eKtab
EN ع
تحت سماء الكلاب
اقرأ عينة مجانية

تحت سماء الكلاب

بقلم صلاح صلاح

صفحة 1
برج بابلي
 
 
 
ا ل م وت· موت·· موت·· الأغنيات·· أغنيات·· جوع·· جوع· حكي مصنوع من حصى وافتراءات، ثم وجوه مصنوعة من خطايا وبغايا لأيام متورمة مثل كيس القواد·
 
هذا الصباح ابتسمت في زاخو بعدما أحسست طيلة الأيام الماضية بطعم الانغلاق المر واللاذع· حاولت في البدء أن أعرف سر هذا الاستكناه والرغبة في الابتسام، هل هو بسبب خبر أو نبأ عاجل من التي تعودنا عليها طيلة أعوام القسوة ؟
 
لم أعرف في واقع الحال هذا السر· طيلة الرحلة العميقة والطويلة بين الجبال، من سهل أربيل والى الآن، مرورا بعنف اللذة التائهة في شوارع أربيل، ثم شقلاوة، وبعد ذلك دهوك وحتى المستقر الآتي في مدن العقارب واللسعات المميتة·
 
في زاخو، المدينة التي تنزعها صبغات اللون واللكنة والطبائع المغادرة للسلطة وصولاً إلى الطبع الحالي· مدينة الأشياء العابرة· هكذا فكرت، ربما وأنا أستنطق أجساد العصافير المنهوشة والعائمة في هواء بلا لون أو طعم غير طعم المرارة الملاحق لفمي، من سهل أربيل وحتى هذا المكان·
 
ربما كانت رواية هرمان هيسة (دميان) على سبيل التذكر هي السر، حيث يجول هيسة في نذر الحرب· لكن لا حرب هنا غير حرب البغايا واللصوص والسماسرة وأعضاء الأحزاب التناسلية·
 
موت·· موت· هنا يمكن لي التوقف مستعيدا تلك الحاسة المشتركة للبشر والمتعلقة بتذوق نكهة الموت المتبرعم على الأحجار والأشجار والعصافير، من سهل أربيل وحتى انحناءات الفيش خابور في زاخو، شكل الموت والإحباط إذن هو السر· حينما فكر دميان بهجر المرأة، فإن ذلك كان اتجاها للضياع وللاشيء· ما هي المقاربات إذن ؟ ماهو طعم الموت والقسوة عند حدود طريبيل وانت مغادرٌ المتاهة لتفاجأ بشكل السماء الداكن الزرقة في الجانب الأردني· السماء هي المساحة الساقطة من الجيوب المثقوبة بالألم· مابين طريبيل والرويشد مساحة ضائعة وقصيرة للحلم· هناك زرقة عميقة للسلام وهنا صبغة قاتمة للقسوة والخوف والأحلام الفاترة والمؤجلة·
صفحة 2
في مشهد 13 آب عام 1996 ضاعت اختيارات الحزن العادي لمحمود درويش ومجموعة من أصدقائنا· ضممت حجرا محاولا تزويقه بالحب، لكن الموت كان قد أنشب· هكذا مات رياض إبراهيم على مسلة الزمن، فتهنا في تلك الأيام أكثر من المتاهات السابقة· بعض الأصدقاء كانوا يحاولون إيجاد ثغور لسنونوات، أعشاش للحب المغادر على خيانة 31 آب، لكن السنونوات كانت تغادر الربيع المفترض أن تعيشه بيننا· آخرون من الأصدقاء قبلوا الموت بسكون، التفوا ببطانيات ممزقة ثم حملتهم العسس الليلية بحماية بيشمركة مسعود بارزاني· أين ذهبتم بهم أيها الموغلون بدم الأصدقاء ؟ لكنهم لايجيبون، بل يبتسمون ويضحكون للمدى الأرعن الغارق بخياناتهم· مدى أسود حينما يتقدم رجال الأمن الصدامي من أجل القبض على الأصدقاء في اربيل· خيول مطهمة بلوثة الخيانة وسهول غارقة في حزن أسود مأفون بالموت· ها أنا الأن أنسى أو أتناسى محنة سماوات الرويشد وطريبيل، ذلك أن الموت هنا يوزع مجانا وملفوفا ببطانيات ملونة زودنا بها بيشمركة مسعود· في المحنة الرقطاء المأخوذة صفاتها من صفات الضباع، تذكرت أشياء بسيطة حسب، فيما نسيت العديد من هذه الأشياء الأخرى، على سبيل المثال، أحسست بطعم الخراء الذي ذكره غارسيا ماركيز في خريف البطريرك ونسيت الأيام التالية حينما يقفز الجنرال على قحابه· المشكلة هنا أن الحدث كان أكبر من التذكر والتبرعم الذي غلف المدينة· في ذلك الصباح، وقبل خروجي الندي، تأملت مسرى المياه على أرصفة المدينة، الكثير من أهالي أربيل جلسوا القرفصاء عند نواصي الشوارع وعلى أرصفة الدروب الصغيرة بانتظار الهاجس· ومثل أي إنسان غير متآلف مع الوعي والمكان، اجتزت دروب المدينة المنداة· صباح آخر من الورد الضائع العصي على التذكر· كانت رائحة السماء غبية فيما يسرع آخرون نحو متاهات ومخارج العصافير الشاردة والقلقة· توقفت عند مفترق طرق شارع الستيني· في متاهة العصافير تلك كنت أشبه بالهائم أو التائه، ها أنا التائه الأبدي في دروب الضياعات· كان إحساس الضياع يضرب في مثل عاصفة· كل شوارع أربيل كانت مغلفة بالخراء والبعرور، قطعان الأبقار كانت تهرول بمعية الناس، وحدي أنا المتبقي وحيدا مع العصافير، كانت العصافير مرتبكة هي الأخرى لكنها لم تغادر السماء الطنانة بشبح مجهول· مجموعات من الأكراد تهرول في الشوارع ومجموعات أخرى تجلس القرفصاء على الطريقة الكردية بانتظار القادم المجهول· بالنسبة لي، بمفردي بقيت بصحبة ارتباك العصافير، مررت بعد أن نظرت في عين عصفور شائه صغير سقط دون سابق إنذار، على بعض الزملاء في إذاعة الملكية الدستورية، ثم دلفت بعد ذلك إلى مقر الحزب الوطني· في المقر شربنا شاي القلق والتحليل، بعد ذلك بدأت أصوات قاسية متباعدة في وخزنا مستثيرة فينا عشرة أعوام من الحرب واللاحب· اقترب صوت القذائف أكثر وشعرت أن الزوجة والأطفال بحاجة إلى أن أكون بقربهم· صوت القذائف المتساقطة كان غريباً وأدخلني في نوبة الشعور بالغثيان أو الشعور بالاستسلام، شعور مركب من اللاوعي والإحساس بالضياع·· انهمرت طلقة مدفع، فتوزعنا على الأماكن الصلبة من المقر· هممت بالخروج سريعا وفكرت أن أترك رقم هاتف المنزل، ولم أنتبه إلى شكل الموت المرسوم على الوجوه، الموت له أشكال مختلفة، أشكال غريبة ترتسم على وجه الضحية، نوع من الاستسلام الحذر يسيطر على الجسم في لحظة معينة ثم تموت بعد دقائق أو ساعات· 
صفحة 3
 أذكر في الحرب العراقية الإيرانية، أن أحد الأصدقاء زارني في المخبأ قبل أن يرحل إلى المرصد المتقدم· جلس الصديق هادئا لكن حزينا، كان حزنه يرسم وجهه وثمة إملاءات للاستسلام تغزو وجهه· لم أنتبه وقتها إلى تلك الملامح الجافة، الملامح العالقة في الأرض التي سيعود اليها حتما، كان وجهه وجسده وروحه هائمة، وكان الاستسلام الغريب لما سيحدث كبيرا على وجهه· بعد أن غادر بساعات سمعت عبر جهاز المخابرة أن قذيفة أصابته في وجهه فلم يبق منه شيء حتى على سبيل الذكرى· في تلك الليلة سرحت كثيراً أتامل وجهه، أتأمل ابتسامته الخجلة ونظراته إلى التراب وأرض الملجأ، ثم أغنياته الحزينة· كل شيء كان يوحي بموته؛ الأرض، التراب، الوجه، الفم، العينان، وحتى ذؤابة الشعر المنسرح على جمجمته· للموت دائما وجه غريبا وموحٍ· بعد أن قضيت أشهرا طويلة في الحرب، صرت أعرف الأموات أو الذين كانوا ينتظرون دورهم بحزن شفيف واستسلام الضحية·
 
في مقر الحزب الوطني انتبهت إلى شكل الموت، أحدهم كان مبتئساً لأنه لم يكن يريد مزيدا من الرصاص وهو الهارب من الحروب إلى موقع الحرية المفترض، هذا الوجه تمنطق بسلاحه لكنه كان حزينا وقلقا لأن لا مزيد من الذخيرة في مخزن سلاحه· حينما لا تكون لديك ذخيرة كافية فهذا يعني أنك بانتظار الموت قتلا ولا فرصة للنجاة· هل تشبه العصافير، لا أدري على وجه التحديد، لكنك فعلا تكون في وضع مشابه· أنت عرضة للاصطياد والتصويب، ربما سيتسلى أحدهم في اصطيادك بطلقة واحدة، وربما سيكون القاتل ساديا جدا فيملأ جسدك بالرصاص، كل شيء مرهون بكيس عتادك وبنزعتك الذاتية للموت أو اللاموت·
 
خرجت من مقر الحزب الوطني بعد أن تركت رقم هاتفي ليتصلوا بي عند الضرورة· وكم كنت غبياً· إذ إن الجميع كان يعرف أن الجيش العراقي على وشك دخول المدينة إلا أنا، لم يكن هذا ذنبي، إذ لم يخبرني أحد في الجريدة عن الأحداث، السورانيون لايقولون شيئا، مجتمع مغلق، فلم يحذرني أحد من الكارثة المتربصة بي وببعض الأصدقاء العرب العاملين في الجريدة، كل السورانيين كانوا يعرفون إلا أن أحداً لم يحذرنا· كم كنا نشبه العصافير الطائشة والمغامرة، تلك العصافير التي تقترب من الصياد دونما خوف لتسقط دونما وجل في الشباك· قذائف المورتر كانت تتساقط بشكل متقطع للغاية، لم أسمع غير صدى لقنبلتين أو أقل· ولم أسمع دوي رصاص، كل شيء لم يكن يوحي بمعركة، حتى الأكراد لم يكونوا يهتمون بذلك، حيث جلست الغالبية منهم القرفصاء في الساحات ورؤوس الطرقات بانتظار القادم، وكأنما هناك فيلم سينمائي على وشك العرض· أي فيلم مسلٍّ كان يجري تصويره بمعية هؤلاء الناس الذين عرفت فيما بعد أنهم ليسوا إلا أتباع البارتي (الحزب الديمقراطي الكردستاني) بانتظار قدوم الجيش لينهي سيطرة جلال الطالباني على أربيل·
صفحة 4
صارت أصوات القنابل المتباعدة أقرب، قنبلة وقعت في حي سكني قريب نسبيا جعلتني أعجل في العودة إلى المنزل· في تلك اللحظات شعرت بضياع صور الأصدقاء من ذهني، الذي كان يشبه شبكة واسعة الفتحات، كل الأشياء تتساقط، كل الأشياء تضيع دون أن أكون قادرا على التقاطها، أو حتى البحث عنها في ملامح المعمعة الآتية على حين غرة· سرت في شارع الستيني، لم أفكر في الاستثناءات المرة، الاستثناءات من الهروب أو الضياع، الأصدقاء تتساقط صورهم عجلى من الذهن، أين يمكن أن يكونوا، أين يمكن أن يكون إسماعيل شاكر الرفاعي أو رياض إبراهيم، اين سأهرب في هذه المعمعمة، كنت أفكر في الذهاب إلى الجريدة لكن لم تكن هناك وسيلة نقل توصلني إليها، أين يمكن أن أجد الدكتور البصري، الوحيد الذي يمكنه أن يعلمني متاهة الخروج من هذه المعمعة والاضطراب الذي أغرق فيه· أين مسالك الهروب، لم أكن اعرف بالخارطة التي يمكن أن أسير عليها، البوصلة معطلة وقانون الجذب العام معطل هو الآخر، رياض إبراهيم جاء قبل هذا اليوم بيوم واحد أو يومين، زارني في جريدة الاتحاد التي يصدرها حزب جلال الطالباني، جلسنا نتحادث، شربنا شاياً كردياً معتقا ودخنا تبغاً حاداً بعد أن عملناه على شكل لفافات مضطربة· ها أنا أشعر بالضياع العارم، الأشياء حولي تتحرك متساقطة، فيما أنا لا أعرف ماذا أفعل، شعور بالاستسلام أخذ يهيمن علي· في الليلة الماضية كنت في مقر جريدة الاتحاد حيث أعمل، بقينا لساعة متأخرة· كان كل شيء يجري بشكل عادي جداً، لم تكن هناك أية إشارة لما يحدث الآن، كان آخر خبر تسلمناه في الجريدة يتعلق بأحداث عالمية، تم تحرير الخبر ثم سرت متمهلا في الباحة الخارجية· كان هذا المكان سابقا مقراً لمنظمة حزب البعث، أما اليوم فإنه تابع لإعلام الاتحاد الوطني، الأشياء تختلف أحيانا لكن المسميات تمارس في بعض الأوقات تأثيرا على الأمكنة· سرت متمهلا في الباحة الخارجية، كان زميلي يتمعن بشدة في حركة السيارات الفخمة لقادة الاتحاد وهم يتجمعون في مقر الجريدة، صديقي الصحفي الكردي كان يتأمل دون أن يحدثني عن شيء أو يفسر لي مايجري· الحركة غير طبيعية، لكن صديقي كان ينظر فقط بالرغم من أني لمحت في عينيه ثمة قلقا خفيا، لكنه لم يرد أن يحدثني، شعرت وقتها بلا وعي وبوهم كبير، هذا الحاضر الملعون والسائر بتمهل يقتلني، يجعلني أتيه في الأسماء والأمكنة المغلقة لمديريات الأمن العام وهم يسحلوك كأي جيفة نتنة ثم يرمونك في الزنزانة المنفردة لتتعتق· هاأنا اليوم هارب منهم، لكنهم يقتربون· بالأمس صرح جلال الطالباني بأنه سوف يجعل من مسعود بارزاني ينظر إلى أربيل بالمنظار المكبر فقط· الكل ضحك من قوة الهزء بمسعود بارزاني، المام جلال كان يتحدث بلغة أسطورية، لغة تنم على القوة المفرطة بمقاتليه، القادة الأكراد لا ينظرون إلى العالم بمنظار التحليل أو توازن القوى أو الثوابت، دائما السياسة الكردية قائمة على قوة التحالف مع الغير، والمصيبة أنهم يفشلون في كل مرة، الأكراد البسطاء يصدقون قادتهم بشكل خرافي، يعتبرونهم بمنزلة الأنبياء فيما القادة يضحكون على ذقونهم وبساطتهم· لم أشاهد مجموعات بشرية في حياتي بمثل الذي أراه اليوم هنا· لا معارضة ولا أسئلة توجه إلى هؤلاء القادة من مثل إلى أين تقودوننا أيها الأغبياء المقدسون·
صفحة 5
أحسست بطعم المرارة القاسي وأنا أفكر بهؤلاء الناس، ثمة إحساس بالثورة على هذا الزيف النتن الذي يغلف الأمكنة والأرواح· كنت أريد أن أقف في منتصف الشارع الستيني وأقول، هلموا إلي أيها المتعبون، هلموا إلي أيها الفقراء لأريكم سوءة رؤساءكم الذين يأكلون الكافيار ويخزنون الذهب بديمقراطية عظيمة، فيما أنتم تبحثون عن لقمة الخبز وقدح اللبن الأربيلي (الماستاو) فلا تجدون·
 
زميلي كان مسمراً وهو ينظر إلى السيارات الفارهة· ينظر بعمق ودراية، لكن لم يكن يحدثني عما يجري، ولم أحاول أن أسأل عن شيء محدد لأنني ببساطة لا أعرف ماذا يدور· للإنسان بشكل عام والكردي بشكل خاص ميزة إخفاء الأسرار· هو لا يقول لك شيئا· لا يحدثك عما يمكن أن يحدث· أخذت أتذكر أبو أسو، الشخص القيادي في الاتحاد الوطني، والذي استقبلني وعائلتي بعد وصولنا إلى أربيل· لم يحدثني هو الآخر عن مجريات الأمور، عما يحدث أسفل الطاولات أو خلف الكواليس·كنا نشرب الشاي وكان هو(يدشلم)، لكنه لم يتحدث بشيء عن مجريات الحرب الجديدة التي تدور على جبال بعيدة بالقرب من الحدود العراقية الإيرانية بين جماعة جلال طالباني وجماعة مسعود بارزاني - الحزب الديمقراطي الكردستاني - كانت جماعة جلال قد بدأت الحرب بأن دخلت الأراضي الإيرانية بالتعاون مع المخابرات الإيرانية (الاطلاعات) لتقوم بالالتفاف على جماعة مسعود، وحدثت معارك قاسية هناك· تحالف جلال مع الايرانيين فيما تحالف مسعود مع الأتراك· وفي ذلك اليوم، يوم بدأت المعارك، صرح جلال بتصريحه الكبير والمتشفي بمسعود الذي سوف لا يمنحه فرصة النظر إلى أربيل إلا عبر منظار مكبر· كان جلال محقاً في تصريحه هذا، إذ أخذت تتدفق على أربيل أسلحة إيرانية جديدة وكثيرة، كذلك دخل الإيرانيون إلى مسافات هائلة في العمق العراقي ووصلوا إلى حدود معسكرات اللاجئين الأكراد القادمين من إيران، والذين بدأوا بقصفهم بشدة بالهاونات والراجمات· المساكين لم يكونوا يعرفون أين الهرب بعد أن باعهم جلال بثمن رخيص جدا· الشيء المهم الذي لاحظته دائما هنا، أن القادة الأكراد لا يثبتون على ولاء، وبإمكانك شراؤهم بثمن رخيص جدا، كأن تمنحهم أسلحة قديمة أو جوارب أو بذلات مرقطة·
 
كانت السيارات الفخمة للقادة الأكراد الذين يزورون عادل مراد مسؤول الإعلام لحزب جلال، مثار اهتمام لزميلي الذي كان ينظر إليها بوله غريب· لا أدري لم راودتني فكرة أن لا شيء حقيقياً مما يحدث أمامي، نعم لا شيء حقيقياً، السيارات الفخمة، المكاتب الرائعة· أجهزة الاتصال الاسرائيلي، كل شيء كان يبدو مجرد كذبة ومن الممكن أن يتهاوى كل شيء في أية لحظة· لم أكن اعرف أن هذا سيحدث فعلا، كان نوعا ما من النبوءة القاتلة والمرة· لكن أبو أسو لم يحدثني عن شيء عندما زرته في اليوم الذي سبق اجتياح الجيش لأربيل، بل على العكس كان ينظر بتمعن إلى الأغاني التركية على جهاز 
صفحة 6
 الستلايت ويضع قطعة السكر في فمه ثم يشرب الشاي بتمهل، كان فخورا جدا بالنجاحات التي تحققها قوات جلال على بيشمركة مسعود· مسعود الذي هزم في كل معاركه مع جماعة جلال الطالباني، هكذا تكلم أبو أسو وطمأنني وهو يوصلني بسيارته البي ام دبليو إلى مقر الجريدة، حيث قال لي إنه إذا حدث شيء فسوف ينقذني بسرعة· اطمئن كاك صلاح، الاتحاد الوطني حزب قوي جدا وسوف ينتصر على جماعة مسعود· كانت الأخبار الواردة من جبهات القتال تشي هي الأخرى بقوة جماعة جلال، حيث أخذ يحقق انتصارات على الأرض، أما جماعة مسعود فكانت تتراجع في اندحارات متواصلة· كان الايرانيون يقبعون خلف قوات جلال ويساعدون بالمدفعية الثقيلة وباقي الأسلحة الثقيلة، لذلك تبعثرت جماعة مسعود وبدأت بالتراجع والانكسار· كانت هناك أعداد هائلة من القتلى من الجانبين، لكن المحزن هم أولئك اللاجئون من إيران· كنت أشعر بالحزن على مصيرهم ولم أكن اعرف أن القادم سيحولني إلى شبيه بهم·
 
أشعلت سيجارة وناولت زميلي الصحفي الكردي واحدة· كان طبع آخر خبر يتم الآن، فيما نحن نتمشى في الباحة الخارجية· امتصصت جرعات مضاعفة من السيجارة ثم رميتها بتوتر بالغ· قال لي زميلي إن علي أن أطمئن لأن لا شيء سوف يتغير، بعد ذلك تركني وذهب ليتابع عملية المونتاج·
 
مع برد أربيل اللذيذ والخدر، تتنامى روح الضياع، هذا الضياع الممزوج باللذة والابتئاس، اللذة في الخوف والابتئاس من الإهمال واللاجدوى· كبف يمكن لك أن تضيع، دعني أقول لك، حينما تشعر بفقدان الأحبة أو تشعر أنك بعيد جدا عن أصدقائك أو أنك بلا حول ولا قوة، يتولد الإحساس بالوحدة· أنت تعيش في مجتمع مغلق ، مجتمع متوحد وغارق في وحدة قاسية ومرة· لا يمكنك أن تدخل فيه لتستنبط كينونتك، ليس هناك شيء استثنائي بالمرة، الأكراد مجتمع مغلق بشكل كبير جدا، الأحزاب الكردية تمارس هذه الوحدة وتفرضها على الناس بشكل ديكتاتوري، لذا ينظر الكردي اليك لكنه غير قادر على الإجابة عن تساؤلاتك· ولهذا السبب أيضا يجلس السوراني إلى الحائط بانتظار حكمة الأحزاب التي تمارس الخديعة عليه بشكل مخيف ومقزز·
 
في بيروت 1979، وتحديدا في الشهر السادس، ازدادت طلعات الطيران الاسرائيلي فوق بيروت· انتشر المقاتلون الفلسطينيون في الفاكهاني، أشبال الثورة مسكوا خطوط البحر، أما نحن ففي وسط ليلة ندية مثل تلك التي عشناها في أربيل، جاء مندوب من الجريدة (نضال الشعب) إلى الشقة التي نعيش فيها، والواقعة قبالة المدينة الرياضية· قال المندوب إننا يجب أن نحضر حالنا ومن الأفضل لنا أن ننزل إلى الملاجئ، أنتم ضيوف ولستم خبراء في المنطقة· كنت أنا من العراق وزميلي من الأردن والآخر من ألمانيا··
صفحة 7
 قلنا إننا لا نريد النزول إلى الملاجئ، لكن المندوب اصر على نزولنا، أنتم ضيوف والثورة تريد حفظ سلامة أصدقائها· أقنعنا المندوب، فنزلنا إلى الملجأ· في طريق النزول إلى الملجأ ذكر لنا المندوب أن من المحتمل أن يبدأ الهجوم الاسرائيلي خلال الساعات القادمة وربما غدا أو بعد غد· من المحتمل أن يكون الهجوم من جهة الساحل، لذا فقد انتشر أشبال الثورة بقاذفات الآربي جي على طول الساحل الرملي الرائع· في الليل ومن الشرفة بإمكانك رؤية قوارب الصيادين وهي تترنح بفوانيسها الزيتية على صفحة الماء· في الملجأ كان يحرسنا أشبال الثورة أيضا، أسود فلسطينية صغيرة لكنها شرسة جدا في القتال وفي مصارعة الحياة· أحد الاشبال كان أقصر كثيرا من قاذفة الآربي جي وأطول قليلا من بندقية الكلاشنكوف· في الملجأ كنا ندخن سجائر الونستون والمارلبورو بنهم كبير، أما الحرب فقد بدأت في الجنوب· كانت التقارير تصلنا باستمرار وكنا على اطلاع بكل مايجري على الأرض· في بيروت لم أكن أشعر بالضياع، كانت هناك حالة غريبة من الانتماء، الانتماء إلى المكان، الانتماء إلى المجتمع، الانتماء لهؤلاء الأشبال الذين يحملون حياتي على موتهم· الإحساس بالانتماء إحساس عميق يتولد من مجموعة الأشياء المرئية والمتخفية خلف كلمات، أغان، مواويل· تبرعم حاصل في الروح، تراه أنت فيما لا يراه غيرك· أي الأشياء تضيع في زحمة التذكر، حادثة بيروت كانت راسخة جدا، الملجأ وكلمات مندوب الجريدة ودخان سجائرنا التي كانت تعبئ المكان· في زحمة الاضطراب وفي زحمة انتظار الصهيوني القادم، يأتي من يطمئن عليك· الإحساس بالانتماء يزداد بالقدر الذي تشعر أنك موضع اهتمام الآخرين ورعايتهم·
 
انتهت عملية المونتاج واطلعنا على آخر اللمسات، بعد ذلك غادرنا دون أن ينطق الآخرون بأية إشارة إلى القادم والكامن خلف تلال أربيل· في الطريق، وفيما نحن في سيارة الجريدة، أوقفتنا مفارز للتدقيق في هوياتنا· كان الابتئاس كبيرا ومدويا، ثمة وحشة كبيرة تحيط بنا، أو تحيط بي من كل الجهات، العمى كان صفة تلاحقني، تتلبسني، برد أربيل اللذيذ والخدر لم يكن ليوقظني من السبات الذي أغرق فيه، إنه سبات الاطمئنان الموحش، الاطمئنان المفتعل، فيما الخوف من المجهول هو الصفة الأكثر إشهارا وعلانية· أصدقائي الأكراد لم يكونوا يتحدثون بأي شيء، لم يكونوا ينظرون إلى الآتي بنظرة سوداوية مثلما أتحسسه أنا، ربما كان هذا صفة تلاصق وتلاحق الكردي أينما حل وأينما ارتحل، المستقبل بالنسبة للكردي هو الحاضر فقط والارتهان إلى قوته التي يتخيلها أسطورية، حدث هذا حينما تحالف الملا مصطفى البرزاني مع الشاه، لكنه انهار
صفحة 8
 كونه لم يفكر في المستقبل واحتمالات أن يتحالف الشاه مع الحكومة العراقية ويخسر الملا مصطفى كل شيء، وهو ماحدث بعد ذلك· قبل ذلك تحالف البارزاني الأب مع السوفيت وأعلن الثورة على النظام الملكي، لكنه انهار أيضا حينما وقع في فخ الحرب الباردة وضاع في سياسات المحاور الدولية· ثم تحالف مع الاسرائيليين، ليجني خيبات أمل كبيرة ومدوية· حاولت في الطريق إلى المنزل، وفيما كانت السيارة توصل الزملاء إلى بيوتهم، استنتاج الطبيعة النفسية للكردي ومحاولة تفسير سر الانقياد السهل للقادة، حتى وإن كانوا على خطأ واضح وفاضح· في الجريدة، وبعد الانتهاء من التحرير، كنت أستغل بعض الوقت في الجلوس إلى الزملاء الأكراد، في محاولة لتلمس الطريقة التي يمارس فيها الكردي تفكيره، أو حتى أحلامه· لكنني كنت دائما أصل إلى نتيجة واحدة؛ أن الكردي في داخله إنسان مسحوق، إنسان يشعر أن القائد خائن لكنه لايثور عليه، ذلك أن القائد في نظر الكردي نوع من أنواع النبوءة، هو نبي غير معلن· في داخل الإنسان الكردي شيء زرعته الأحزاب الشوفينية بأنه إنسان من الدرجة الثالثة أو الرابعة من أجل أن تفوز هي بهذا الإنسان، ومن أجل أن تسخره لغاياتها الخاصة· عديدة كانت محاولاتي في سبر غور هذا الإنسان، لكني أعترف بأني فشلت، ذلك أنني إزاء ركام هائل من سنين عديدة من التثقيف والأخطاء المتبادلة من كل الأطراف· في يوم لا أتذكره، جمعتني الصدفة في نادي المعلمين ببعض الأدباء الكرد، كان منهم الشاعر والصحفي وآخرون امتهنوا حرفة الصحافة في وقت متأخر· جلسنا سوية لكني كنت أشعر بثمة كره ينبثق بوجهي· كان هناك إسماعيل شاكر الرفاعي الذي وصل قبلي إلى شمال العراق· بعد أنصاف ساعات من الشرب الثقيل بدأت تخرج أوجه الكره نحونا· أحد الادباء اعتبر أن أعظم كارثة حلت بالأكراد هو دخولهم في الإسلام الذي حطم الأكراد، وكان سبباً في عدم قيام دولة كردستان· أخذتني الدهشة لكن آخرين تعاطفوا مع هذا الشاعر، لم أصدق برغم الجو الرائع لصيف أربيل أن أهضم ماقاله هذا الشاعر· بقي يكرر أن مأساة الكرد الأولى سببها الإسلام، ولم أحاول التعقيب عليه مباشرة، ذلك أنه يحلق الآن في ذاتيته المفرطة· كنت أعرف على المستوى الشخصي، أن ماقاله هذا الشاعر ينم على حقيقة يؤمن بها أو يجري التثقيف بها من قبل الأحزاب الكردية، والهدف منها زرع عدم الانسجام الكردي مع الواقع والحقائق· كانت تجارة رابحة تسوقها الأحزاب لتنطلي على الجميع بمن فيهم المثقفون· المرعب هنا أن أولئك يصدقون هذه الترهات، لا بل يؤمنون بها· شعرت وقتها أن المكان عبارة عن بؤرة من الحقد لا أعرف متى تتفجر، وإن كان قد تفجر بعضها· أخذ الآخرون يسألون الشاعر عن طرق معالجة الوضع الكردي أو إعادة تشكيل الأمة
صفحة 9
الكردية، وكانت إجابة الشاعر أنه لا بد أن يعود الأكراد إلى ديانتهم الحقيقية من أجل خلق الأمة الكردية· بعد ذلك أخذت تضيع الكلمات وسط تعتعات السكر، ثم انسل كل واحد باتجاه معين لتغيبه الظلمة الواقفة عند بوابة النادي·
 
تحدث سائق السيارة التي تقلنا مع إحدى الدوريات التي أوقفتنا، ثم انطلقنا مرة أخرى· كان مقاتلو الحزب الشيوعي الكردستاني تجمعوا أمام مقرهم القريب من شارع الستيني، وكان المقاتلون يتجمعون حول نار أوقدوها، حيث تمنطقوا بكامل أسلحتهم· مشهد آخر يضاف للتيه الذي بدأ يغزو فكري· تذكرت في تلك اللحظة لقائي مع كريم أحمد سكرتير الحزب الشيوعي الكردستاني، والذي أسميته (العربيد)، أثناء الحديث معه، قفز إلى ذهني أن أسأله عن إمكانيات المقاومة فيما إذا تدخل الجيش، ولم أنتبه وقتها إلى التفاتاته وأشياء أخرى عن لاجدوى المقاومة على سبيل المثال· لم أسجل إجابته وقتها على آلة التسجيل التي كانت موضوعة أمامي، على اعتبار أن هذا لم يكن إلا سؤالا عارضا وشخصياً جدا· في بعض الأحيان، حينما ألتقي بشخصية معينة، وبعد أن أنتهي من إجراء الحوار الصحفي الرسمي، أعرج إلى أسئلة خاصة، أسئلة لم أكن أريدها لتخرج مع اللقاء الصحفي، وكنت أحب أن أكوّن من هذه الأسئلة إطارا خاصا للشخصية· في واحدة من هذه المماحكات قلت لكريم أحمد، الأكراد يطالبون بالفدرالية قياسا لعددهم بالنسبة للعرب، ماذا بخصوص التركمان الذين يشكلون في مناطقكم القومية الثانية، ألا يستحقون حكما خاصا بهم· وقتها انفعل كريم أحمد ويبدو أن الإرث القومي تفجر مغطيا على البعد الماركسي· تركت انثيالات تلك الأماسي تسيل في الذاكرة وأنا أسير بعد أن نزلت من سيارة الجريدة، الليل كان يقترب من نهايته، خلفي كانت نيران بشمركة الحزب الشيوعي الكردستاني تتلألأ· الفجر يزحف وفي أجواء المدينة سكون عظيم· الاستذكارات في تلك الليلة الندية كانت مائعة وفي بعض الأحيان حادة جدا· صور بيروت وهي تحت رحمة الطائرات الاسرائيلية مزقتني وقتها، لكنها الآن تستعاد بأجواء أخرى· برد ليالي أربيل كان يرمي نداه على الأرصفة، ثمة بيوت معدودة تستطيع أن تشاهد أضواءها، أما الغالبية فكانت تنام بانتظار الفجيعة القادمة· مامعنى اللذة، مامعنى الموت، مامعنى الابتئاس والإهمال واللاجدوى· أية مقاربات حزينة كانت تتكتل في سماء المدينة، 
صفحة 10
مقاربات كانت متشابهة من حيث قدوم الوحش ليحطمك، لكن هذه المقاربة تختلف كلياً عما يجري الآن· أنت هنا لست إلا سحلية مسكينة، فأرة متواضعة ومستضعفة بين أفاع هائلة الأجساد والأشداق· كل الأفواه تتوسع وتكبر من أجل التهامك أيها الغبي أو ياحمار الأزمنة المعاصرة· قبل يومين من الآن، وفي ليلة أربيلية، كنت أرسل النظر فيها باتجاه قلعة أربيل، شاهدت عشتار تخرج من تلك القلعة الأبدية في نور بهي وغريب· استغربت الأمر وفركت عيني، لكن عشتار كانت تطير، كانت تحلق باتجاه شمش أو رب الآلهة الكبير· لماذا كانت تخرج هكذا بعباءتها وشعرها المضطرب وهي تشبه أمل الجبوري، لماذا تهرب الآن وكأن أحداً ما قد اغتصب حرها فهاجت وماجت دون وازع، تريد تحطيم طاولة الآلهة· ثمة أسطورة قديمة تتحدث عن خروج عشتار المرعب لتصفه بأنه دائما ما يقترن بكارثة معينة· كنت فوق سطح الدار فيما الزوجة والأطفال نيام· عشتار كانت تحلق في سماء أربيل لتقول لي إنها مكتئبة من أجلي وحزينة من أجل الآخرين، ولم أستطع أن أحدثها عن أسباب حزنها· أويت إلى الفراش وأحلامي مثل حقيقتي، كانت تضطرب وكانت تتألم من الآتي الذي لا أعرفه·
 
سرت متمهلا في الشارع، توقفت وأشعلت سيجارة· شعاع النار المتبرعم بعيدا ما زال يضيئ لي بعض جنبات الطريق· بشمركة الحزب لا زالوا متحلقين حول الجمرات والألسنة الواهنة لنار السهرة المرير· من بعيد كانت أصوات حادة تمزق هدوء الليل، أصوات لم أستطع تمييزها بدقة لكنها أصوات مضطربة قلقة؛ تشبه الحشرجات· في بعض الأحيان يدخل الصوت في تركيبة الخوف والقلق والابتئاس، فتتحول لتكون شيئا فقط بلا ملامح وبلا وجوه، أو حتى بدون أحلام أو وجوه حالمة·
 
أربيل تغرق في هدوء كبير· تطلعت من سياج السطح لوجه المدينة الساكن، ثم قبلت زوجتي النائمة· حاولت في فجر تلك اليلة السرمدية أن أجد قمر آب، لكني لم أجد في السماء شيئاً، هناك محاولة لاختفاء كل شيء، أوقدت روحي على اطمئنان مزيف ثم غرقت في وحشة النوم بانتظار أحلام مريرة·
 
في زاخو ضاعت المسافات والمساحات والأحلام بالثورة القادمة، ضاعت كل الأشياء لأنها كانت ضائعة أصلا، الكل هنا يود الرحيل، حتى عصافير آب وغربان الجبال وبومة الأوقات البائسة· مقاهي زاخو تبتلعنا مثل قواد حقير ليتفلنا على جادة الطرق والأرصفة المدماة بنا·