صفحة 1
بسم الله الرحمن الرحيم
مقـدمـة
اليوم الاثنين 14 /4 /2003 هو اليوم الذي آثرت أن أبدأ الكتابة فيه وأسجل بعض الذكريات المؤلمة عن أيام الغزو الأمريكي وحربه المدمرة لبلدي العراق تحت غطاء مزيّف يخلو من أي شرعية قانونية أو أخلاقية أو حضارية … غطاء الحرية والديمقراطية وغطاء نزع أسلحة الدمار الشامل من النظام العراقي الذي كان يحكمه صدام منذ أكثر من ثلاثين عاماً حكماً فردياً في ظل الحزب الواحد الذي أوصل البلاد إلى ما وصلت إليه, بسبب فقدان التعددية والمؤسسية والدستورية, ولكن ذلك لا يمكن أن يكون مبرراً كافياً ولا غطاءً شرعياً للغزو والتدمير الذي عشناه خلال الأسابيع الثلاثة الماضية … والآن ونحن على أعتاب نهاية هذه الحرب التي أتوقعها غداً بعد أن سقطت آخر قلاع النظام البعثي (تكريت) اليوم الاثنين 14/4 بأيدي التحالف الأمريكي البريطاني وبعد ستة أيام من سقوط نظام صدام يوم الأربعاء الماضي, ربما يكون الوقت الآن مناسباً لتسجيل بعض الذكريات والقناعات والتحليلات وآراء شهود العيان عما حدث ودار خلال الحرب لكي تكون شاهدة شهادة حية واعية وربما دقيقة عما رأينا نحن هنا في بغداد من أعمال عسكرية عدوانية وقصف جوي وصاروخي شمل المدنيين والعسكريين دون تمييز, وتدميراً للبنية التحتية والخدمات الأساسية للبلد مما يندى له جبين الإنسانية، كل ذلك لتحقيق الأهداف الأمريكية المعلنة في الاستحواذ على النفط والثروات العراقية ولكي تقر عين إسرائيل وتنام آمنة مطمئنة بعد تخريب أكبر قوة عربية وأعظم ثقافة مناوئة للمخطط الصهيوني المقبل للمنطقة, ولكي يفتح الأمريكان بوابة العولمة العسكرية والاقتصادية لإرهاب دول العالم كافة في الشرق والغرب.
ولعل في الاستراتيجية الإعلامية والحربية التي مارستها الولايات المتحدة الأمريكية في إدارة هذه الحرب غير النظيفة ما هو أخطر وأعظم لإخفاء حقيقة التصدي والصمود العراقي البطل للعدوان بغض النظر عن الموقف من النظام الحاكم, وان ذلك يشمل كافة الفئات والطوائف العراقية, مما يجعل الكتابة عن هذا الموضوع في غاية الأهمية من النواحي الإعلامية والتوثيقية والتاريخية, لكي يعلم الرأي العام في العالم كذب ودجل هؤلاء المعتدين ويكشف منهجهم في السيطرة على مقدرات العالم وإرهابه حتى يكون المال والإعلام والقوة حكراً لهم ولأذنابهم.
صفحة 2
لذلك آمل أن يكون لهذه المحاولة الأهمية الإعلامية الواضحة والأثر الطيب على الرأي العام العربي والعالمي، رغم أني سوف أعتمد فيها على الذاكرة وشهود العيان والمعاينة ليس إلا، دون الرجوع إلى المصادر المكتوبة والأجهزة الإعلامية والصحافة التي تجوب البلد بعد الإطاحة برموز الحكم السابق وحزبه الأوحد. فهي تجربة ميدانية بالدرجة الأولى, وعليه ستكون دقة المعلومات والأحداث التي يتم متابعتها كبيرة من الناحية الميدانية والنقلية والتأكد من صحة وقوعها, مع احتمال ورود خطأ ما في توقيتات تلك الأحداث والمعارك بسبب اعتمادها على الذاكرة القريبة وشهود العيان لمعظم المعارك التي دارت على الساحة العراقية, والله يشهد أنني أكتب هذه المذكرات الآن في ظروف سيئة وإنني أستخدم السراج النفطي (اللالة) لكتابتها بسبب انقطاع التيار الكهربائي, وأتجول في كافة أنحاء بغداد وما حولها من المناطق التي تعرضت للقصف وحدثت فيها معارك كبيرة كالدورة والسيدية والعامرية والمنصور والبلديات والتاجي والشعب والراشدية فضلاً عن الأعظمية ووسط بغداد, وتحدّثت مع عشرات شهود العيان الثقات في هذه المناطق من المدنيين والعسكريين وغيرهم من أبناء الشعب العراقي المجاهد.
إن هذه المشاهد والأحداث التي تم تسجيلها وروايتها هي في الواقع رؤية الشارع العراقي لأحداث الحرب من خلال ما رواه شهود العيان الذين تم انتقاءهم من مختلف الفصائل والمناطق. وهي لذلك تعبر عما كان يجيش في نفوس العراقيين من مشاعر وأحزان وتحاليل وما كان يتناقله الناس من أحداث وقصص في كافة المدن والثغور التي تعرضت للعدوان، كما إنها تعبر عن انعكاس لا شعوري عفوي لشخص عاش أيام الحرب بكل دقائقها وحاول أن يقدم صورة تمثل انطباعاته وقناعاته عن قوة أجنبية غاشمة كانت تحاول أن تحتل بلده تحت أية ذريـعة، وهي تمثل رؤى وقناعات من حوله ممن عاش معه الحدث، وما ترك هذا الاحتلال في النفوس من آثار عميقة ومخلفات قاسية جاءت لتبدل ظلام الظلم والاستبداد بظلمات التبعية والاستعمار. ورغم أنني على يقين من أن هذا الكتاب الذي يعد الأول من نوعه مما نشر عن حرب العراق، ستتبعه كتب عديدة لمؤلفين آخرين تعالج هذا الموضوع من مختلف الزوايا وترفد المكتبة العربية بكل دقيقة من دقائق هذه الحرب الظالمة والعاصفة، فإنني في الوقت نفسه سأكون ممتناً من القارئ الكريم إذا ما زوّدنا بملاحظاته وتعقيباته ومعلوماته عما دار في هذه الحرب من أحداث تخدم الغرض الذي من أجله كتب هذا الكتاب، وفي مقدمة ذلك تدعيم الثقة بقدرات هذا الشعب العظيم والثبات أمام ظلم الاحتلال البغيض، وعودة الوعي ومراجعة الذات العراقية بما جرى من أخطاء وهفوات لتحري الصواب واستلهام العبرة والحكمة، وتخطي العقبات والأخطاء التي كان الجهل والاستبداد من أهم أسبابها، ولذا فإننا ننتظر المزيد من الصور والأحداث التي يمكن إضافتها لهذا الجهد المتواضع لكي تأتي الطبعات التالية أكمل حالاً مما قدره الله سبحانه لنا في الطبعة الأولى، ومن الله التوفيق.
علاء الدين شمس الدين المدرس
12 ربيع الأول 1424هـ
13/ 5/ 2003م
صفحة 3
تمهيد
لقد كان الأسبوع الذي سبق الحرب أسبوعا مزدحماً وكثيفاً بالأحداث والأعمال والنشاطات التي عاشها أهل العراق, فربما جاوز عدد الذين قرروا الهرب من جحيم الحرب خلال تلك الفترة أكثر من مليون شخص آثروا الخروج إلى سوريا وبعض الدول المجاورة مع أراجيف الرئيس الأمريكي بوش وتهديده ووعيده ووصول الأساطيل إلى الخليج, ودق طبول الحرب التي تزايدت وتيرتها في ذلك الأسبوع الذي سبق الحرب، رغم أن التلويح بالحرب قد بدأ منذ الصيف الماضي ولم يطفأ غليانه وعطش القادة الأمريكان لتلك الحرب الموتورة وغير المشروعة إلا الغزو والعدوان, ورغم نجاح أمريكا في استصدار القرار رقم 1441 في مجلس الأمن واستئناف التفتيش الذي كان يصب قطعاً في استراتيجية الجاسوسية الأمريكية, غير أن طغيان أمريكا وغطرستها وتأليهها لنفسها ومنهجها لم يكن يثنيه خسارتها في الجولة الثانية من الحرب الدبلوماسية حين لم تستطع أن تحصل على الأغلبية في مجلس الأمن لضرب العراق بعد انتهاء المدة المحددة للتفتيش في منتصف شباط الماضي, وعدم استطاعتها إثبات ما ادعته على لسان بوش وبلير من وجود أسلحة الدمار الشامل في العراق, وكان المنطق الأمريكي الجديد وغير القانوني الذي يدعو إلى أن يثبت المتهم براءته, وأن يقدم العراق الأدلة على عدم وجود تلك الأسلحة المزعومة. ثم اتخذ الطغيان الأمريكي قرار الحرب وإنذار صدام بأن يثبت براءته خلال 48 ساعة، وهكذا بدأت الحرب بدون أي غطاء قانوني ولا اتفاق دولي أو حتى أوربي، فكانت فرنسا قد تزعمت معارضة الحرب غير المشروعة على العراق تشاركها ألمانيا وروسيا ومعظم الدول الأوربية الأخرى. وواكبت بداية الحرب ظهور قطبين في العالم، القطب الأمريكي البريطاني صاحب راية العولمة والنظام الدولي الجديد ومفهوم القطب الواحد وحكم العالم بالقوة الغاشمة وتهميش دور مجلس الأمن والمنظمة الدولية، وقطب أوربا القديمة (العريقة) المدافعة عن التعددية والشرعية واحترام القانون وسيادة الدول, وضرورة العودة إلى المنظمات الدولية الشرعية وفي مقدمتها الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي لحل النـزاعات الدولية، والمدافعة عن المنهجية الحضارية التي تجعل من الشرعية والسلام وحقوق الإنسان في مقدمة اهتماماتها, ولقد كانت فرنسا وألمانيا تستذكر صورة هتلر وطغيانه وترى فيه صورة أمريكا الحالية بقيادة بوش وحالة الانفراد بالقرار الدولي، فضلاً عن خشيتها من السيطرة الأمريكية على الخزين النفطي العالمي وتحكمها الفعلي في الاقتصاد العالمي. ورغم الموقف الأوربي الصلب ضد الحرب، قررت أمريكا أن تدخلها، يغريها في ذلك قوتها الغاشمة وسيلان لعابها على ما في العراق من ثروة هائلة, وتحالف بريطانيا وأسبانيا واستراليا معها, وعدم مرونة الدبلوماسية العراقية وشللها بسبب الحكم الفردي الدكتاتوري, ورهان قوات التحالف على الوضع الطائفي والعرقي في العراق واستثمار ذلك الوضع في خلخلة الصف وحسم الحرب بسرعة لصالحهم, فضلا عن أثر الحصار الذي نخر البلاد خلال السنين العجاف التي تلت حرب بوش الأب، ضاربة بعرض الحائط انتهاكها الصارخ للقانون الدولي واحتقارها لدور المنظمة الدولية ومجلس الأمن, واستهانتها بمشاعر العرب والمسلمين، واتهامهم -في الإعلام الأمريكي المتصهين- بأنهم سبب الإرهاب الدولي في العالم.. وهكذا بدأ التحالف الأمريكي البريطاني الحرب الغاشمة العدوانية، وبدأ الغزو البربري على العراق بعدما مهد الإعلام لتلك الكارثة الإنسانية بكل الوسائل المتاحة واستخدام الحرب النفسية الإعلامية التي غطت العالم بأسره, وقد رفع الإعلام الأمريكي شعار (الصدمة والترويع) لهذه الحرب الكبرى لفتح باب السيطرة على العالم وفرض العولمة والنظام الدولي الجديد على العالم بالقوة بدءً بأفغانستان فالعراق ثم بقية دول آسيا وأفريقيا ثم أوربا كحصيلة نهائية لتداعيات هذه الستراتيجية الاستحواذية بزعامة أمريكا.
صفحة 4
ومن المفيد أن أذكر أنه قد وقع في يدي كاسيت يحتوي على خطبة الشيخ يوسف القرضاوي ليوم الجمعة التي سبقت الحرب في 14 /3 /2003, وكانت الخطبة مكرّسة لموضوع الحرب على العراق وكشف المخطط العدواني الأمريكي الصهيوني وخلفيات ذلك المخطط والتداعيات الخطرة المتوقعة فيما إذا نشبت الحرب وسقط العراق في أيدي قوات التحالف. وقد قمت بنشر هذه الخطبة بين الناس خلال أيام الحرب الأولى لتحذيرهم من مخاطر الغزو الأمريكي الصهيوني, كما وقع في يدي مقال من الانترنيت موقع الجزيرة نت بعنوان (بوش.. طغيان الحماس الديني على البصيرة السياسية) بقلم الكاتب الموريتاني (محمد مختار الشنقيطي) مع مقال آخر لكاتب أمريكي يدعى ليندن بعنوان (العمى الأخلاقي الأمريكي) والمقالان يتحدثان عن النفوذ الصهيوني في أمريكا وخطة الصهاينة في تهويد وصهينة المسيحيين البروتستانت الأمريكان, واحتلال الشرق العربي لتدعيم الأمن الإسرائيلي, تمهيداً لظهور المسيح المنتظر بزعم هؤلاء الصهاينة والمتصهينين البروتستانت, ومن بين هؤلاء المؤمنين بهذه العقائد والأفكار الرئيس الأمريكي بوش وكثير من أقطاب الحكم والسياسة في أمريكا، وجاءت أحداث 11 أيلول وتداعياتها واتهام المسلمين بالإرهاب لتعزز هذا المنطق والمنهج الأمريكي سواء إيماناً به أو تسخيراً له لصالح الأطماع الأمريكية في العالم العربي والإسلامي. وقد حاولت نشر هذين المقالين أثناء الحرب لتدعيم الجبهة الداخلية وللتعبئة وتجسيماً للخطر الماحق بكل صوره وتثبيتاً للمؤمنين, رغم قناعتي وقناعة الكثير من الإسلاميين أن الراية المرفوعة أثناء الحرب لم تكن إسلامية, وأن صدام وحزبه لم يعطوا أي فرصة للإسلاميين للدفاع عن البلد ولم يثقوا بهم ولم يسلّموا السلاح لهم حتى آخر لحظة لسقوط النظام. ولكن واجب الدين والوطن يدعو إلى التصدي والوقوف بوجه الغزو والعدوان بكافة السبل ومنها إيصال الكلمة الصادقة والوعي والتثبيت، وقد كان شعارنا في ذلك قوله تعالى: إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا, سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان فإذا كان النظام الحاكم لم يسمح بالجهاد وحمل السلاح، فعلى الأقل يمكن أن نقوم بجهاد الكلمة وتثبيت المقاتلين للجهاد والصمود بوجه الغزو والاحتلال.
صفحة 5
بدء الحرب على العراق
في فجر يوم الخميس وفي الساعة الخامسة بعد انتهاء فترة الإنذار القصيرة للعراق، بدأت الحرب الظالمة، وسمعنا صوت صفارة الإنذار بعد دوي القصف الجوي والصاروخي على بغداد. واستمر القصف طوال اليوم والأيام التي تلت، وبدأ البث التلفزيوني العراقي الخاص بتغطية الحرب في الساعة الثامنة صباحاً، وسمعنا خطاب الرئيس صدام الحماسي والقصير في الساعة الثامنة والنصف, وبدأ الإعلام العراقي يشد من أزر الشعب بالأغاني والأناشيد الوطنية الحماسية, ثم صدر البيان الأول معلناً بدء الهجوم البري الأمريكي على أم قصر، تلك المدينة الصغيرة الباسلة التي تقع على الحدود العراقية الكويتية، ثم بدأت القوات الأمريكية والبريطانية تتدفق على جنوب العراق مستهدفة الفاو والبصرة من الحدود الكويتية..
وبعد يومين من القتال الشرس في أم قصر والفاو والذي أبدى خلاله الجيش العراقي مقاومة باسلة وتحدياً بطولياً لهذا الغزو الهمجي المتذرع بحجج غير صحيحة ولا صادقة. لقد وجد الأمريكان والإنكليز أن بوابات العراق الصغيرة في أم قصر والفاو عصية على جيوشهم المدججة بالسلاح الحديث والتكنولوجيا المتطورة، وقد كانوا يظنون أن جنوب العراق سيفتح ذراعه وأبوابه لهم بالورود والزهور، فلم يجدوا غير الرصاص والصدور المؤمنة الصابرة التي واجهت قوات الاحتلال وصواريخهم، لذلك قرروا أن يتركوا الفاو وأم قصر ويذهبوا بمرتزقتهم إلى البصرة العريقة مدينة التاريخ والحضارة والنفط، فلم يجدوا فيها غير الصورة التي رأوها في القرى الصغيرة. فتصدى أبناء البصرة وعشائرها وجندها وفدائيوها وكبدوا العدو أفدح الخسائر. وفي مساء السبت تحدث البيان العسكري العراقي عن تقدم الجيش البريطاني نحو البصرة الفيحاء، وفي صباح الأحد 23 /3 /2003 حدثت معارك طاحنة بين قوات التحالف والعراقيين، أبدى الشعب العراقي وجيشه بسالة نادرة وكبدوا المعتدين خسائر جسيمة في الدروع والطائرات والجنود من القوات الخاصة (المرتزقة) والقوات الإنكليزية، أما في بغداد وبقية المدن في عمق أرض العراق فان القصف الجوي والصاروخي لم يتوقف ولم يفتر عنها, وكانت بغداد الحبيبة تئن تحت وطأة أكثر من1600 ضربة صاروخية وجوية يومياً, كان جزءٌ غير يسير منها على المدنيين والمؤسسات الخدمية والدوائر والمستشفيات والمنازل والشوارع والمتاجر، وفي معظم أحياء وضواحي العاصمة في الدورة والعامرية وسومر والأعظمية والشعب وغيرها, مسببة استشهاد المئات من المواطنين من النساء والأطفال والشيوخ، فضلاً عنقصف مواقع الحرس الجمهوري وقيادات الجيش والفدائيين حول بغداد.
صفحة 6
معركة أم قصر
لقد وقعت معركة أم قصر في اليوم الأول للحرب, حيث بدأت قوات التحالف هجومها البري على العراق من حدود الكويت المقابلة لمدينة أم قصر, ورغم صغر هذه القرية والميناء فإن العراقيين لم يتركوها لقمة سائغة للغزاة بل إن الجيش المتموضع فيها قاتل وصمد صمود الأبطال وكبد العدو خسائر كبيرة أضطر إلى التعتيم عليها بعدما شعروا أنها قد تجاوزت ما توقعوه بسبب تلك البطولة النادرة التي لمسوها في إصرار وثبات العراقيين على المقاومة ورد العدوان. وإن أم قصر استطاعت الصمود أمام الغزو سبعة عشر يوماً كاملاً, وإن الفرقة 11 والفرقة 51 اللتين كانتا من أضعف الفرق في الجيش العراقي استطاعت أن تقهر قوات التحالف وتوقف هجومهم، وقد كان الأمر أكثر صدمة لهم في البصرة والناصرية والنجف وفي وقفتهم الشجاعة في الأيام التالية.
صفحة 7
أيام العاصفة الرملية
لقد كانت من استراتيجيات الدفاع العراقي في بغداد ومراكز المحافظات إشعال النفط الأسود في أسوار بغداد وحول المدن الكبيرة للتأثير على أجهزة الرادار والمراقبة والطيران لقوات التحالف، وأني لا أستطيع تقدير مدى فائدة هذه الخطة من الناحية العسكرية، لأني لا أمتلك الخبرة والقدرة على تقييم هذا الإجراء، ولكن يبدو لنا إنه أربك العدو في إصابته لأهدافه وفي مناوراته وحساباته على الأرض خلال الأسبوع الأول والثاني للحرب، لاسيما وأنه اقتنع أن يبقي قواته في الصحراء شأن الجبناء, ولا يدخل المدن العراقية بعدما اصطدم بالروح البطولية للعراقيين في الدفاع عن مدنهم، وخصوصاً بعد أن شهدت الناصرية هي الأخرى مقاومة باسلة ومعارك ضارية لطرد الغزاة كبدت الأعداء خسائر كبيرة، وكان الإعلام الأمريكي حريصاً على عدم إعلانها أو الاكتفاء بإعلان أقل من عشرها خشية الرأي العام العالمي والأمريكي والبريطاني بشكل خاص بسبب اتساع صوت المعارضة للحرب والعدوان داخل أمريكا, فضلاً عن أوربا والعالم. ومما زاد الطين بلّة، إن التأييد الإلهي كان واضحاً في تثبيت المقاتلين ورفع معنويات الجيش والشعب العراقي، حيث كان جند الله بالمرصاد لتدمير معدات العدو وإنزال الوهن والرعب في صفوفهم بعد العاصفة الرملية والأعاصير الشديدة التي دامت ثلاثة أيام بلياليها، لتتيح للعراقيين مناقلة قواتهم وتعرضهم لقوات الغزو المنتشرة غرب الفرات في الصحراء الممتدة على الحدود العراقية السعودية. لقد كان لهذا التأييد الإلهي الأثر الكبير على صمود العراقيين ميدانياً ومعنوياً, في حين كان ذلك فأل شؤم وروح انتقام طاردت قوات التحالف وآلياتهم وأجهزتهم, مما جعل ميزان المعارك لصالح الصمود العراقي رغم عدم التكافؤ في القوى والإمكانيات بين الطرفين.
صفحة 8
معارك البصرة والناصرية والنجف والرمادي
وهكذا كانت أيام الأحد والاثنين والثلاثاء وبالاً على المعتدين حتى أفزعت بوش وبلير ورامسفيلد وغيرهم من المتآمرين على هذا البلد العريق, وقد كانت معارك الأنبار في الرطبة والقائم ثم النجف وكربلاء وفشل المحتلين في تحقيق أهدافهم الشريرة في الدخول إلى المدن عاملاً مضافاً في الارتباك الحاد في صفوف التحالف المعادي لاسيما قادتهم، مما أضطر بوش وبلير أن يلتقوا ثلاث مرات خلال الأيام العشرة الأولى للحرب, ثم تلاحقت الهزائم والخسائر الكبيرة في قواتهم حتى يوم السبت 29 /3، لاسيما في معركتي الناصرية والنجف البطوليتين, حيث أنه في معارك الناصرية وحدها تم إسقاط عشرين طائرة سمتية نوع أباشي وطائرة سمتية نوع كوبرا، وتدمير مئات الدبابات والناقلات وتكبيد العدو خسائر كبيرة في الأرواح، واستمر الموقف العسكري الميداني لصالح العراق، وكان الإعلام العراقي ذا الإمكانيات الفقيرة المحدودة أصدق وأدق من الإعلام الأمريكي الذي يعتمد على الخيال والتوقع والزيف والكذب وإخفاء الحقيقة عن العالم بشكل أساسي انتظاراً للحظة تنفيذ خطة (الصدمة والترويع) التي كان يحلم بالوصول إليها في لحظة الانهيار العراقي السريع المتوقع والحرب الخاطفة التي خطط لها بوش وأعوانه لتكون خلال مدة لا تزيد على ثلاثة أيام، وحين لم يحصل ما توقعهُ الأمريكان، بدأ التخبط والتناقض في التصريحات، ومع نهاية الأسبوع الثاني بدأ الحديث عن تغيير الخطط المعدة سلفاً, وظهر على السطح ما لا يتمنى هؤلاء الحلفاء, نتيجة الهزائم الحقيقية التي حصدها الغزاة في البصرة والناصرية والسماوة والنجف وكربلاء والأنبار وقضاء البعاج في الموصل، وفشل الإنزالات العديدة في الرطبة واليوسفية وكربلاء وتقهقر التحالف المعادي وتكبدها خسائر غير متوقعة بلغت ألاف القتلى والأسرى ومئات الدبابات والدروع والناقلات، مع تزايد ملحوظ في العمل الفدائي الاستشهادي في النجف والناصرية والأنبار, لاسيما بعد عملية الشهيد علي النعمان في النجف، ولم يستطع الإعلام العراقي المتواضع أن يوصل كل تلك الحقائق إلى العالم بسبب قدرته الضعيفة وسوء الإدارة الإعلامية ومحاصرة القوات الغازية للقنوات الإعلامية المستقلة والمحايدة، تمهيداً لغدر العراق وإجهاض تصديه البطولي الأسطوري, رغم استبداد النظام الذي لم يسمح لكثير من المخلصين بالمشاركة الفاعلة في القتال، ورغم تردد البعض من الناس بحجة أن الراية البعثية لا تمثلهم، إلا أن الجيش والفدائيين العراقيين والعرب وأهل المدن والعشائر في جنوب العراق وغربه وشماله، كل تلك الفصائل قاتلت وجاهدت خلال الأسبوعين الأولين كصف واحد وقوة واحدة مؤثرة وسخية، وقد حدثني الكثير من شهود العيان من الجيش والشعب أن مئات الأسرى الأمريكان في الناصرية والبصرة والأنبار قد تم عرضهم على الناس وحجزهم في أماكن مخصصة تمهيداً لاستلام الأوامر بشأنهم، وقد ذكر أحد الثقّات أنه في إنزال غرب الأنبار في الأسبوع الأول بين الرطبة والقائم تم قتل 50 أمريكي وأسر 75 جندي آخر تم حجزهم عند قبيلة البو نمر ولم يسلموهم إلى الدولة بسبب إشكال قديم بينهم وبين السلطة، مما دعا بصدام إلى استرضائهم وإكرامهم على عملهم الباسل، وكذا الأمر في الناصرية حيث تم أسر عدد كبير من الجنود الأمريكان بعد معركة الناصرية الباسلة، وقد حدثني شاهد عيان آخر عن مئات القتلى الأمريكان التي كانت رؤوسهم تلقى أمام صدام في بغداد, ممن كانوا حصيلة العمليات الفدائية في مختلف مواقع القتال, وبعد حادثة عرض الفيلم العراقي للأسرى الأمريكان والضجة الكبيرة التي افتعلوها حول انتهاك العراق لاتفاقيات جنيف للأسرى, أصبح عرض الأسرى في التلفزيون والتصريح بعددهم من الأمور الحساسة في الإعلام العراقي, ويقال أن صدام أمر بقتل من يقع في الأسر من الأعداء للتخلص منهم ومن الإشكال الإعلامي والاتهامات الأمريكية.
صفحة 9
أما العمليات الإستشهادية فقد كانت كثيرة ولكن الإعلام العراقي كان أضعف من أن يغطيها كلها, عدا تلك التي أعترف بها العدو والتي كانت قرب المدن الكبيرة, وأشهرها العملية الإستشهادية الكبرى التي قام بها الشهيد البطل علي جعفر موسى النعمان في مدينة النجف، والتي قتل فيها 11 جندياً أمريكياً ودمّر دبابتين وناقلتي جنود في أول عملية فدائية بطولية يوم السبت 29/ 3 حيث قاد سيارة مفخخة وفجّرها في وسط آليات العدو وجنوده, وقد أعترف الأمريكان بهذه العملية وذكرتها وسائل الإعلام العالمي, وكذلك عملية إسقاط الفلاح العراقي علي لفتة للطائرة السمتية في كربلاء باستخدام سلاحه الخفيف (بندقية برنو) يوم الاثنين 31/3 والتي حاول الإعلام الأمريكي التشكيك بها بعد احتلال بغداد في محاولة لتسويق الرواية الأمريكية للحرب مستبعدين أي دور بطولي للعراق, والعملية الفدائية البطولية النسوية التي قامت بها الشهيدتان نوشة الشمري ووداد الدليمي في مدينة الرمادي يوم الجمعة 4/4 في مطلع الأسبوع الثالث للحرب والتي أدت إلى مقتل وجرح عدد من أفراد قوات التحالف.
وقد روى لي أحد شهود العيان الثقات من أهالي البصرة بعض الأحداث التي حدثت في البصرة أثناء الحرب وبعد سقوط النظام في بغداد فقال: أنه في اليوم الثاني من الهجوم دنس البريطانيون أرض الزبير بن العوام والحسن البصري (مدينة الزبير ) وواجهوا ما لم يتوقعوه من الناس الذين عشقوا الحق، فواجهوا هذا التدنيس بكل صلابة بما امتلكوا من أسلحة متواضعة وأحرقوا بعض آليات العدو واختطفوا بعض الجنود من المعتدين وذبحوا الآخرين مما أدخل الرعب في قلوب المستعمرين.
ومن الروايات التي تعد من صفحات الصمود البطولي ما فعله آل الراشد في الفاو إذ وقفوا يدافعون عن المدينة دفاع أصحاب الحق عن حقهم وقد شهد لهم الناس بذلك.
لقد دارت معركة رائدة بين قوات المشاة البحرية في (أم قصر) وبين القوات البريطانية ابتدأها البريطانيون بالقصف الشديد بالطائرات والمدفعية فلم تتحرك القوات العراقية أي حركة وظن البريطانيون أنه لم يبق من قوات المشاة والبحرية العراقية أحد فتقدموا عليهم، فخرجوا لهم من المواضع ودارت معركة ضارية بين الطرفين حقق فيها العراقيون نصراً على الأعداء وكبدوهم خسائر فادحة وتراجع الباقون إلى الخلف.
أما في مدينة البصرة فقد ربض البريطانيون على مشارف المدينة، وبالتحديد عند جسر الزبير ولم يستطيعوا التقدم إلى المدينة لمدة أسبوعين ووقف بوجههم الفدائيون العراقيون والعرب, وقد تفاهم بعض أعضاء الحزب الحاكم الكبار من بعض العملاء مع البريطانيين حول تسليم البصرة دون قتال, ولم يتحقق ذلك ألا بعد جهد جهيد, بفضل وجود الأبطال الغيارى من الوطنيين والفدائيين, ومن صور البطولة لهؤلاء الفدائيين العرب أنه كان أحدهم قد شدّ رجله حتى لا يستطيع التراجع, وكان يضرب العدو وقد أحرق دبابة وناقلة ثم أستشهد, وقد كان ذلك في (معركة حمدان) هكذا سميت عند الناس لأنها في منطقة حمدان, ويروي لنا الثقات إن امرأة خائنة أخذت ترمي على الفدائيين بسبب ولائها للأجنبي وادعائها بغضها لصدام ثم قُتلت بنار الفدائيين. وقد أصاب الناس في هذه المنطقة الهلع بسبب القصف العشوائي عليهم.
وعند دخول القوات المحتلة للمدينة كان بعض الرعاع الذين لا يفهمون معنى الحق وأهله والباطل وأهله, أخذوا يصفقون ويضحكون مع جنود الاحتلال، ولكن أغلبية الناس ثبتوا ولم يخشوا الباطل فمنهم من لزم بيته وأخذ يبكي ومنهم من لم يصدق ما هو فيه, ويذكر إن جماعة من جامع الفاروق في الجنينة أخذوا يبكون في المسجد فاستحيا الناس من استقبالهم للمعتدين وتراجعوا ودخلوا بيوتهم.
بعد الاحتلال جاءت المأساة وحلت الفوضى ونزل الانفلات الأمني بساحة الناس وغياب القانون بغياب الأخلاق والدين, وبدأ السلب والنهب لدوائر الدولة, أقول لدوائر الدولة فلم تذكر حالة سرقة للأفراد إلا ما ندر, والسرقات كانت مقتصرة على الدوائر والمؤسسات والمخازن, ومن بين هذا التسيب والانفلات كانت هناك أخلاق وقيم بصيغة فريدة، فقد وقف أهل السيمر قرب المحكمة القديمة في البصرة على الشارع وأخذوا يقذفون السرّاق و (الحرامية) بالحجارة فكسروا سياراتهم وأمتعتهم وتركوا الأمتعة وهربوا.
ثم هبّ العلماء إلى حث الناس إلى تذكر الله وردّ المظالم وإرجاع الممتلكات إلى أماكنها فأرجعوها إلى المساجد والحسينيات. ثم بدأ دور المخلصين الغيارى في إعادة بناء البلد والمؤسسات.
صفحة 10
فشل خطة الحرب الخاطفة والصدمة والترويع الأولى
مع مطلع شهر نيسان تم إجراء تغييرات في الخطة الأمريكية ميدانياً وإعلامياً، وذلك إن الخطة الإعلامية التي كانت تعتمد أساساً على إخفاء الحقائق وتقليل عدد الخسائر إلى أدنى حد ممكن أصبحت غير قابلة للتنفيذ بسبب الخسائر الجسيمة في معارك المدن والعمليات الفدائية وبسبب وجود الإعلاميين المحايدين ونقلهم جزءً غير قليل من الحقائق التي لا تروق للأمريكان ولا تنسجم مع خطتهم الخبيثة، فقررت قيادة التحالف تهميش دور وزير الدفاع الأمريكي رامسفيلد وإسناد قيادة الجيش لرئيس الأركان, وتشديد عملية تقييد الإعلام الأوربي والعربي المحايد والتي وصلت إلى درجة ضرب مركز التجمع الإعلامي في بغداد وقتل عدد من الصحفيين, منهم مراسل في قناة الجزيرة هو طارق أيوب, والتآمر على الإعلام العراقي وطعنه من الخلف وإظهاره بمظهر الإعلام الكاذب المخادع بأساليب تكتيكية هوليودية آخرها قصة معركة المطار التي خُدع فيها وزير الإعلام العراقي محمد سعيد الصحاف أيما خديعة سنأتي عليها لاحقاً، وضرب وسائل الإعلام العراقي في القلب بقصفها بشكل هستيري ومتكرر، والاتصال بالقادة الميدانيين والأمراء العراقيين في الجيش والحرس الجمهوري وتحذيرهم من خطورة مواجهة القوات الغازية وتهديدهم بمحاكمتهم كمجرمي حرب، وإدخال عناصر من قادة المعارضة إلى المدن العراقية الجنوبية التي استعصى عليهم دخولها لتفتيت الجبهة الداخلية والتشكيك في قدرة النظام والجيش على الصمود, وتجييش الجواسيس والعملاء ونشرهم في المرافق والأماكن المهمة في البلد وتجهيزهم بأجهزة ومعدات متخصصة لتحديد الأهداف الحيوية لغرض قصفها وذلك للإسراع في الإجهاز على أركان النظام, ويتوقع البعض أن عدد الجواسيس الذين أدخلتهم قوات التحالف وصل إلى 5000 جاسوس وعميل, واستنفار القوة الاستخباراتية للتحضير للضربة القاصمة.. ثم توجيه الضربة القاضية للنظام العراقي في المطار والمنصور والقصر الجمهوري في الأسبوع الثالث خلال أيام الأحد والاثنين والثلاثاء منه . هكذا كانت الخطة بعد أن يأس العدو من الوقوف أمام بسالة التصدي العراقي على الأرض، لاسيما وأن الخطة الأمريكية كانت - كعادة أي غازي جبان-تقتضي عدم الدخول في المدن والاصطدام مع الجيش والحرس والفدائيين, فكان هؤلاء الغزاة يجوبون الصحراء خوفاً من الموت على أيدي العراقيين, متدرعين بحصونهم ومدرعاتهم ومعتمدين على التفوق الجوي الساحق وقوتهم الصاروخية, وتلك الصفة يؤكدها القرآن الكريم حين يخبر المؤمنين عن قتال هؤلاء المعتدين وأمثالهم فيقول: لا يقاتلونكم جميعاً إلا في قرىً محصنة أو من وراء جدر بأسهم بينهم شديد تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى ذلك بأنهم قوم لا يعقلون (سورة الحشر/14) وقد زاد من ورطتهم في حصنهم الصحراوي تلك العاصفة الرملية التي أعمت أبصارهم وأجهزتهم فضلاً عن قلوبهم. كما أن من الحقائق الأخرى التي تبين الزيف الإعلامي الأمريكي هي استخدام أكثر من 150 ألف جندي من القوات الخاصة (المرتزقة) وهذا العدد يزيد على نصف الجيش الأمريكي الذي جيء به لغزو العراق، وهؤلاء حسب ما صرح الأمريكان أنفسهم إنهم مرتزقة بحق، فهم ممن لم يحصل على الجنسية الأمريكية أو من أوباشهم وسرّاقهم ومجرميهم، ممن يرغبون الالتحاق في هذه القوات الخاصة بأجور مجزية وعالية جداً مقابل شرطين هي أن لا يُعلن عن مقتلهم من قبل الحكومة الأمريكية، وأن لا يحق لأهليهم المطالبة بمعرفة مصيرهم بعد مقتلهم، كما ويمتاز الجيش الأمريكي المنتشر في الخليج بميزة أخرى, هي تخصيص فرق عديدة وكبيرة للإخلاء والإنقاذ، فلا تنتهي معركة أو هزيمة لجنودهم ودروعهم حتى يسارع هؤلاء بواسطة فرق الإنقاذ لشفط وسحب كل ما على الأرض من القتلى والجرحى ومعدات ودروع وطائرات دون الحاجة إلى الإعلان عن ذلك. بتلك الخطة الخفية استطاعوا أن يصوروا للعالم أنهم لم يخسروا أكثر من مائة وخمسين قتيلاً مع عدد من الجرحى والأسرى, مما يصور عقلية الكاوبوي والخيال الذي يحكمهم ويمنيهم بالسيطرة على العالم, بحجة إنهم لا يقهرون وإن ما يقتل منهم هو شيء لا يذكر مقارنة مع قتلى خصومهم والأهداف الكبيرة التي يريدون تحقيقها, مما يخدع الرأي العام الأمريكي بأسطورة القوة الأمريكية ومنهجهم الذي لا يعتمد إلا على الزيف والخدع الإعلامية الكبرى، مما سيؤدي قطعاً إلى مأساة مروعة في أمريكا والعالم خلال الحقبة القادمة, إذا لم يتم ردع هذا الأسلوب المخادع, والذي لا يحتفظ بأي قيمة شريفة أو مبدأ حضاري إنساني سوى تقديس القوة التي تمثل الحق في العقل الأمريكي، وخداع البشرية من خلال الهيمنة على الإعلام العالمي ومقدرات العالم.