيكل سليمان. فالبطل داود ( ديفيد آلروي ) متمرد يهودي ضد المسلمين في أذربيجان عام 1160. يقوم داود هذا بقتل أمير مسلم دفاعاً عن شقيقته. ثم يبدأ بتحريض اليهود الآخرين للعودة إلى القدس أو العودة إلى التفكير والحلم بها. ويخاف اليهود من الانتقام منهم بسببه، أو إذا عرف عنهم هذا التوجه الذي يدعو إليه، فيقومون بقتله.

ولكن البطل يفكر بوصفه يهودياً حقيقياً حانقاً على خنوع بني قومه: " يا رب الجنود، دعني أهاجم أو أمت. دعني أهاجم مثل داود أو أُقتل مثل شاول.. يا رب. إن عبدك إسرءيل هو الآن رقيق مهان ومذلول ". ثم يطرح الحلم بشاعرية: " لقد سقط القرميد، ولكننا سنعيد البناء بالمرمر ".

ويجب أن لا نغفل عن أن دزرائيلي قد وصل أخيراً إلى رئاسة الوزارة البريطانية مرتين ( 1868 و 1874 ). وهو الذي تحمل مسؤولية اقتراض أربعة ملايين جنيه لشراء أسهم الخديوي إسماعيل من قناة السويس.

صفحة 7

ثم جاءت جورج إليوت ( 1819 – 1880 ) في " الغجرية الأسبانية " لتقول: " إسرءيل بين الأمم بمثابة القلب من الجسد، هكذا يكتب شاعرنا يهوذا ". وفي 1876 كتبت: " إننا، نحن الذين نشأنا على المسيحية، مدينون لليهود بشكل خاص.. إنهم ( أي المسيحيين ) لا يعرفون أن المسيح كان يهودياً ".

وبعد ذلك جاءت روايتها " دانييل دينوردا "، التي موضوعها الأساس هو قضية اليهود. وقد وُصفت الرواية بأنها توضح حساسية الكاتبة " تجاه الثقافة اليهودية، ومعرفتها بها ". كما تميزت "بحميميتها " تجاه البطلة اليهودية غندولن هارليت. وفيها مقاطع اعتبرت " تحدياً ثقافياً " لعصرها، من خلال استكشافها وطرحها أفكاراً جدية حول العرق والقومية، اعتماداً على النموذج اليهودي.

وهذا ليس أمراً عابراً. فجورج إليوت هو الاسم المستعار لأهم شخصية نسائية في تاريخ الأدب الإنكليزي في ذلك القرن، وربما في القرون التالية. كان اسمها الحقيقي ماري آن، أو ماريان إيفانز. وكانت شخصية متحررة صاعقة في ذلك الحين. وليس الأمر متوقفاً على تحررها وتبنيها لاسم رجل لاقتحام عالم الأدب والثقافة. بل إنها كانت شخصية ثقافية عالية الفاعلية. فإضافة إلى كتاباتها الروائية المتميزة قامت بترجمة " جوهر المسيحية " للودفيغ فيورباخ، كما ترجمت " الأخلاق " لسبينوزا، وقالت بأولوية العلم على الخرافة والوهم . وكانت مناضلة من أجل تحسين التمثيل الشعبي في البرلمان.

ما الذي يضع هذه المرأة الرائدة في خدمة القضية اليهودية، وبحيث يصبح " يهوذا شاعرنا " ؟

الجواب هو أن قضية اليهود كانت قد صارت جزءاً من قضايا التحرر في الفكر الغربي. وفي الوقت ذاته كان اليهود يقدمون وجهاً ثقافياً ودينياً في خدمة المجتمع الغربي. فصارت العودة إلى العبرية تحمل معنى دينياً يتضمن العودة إلى الجذور المسيحية التي أُوحيَ أنها كانت يهودية، أو مكتوبة بالعبرية على الأقل. فصدرت أول طبعة عبرية للكتاب المقدس في إيطاليا عام 1488، ثم طبعة التلمود عام 1508 في البندقية. وبين 1492 و 1755 بدأت تصدر ترجمات بالعبرية للاهوتيين وفلاسفة ومؤرخين وشعراء أوربيين غير يهود.

وحتى هيغل في ( فلسفة التاريخ ) ينقل صورة الشعوب الشرقية كما تنعكس في مرايا النص الديني العبري. فتبدو ديانات المنطقة " عبادات وثنية وحسية وطبيعية فاقدة لكل ما هو روحي ". ليستنتج أن " الحواسية – التعامل مع العالم بالحواس وحدها ودون عقل بنائي أو تحليلي، والقسوة هما صفتان شرقيتان ". ويفسر قسوة الشرقي بوعيه الذي تحده الحواس. " ولأن حياة الشرقي هي الحياة الحسية وحسب، ولأن الحسي هو ذلك الشكل من الوعي الذي لا يرتقي إلى مرتبة المفاهيم العامة، ولأن الطبيعة نفسها بالنسبة إليه هي المقدس الأعلى، فإن الإنسان يغدو بلا قيمة، أو أنه ذو قيمة هي الأكثر تفاهة ".

ويخلّص هيغل الديانة العبرية من المؤثرات الثقافية الشرقية، رغم أنها ديانة قامت في الشرق، ويلحقها بمسيحية غربية، ويقتلعها من موروثها الثقافي وجغرافيتها الصحراوية ونموذج حياتها الرعوية.. ونزوعها إلى العنف الدموي.. ليعلن أن اليهودية هي بداية الغرب الروحي، أو هي بداية الروح الغربي، الذي كان العبريون أول من حرره من أردية طبيعية وحسية كانت تغطيه في العالم الشرقي الواحد. فالإله العبري " يخلق الطبيعة والبشر، لكنه لا يتماهى مع الطرفين ". إنه يتعالى عليهما ويصبح " فكرة مجردة" و " نوراً نقياً " يتنزّل في يهوه.

صفحة 8

وفي القرن الثامن عشر بدأت حركة " هاسكالا \ التنوير " اليهودية، والمواكبة لحركة " التنوير " في أوربا وأمريكا في القرن ذاته، ( والتي تعود بجذورها إلى القرن السابق ). لقد أطلق الفيلسوف مندلسون هذه التسمية ( هاسكالا ) على الحركة. وكانت الدعوة موجهة إلى اليهود أنفسهم للخروج من عقلية الغيتو ، وتبني ثقافات البلدان التي يعيشون فيها، وهجر الييديش ( اللغة اليهودية الأوربية ) والعودة إلى التمسك باللغة العبرية، إضافة إلى استخدام اللغات الأوربية في البلدان التي يعيشون فيها، والسعي لتحقيق المساواة المدنية. وكان أهم ما في هذه الحركة أنها أخرجت نفسها من الصيغة الدينية، ونادت برابطة دنيوية بين اليهود، و" حس قومي " بديل عن الرابطة الدينية. وبهذا بُعث الاهتمام باللغة العبرية في أمور خارج الدين. فظهرت أول جريدة بالعبرية باسم "ها يوم" (الفجر) عام 1886، ودوريات أدبية مثل " ها شاهار " عام 1868. وكان أول شاعر ( دنيوي ) يكتب بالعبرية هو يهوذا ليب غوردون من ليتوانيا.

وقد اصطدم التنويريون الأوربيون بالكنيسة فقادهم هذا إلى تحديها في أمور عديدة كان أحدها الموقف من اليهود. إذ أراد التنويريون تحقيق العدالة التي يجب أن تعني حسن التعامل مع اليهود. وكان من الطبيعي أن يتفهم التنويريون الأوربيون السعي اليهودي للمساواة، الذي قطف أول ثماره مع انتصار الثورة الفرنسية. ولكن الإنجاز الحقيقي للتنويريين من هذا الجانب ( تحقير كل ما هو غير يهودي او مسيحي ) كان في " الموسوعة " الفرنسية التي سنأتي على ذكرها.

وقبل ذلك، في القرن السابع عشر، كانت قد ولدت الحركة البيوريتانية. وهي حركة داخل كنيسة إنكلترا في أواخر القرن السادس عشر. وكانت حركةً لإصلاح الكنيسة، ومحاولة للتوفيق بين الكنيسة الكاثوليكية والبروتستانت الإصلاحيين الرافضين. فاصطدمت بسلطة الكنيسة. ثم اصطدمت بالملك جيمس الأول. وطرحت مسألة السلطة المدنية. فتحولت بذلك إلى حركة ذات ظل سياسي، مما أدى إلى محاولة قمعها. وأدى هذا في النهاية إلى هجرة مكثفة من البيوريتان الإنكليز إلى أمريكا. وهم الذين أسسوا " نيو إنغلاند ".

وهناك، ومع الشره الاستعماري الاستيطاني، والشره إلى التوسع والبحث عن الثروات في الدنيا الجديدة، ونظرة المستعمرين إلى السكان الأصليين على أنهم نوع من الوحوش ( الحسّيّين ) الذين لا يعبدون الإله ذاته، ويمارسون طقوساً غريبة، تبلورت لديهم فكرة التميز عنهم والشعور بأنهم شعب الله المختار. فالتقوا مع التفكير اليهودي.

وكانت المصطلحات والتعابير التوراتية قد دخلت منذ زمن طويل إلى لغة الكنيسة. ففي القرن الرابع عشر استخدمت الكنيسة الكاثوليكية الرومانية تعبير " الأسر البابلي " لوصف الإقامة في أفنيون بين 1309 و 1377. وهي استعارة لـ " الأسر البابلي " الذي حدث لليهود، في القرن السادس قبل الميلاد، على يد نبوخذنصر، الذي رحّل اليهود إلى بابل. ولم يتوقف استخدام " بابل " بهذه المعاني، منذ دزرائيلي اليهودي في القرن التاسع عشر، ( والذي كان يعمل في الأدب والسياسة لكي يفرض نفسه على المجتمع الإنكليزي الذي يرفضه، فيقول: " لن تتحول لندن إلى بابل " )، حتى باترسون في كتابيه " الألفية الجديدة " و" النظام العالمي الجديد "، بعد حرب عاصفة الصحراء في مطلع التسعينات من القرن العشرين.

يقول باترسون: " من موقع برج بابل، حيث تبلبلت الألسن وتفرقت كل أمم الأرض، هاهي تعود من جديد وتدخل في حلف عسكري واحد. وهاهي أمم الأرض، كما تقول النبوءات العبرانية، تشكل نظاماً عالمياً جديداً للدفاع عن إسرءيل، والانتقام من بابل بقصفها من السماء؛ لأنها هي التي عذبت شعب الله وأغرقته بالدموع والأحزان ".

وهو يمجد الصهيونية لأنها " كالبيوريتانية استجابت للعهد الذي أعطى فيه يهوه لبني إسرءيل الأرضَ المقدسةَ من نهر النيل جنوباً حتى أعالي الفرات ". وعلى هذا الأساس كان اجتياح إسرائيل للقدس في حرب حزيران عام1967 " أعظم حدث روحي في تاريخ الكتاب المقدس ".

ويؤكد باترسون أن حرب " عاصفة الصحراء " في الخليج العربي كانت المعركة التي حسمت حرب الأربعة عشر قرناً بين الشرق والغرب، بين الإسلام ومنافستيه المسيحية واليهودية. ثم يستشهد بما أوردته مجلة يو إس نيوز ( في 27 آب 1990 ): " إن النزاع القائم في الخليج الفارسي ليس مجرد معركة من أجل الكويت، أو لبسط السيطرة على نفط الشرق الأوسط. إنه الفصل الأخير في حرب قديمة تدور رحاها منذ أربعة عشر قرناً بين الشرق والغرب، بين الإسلام ومنافستيه التوحيديتين: المسيحية واليهودية ".

وحتى الدعوة إلى نظام عالمي جديد هي بالنسبة لبات روبرتسون، مستشار الرئيس السابق بوش ( الأب ) أيام " عاصفة الصحراء "، في كتابه الذي يحمل عنوان " النظام العالمي الجديد "، ليست بعيدة عن التوراة. إذ يقول روبرتسون: " إن الكتاب المقدس هو الذي يعد بتلك الحكومة العالمية التي ستقضي على كل أعداء إسرءيل ".

يقول إدموند ويلسون: " كانت بيوريتانية نيو إنغلند نوعاً من اليهودية الجديدة. يهودية موصوفة بتعابير أنكلو ساكسونية ".

صفحة 9

لقد استعرت بعض هذه المعلومات الأخيرة من مقالة لمنير العكش في مجلة " جسور " ( التي يصدرها في أمريكا ). وسأستعير منه مرة أخرى. فلعل في وضع هذه المعلومات بالتجاور ما يساعد على تفسير جانب مما يعجز العقل القاصر عن فهمه من جوانب الأسباب الكامنة وراء التماهي ليس بين السياسة الأمريكية والسياسة الإسرائيلية فحسب، بل وبين الإنسان الأمريكي، أو الغربي، العادي وبين ما تفعله الدولة اليهودية أو يفكر به الناشط الصهيوني. فحين، ونحن في مطالع عام 2002 تستفرد إسرائيل بكل ما لديها من تسلح أمريكي، بالشعب الفلسطيني الأعزل، الذي لم يعد لديه خيار إلا الموت، وتستفحش في القتل والهدم والاعتقالات والتهجير وتجريف الأراضي، أمام شاشات التلفزيون، ولا تتحرك حتى الجمعيات الخيرية أو الإنسانية في أمريكا، ولو بإصدار بيان استنكاري، لا بد لنا من البحث عما يساعدنا في فهم ذلك بأكثر من القول إن المصالح الأمريكية تقتضي من الولايات المتحدة أن تساند إسرائيل. يجب البحث في مكونات الوعي عند الإنسان الأمريكي، والعربي، العادي وأسس ذلك الوعي التي تجعله ينظر بهذه اللامبالاة إلى مجزرة من هذا النوع.

ولذلك لا بد أن نعود إلى التاريخ، والأمريكي منه تحديداً. وهنا أنقل أيضاً عن العكش:

كانت قوانين مستعمرات كل من بليموث ( 1636 ) وماساشوستس ( 1647 ) وكونكتكوت ( 1650 )، كلها مستمدة من شريعة موسى. بينما كانت نصف قوانين نيوهافن مقتبسة حرفياً من أسفار التوراة.

لقد أطلقوا على أمريكا أسماء " أرض الميعاد " و " صهيون " و " إسرائيل الجديدة " و " أرض كنعان ". وعبر جون كوتون، و هو الأب الروحي للبيوريتانية الأميركية، عن هذه الحتمية القدرية في موعظة له قال فيها، قبل أن يتوجه إلى العالم الجديد لتأسيس مستعمرة خليج ماسّاشوستس: ( إن اللّه حين خلقنا ونفخ فينا روح الحياة أعطانا أرض الميعاد " أميركا ". و ما دُمْنا الآن في أرض جديدة فلا بد من بداية جديدة للحياة نعمل فيها من أجل مجد " بني إسرءيل"، هذا الشعب المختار المتميز ).

صفحة 10

و قد صاغ جون وينثرب، زعيم البعثة البيوريتانية إلى ماساشوستس، ذلك كله في موعظته التي ألقاها في سفينة الهجرة عام 1630. فشرح لمن فيها قصة " العهد " بين " بني إسرائيل " و " يهوه " في سيناء، و ألهب حماسهم حين جدد هذا العهد معهم. و اختتم موعظته بما قاله موسى للإسرءيليين: إنكم أنتم أيضاً " مقبلون على الأرض التي حلف الرب لآبائهم إبراهيم وإسحاق و يعقوب أن يعطيهم إياها ". ثم أخبرهم بأن مصير أميركا كله مكتوب في هذا "العهد".

وبعد انتصار الثورة الأميركية استهل الحاكم جونتان ترمبل خطبته إلى الشعب الأميركي بتلك الكلمات التي قالها يهوه لإسرءيل في سفر التثنية: " أنت مقدس عند اللّه. لقد اختارك اللّه لتكون شعباً فوق كل الشعوب ".

كانوا يعتقدون أن هناك تطابقاً بين خروج العبرانيين من مصر لاستعمار فلسطين وقصة خروج البيوريتان من بريطانيا لاستعمار أميركا. حتى أن المؤرخ جون فيسك يرى أن " كومنولث المستعمرات البيوريتانية " و " فيدرالية التوراة " ‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎‎تأسسا على الموجة الأخلاقية اليهودية، وأنك " حيث ترى تاريخاً يصنع في أميركا تجد تاريخاً أمريكياً يهودياً ".

و لطالما اعتقدوا بأنهم ما جاؤوا إلى " أرض الميعاد " الأميركية إلا لتأسيس دولة "عبرية" تحكمها شريعة موسى على صورة الدولة التي كان يحلم بها الغزاة الإسرءيليون القدامى. أما أولئك "المتوحشون " الذين يعارضون " دولة إرادة اللّه "، وما أصبح يعرف لاحقاً بـ " القدر المتجلي "، ( وهو مبدأ شوفيني يرى أن التوسع الاستعماري في أمريكا ليس محتوماً فقط، بل هو مقدر من الله )، فإنهم ليسوا إلا مخلوقات الشيطان التي أحلَّ اللَّه لشعبه المختار أن يبيدها.

هل يلتقي هذا الكلام مع تصريحات رجال الدين الأخيرة في إسرائيل المعاصرة التي شبهوا فيها العرب بالأفاعي والعقارب، والتي يقولون فيها إن الله قد أخطأ حين خلق العرب، وأنه لا حل أمام الإسرائيليين إلا بإبادتهم ؟

وقبل أن يبدأ فردريك جاكسون تيرنر بتسمية عمليات الإبادة، " تمديناً للمجاهل المتوحشة "، كانت العمليات تستلهم معناها المقدس من مسيرة موسى إلى أرض الميعاد. وليس شعار " الهندي الصالح الوحيد هو الهندي الميت " إلا إعادة صياغة للشعار اليهودي " الجنتيل الصالح هو الجنتيل الميت ". فالجنتيل هو كل من ليس يهودياً. إنهم من ينتمي إلى " الأغيار ". وهو الشعار الذي ستتبناه الحركة الاستعمارية الاستيطانية في كافة أصقاع الأرض. وستبرر إبادة شعوب بأكملها، واسترقاق شعوب بأكملها بعد نقلها على سفن الرقيق كما تنقل البهائم.

ولم يكن تعلم اللغة العبرية - كما يقول منير العكش - بطراً أو زخرفاً أو ترفاً للواعظ والكاهن والسياسي في المستعمرات الجديدة؛ بل كان أساس البنيان الثقافي لكل متعلم متنور. لهذا لم يكن الكتاب الأول الذي طبع في أمريكا هو الإنجيل. ولم يكن كتاباً في الأدب أو النحو الإنكليزي؛ بل كان كتاب " مزامير داود ". وكان كتاب " النحو العبري " قد طبع في هارفرد منذ 1735 … وعندما تأسست جامعة هارفرد في 1636 كانت العبرية هي اللغة الرسمية فيها.