صفحة 1
[1]
ما إنْ شعر بنذير تحوّل اللهو إلى الجدّ حتى عمد فوراً إلى اختلاق قصص مقيتة عن نفسه، فتلبّس فجأة بهيئة شخص غريب الأطوار، قد يتحوّل في أي لحظة إلى من لا يؤتمن لتقلبات مزاجه الصادم؛ وذلك كي يدفعها إلى الهربِ من غير أن تلتفت وراءها، ومن دون أنْ يساورها شك في خيارها السديد، كما لو أنها استدركت خطأً، قبل أنْ تتورّط معه أكثر فأكثر. وإذا لم يوفّق في صدّ تعلّقها به، كان لديه من الدواهي ما يكفي لينتشل واحدة من خباياه الشريرة، لدفعها إلى أنْ تسأل هي نفسها، ما الذي يجمعني بهذا الرجل؟ كأن يجعلها تشكّ في صدق إجابتها عن تأخّرها خمس دقائق فقط. وإن لم ينل مراده، أمعن في شدّ الخناق أكثر، عبر النيل الصريح من صدقها بما يجعل أية امرأة لا تسامح نفسها، إنْ بقيت دقيقة إضافية معه، حتى يفوز في النهاية بخلوة مع نفسه الهائمة من دون أن يعرف مطلقاً سرّ تعلّقه بهذه اللعبة المؤذية لها وله، لأنّه هو أيضاً كان يعاني صقيع وحدته عقب انعتاق كل فتاة، فرّت من جحيم غرابته.ـفي المرّة الأخيرة، قفل سالم عائداً إلى بيته، بعدما نجح في أنْ يخيّب أملها، وفي أنْ ينغص عليها فرحة انتظار قدومه، بعد أن انهمكت في صباح يوم ماطر كالذي يستشعر المرء في برده رغبة جامحة في دس جسده تحت أغطية سريره، حيث شرعت في إعداد نفسها لملاقاته عبر ترتيب الفوضى الناجمة عن أرقٍ أصابها في الليلة الفائتة، لعلّة تجهلها. وبعدما رمت بالمنفضة الممتلئة بأعقاب السجائر، أخذت تلملم زغب الصوف المتطاير على السجادة. حتى إذا ما وقع نظرها على أثر البقعة الدامغة من كوب الشاي الذي سقط من يديها قبل عشرة أيام، أعادت فركها بقوّة أنستها ما لليد أن تتحمله، قبل أنْ يوقظها ألم معصمها.ـ
وقفت... ثم تراجعت ثلاث خطوات ليتاح لها إمعان النظر في ما يمكن أنْ يراه هو إنْ جلس على هذا الكرسي أو ذاك، ومن ثم شرّعت النوافذ لتطرد من الغرف رائحة مقرفة اختلط فيها زفيرها في الليل بدخان سجائرها ليتولد الشيء الذي يبعث على التقيؤ.ـ
كان همها منصباً على توضيب الأشياء على النحو الذي ظنّت بأنه يؤنسه، لم تشكُ تعب الساعات الأربع التي انكبت فيها على التنظيف والترتيب، ولم تتذمّر من الرضوض والكدمات التي أصابت وركها بعد أنْ جثت وحشرت جسدها الغضّ تحت الأريكة، لتمسح غباراً منسياً، لم يكن ليديها القصيرتين أنْ تصلا إليه من قعر زوايا غرفة ضاقت بأغراض كانت قد ابتاعتها لشقّة أوسع، قبل أنْ يرغمها شحّ المال على استئجار بيت صغير دافئ على شاكلة ما لاطف به سالم حسن استضافتها له في زيارته الأولى.ـ
وقبل أنْ يصل، كان لا يزال لديها وقت كاف لشطف جسدها بالماء الفاتر، فتزيل عنها رائحة جهد بذلته كي تبدو بحلّة نظيفة، «وست بيت». فالرجل على ما سمعته من أمّها لديه نوع من حساسية الشمّ عند كلب تنشد غريزته إلى الرائحة المنبعثة من الكلبة في فترة الخصب. بعدئذ لبست جورباً أسود شفافاً، حرصت على شرائه مباشرة، بعد أنْ أحسّت بأنّه أثار لديه شبقاً ذكورياً، لدى مرور امرأة حلوة بالقرب منهما. فلم يستطع أنْ يمنع نفسه عن استراق نظرة فاضحة إلى قدميها. فكان أن زلّ نظره، بعد أن استلبت عقله أنثى مغرورة وواثقة بقدرتها على شدّ رجال الرصيف وشبان الحارات المحيطة كلها، بطرف تنورتها. لم يكن لغنجها أن يستفزه، ولا لردفيها المكتنزين شهوة، ولا حتى لعينيها الطافحتين بفرح الحياة، أن تستثير فيه رغبة حارقة، لو لم تكن لامرأة مثلها ليس لجوربها ولا لهندامها أو زيّها من إغواء ما لم يقترن بالثقة والغرور إياهما اللذين جعلاها من فرط إيمانها بنفسها، تخرج من بيتها وهي متيقّنة، بأنها ستصيب الرجال كلّهم بالخبل الذي أصاب سالم، حتى لو كانوا في أحضان عشيقاتهم. ولعلّ هذا النوع من النساء الجميلات مُصاب بخطب سيكولوجي. فمن فرط ثقتهن بجمالهن أضحين لا يستمتعن باجتذاب الرجال، إنّما بالانتصار على مثيلاتهن من النساء.ـ
ما إنْ ضغط زر الجرس حتّى فُتح الباب بسرعة هائلة أفسد عليه جهوزية لقائها بالمظهر الذي يظنّه المرء محبباً لها، كأن يأخذ نَفَساً عميقاً، ويملّس شعره بيده ويبتسم قبل أنْ يطرق الباب. ألقى عليها التحية راسماً على وجهه ابتهاجاً لم يتلاءم وتقبيلها بفتور أصاب حماسته، بعد أن اشتمّ من تبرّجها تكلّفاً، كان يبغضه بسبب اقتناع أعرج لا يفهمه الرجال ولا حتّى النساء، فالرجل ينشد إلى غواية المرأة التي لا تأبه لغير نفسها، وما إنْ تنتبه إليه وتهتمّ بشكلها من أجله حتّى يستشعر لديها ضعفاً، يسعى وراءه ولا يريده. إنها المفارقة نفسها التي ما برحت تتكرّر لدى الجنسين. لعلّ سالم نفسه يحتاج إلى فتاة لا يجعلها حبّها له تذوب فيه وتلغي نفسها، يريدها أنْ تتمسك باختلافها، وأن تحافظ على حيّز من استقلاليتها، ولا بأس في أنْ يستشعر لديها قدرة على تركه في أيّة لحظة، بسبب دواعٍ ذكورية تعبّر عمّا يرتديه الرجال من أقنعة واهية، تُخفي حاجتهم إلى امرأة قوية يُتكل عليها عند الشدائد. فتساعدهم على التعويض عن ضعفهم المضمر خلف صورة الشوارب المفتولة عند كل الرجال.ـ
جلس على الأريكة، فأحس بالجو وقد تلبّد بأحاسيس خانقة. جهد في أنْ يتلبّس بهيئة مسرور بقدومه إليها. ولأنّ النسوة كلهن يستشعرن الرجال بحدس فائق الغرابة، اكتنهت جوانيته فانقلب مزاجها على النحو الذي يتبدّل فيه جلد الحرباء. هكذا ظهرت على محياها علامات استياء شديد مما أصابه من خفوت جواني، نَالَ في الصميم من انهمامها طوال يومين بانتظار لحظة، ما إنْ حانت حتى تبخّرت الآمال التي كانت قد علقتها عليها.ـ
لعلّها كانت قد وعدت نفسها بأقل مما يمكن أنْ يقدمه رجل عابر لامرأة عابرة في عيد العشاق، فمن لحظة دخوله عليها لم تستطع أنْ تخفي خيبتها لخلو يديه من باقة الورود. فانطفأت حماستها، بعد أن تقوّض سعيها للاستحواذ عليه عريساً. فالمرأة الشرقية تراهن على تبدلات مزاج الرجل على نحو ما يتبدّل في مزاجها هي، فتتسلّح بالصبر لتقبض على مكامن ضعفه، فتستعين بألف حيلة وحيلة، لكي تفوز به زوجاً لها.
صفحة 2
كان الامتعاض بادياً على وجهه وهو يكابر في إظهار ابتسامة متكلّف، فضحت عدم ارتياحه، فبدا كما لو أنّه يريد أنْ يبوح لها بموقف مضمر عبر إيماءات ملامحه الواضحة للسذج، فكيف بالمرأة الأقدر بطبعها على تفكيك الشيفرة السيكولوجية لأمكر الرجال وأكثرهم غموضاً. وهي كذلك، بدا على محياها الشيء نفسه، حينما ردّت عليه بالرتابة ذاتها لاستفساره عن أحوالها:ـ
ـ كيف حالك؟
فأجابته:ـ
ـ مليحة. إنْتَ كيف حالك؟
لاذت بعدئذ بصمت ثقيل أحسّ به عندما ابتعدت عنه مسافة جعلته يشتاق إلى حضورها وهي أمامه. وقد خبر هذا الشعور وهي في حضنه مرّات. ترحل عنه، وما إنْ يستشعر صقيع وحدته حتى يطلب إليها العودة إليه فوراً، فتضحك. أما إذا أَتَتْ إليه متلهفة لأن تعتصر عشقهما، فكان يحسّ بالاختناق، فيتحوّل عنها إلى حيث هو حرّ من تكبيلات روحه بعشق يريده بمقدار ما يريد أن يبقى هائماً طليقاً في البحث عن امرأة محتملة عارفة بتناقضاته ومتفهمة عقده النفسية كلّها.ـ
وما لبثت، بعد مضي أكثر من ربع ساعة على هذه الحال، أنْ استدركت ولسبب ما استفساراً تذكّرته من حديثهما الهاتفي ليلة أمس، فقد اشتكى ألماً في معدته، بعد أن التهم طبق دجاج مطهو ببهارات، يشتهي طعمها ويتذمّر من أثرها في بطنه دوماً: «كيف صارت معدتك»؟.ـ
وجدها فرصة مؤاتية ليخفف بجوابه من ضيق صمتها الثقيل الذي ولّده امتعاضهما المتبادل من وضع وجدا نفسيهما من غير قصد، غارقين فيه غرقاً يجعل مِن الخوض في معرفة السبب حماقة مِنْ شأنها أنْ تؤدي إلى الأسوأ. ولما كان لا وجود لمطية في حديث شخص ثالث، يَعْبُر بهما من إرباك جلوسهما أحدهما قبالة الآخر، تمسّك سالم بسؤال لم تتقصد به استجراره إلى سماع شرح مفصل استفاض فيه عمّا أصابه من عياء جعله على ما قال: «إني نادم على دناءة نفسي المتكرّرة حيال الأطعمة المبهّرة».ـ
كانت في أثناء ذلك مُستغرقة في التمعن في ملامح وجه خال من التعابير الملائمة لما راح يثرثر به، هرباً من الإجابة الكامنة خلف المشكلة، أو بالأحرى تملّص من التصريح بما كانت تلحّ في الاستفسار عنه صبحاً ومساءً، عبر الهاتف وفي الفراش «مَنْ أنا بالنسبة إليك؟». هو من النوع المغرور والواثق بقدراته إلى حدّ أن صيّر كل الاستحقاقات مؤجلة عنده على قاعدة أنّ المتوقع سيأتي بأفضل من المتحقق، وهذا إغواء جعله يعيش من أجل أوهام كانت تتكشف له دوماً بعد فوات الأوان. فمن الطبيعي إذاً أنْ يتهرّب من الاعتراف بما ينمّ عن تأرجحه بين راضٍ بها ورافض للتقيد بها مع أنها كانت لا تحتاج إلى هذه المدّة الطويلة لكي تدرك كنه شخصيته المعقّدة الغريبة، إلا أنها ككُل النسوة، تصبّرت وكتمت حنقها مِن اعترافه بتعدّد نزواته الجنسية مع غير امرأة، برغم أنّ هذا يستفزّ لدى بعض النسوة شغفاً جنسياً مضاعفاً للفوز بما يهمّ الأخريات الاستئثار به، لكنها هي تحديداً كانت تشمئز من تفاخره بنفسه عندما يحصي لها الفتيات اللواتي وقعن بحبه، مِنْ دون أنْ يستطعن ليّ عاطفته المتجلّدة، وكم من مرّة طنّشت على ما كان يبوح به من ترّهات، لا تناسب حميمية خلوتهما، ولم يخلُ الأمر من صده في المرّات التي كان لا يروقها أنْ تسمع شيئاً مراهنة على هدوئها في استنفاد تبجّحه، لتعمد بعد ذلك إلى ترويضه كي يصير يمشي وراءها كالأرنب.ـ
في المرَّة الأولى أفصحت عن امتعاضها من تباهيه بالمشي مع امرأة أخرى مساء أمس، عبر نظرة زاجرة، فيها بريق دلال أنثوي قامع. في المرّة الثانية طلبت ألّا يكرّرها بعدما أردفت بتعليق ساخر: «شو مبسوط بحالك؟». في المرّة الثالثة قالت له صراحةً: «لا أقبل علاقة جنسية مع رجل يضاجع غير... أسمعت؟» بعدئذ، لم يعد من مرّة رابعة، فأدرك أنّه من غير الجائز أنْ يزل لسانه فينطق اسم امرأة غيرها. فأنْ يتمثل البراءة فيما تقصد به نقل رسالة إليها بوصفها امرأة كغيرها، فهو استخفاف قد ينطلي على امرأة غير «رنا» التي تتمتع بذكاء حاد صقلته تجربة علاقة غير متكافئة مع رجل يكبرها بحوالى ثلاثة عقود. فكان هذا فرقاً كافياً ليعترف أنطوان لنفسه بعجزه عن مجاراة نبض جسدها العشريني. فحاول أنْ يعوّض ضعفه في السرير عبر إعطائها حيّزاً مِنَ الحرّية الشخصية لكي تلتهم ما يحلو لها من شهد حياتها. حياتنا القصيرة جداً.ـ
ولربما شكّل إيمانه القاطع بأن الحياة ليست إلّا مدّة قصيرة، أو الأحرى قلقه الوجودي من كونها كذلك، مغزى تعامله مع امرأة، امتعضت من كبر سنّه في الفراش، لتستعيض عن قصوره بحلو مذاق رجل استثنائي في عتقه ومبلغ تخطيه للعديد مِنْ عقد الرجال الشرقيين.
ـ كيف حالك؟
فأجابته:ـ
ـ مليحة. إنْتَ كيف حالك؟
لاذت بعدئذ بصمت ثقيل أحسّ به عندما ابتعدت عنه مسافة جعلته يشتاق إلى حضورها وهي أمامه. وقد خبر هذا الشعور وهي في حضنه مرّات. ترحل عنه، وما إنْ يستشعر صقيع وحدته حتى يطلب إليها العودة إليه فوراً، فتضحك. أما إذا أَتَتْ إليه متلهفة لأن تعتصر عشقهما، فكان يحسّ بالاختناق، فيتحوّل عنها إلى حيث هو حرّ من تكبيلات روحه بعشق يريده بمقدار ما يريد أن يبقى هائماً طليقاً في البحث عن امرأة محتملة عارفة بتناقضاته ومتفهمة عقده النفسية كلّها.ـ
وما لبثت، بعد مضي أكثر من ربع ساعة على هذه الحال، أنْ استدركت ولسبب ما استفساراً تذكّرته من حديثهما الهاتفي ليلة أمس، فقد اشتكى ألماً في معدته، بعد أن التهم طبق دجاج مطهو ببهارات، يشتهي طعمها ويتذمّر من أثرها في بطنه دوماً: «كيف صارت معدتك»؟.ـ
وجدها فرصة مؤاتية ليخفف بجوابه من ضيق صمتها الثقيل الذي ولّده امتعاضهما المتبادل من وضع وجدا نفسيهما من غير قصد، غارقين فيه غرقاً يجعل مِن الخوض في معرفة السبب حماقة مِنْ شأنها أنْ تؤدي إلى الأسوأ. ولما كان لا وجود لمطية في حديث شخص ثالث، يَعْبُر بهما من إرباك جلوسهما أحدهما قبالة الآخر، تمسّك سالم بسؤال لم تتقصد به استجراره إلى سماع شرح مفصل استفاض فيه عمّا أصابه من عياء جعله على ما قال: «إني نادم على دناءة نفسي المتكرّرة حيال الأطعمة المبهّرة».ـ
كانت في أثناء ذلك مُستغرقة في التمعن في ملامح وجه خال من التعابير الملائمة لما راح يثرثر به، هرباً من الإجابة الكامنة خلف المشكلة، أو بالأحرى تملّص من التصريح بما كانت تلحّ في الاستفسار عنه صبحاً ومساءً، عبر الهاتف وفي الفراش «مَنْ أنا بالنسبة إليك؟». هو من النوع المغرور والواثق بقدراته إلى حدّ أن صيّر كل الاستحقاقات مؤجلة عنده على قاعدة أنّ المتوقع سيأتي بأفضل من المتحقق، وهذا إغواء جعله يعيش من أجل أوهام كانت تتكشف له دوماً بعد فوات الأوان. فمن الطبيعي إذاً أنْ يتهرّب من الاعتراف بما ينمّ عن تأرجحه بين راضٍ بها ورافض للتقيد بها مع أنها كانت لا تحتاج إلى هذه المدّة الطويلة لكي تدرك كنه شخصيته المعقّدة الغريبة، إلا أنها ككُل النسوة، تصبّرت وكتمت حنقها مِن اعترافه بتعدّد نزواته الجنسية مع غير امرأة، برغم أنّ هذا يستفزّ لدى بعض النسوة شغفاً جنسياً مضاعفاً للفوز بما يهمّ الأخريات الاستئثار به، لكنها هي تحديداً كانت تشمئز من تفاخره بنفسه عندما يحصي لها الفتيات اللواتي وقعن بحبه، مِنْ دون أنْ يستطعن ليّ عاطفته المتجلّدة، وكم من مرّة طنّشت على ما كان يبوح به من ترّهات، لا تناسب حميمية خلوتهما، ولم يخلُ الأمر من صده في المرّات التي كان لا يروقها أنْ تسمع شيئاً مراهنة على هدوئها في استنفاد تبجّحه، لتعمد بعد ذلك إلى ترويضه كي يصير يمشي وراءها كالأرنب.ـ
في المرَّة الأولى أفصحت عن امتعاضها من تباهيه بالمشي مع امرأة أخرى مساء أمس، عبر نظرة زاجرة، فيها بريق دلال أنثوي قامع. في المرّة الثانية طلبت ألّا يكرّرها بعدما أردفت بتعليق ساخر: «شو مبسوط بحالك؟». في المرّة الثالثة قالت له صراحةً: «لا أقبل علاقة جنسية مع رجل يضاجع غير... أسمعت؟» بعدئذ، لم يعد من مرّة رابعة، فأدرك أنّه من غير الجائز أنْ يزل لسانه فينطق اسم امرأة غيرها. فأنْ يتمثل البراءة فيما تقصد به نقل رسالة إليها بوصفها امرأة كغيرها، فهو استخفاف قد ينطلي على امرأة غير «رنا» التي تتمتع بذكاء حاد صقلته تجربة علاقة غير متكافئة مع رجل يكبرها بحوالى ثلاثة عقود. فكان هذا فرقاً كافياً ليعترف أنطوان لنفسه بعجزه عن مجاراة نبض جسدها العشريني. فحاول أنْ يعوّض ضعفه في السرير عبر إعطائها حيّزاً مِنَ الحرّية الشخصية لكي تلتهم ما يحلو لها من شهد حياتها. حياتنا القصيرة جداً.ـ
ولربما شكّل إيمانه القاطع بأن الحياة ليست إلّا مدّة قصيرة، أو الأحرى قلقه الوجودي من كونها كذلك، مغزى تعامله مع امرأة، امتعضت من كبر سنّه في الفراش، لتستعيض عن قصوره بحلو مذاق رجل استثنائي في عتقه ومبلغ تخطيه للعديد مِنْ عقد الرجال الشرقيين.
صفحة 3
ومثلما أجمع المعزّون بوفاته على أنه كائن غريب بحبّه للناس وغيرته عليهم وكرمه الكبير الذي لا يُقاس مقارنة بأمثاله من الرجال، فقلما وجدت أحداً من أصدقائه وعارفيه، لا يتندّر بحكاية عن سخائه، كم أعطى هذا بمجرّد أنْ أحسّ بعوزه، وكيف يفرغ كل ما في جيبه من دون أن يسأل عن هوية المحتاج للدخول إلى المستشفى. ولعلّ مثل هذا النوع من الناس، يستشعر موته المبكّر، عبر عطاءات ليست مجانية، فيستجدي منها فرحة المقرّبين، لئلا تفوته ضحكات أحبّته قبل أن يرحل. فالحساسية المفرطة لهذه الفئة من الرجال حيال المحيطين بهم، تجعلهم مهجوسين بعذابات الآخرين، فيتعاطفون معهم على نحو مبالغ فيه، لكي يرتاحوا هم من ذنب وجودهم في حياة قصيرة مريرة ومملّة... لم يمتلئوا بها ولم يغترفوا منها السعادة المأمولة. فالمؤرقون والقلقون وحدهم مَنْ يحوّل الكرم إلى وسيلة لمحاربة يقين رحيلهم المقدّر.ـ
عادت رنا لتطرح عليه رزمة توضيحات أربكته إرباكاً ضاعف مِنْ تردّده الذي ضاقت به عندما سألته: «ماذا تريد مني؟ ولماذا تأتي إليّ كما لو أنني موجودة أنا فقط على قدر ما تريده أنت منّي، لتلبية عطشك العاطفي والجنسي؟ أتريد أنْ تأخذ ولا تعطي؟ هل سألت نفسك مرة لماذا لم تدعني إلى بيتك الذي من فرط حرصك على ألّا أزوره البتّة، صيرته في عقلي لغزاً لشياطين الشكوك كلها؟».ـ
لقد تجرّأت على أن تسدد أسئلتها بحزم أعاد لها مكانتها كامرأة قوية تماماً كالتي أثارت إعجابه عندما التقاها لأول مرّة: لم يجب على الرغم من إحساسه بضرورة الردّ على ما تسبّبت له أسئلتها التي استبطنت اشمئزازاً مِنْ بخل دعوتها إلى منزله من إحراج، قياساً على كرم رجلها الميت. ولأن طبعها العملاني تغلّب في تلك اللحظة على عاطفتها، راحت تبني على صمته الذي يشي بتردد هو منْ طبيعته، إجابة جازمة على أنّه غير مصمم على المضي بعلاقتهما. وفي اللحظة التي شعر بخروجها منه، أحس بتحرّره منها، كما بحاجته إليها.ـ
حاول أن يؤجل ما تريد بتّه تواً، عبر اختلاقه ثرثرة جانبية لا معنى لها، علّ ذلك يُخفِّف من غلو الجدية في حوار لم يكن جاهزاً له، فالتفت فجأة إلى الجدار الأيمن، كما لو أنه فوجئ بجديد لم يسبق أن رآه. وقال:ـ
«منذ متى هذا التفسُّخ في الحائط.ـ
وأردف:ـ
ـ سيتسع هذا الشق بمرور الأيام.ـ
إلّا أنّ الأمور اتجهت عكس ما يتوخاه، إذ كان الأجدر به أن يقفل فمه تماماً ولا يتفوّه بكلام فهمته مختصراً ومحكماً، فقالت:ـ
ـ ما دخل الحائط بموضوعنا. أأنت معي أم لا؟. وبثقة شديدة وجهت إليه سؤالاً محدداً بلسانها الطيِّع القادر على النطق بكلمات سليمة وواضحة، فهي إلى جانب ما في عينيها المتوقدتين من فضول مراهقة شقيّة، كانت رنا تتمتع أيضاً بحسن التلفظ، فمخارج الكلمات في فمها واضحة الحروف وذات إيقاع موسيقي يعطي كل حرف حقّه.ـ
ومع ذلك لم يجبها، بل حاول تشتيت الموضوع. فوقف وتقدّم صوبها متودّداً، علّ التحرّش بها يطفئ جذوة غيظها، ويعدّل من مزاجها المكروب. وهذه واحدة من دواهي سوقيّته المتّبعة مع نسائه الأخريات، لكي يكففن عن الإلحاح في السؤال عمّن كانت برفقته مساء البارحة، بعد غمزه هو إلى ما يروح يتأفف منه، على اعتبار أن هذه مناكفات نسائية. لكن المسألة مع رنا مختلفة بسبب إحساسه أمامها بضعف استفزّ في لاوعيه الذكوري رغبة سادية، للتغلب عليها، أو بالأحرى لإخضاعها بالنكاح؛ خصوصاً أنّ جسدها الممتلئ أثار لديه شبقاً جنسياً ورثه من أبيه، فوالده كان لا يستسيغ غير النساء السمينات أو المكتنزات، ويأنف من جمال فتيات الموضة اليوم، كان ضعفهن يثير قرفه، لأن أنثى زمانه تحولت إلى نصف امرأة، بحسب تعبير أبيه.ـ
صدّته بلطف بادئ الأمر، طالبة إليه الكفّ عن «خزعبلاته»، إلّا أنه عاندها من دون أنْ يتقصّد جرح كبريائها. وبلهجة حازمة قالت له:ـ
لا تميّع الإجابة، ولا تتهرب من نفسك، لأنني مصرّة على ألا أميّع ما يجب بتّه الآن مباشرة، لكي نرتاح أنا وأنت. بدت كما لو أنّ لا شيء في الدنيا يثنيها عن حسم الموضوع عبر إجابة قاطعة تريحها من قلق استبدّ بها، منذ أن تعرّفت إليه.
عادت رنا لتطرح عليه رزمة توضيحات أربكته إرباكاً ضاعف مِنْ تردّده الذي ضاقت به عندما سألته: «ماذا تريد مني؟ ولماذا تأتي إليّ كما لو أنني موجودة أنا فقط على قدر ما تريده أنت منّي، لتلبية عطشك العاطفي والجنسي؟ أتريد أنْ تأخذ ولا تعطي؟ هل سألت نفسك مرة لماذا لم تدعني إلى بيتك الذي من فرط حرصك على ألّا أزوره البتّة، صيرته في عقلي لغزاً لشياطين الشكوك كلها؟».ـ
لقد تجرّأت على أن تسدد أسئلتها بحزم أعاد لها مكانتها كامرأة قوية تماماً كالتي أثارت إعجابه عندما التقاها لأول مرّة: لم يجب على الرغم من إحساسه بضرورة الردّ على ما تسبّبت له أسئلتها التي استبطنت اشمئزازاً مِنْ بخل دعوتها إلى منزله من إحراج، قياساً على كرم رجلها الميت. ولأن طبعها العملاني تغلّب في تلك اللحظة على عاطفتها، راحت تبني على صمته الذي يشي بتردد هو منْ طبيعته، إجابة جازمة على أنّه غير مصمم على المضي بعلاقتهما. وفي اللحظة التي شعر بخروجها منه، أحس بتحرّره منها، كما بحاجته إليها.ـ
حاول أن يؤجل ما تريد بتّه تواً، عبر اختلاقه ثرثرة جانبية لا معنى لها، علّ ذلك يُخفِّف من غلو الجدية في حوار لم يكن جاهزاً له، فالتفت فجأة إلى الجدار الأيمن، كما لو أنه فوجئ بجديد لم يسبق أن رآه. وقال:ـ
«منذ متى هذا التفسُّخ في الحائط.ـ
وأردف:ـ
ـ سيتسع هذا الشق بمرور الأيام.ـ
إلّا أنّ الأمور اتجهت عكس ما يتوخاه، إذ كان الأجدر به أن يقفل فمه تماماً ولا يتفوّه بكلام فهمته مختصراً ومحكماً، فقالت:ـ
ـ ما دخل الحائط بموضوعنا. أأنت معي أم لا؟. وبثقة شديدة وجهت إليه سؤالاً محدداً بلسانها الطيِّع القادر على النطق بكلمات سليمة وواضحة، فهي إلى جانب ما في عينيها المتوقدتين من فضول مراهقة شقيّة، كانت رنا تتمتع أيضاً بحسن التلفظ، فمخارج الكلمات في فمها واضحة الحروف وذات إيقاع موسيقي يعطي كل حرف حقّه.ـ
ومع ذلك لم يجبها، بل حاول تشتيت الموضوع. فوقف وتقدّم صوبها متودّداً، علّ التحرّش بها يطفئ جذوة غيظها، ويعدّل من مزاجها المكروب. وهذه واحدة من دواهي سوقيّته المتّبعة مع نسائه الأخريات، لكي يكففن عن الإلحاح في السؤال عمّن كانت برفقته مساء البارحة، بعد غمزه هو إلى ما يروح يتأفف منه، على اعتبار أن هذه مناكفات نسائية. لكن المسألة مع رنا مختلفة بسبب إحساسه أمامها بضعف استفزّ في لاوعيه الذكوري رغبة سادية، للتغلب عليها، أو بالأحرى لإخضاعها بالنكاح؛ خصوصاً أنّ جسدها الممتلئ أثار لديه شبقاً جنسياً ورثه من أبيه، فوالده كان لا يستسيغ غير النساء السمينات أو المكتنزات، ويأنف من جمال فتيات الموضة اليوم، كان ضعفهن يثير قرفه، لأن أنثى زمانه تحولت إلى نصف امرأة، بحسب تعبير أبيه.ـ
صدّته بلطف بادئ الأمر، طالبة إليه الكفّ عن «خزعبلاته»، إلّا أنه عاندها من دون أنْ يتقصّد جرح كبريائها. وبلهجة حازمة قالت له:ـ
لا تميّع الإجابة، ولا تتهرب من نفسك، لأنني مصرّة على ألا أميّع ما يجب بتّه الآن مباشرة، لكي نرتاح أنا وأنت. بدت كما لو أنّ لا شيء في الدنيا يثنيها عن حسم الموضوع عبر إجابة قاطعة تريحها من قلق استبدّ بها، منذ أن تعرّفت إليه.
صفحة 4
كان لانقطاع الحوارات المفاجئة بين الفينة والفينة، أثره الأقوى في كليهما على ما تحتوي من أحاديث، هي كأي كلام، يستعمله الناس في العادة للاحتجاب وراءه، أو بالأحرى لإخفاء ما لا يريدون التصريح به، حتّى إذا ما لفّ الصمت أرجاء الغرفة وهما جالسان متقابلين، يعود ويُصاب بتوتّر واضح لا على ما يظهر من احمرار وجنتيه، وإنما على ما يتفوه به من تفاهات متكلّفة لا تنفع مطلقاً حاجته الماسّة للخروج من هذا المأزق، بانسيابية رجل مقتدر وممسك بزمام الأمور. فلا تعليقاته الساخرة على عتق سرواله الداخلي تفيد مأربه في تلك اللحظة، ولا التبخيس من استعظامها لمسألتيهما ينفع. والمواقف الهزلية التي أخذ يستجديها باللعب على ما تحمله بعض الكلمات من معانٍ مغايرة، كانت ترتد عليه سلباً، لأن لا داعي لها. إلى أن وصل به الأمر لكسر الصمت، إلى أن يتخذ من قياس حذائه الأسود الطويل مثاراً للقهقهة. أُصيبت باشمئزاز ذي مفعول رجعي ازداد عندما أحسّت بأنها قبالة رجل إمّا إنه حمار، وإما فَهِمَ ولكن أراد التذاكي عليها عبر مداهنات لا تُطاق، راهن فيها، وهذا الأنكى بالنسبة إليها، على أن تجنح إلى مسايرته لتحويل الجدية المفرطة إلى مُزاح لطيف.ـ
فجأة تبدّلت ملامحها وانفرجت أساريرها على نحو يُنذر باتخاذها قراراً قاطعاً، بعدما أعيت نفسها واستنفدت الحيل النسائية كافة لاستيضاح كنه مبتغاه، فلم تحصل منه إلّا على تمتمات فضفاضة، مرّرتها في أكثر اللحظات الملائمة لاعتراف أعتى الرهبان بحب امرأة وهو في فراشها. حتّى في السرير أخفقت رنا في الاستحصال ولو على مجرّد كلمة غزل عفوي، تستشعر بها أمان رجوعه إليها مرةً ثانية.ـ
بقي لها إذاً أن تتأنّى في اختيار زمان ومكان جلسة مباغتة وصاخبة، علّها تخرجه عن طوره، فتستوضح حقيقة نياته حيال علاقة أحسّت بالوهن ينخرها، عقب بداية متوقّدة في مشاعرهما. نظراً إلى مذاق غربة كليهما عن الآخر، فشعلة الحب تتوقد بشغف الغرابة واختلاف العاشق عن المعشوق، حتّى إذا ما تآلف المحبّ واعتاد وجه محبوبه في الصبح والمساء، وفي المطبخ والفراش، حفظ ساعة تأخّره ولحظة قدومه، وخبر ردة فعله عند غضبه وفي فرحه. يكونان قد تعريا من علّة لهفتهما، فتذوي حماستهما ويدخلان متاهة الرتابة الرهيبة، إنها اللعبة نفسها تتكرّر في حكاية كل عاشق.ـ
عقدت رنا العزم إذاً على إنهاء القضيّة بأسلوبها هي، بعد أنْ خبرت من خلال تجربتها حتمية المؤدى السلبي لكل تأجيل في قضية، للوقت فيها دور حاسم، فكان عليها أن تستخدم آخر ما للأنثى مِنْ دهاء فطري، لتنتصر فيخضع، أو أن تُهزم فيرحل. عندئذٍ قرّرت أنّ استفزازه وإثارة حنقه هو السبيل الأمثل لإخراجه مِنْ ثوب لياقته الكاذبة، فسألته بلهجة متعجرفة وفوقية: «كم عمرك، أما زلت تلتذ بألعاب الصغار؟ على كل حال لا يهمني وأردفت: «بصراحة أنا تجاوزت هذه المرحلة مع الأسف، فلم تعد تغويني التسلية بمشاعر الآخرين، ولا شيء يضاهي توقي إلى الاستقرار وتكوين عائلة وولادة أطفال، ككل الناس لئلا أندم بعد فوات الأوان. أفهمت»؟
بدا لرنا كما لو أنها نجحت في النيل من حساسيته المفرطة حيال كل كلام فوقي، فكيف إذا صدر عنها هي بالذات، فعلاقته بها على ما يذكر بدأت بلقاء تعارف عابر، أجابت خلاله بعجرفة عن سؤاله عما إذا كانت مسيحية بالقول: نعم أنا كاثوليكية تربيت كغيري على أننا مختلفون عنكم. فأنتم تنجبون أطفالاً كثراً، أمّا نحن فلا، نحن نظيفون ومرتّبون ولا نتلفّظ بكلمات بذيئة، أما أنتم فتهتمّون ببطونكم، ولا تعتنون بثيابكم ولا بنظافة بيوتكم.ـ
شعر سالم بإهانة أغضبته، فلا هو بمثل هذه الخسّة التي تشحن المرء بالقدرة على اتخاذ قرار حاسم، لا رجعة فيه، ولا هي يحقّ لها في الأصل أنْ تحشره في الزاوية هكذا، لإرغامه على الاستجابة لما ليس جاهزاً له. لقد أخفق عبر أكثر من سبيل في إرجاء الخوض بهذه القضية الحسّاسة، فلم يستطع كبح جماح اندفاعها العصبي نحوه، لا بالمراوغة ولا بالتحايل، كي يُرجئ بتّ موضوع، يجب ألّا يُفتح، لأنّه لم يحن أوان إقفاله بالنسبة إليه. لكن الغريب أنه بعد ذلك، أحسّ بالتحرّر من الارتباك الذي كان قد شل عقله وكبّله طوال مدّة استنطاقها إياه. فلم يقم بردّة فعل على الرغم من أنّ الاستياء كان بادياً على وجهه الصامت بما لا يشبه صمته هو نفسه قبل دقائق معدودة، فطبع سالم الحاد وهو صغير، روّضه في الكِبَر بالصمت والكتمان، بعد أن أدرك أنّ من شأن انفعال الشخص عند الشدائد أنْ يدفعه إلى التهوّر إما بافتضاح مكنونات ذاته التي تضمر ربما عدوانية وأنانية لا تحتملان، وإما بإشهار كره أو حب، بُغْضٍ أو انخطاف تفرض عليه مترتبات أو عواقب ليس بمقدوره أنْ يتحمّلها. لهذا كان في أوج لحظات انفعاله العاطفي يمتنع عن الكلام، كي لا يتهور بالنطق بما يعرف أنه سيرتدّ عليه بالضرر، عندما تهدأ حمأة حماسته لها في السرير أو في البريّة، تقصّدت استفزازه لاستنباش خبايا نياته حيال علاقة لم تعد تهتم لا بحلوها ولا مرّها، ولا بما إذا كانت تسليها، فتلهيها عمّا لم تعد تريد تأجيله. فهي تريد الاستقرار والاطمئنان إلى حياتها مع زوج يجعلها أماً لطفل، مع أنها صارت متخوّفة من أنْ يخذلها جسدها في الولادة وهي في الخامسة والثلاثين من العمر.
فجأة تبدّلت ملامحها وانفرجت أساريرها على نحو يُنذر باتخاذها قراراً قاطعاً، بعدما أعيت نفسها واستنفدت الحيل النسائية كافة لاستيضاح كنه مبتغاه، فلم تحصل منه إلّا على تمتمات فضفاضة، مرّرتها في أكثر اللحظات الملائمة لاعتراف أعتى الرهبان بحب امرأة وهو في فراشها. حتّى في السرير أخفقت رنا في الاستحصال ولو على مجرّد كلمة غزل عفوي، تستشعر بها أمان رجوعه إليها مرةً ثانية.ـ
بقي لها إذاً أن تتأنّى في اختيار زمان ومكان جلسة مباغتة وصاخبة، علّها تخرجه عن طوره، فتستوضح حقيقة نياته حيال علاقة أحسّت بالوهن ينخرها، عقب بداية متوقّدة في مشاعرهما. نظراً إلى مذاق غربة كليهما عن الآخر، فشعلة الحب تتوقد بشغف الغرابة واختلاف العاشق عن المعشوق، حتّى إذا ما تآلف المحبّ واعتاد وجه محبوبه في الصبح والمساء، وفي المطبخ والفراش، حفظ ساعة تأخّره ولحظة قدومه، وخبر ردة فعله عند غضبه وفي فرحه. يكونان قد تعريا من علّة لهفتهما، فتذوي حماستهما ويدخلان متاهة الرتابة الرهيبة، إنها اللعبة نفسها تتكرّر في حكاية كل عاشق.ـ
عقدت رنا العزم إذاً على إنهاء القضيّة بأسلوبها هي، بعد أنْ خبرت من خلال تجربتها حتمية المؤدى السلبي لكل تأجيل في قضية، للوقت فيها دور حاسم، فكان عليها أن تستخدم آخر ما للأنثى مِنْ دهاء فطري، لتنتصر فيخضع، أو أن تُهزم فيرحل. عندئذٍ قرّرت أنّ استفزازه وإثارة حنقه هو السبيل الأمثل لإخراجه مِنْ ثوب لياقته الكاذبة، فسألته بلهجة متعجرفة وفوقية: «كم عمرك، أما زلت تلتذ بألعاب الصغار؟ على كل حال لا يهمني وأردفت: «بصراحة أنا تجاوزت هذه المرحلة مع الأسف، فلم تعد تغويني التسلية بمشاعر الآخرين، ولا شيء يضاهي توقي إلى الاستقرار وتكوين عائلة وولادة أطفال، ككل الناس لئلا أندم بعد فوات الأوان. أفهمت»؟
بدا لرنا كما لو أنها نجحت في النيل من حساسيته المفرطة حيال كل كلام فوقي، فكيف إذا صدر عنها هي بالذات، فعلاقته بها على ما يذكر بدأت بلقاء تعارف عابر، أجابت خلاله بعجرفة عن سؤاله عما إذا كانت مسيحية بالقول: نعم أنا كاثوليكية تربيت كغيري على أننا مختلفون عنكم. فأنتم تنجبون أطفالاً كثراً، أمّا نحن فلا، نحن نظيفون ومرتّبون ولا نتلفّظ بكلمات بذيئة، أما أنتم فتهتمّون ببطونكم، ولا تعتنون بثيابكم ولا بنظافة بيوتكم.ـ
شعر سالم بإهانة أغضبته، فلا هو بمثل هذه الخسّة التي تشحن المرء بالقدرة على اتخاذ قرار حاسم، لا رجعة فيه، ولا هي يحقّ لها في الأصل أنْ تحشره في الزاوية هكذا، لإرغامه على الاستجابة لما ليس جاهزاً له. لقد أخفق عبر أكثر من سبيل في إرجاء الخوض بهذه القضية الحسّاسة، فلم يستطع كبح جماح اندفاعها العصبي نحوه، لا بالمراوغة ولا بالتحايل، كي يُرجئ بتّ موضوع، يجب ألّا يُفتح، لأنّه لم يحن أوان إقفاله بالنسبة إليه. لكن الغريب أنه بعد ذلك، أحسّ بالتحرّر من الارتباك الذي كان قد شل عقله وكبّله طوال مدّة استنطاقها إياه. فلم يقم بردّة فعل على الرغم من أنّ الاستياء كان بادياً على وجهه الصامت بما لا يشبه صمته هو نفسه قبل دقائق معدودة، فطبع سالم الحاد وهو صغير، روّضه في الكِبَر بالصمت والكتمان، بعد أن أدرك أنّ من شأن انفعال الشخص عند الشدائد أنْ يدفعه إلى التهوّر إما بافتضاح مكنونات ذاته التي تضمر ربما عدوانية وأنانية لا تحتملان، وإما بإشهار كره أو حب، بُغْضٍ أو انخطاف تفرض عليه مترتبات أو عواقب ليس بمقدوره أنْ يتحمّلها. لهذا كان في أوج لحظات انفعاله العاطفي يمتنع عن الكلام، كي لا يتهور بالنطق بما يعرف أنه سيرتدّ عليه بالضرر، عندما تهدأ حمأة حماسته لها في السرير أو في البريّة، تقصّدت استفزازه لاستنباش خبايا نياته حيال علاقة لم تعد تهتم لا بحلوها ولا مرّها، ولا بما إذا كانت تسليها، فتلهيها عمّا لم تعد تريد تأجيله. فهي تريد الاستقرار والاطمئنان إلى حياتها مع زوج يجعلها أماً لطفل، مع أنها صارت متخوّفة من أنْ يخذلها جسدها في الولادة وهي في الخامسة والثلاثين من العمر.
صفحة 5
بقي سالم على صمته لعلّة تتعلّق على الأرجح بمغزى مغاير عن أي اعتبار من الاعتبارات التي باتت معروفة. مع أنه كان يغلي سخطاً في داخله من المكانة الوضيعة التي صيرته فيها. وفجأة خطر على باله أنْ يسأل نفسه: ماذا أنا بفاعل هنا، أأكون مازوشياً إلى حدّ أنني ملتذ بالألم النازف من جرح كبريائي، من غير أنْ أعي ذلك؟
وأكمل يحدِّث نفسه: كفى، عليّ أنْ أرحل فوراً، من دون أن أحتسب أي شيء آخر. ساعتئذٍ أحسّ بأن منزلها ضيّق وبارد هذه المرّة، حتى إنه حنَى قامته حالما وقف لإحساسه بانخفاض السقف إلى حدّ كاد أنْ يلامس فروة صلعته. تقدّم نحوها قبّل خدها بتكلّف فاحت منه رائحة الامتعاض، وخرج من باب شعر بأنّه أضيق مما كان لحظة دخوله.ـ
ما إنْ وطئت قدمه رصيف الشارع، حتّى أحسّ بخفّة نفسه المستلبة بامرأة أعطته من اهتمامها ورعايتها وحبها الكثير. بينما لا يقدر هو في المقابل على ردّ النزر القليل من الجميل، كان فرحه الداخلي يتواشج مع تقريعه لنفسه وهذا ما استولد عنده غصّة من جراء تركه امرأة ناضجة وجميلة، احتلت في وقت قصير حيّزاً لم تشغله أيّ امرأة غيرها. كان بمقدورها هي وحدها خلق فضاءات متجددة بينهما، للفرح والسخرية، للهو والجدّ، للثقافة والسياسة، للفحش والنبل، لمقتها خضوع النساء التقليديات وتجسيدها لمواقفهنّ. ولئلا يعود إليها جاثياً ليستجدي رضاها، انتشل من ذاكرته وهو يمشي في الليل وحده، مشهد ازدرائها له عندما سألها كيف يأكلون «الكافيار»، كما حرص على ألّا تفارقه صورة إبهام قدمها اليمنى، الذي لم ينظر إليه إلّا مرّة واحدة وأخيرة لسبب، جعله يدرك مغزى نفوره من الأظفار الطويلة. لقد استحوذت على ذهنه كل الصور والوضعيات التي كان يمقتها في شخصها، من دون أن يعي أنّ استئناسه بهذا الطفو الصوري يعود إلى ما أمدّه به من نفور يحتاج إليه للرحيل عنها بثبات. مشى إلى بيته، وعو عازم على ألّا يعود إليها مرّة ثانية، مهما كان السبب.ـ
لربما كانت علله وحدها لا تكفي لينفصلا. فثمّة سبب أكثر وجاهة كامن في ثنايا تعقيدات شخصيته المركّبة، لم تلتقطه رنا، وفاتها أنْ تدرك أنّ سالم غريب الأطوار وهو من عجينة نفسية مغايرة عمّن عرفتهم، فلم يخطر على بالها قط أن تفسر تمنّعه عن إظهار مشاعره حيالها بكونه لا يتعلق بطبيعته الغامضة والكتومة فقط، بل بسبب غيبي أقوى من قدرة المؤمن به على مخالفة أمر قدري على درجة كبيرة من الأهمية.ـ
لعلّ توجّسه من سخريتها بسخافة مثل هذا السبب قياساً على جدية علاقتهما، جعله يحتفظ به لنفسه ويبقيه طيّ الكتمان، ذلك أن رفضه التوغل معها أكثر، لا يتعلّق بمدى رغبته فيها وشوقه إليها، ولا بحاجته إلى مساعدتها، بل بهاجس قدري مرعب، لا يتماشى مع علميّته المزعومة، ولا يتفق مع ادعاءات إلحاده باللَّه والغيب واليوم الآخر. المسألة ببساطة أنّ سالم صار مهجوساً بالموت بالطريقة التي مات فيها عشيقها أنطوان بعد أنْ نام ولم يفق من جراء سكتة قلبية عاجلته في أثناء سباته، فترسّخ لديه اقتناع أكيد بالمصير البائس لمن سيخلفه، بعدما سمع أمه تردّد أمامه وهو صغير، أنّ ثمة نساء أفخاذهن مالحة، يمتن أزواجهن واحداً فواحداً. لذا خير للرجل أن يأمن نذير شؤمهن بالابتعاد مسافة دهر عن أمثالهن. غير أن تبصّره الغيبي المزعوم، كان يمكن إهداره والالتفاف عليه، لو لم يلحس بلسانه مرةً ملح فخذيها في لحظة حميمة شوشت على رنا علّة هذه المداعبة التي أثارتها أكثر مما استغربتها.ـ
ما إن ابتعد حوالى المئة متر حتّى عاد والتفت إلى الوراء ناحية بيتها الكائن في الطابق الأوّل من بناء قديم ومتصدّع. جال بنظره إلى حيث كان منذ لحظات يتلقى سهام استجواب مُحبط ومربك، واسترسل في التفكير. «لعلّها وحدها الآن جالسة تحدّق إلى فراغ الغرفة، هذا قبل أن تذرف دمعة صادقة على رحيلي». بهذا صار يهجس متمنياً أن تكون بصورة ما يهجس به وهو ينظر إلى نافذة الغرفة الشمالية الموصدة بإحكام مستعدة لليلة شتاء قارسة، ولربما أراد أن يستطلع ملمح حزن وأسى لخروجه، عبر نظرة، تمنّى أن تختلسها من شباك المطبخ، ولا ضير من أنْ تخرج إلى الشرفة، لتناديه للعودة إليها بحجّة أنّ الساعة متأخرة والمناخ بارد. لكنه ما لبث أن جرجر نفسه نحو سيارته خائباً مما لم يحصل. وهذا ما أمدّه بالثبات ليقود سيارته بمهارة رجل تبخّر من رأسه نصف قنينة ويسكي، فلا من داعٍ إذاً ليتأسف على تركه ما لا يستحقّ الندم.
وأكمل يحدِّث نفسه: كفى، عليّ أنْ أرحل فوراً، من دون أن أحتسب أي شيء آخر. ساعتئذٍ أحسّ بأن منزلها ضيّق وبارد هذه المرّة، حتى إنه حنَى قامته حالما وقف لإحساسه بانخفاض السقف إلى حدّ كاد أنْ يلامس فروة صلعته. تقدّم نحوها قبّل خدها بتكلّف فاحت منه رائحة الامتعاض، وخرج من باب شعر بأنّه أضيق مما كان لحظة دخوله.ـ
ما إنْ وطئت قدمه رصيف الشارع، حتّى أحسّ بخفّة نفسه المستلبة بامرأة أعطته من اهتمامها ورعايتها وحبها الكثير. بينما لا يقدر هو في المقابل على ردّ النزر القليل من الجميل، كان فرحه الداخلي يتواشج مع تقريعه لنفسه وهذا ما استولد عنده غصّة من جراء تركه امرأة ناضجة وجميلة، احتلت في وقت قصير حيّزاً لم تشغله أيّ امرأة غيرها. كان بمقدورها هي وحدها خلق فضاءات متجددة بينهما، للفرح والسخرية، للهو والجدّ، للثقافة والسياسة، للفحش والنبل، لمقتها خضوع النساء التقليديات وتجسيدها لمواقفهنّ. ولئلا يعود إليها جاثياً ليستجدي رضاها، انتشل من ذاكرته وهو يمشي في الليل وحده، مشهد ازدرائها له عندما سألها كيف يأكلون «الكافيار»، كما حرص على ألّا تفارقه صورة إبهام قدمها اليمنى، الذي لم ينظر إليه إلّا مرّة واحدة وأخيرة لسبب، جعله يدرك مغزى نفوره من الأظفار الطويلة. لقد استحوذت على ذهنه كل الصور والوضعيات التي كان يمقتها في شخصها، من دون أن يعي أنّ استئناسه بهذا الطفو الصوري يعود إلى ما أمدّه به من نفور يحتاج إليه للرحيل عنها بثبات. مشى إلى بيته، وعو عازم على ألّا يعود إليها مرّة ثانية، مهما كان السبب.ـ
لربما كانت علله وحدها لا تكفي لينفصلا. فثمّة سبب أكثر وجاهة كامن في ثنايا تعقيدات شخصيته المركّبة، لم تلتقطه رنا، وفاتها أنْ تدرك أنّ سالم غريب الأطوار وهو من عجينة نفسية مغايرة عمّن عرفتهم، فلم يخطر على بالها قط أن تفسر تمنّعه عن إظهار مشاعره حيالها بكونه لا يتعلق بطبيعته الغامضة والكتومة فقط، بل بسبب غيبي أقوى من قدرة المؤمن به على مخالفة أمر قدري على درجة كبيرة من الأهمية.ـ
لعلّ توجّسه من سخريتها بسخافة مثل هذا السبب قياساً على جدية علاقتهما، جعله يحتفظ به لنفسه ويبقيه طيّ الكتمان، ذلك أن رفضه التوغل معها أكثر، لا يتعلّق بمدى رغبته فيها وشوقه إليها، ولا بحاجته إلى مساعدتها، بل بهاجس قدري مرعب، لا يتماشى مع علميّته المزعومة، ولا يتفق مع ادعاءات إلحاده باللَّه والغيب واليوم الآخر. المسألة ببساطة أنّ سالم صار مهجوساً بالموت بالطريقة التي مات فيها عشيقها أنطوان بعد أنْ نام ولم يفق من جراء سكتة قلبية عاجلته في أثناء سباته، فترسّخ لديه اقتناع أكيد بالمصير البائس لمن سيخلفه، بعدما سمع أمه تردّد أمامه وهو صغير، أنّ ثمة نساء أفخاذهن مالحة، يمتن أزواجهن واحداً فواحداً. لذا خير للرجل أن يأمن نذير شؤمهن بالابتعاد مسافة دهر عن أمثالهن. غير أن تبصّره الغيبي المزعوم، كان يمكن إهداره والالتفاف عليه، لو لم يلحس بلسانه مرةً ملح فخذيها في لحظة حميمة شوشت على رنا علّة هذه المداعبة التي أثارتها أكثر مما استغربتها.ـ
ما إن ابتعد حوالى المئة متر حتّى عاد والتفت إلى الوراء ناحية بيتها الكائن في الطابق الأوّل من بناء قديم ومتصدّع. جال بنظره إلى حيث كان منذ لحظات يتلقى سهام استجواب مُحبط ومربك، واسترسل في التفكير. «لعلّها وحدها الآن جالسة تحدّق إلى فراغ الغرفة، هذا قبل أن تذرف دمعة صادقة على رحيلي». بهذا صار يهجس متمنياً أن تكون بصورة ما يهجس به وهو ينظر إلى نافذة الغرفة الشمالية الموصدة بإحكام مستعدة لليلة شتاء قارسة، ولربما أراد أن يستطلع ملمح حزن وأسى لخروجه، عبر نظرة، تمنّى أن تختلسها من شباك المطبخ، ولا ضير من أنْ تخرج إلى الشرفة، لتناديه للعودة إليها بحجّة أنّ الساعة متأخرة والمناخ بارد. لكنه ما لبث أن جرجر نفسه نحو سيارته خائباً مما لم يحصل. وهذا ما أمدّه بالثبات ليقود سيارته بمهارة رجل تبخّر من رأسه نصف قنينة ويسكي، فلا من داعٍ إذاً ليتأسف على تركه ما لا يستحقّ الندم.
صفحة 6
[2]
استيقظ سالم عند الساعة العاشرة من صباح اليوم التالي، من غير أن ينهض من فراشه، بقي مستلقياً على ظهره، وهو يحدق إلى سقف الغرفة مِنْ غيرِ أَنْ يرى فيها ما يعرقل استعادته لشريط أحداث الليلة الفائتة بأدق تفاصيلها كالتي يستذكرها المرء عقب انقضاء واقعة مؤثرة، من دون أن يحتسب لها ومنها حينما يكون غارقاً أثناءها بتوتّر أعماه عن رؤية الأمور على حقيقتها، ليشرع بعدئذٍ بتقريع ذاته، لأنه كان عليه واجب الردّ على أسئلتها المربكة بأسئلة أكثر إحراجاً لها: وأخذ يتمتم: «ماذا تريدين أنتِ مني، أتدّعين أنّك امرأة متمردة على التقاليد وثائرة على الأعراف. وها أنتِ تلجئين إلى الحيل نفسها التي تلجأ إليها امرأة تقليدية تريد الإيقاع برجل للزواج به والولادة و... و... كسائر النسوة»؟فمثل هذه الاسترجاعات الهذيانية تصيب المرءَ بعد نوبة تشنج، أي عندما يهدأ إثر انفعاله بورطة سلبته هدوءه. بعدئذٍ تنقشع من أمامه غشاوة انشداهه بالأمر. على قاعدة أن النظر من الخارج إلى ما كنت فيه، يتيح لك رؤية ما لم تستطع إدراكه وأنت داخله. أضف إلى أنّ طبيعة الانفعال نفسه تجنح بك نحو تهورات غبية لن تعي كونها كذلك، إلّا بعد أن تنام وترتاح، لتستفيق صافي الذهن والسريرة على ما استيقظ عليه سالم، عندئذ تبدأ رحلة تقريع الذات والجلد على ما فعله هنا... ولم يفعله هناك... لكن أكثر ما كدّر نفسه هو احتمال أنْ تفسّر هي صمته خنوعاً وخوفاً. وتابع يحدّث نفسه: «ما الذي أصابني حتى استكنت هكذا كما لو أنني أتملّص، ككائن هشّ وضعيف دأبه المراوغة والمماطلة».ـ
إن حرص سالم على صورته كرجل قوي لا يهاب المواجهة، ولا يتهرّب من تحمّل مسؤولياته، يعود إلى ظنّه أنّ هذه خصال ذكورية تفتقدها المرأة في نفسها، فتتوق إلى إيجادها في شريك يعوضها نقصان ما تحتاج إلى أن تشعر به من أمان وسكينة مع رجل مهيب وقوي. فندمه على التفريط في صورته المرتجاة، لا يعود إلى ما تمدّه به هذه الصورة من رضى ذاتي، فحسب، بل لعدم إغاظتها أكثر على فداحة خسارتها لما تتمناه أية امرأة في الرجل، ولدفعها هي بالذات إلى أن تندم على تصرّفٍ أهوج ارتد عليها ضرراً ستدرك مبلغه حالما تهدأ ويعود إليها رشدها. وذلك واحد من دوافعه الأنانية التي تتعلّق بعقدة أناه حيال الآخرين. فرنا لا تشكل بالنسبة إلى شخص مثله إلّا سبباً عابراً لطفو الكامن في قعر نفسيته من غرائب إنسانية جمّة. فنرجسيته المفرطة تتعامل مع الآخر كذريعة إمّا لتعزيز الثقة بالذات، وإما لتقويض الثقة بالآخر. ولربما كل البشر يعانون وإن بنسب متفاوتة العقدة نفسها التي تجعلنا نتكشف عمّا يتلطى خلف عشق الآخر من أنانية كامنة في ثنايا العلاقة المحتدمة بالمعشوق. إنه بحث عمّا يخفيه مبدأ التضحية بالذات مِنْ متعة تكمن في تلذذ صاحبها بكونه ليس إلّا ضحية الآخرين. ولعل جلد سالم لنفسه، وحنقه من صورته الهزلية والضعيفة أمامها، ساعداه على أن ينفر منها أكثر فأكثر، لأنّ توقه إلى أن يظهر بحلّة رجل قوي ومتماسك أمامها، يضاهي رغبته في أنْ يخضعها إلى ما ترضخ له المرأة في مجتمع شرقي.ـ
عاد وعدّل من وضعية استلقائه، عقب هذا الغوص في أعماق افتراضاته واسترسالاته. تحسّس نظارته التي كانت مركونة بالقرب منه على المنضدة. وضعها فوق أنفه ومشى إلى المرحاض باستياء رجل ممتلئ بالقرف من نفسه حتى أنه راح ينعتها بالعاهرة لأنها فضحت منه ما يكرهه في نفسه.ـ
انتهت علاقته برنا بعد مرور شهرين على علاقة مترنحة في الأصل، بسبب استعجالها تصويب وجهة تدحرجه نحو غاية لا يتوخّاها، إلّا أنّ متعة الارتحال نحو إحساس جديد جعلت نفسه تؤخذ بلذّة الاستلاب إلى عشق، رونقه في السعي الدائم إلى الامتلاء به، وليس في عقد خواتمه عبر زواج، أدرك سالم فداحة ضرره على الحب نفسه، بعد أن كان قد تزوّج بفتاة أحبها حتى الثمالة. أحبّها إلى حدّ التهور في اتخاذ قرار مصيري كان ملغى، وليس مؤجلاً عنده، هذا قبل أن يصادف رانية.ـ
أول مرّة رآها كانت جالسة على مقعد الدراسة منكبة على كتابة مسابقة في اللغة الفرنسية على الأرجح. وكعادته كان يمشي بين الطلاب والطالبات التزاماً بوظيفته كمراقب لضبط أيّة مخالفة من شأنها أنْ تعرقل سير الامتحانات، وكان ينظر إلى وجوههم بشغف فضولي هو من طبيعته، يتفحص بطاقاتهم من باب التسلية في التعرّف إلى أسمائهم، وأماكن وتاريخ ولادتهم إلخ، وليس التزاماً بالإجراءات الاحترازية لمنع الغشّ، عندما لفتت انتباهه ضفائرها المُسدلة على كتفيها بانسياب غريب عن تجعيدات شعر فتاة عربية. نظر من حيث كان يقف وراءها إلى ما تدوّنه وهي في أقصى تركيزها على ما تكتبه، ولأن رأسها مطأطئ فوق الورقة، فلم يرَ غير أظفارها المطلية بصبغة شفافة. وتنفيذاً لما عُهد إليه، وفقاً لتعليمات المديرة المسؤولة، تناول بطاقتها المدرسية الموجودة إلى جانب طلب الامتحان. تفرّس فيها، قبل أنْ يسألها، لا ليتعرّف إلى ما هو مدوّن في بطاقتها، إنما ليستبين وجه فتاة استفزه عدم اكتراثها لوجوده. «هل أنت فلسطينية؟». التفتت إليه وأجابت بلهجة مفعمة بامتعاض أخرج «اللا» من فمها مدغمة كما لو أنها تستنكر اتهاماً بجريمة لم ترتكبها، ولربما ظنّت أنّ سؤاله يستبطن تبخيساً من قيمة هويتها اللبنانية.ـ
لكنه لم يسمعها إنما استلب عجباً ببهاء محياها، صدمه جمال وجهها ذي الملامح المتناسقة على نحو يتطابق مع القائم في مخيلته عن المرأة الأجمل. ومع أنّ على خدها الأيمن دمغة لم يكن يستسيغ منظرها في وجوه الفتيات الأخريات، فقد صار لها عنده معنى آخر، بعد أن استثارت فؤاداً متجلداً لديه قبل أنْ يستيقن أنْ ما رآه لا يشبه أي فتاة في العالم. حتى أن الابتسامة التي ارتسمت على وجهه حينذاك أثرت فيها، فاعترفت فيما بعد بأنها لم تفارق مخيلتها طوال فترة غيابه عنها. هي ابتسامة شاب غريب له عينان تشعّان بكآبة أخّاذة وملامحه تتوقد شوقاً لاغتراف الحياة كلها في لحظة فرح.
صفحة 7
بعد ساعتين أحسّ بأنّ الوقت مرّ بسرعة مذهلة قياساً على ضيقه الدائم من طول مدّة الحصص التعليمية لوظيفة يكرهها. أسند كوعه إلى الطاولة المركونة قبالتها في زاوية الصفّ وأخذ يحدّق إلى ملامح وجه طافح بالغرابة، متسائلاً هل هي متحدّرة من عرق غير عربي. تفرّس في قسمات وجهها بنهم أقحمه في افتراضات متنوّعة، أيمكن أن يكون أبوها إنكليزياً. لا لا يبدو من جبهتها العريضة أنها من أمّ تشيكية أو بلغارية إلخ....ـ
كان لحضورها البهي أن أقحمه في التسلية بافتراضات، يلجأ إليها عادةً، لمحاربة رتابة أوقاته المملّة. كان دأبه الالتفاف على رتابة الأحاديث نفسها والوجوه ذاتها عبر مسرب خياله الخصب، لينحت ما يتمنّاه رسماً مجسّماً على كل ما عداه في رأسه... كأن يختلق لنفسه لعبة تخمين يفترض بها ذكاء هذا الجالس في الزاوية هناك من بريق عينيه. وغباوة الفتاة تلك التي لم تتصدّ لوقاحة فتى يبدو أنه ألف التطاول عليها، بما سيؤدي إلى فتح شهية أقرانه من الفتية المتلهفين على اللعب بمصير كائن حيّ.ـ
حتّى إذا صادف امرأة حلوة مضطرّة لأمر ما أن تقضي وقتاً طويلاً قبالته وهي جالسة إلى جانب زوجها، كان يدعوها بنظراته إلى أنْ تتواطأ معه، لكي يخوضا معاً غمار التشويق والإغواء عن بُعد... لأن الاقتراب أكثر يفسد عليهما جاذبية هذه اللعبة المضمرة، لا لأنها تلفت انتباه زوجها الأغرّ، بل لأنّ النفس تلتذ بالغموض، فتروّح عن نفسها عبر السباحة في فضاء الخيال مع نفس أخرى لامرأة مشتهاة، وهذا أصفى وأخفّ من ثقل الجدية المترتّبة على الوصال المحتدم بين جسدين يجمعهما رباط الزواج. وهذا ما كان يستهويه حتى أنّه أسرّ مرةً إلى واحدة من زميلات صفّه الجامعي عن استفسارها:ـ
ـ لماذا أشعر بأنك تنظر إليّ بفحش جنسي، ينتهي مع انتهاء حصة الدكتور هادي؟ باغتها بإجابة مفاجئة إذ قال: بصراحة، كنت أصاب بالاختناق من الملل خلال محاضرة هذا الأستاذ النعسان فاللَّه لم ينعم عليه بملكة النطق السليم. فالحروف تخرج من أنفه مع «خنّة» تجعلك تجهدين في التركيز على مطابقة الكلمات التي ينطقها مشبّهة مع اللفظ الصحيح. هذا قبل أنُ أُحبط مِنْ فكّ أحجية مقاصده غير الواضحة حتى له. أضف إلى أنّه لو ثابر على التعويض عن رخاوة حنكه عبر تقديم معلومة فلسفية ذات قيمة جديرة لكنت ما انشدهت بكِ هكذا... فأخلع عنك ثيابك قطعة قطعة يا ندى، وأبقي على الكلسون. كنت أتسلى بالتماهي مع عريك الذي يتضاعف نهمي إليه حالما يبقى شيء منه محتجباً خلف ما يسمونه ورقة التوت. ـ
هذه وسيلتي المثلى لأتغلب على ضجر الساعات الطويلة لأستاذنا الكريم. ضَحكت، ونهرته بغنج أنثى استحصلت على إطراء غريب، لم تسمع مثله من ذي قبل، هذا قبل أنْ تستدرك وتقول:ـ
ـ «كف عني زناختك يا أبو النية العاطلة». قام عن كرسيه ومشى إلى رانية، ليسألها:ـ
ـ أأمك أم أبوك أجنبي؟ فأجابت: أمي روسية... وسكتت. ازدادت في نظره سحراً ليغوص من جديد في فضاء افتراضات واحتمالات جديدة عمّا كان يفعله أبوها هناك في بلاد الصقيع؟ وما هي المصادفة التي جمعتهما؟ وراح يستحضر توقعاته عما يمكن أن تكون عليه صورة أمّها. بالطبع هي جميلة لها عينان خضراوان تشع من بريقهما ضراوة البرد القارس وحِدّة الطبع القاسي. واستطرد محدثاً نفسه: لا... لا... أُرجِّح بأنّه التقاها مصادفة في المترو. دسّ نفسه بمؤخرتها، صفعته، فأُعجب بها أكثر. ولمَ لا تكون قد التقته على مقاعد الدراسة؟ ألَمْ تقل لي إنّ أباها يعمل مهندساً، لربما تحرّش بها غير مرة، فصدّته. ثابر على مغازلتها لتنجذب بعدها إلى غرابة سحنته السمراء، بعد أن ملّت فاعتادت إلفة النظر إلى رتابة وجوه أقرانها مِنْ ذوي البشرة البيضاء، بقي سارحاً يسبح في بحر افتراضاته الواسعة وسع مخيلته الخصبة، إلى أن قطع عليه رنين الجرس حبل استرسالاته، فامتعض على غير عادته، إذ كان الجرس بالنسبة إليه نذير شؤم، ما إن يُعلن بدء دخول الطلاب إلى الصفوف وللصوت ذاته وقع آخر، يستبشر به تحرّراً من ضجر التدريس في آخر النهار. شرد إلى أن تنبّه إلى صوت المديرة تناديه للإسراع في جمع المسابقات من الطلبة، لئلا يؤخّر طاقم الإدارة والموظفين دقائق غير محتسبة في دوام عملهم.ـ
المشهد نفسه يتكرّر كل يوم، طلاب يتدافعون في الممرات إلى الخارج. باصات مركونة في الباحات بانتظار نقل الطلاب إلى منازلهم. على الأدراج حشد هادر من الرؤوس المتدفقة بفوضى انحباسها لثماني ساعات متواصلة. كان سالم يلاحق هبوطها المحشور على السلالم، إلى أن اختفت فجأة عن نظره وذابت في اللون المدرسي الأزرق لموج الفتية الذين كان لزيّهم الموحّد أنْ صيرهم صورة لمشهد ليس له مِنْ فاعل لهذا الصخب المتكرّر في نهاية كل نهار. كانت ترتسم على وجوههم بهجة التحرّر مِنْ قيد الالتزام المضني بفروضهم المدرسية. سالم هو كذلك بدت عليه إشراقة تفلّت مِنْ عبء الواجب. حاول أن يشقّ طريقه بين حشود الطلبة، وهو يستسمحهم بعبارات مثل: عفواً... إذا بتريدوا.. إلخ. كي يفسحوا له مجال الإسراع، علّه يستبق وصولها إلى حيث سوف تستقل الحافلة رقم «4» أغلب الظن، بعد أن استوضحها مكان إقامة أهلها.
كان لحضورها البهي أن أقحمه في التسلية بافتراضات، يلجأ إليها عادةً، لمحاربة رتابة أوقاته المملّة. كان دأبه الالتفاف على رتابة الأحاديث نفسها والوجوه ذاتها عبر مسرب خياله الخصب، لينحت ما يتمنّاه رسماً مجسّماً على كل ما عداه في رأسه... كأن يختلق لنفسه لعبة تخمين يفترض بها ذكاء هذا الجالس في الزاوية هناك من بريق عينيه. وغباوة الفتاة تلك التي لم تتصدّ لوقاحة فتى يبدو أنه ألف التطاول عليها، بما سيؤدي إلى فتح شهية أقرانه من الفتية المتلهفين على اللعب بمصير كائن حيّ.ـ
حتّى إذا صادف امرأة حلوة مضطرّة لأمر ما أن تقضي وقتاً طويلاً قبالته وهي جالسة إلى جانب زوجها، كان يدعوها بنظراته إلى أنْ تتواطأ معه، لكي يخوضا معاً غمار التشويق والإغواء عن بُعد... لأن الاقتراب أكثر يفسد عليهما جاذبية هذه اللعبة المضمرة، لا لأنها تلفت انتباه زوجها الأغرّ، بل لأنّ النفس تلتذ بالغموض، فتروّح عن نفسها عبر السباحة في فضاء الخيال مع نفس أخرى لامرأة مشتهاة، وهذا أصفى وأخفّ من ثقل الجدية المترتّبة على الوصال المحتدم بين جسدين يجمعهما رباط الزواج. وهذا ما كان يستهويه حتى أنّه أسرّ مرةً إلى واحدة من زميلات صفّه الجامعي عن استفسارها:ـ
ـ لماذا أشعر بأنك تنظر إليّ بفحش جنسي، ينتهي مع انتهاء حصة الدكتور هادي؟ باغتها بإجابة مفاجئة إذ قال: بصراحة، كنت أصاب بالاختناق من الملل خلال محاضرة هذا الأستاذ النعسان فاللَّه لم ينعم عليه بملكة النطق السليم. فالحروف تخرج من أنفه مع «خنّة» تجعلك تجهدين في التركيز على مطابقة الكلمات التي ينطقها مشبّهة مع اللفظ الصحيح. هذا قبل أنُ أُحبط مِنْ فكّ أحجية مقاصده غير الواضحة حتى له. أضف إلى أنّه لو ثابر على التعويض عن رخاوة حنكه عبر تقديم معلومة فلسفية ذات قيمة جديرة لكنت ما انشدهت بكِ هكذا... فأخلع عنك ثيابك قطعة قطعة يا ندى، وأبقي على الكلسون. كنت أتسلى بالتماهي مع عريك الذي يتضاعف نهمي إليه حالما يبقى شيء منه محتجباً خلف ما يسمونه ورقة التوت. ـ
هذه وسيلتي المثلى لأتغلب على ضجر الساعات الطويلة لأستاذنا الكريم. ضَحكت، ونهرته بغنج أنثى استحصلت على إطراء غريب، لم تسمع مثله من ذي قبل، هذا قبل أنْ تستدرك وتقول:ـ
ـ «كف عني زناختك يا أبو النية العاطلة». قام عن كرسيه ومشى إلى رانية، ليسألها:ـ
ـ أأمك أم أبوك أجنبي؟ فأجابت: أمي روسية... وسكتت. ازدادت في نظره سحراً ليغوص من جديد في فضاء افتراضات واحتمالات جديدة عمّا كان يفعله أبوها هناك في بلاد الصقيع؟ وما هي المصادفة التي جمعتهما؟ وراح يستحضر توقعاته عما يمكن أن تكون عليه صورة أمّها. بالطبع هي جميلة لها عينان خضراوان تشع من بريقهما ضراوة البرد القارس وحِدّة الطبع القاسي. واستطرد محدثاً نفسه: لا... لا... أُرجِّح بأنّه التقاها مصادفة في المترو. دسّ نفسه بمؤخرتها، صفعته، فأُعجب بها أكثر. ولمَ لا تكون قد التقته على مقاعد الدراسة؟ ألَمْ تقل لي إنّ أباها يعمل مهندساً، لربما تحرّش بها غير مرة، فصدّته. ثابر على مغازلتها لتنجذب بعدها إلى غرابة سحنته السمراء، بعد أن ملّت فاعتادت إلفة النظر إلى رتابة وجوه أقرانها مِنْ ذوي البشرة البيضاء، بقي سارحاً يسبح في بحر افتراضاته الواسعة وسع مخيلته الخصبة، إلى أن قطع عليه رنين الجرس حبل استرسالاته، فامتعض على غير عادته، إذ كان الجرس بالنسبة إليه نذير شؤم، ما إن يُعلن بدء دخول الطلاب إلى الصفوف وللصوت ذاته وقع آخر، يستبشر به تحرّراً من ضجر التدريس في آخر النهار. شرد إلى أن تنبّه إلى صوت المديرة تناديه للإسراع في جمع المسابقات من الطلبة، لئلا يؤخّر طاقم الإدارة والموظفين دقائق غير محتسبة في دوام عملهم.ـ
المشهد نفسه يتكرّر كل يوم، طلاب يتدافعون في الممرات إلى الخارج. باصات مركونة في الباحات بانتظار نقل الطلاب إلى منازلهم. على الأدراج حشد هادر من الرؤوس المتدفقة بفوضى انحباسها لثماني ساعات متواصلة. كان سالم يلاحق هبوطها المحشور على السلالم، إلى أن اختفت فجأة عن نظره وذابت في اللون المدرسي الأزرق لموج الفتية الذين كان لزيّهم الموحّد أنْ صيرهم صورة لمشهد ليس له مِنْ فاعل لهذا الصخب المتكرّر في نهاية كل نهار. كانت ترتسم على وجوههم بهجة التحرّر مِنْ قيد الالتزام المضني بفروضهم المدرسية. سالم هو كذلك بدت عليه إشراقة تفلّت مِنْ عبء الواجب. حاول أن يشقّ طريقه بين حشود الطلبة، وهو يستسمحهم بعبارات مثل: عفواً... إذا بتريدوا.. إلخ. كي يفسحوا له مجال الإسراع، علّه يستبق وصولها إلى حيث سوف تستقل الحافلة رقم «4» أغلب الظن، بعد أن استوضحها مكان إقامة أهلها.
صفحة 8
أدار محرّك سيارته وانطلق إلى حيث راحت تتجاذبه ثلاثة اتجاهات متعاكسة، تجمع ما بينها رغبة في أنْ يجد ملاذاً مريحاً يرمي فيه تعب وظيفة شاقة. فالتدريس عنده لا يُطاق. حبس والتزام يجبرانه على أن يثرثر بأشياء بديهية في الوقت الذي تستبدّ به رغبة عارمة في الصمت والتأمل، لكي يشرد إلى حيث لا أفق يحدّ من فوضى ترحاله إلى ما يشاء، ولا التزام يعكر صفاء مشواره الشاعري إلى حيث التفلّت التام من انتظام الغباء المدرسي لدى الأساتذة والطلاب على السواء.ـ
لم يكد أنْ يحسم أمر وجهته حتّى عاد وعدل عنها لحظة تمثل الوضعية الصعبة التي سيعاني كربها، ما إنْ يجلس على الأريكة حتى تبدأ كعادتها بالشكوى والتذمرّ من خيانة زوجها الذي لم تعد تهمّه غيرتها عليه، والأنكى أنه بعد مدّة أفضى إليها الزوج باعتراف صادم حطم مشاعرها، عندما قال: اسمعيني بصراحة، تعجبني الآنسة هيام، لا ألتقيها إلّا مصادفة لأنّ دوام تدريسها، ويا للأسف، لا يتفق مع دوام تدريسي، لكنني لا أريد أنْ أكذب عليكِ، صرت متيّماً بها، والقرار لك. وخرج.!ـ
استعاد في ذهنه وضعية جلوسه قبالة فاطمة وهو يستمع إلى غمّها وخيبتها بزوج خذلها ولم يقدّر حبها له، ولأن سالم صديقه الأقرب، فإذا كان لا يستطيع أنْ يلعب دوراً في تجسير ما انقطع في علاقتهما التي لا أمل فيها، لكنه قادر على أن يتعاطف معها بالتجهّم وانقباض ملامح وجهه، كي يشاركها في سخطها على هذا الصنف من الرجال. ولأنّ مزاجه في تلك اللحظة لم يكن مهيأً للنقّ، قرّر الذهاب إلى بيته، كي يحتسي صحن شوربة عدس ساخن، انشغل بطهوها ليلة البارحة، قائلاً لسوف ألقي بجسدي على السرير وأغطّ في قيلولة لطيفة، فيهدأ توتري وأبدأ من جديد. لكنّ حماسته خفتت حالما أحسّ بالصقيع الذي ينتظره هناك في شقة استأجرها في بناية رابضة وحدها على أعلى تلّة صخرية، حيث لا يتناهى إلى مسامع سكانها القليلين إلّا صوت صمت ثقيل يشي بالخوف من الوحدة مع هذا اللاشيء الرهيب. مع أن اختيار سالم مسكنه النائي جاء نتيجة ردّة فعل على معاناته من الضجيج في بيت كان قد استأجره بمحاذاة طريق لا تخلو من هدير محركات السيارات ليل نهار، فولّدت عنده حاجة ماسة للابتعاد عن العالم، امتثالاً لرغبة جامحة عنده لكي يختلي بنفسه مع كتاب فلسفي، أو امرأة. فهما سيان عند شخص يعمد قبل القراءة إلى ممارسة الطقوس نفسها التي جعلت نساءه يتوجّسن من أن يكون قد مسّ في عقله، عندما يقطع عليها وعلى نفسه حبل إثارتهما في السرير من خلال حركات غير مفهومة أدّت غير مرّة إلى أن ترتدي المرأة ثيابها وترحل عازمة على أن لا تلتقيه مرّةً ثانية. وهو كالجمل الذي ما إنْ يستشعر نظرة شخص يراقبه أثناء سفاده للناقة حتى يتراجع كما لو أنّ سهماً جليدياً أصاب عضوه حيث كان لا يستطيع أنْ يكتب جملة مفيدة، ولا حتّى أنْ يقرأ فقرة سهلة. إنْ أحسّ بحضور شخص إلى جواره.ـ
كان لمنظر البحر المنبسط أمامه من بعيد ما يبعث على السكينة والصفاء التامين. فتأمل غروب الشمس وهي تطمس قرصها البرتقالي خلف ازرقاق الأفق، سلب عقله، قبل أنْ يتحوّل هذا المشهد إلى جزء من كينونة ضجره من بيت بارد إلى حدّ أنْ بات لا يفهم انبهار الزائرين بما تعوّد رؤيته صباحاً ومساءً ليصير كمثل من تزوّج امرأة جميلة، ما لبث بعد مدّة أن اعتاد حضورها، فألف وجهها، ولم يعد قادراً على أن يرى منها... ما يراه الآخرون فيها.ـ
بقي له أنْ يخفّ نحو ما كان يسرع إليه عندما يُصاب بالتعب، أو حينما يستشعر غصّة قلق من مناخ خريفي يلبّد مشاعره بغيوم سوداء تنذر بعاصفة كآبة موسمية، تصيبه عادةً بداء وجودي اعتل به نتيجة أشياء ليس لصاحبها القدرة على أنْ يدرك كنهها أبداً. ففي هذه الأحوال كان يذهب إلى صديقه الأقرب نسيم، الذي كان يشكو هو أيضاً اضطراباً ناجماً عن تحسّسه المفرط لآلام الآخرين وعذاباتهم. كان هو ملاذه ساعة يحتاج إلى من يسمعه بتفهم إنسان ليست إطراءاته للمجاملة وليس نقده للذمّ والشماتة. كان هو ملجأه ساعة الشدة ما أنْ يلتمس في نفسه ضغطاً يحتاج إلى الفضفضة عن عيب أو زلّة أو فشل أو مِنْ «جرصة». عرّضته لتوبيخ شخص أمام الملأ... بقي مرّة ثلاثة أيام يتألم من إخفائه وخز نظرات أحد مراقبي المحال التجارية وهو يطلب إليه العودة فوراً إلى الصندوق لدفع ثمن علبة سجائر مارلبورو في جيبه إلى أن حوّل بعدها الأمر إلى مادة للسخرية من قيمة هذه السخافات حيال هول الموت وعظمة الخلق و.. و.. وذلك كي يُخفف من كرب حادثة كادت أن تخنقه لو لم يبح بها إلى صديقه نسيم، على أمل أن يتطهر من كتمانه لسرّ ألم البوح به أخف بكثير مِنْ ألم إخفائه، وإن ترتب عليه توبيخ صديقه الأرحم من عذابات تقريع الذات لنفسها. قرّر هذه المرّة أن يذهب إليه ليشاركه في الفرحة بما أحسّ به لحظة رآها. وقرّر أن يدعوه إلى حيث دأب الاثنان على ارتياد ربوَة مطلّة من على كتف واد سحيق فوق نهر «السيبانة» لكي يحتسيا البيرة، بما يجعل من الحديث بأي أمر حميمي أجمل وأخفّ وأكثر صراحة مِنْ رقابة الأنا لنفسها، هذا قبل أنْ يفرغ في بطنه خمس قناني «ألماسة» حيث كانا يجدان راحتيهما بعيداً عن عيون الناس ومسامعهم لأنهم لن يقبلوا جحوداً حرّم معاقرة الخمرة والزنى، فمنع كل اللذائذ التي تتغذى بها النفوس المتألمة من عدم رومانسية هذا العالم البشع، الممتلئ بممنوعات ومحرّمات تبعث على الهزء من حرية إنسان، يتكبل عقله إرادة، لا تقاس بحريّة الحيوانات التي لا عقل لها ولا إرادة.ـ
أخبره سالم بما رآه. وراح يفضي إليه بأسلوب شاعري صادم ما أحسّ به لحظة نظر إلى عيني فتاة، لا تشبه أياً منهن في العالم كلّه. وقال: أشعر أنني امتلأت بفرحة تخولني أن أطير فوق هذا الوادي بخفة ذاك الطائر وأشار بإصبعه إلى ناحية شحرور صودف مروره من فوق رأسيهما. أشعر ببهجة من النوع الذي يُصاب أثناءها المرء بحالة تمتزج فيها الخفّة والانشراح والامتلاء والرضى فتصير من العجينة التي تستشعر عندها الرابط ما بين الخبل والغبطة من صلة عضوية، لن تكتنه سرّها ما لم ترَ عيني هذه المخلوقة الرائعة، وأردف يصف له كيف غمرته بأحاسيس لم يسبق أن شعر بمثلها. قائلاً: «حسبت نفسي كما لو أنني كنت إنساناً مؤجلاً إلى تلك اللحظة وأُقسم لك إنني كنت كمن يبحث عنها هي بالذات. إنها مقدّرة لي حتى ولو وُلِدت في الصين. لا تبتسم هكذا بخبث. أتحسبني خرّفت؟ إنني على يقين تام يا نسيم بأنني كنت سأجدها ولو كانت تعيش على كوكب آخر، كما لو أنّ ثمة قوّة خفية، وليست المصادفة ما يجمع قلبي عاشقين متيمين». كان نسيم يستمع إلى صديقه بشغف ثأري، وكاد ألّا يصدق ما تسمعه أذناه من كلام. كان يستهزئ به سالم نفسه إنْ نطق به لسان عاشق ولهان. حتّى إنه كان يزدري كل من يهيم عشقاً بامرأة، يوجد على شاكلتها الملايين بحسب قاموس ألفاظه الساخرة. كان صديقه مصدوماً بتحوله العاصف خلال ساعات إلى شاعر وهو يصف جمالها، على عكس ما كان يدعيه من نفور من الشعر على اعتبار أنه لسان حال الناس العاجزين عن التعبير المباشر والصريح فيلجأون إلى الاستعارات الميتة والمجازات القابلة للتأويل والتفسير الأنوي غير المفهوم، إلّا للشاعر وحده. هكذا يستغل بعض الشعراء خوفهم من التصريح بما لا يستطيعون الاحتفاظ به، فيتلفظون بلغة مخصية تجعلهم يلتذون بكونهم ضحايا عدم فهم الناس لهم. قاطعه (نسيم) بالسؤال عمّا إذا كانت تبادله الشعور والاهتمام نفسهما. لم يجبه. لأنّه كان تائهاً مشتتاً وهو شارد بموصوفته التي استحالت من شدّة هيامه بما لم يعرف له سبباً، كائناً قدرياً غريباً. لكن ما إن أعاد طرح السؤال عليه، حتّى أجابه بلا مبالاة قائلاً:ـ
لم يكد أنْ يحسم أمر وجهته حتّى عاد وعدل عنها لحظة تمثل الوضعية الصعبة التي سيعاني كربها، ما إنْ يجلس على الأريكة حتى تبدأ كعادتها بالشكوى والتذمرّ من خيانة زوجها الذي لم تعد تهمّه غيرتها عليه، والأنكى أنه بعد مدّة أفضى إليها الزوج باعتراف صادم حطم مشاعرها، عندما قال: اسمعيني بصراحة، تعجبني الآنسة هيام، لا ألتقيها إلّا مصادفة لأنّ دوام تدريسها، ويا للأسف، لا يتفق مع دوام تدريسي، لكنني لا أريد أنْ أكذب عليكِ، صرت متيّماً بها، والقرار لك. وخرج.!ـ
استعاد في ذهنه وضعية جلوسه قبالة فاطمة وهو يستمع إلى غمّها وخيبتها بزوج خذلها ولم يقدّر حبها له، ولأن سالم صديقه الأقرب، فإذا كان لا يستطيع أنْ يلعب دوراً في تجسير ما انقطع في علاقتهما التي لا أمل فيها، لكنه قادر على أن يتعاطف معها بالتجهّم وانقباض ملامح وجهه، كي يشاركها في سخطها على هذا الصنف من الرجال. ولأنّ مزاجه في تلك اللحظة لم يكن مهيأً للنقّ، قرّر الذهاب إلى بيته، كي يحتسي صحن شوربة عدس ساخن، انشغل بطهوها ليلة البارحة، قائلاً لسوف ألقي بجسدي على السرير وأغطّ في قيلولة لطيفة، فيهدأ توتري وأبدأ من جديد. لكنّ حماسته خفتت حالما أحسّ بالصقيع الذي ينتظره هناك في شقة استأجرها في بناية رابضة وحدها على أعلى تلّة صخرية، حيث لا يتناهى إلى مسامع سكانها القليلين إلّا صوت صمت ثقيل يشي بالخوف من الوحدة مع هذا اللاشيء الرهيب. مع أن اختيار سالم مسكنه النائي جاء نتيجة ردّة فعل على معاناته من الضجيج في بيت كان قد استأجره بمحاذاة طريق لا تخلو من هدير محركات السيارات ليل نهار، فولّدت عنده حاجة ماسة للابتعاد عن العالم، امتثالاً لرغبة جامحة عنده لكي يختلي بنفسه مع كتاب فلسفي، أو امرأة. فهما سيان عند شخص يعمد قبل القراءة إلى ممارسة الطقوس نفسها التي جعلت نساءه يتوجّسن من أن يكون قد مسّ في عقله، عندما يقطع عليها وعلى نفسه حبل إثارتهما في السرير من خلال حركات غير مفهومة أدّت غير مرّة إلى أن ترتدي المرأة ثيابها وترحل عازمة على أن لا تلتقيه مرّةً ثانية. وهو كالجمل الذي ما إنْ يستشعر نظرة شخص يراقبه أثناء سفاده للناقة حتى يتراجع كما لو أنّ سهماً جليدياً أصاب عضوه حيث كان لا يستطيع أنْ يكتب جملة مفيدة، ولا حتّى أنْ يقرأ فقرة سهلة. إنْ أحسّ بحضور شخص إلى جواره.ـ
كان لمنظر البحر المنبسط أمامه من بعيد ما يبعث على السكينة والصفاء التامين. فتأمل غروب الشمس وهي تطمس قرصها البرتقالي خلف ازرقاق الأفق، سلب عقله، قبل أنْ يتحوّل هذا المشهد إلى جزء من كينونة ضجره من بيت بارد إلى حدّ أنْ بات لا يفهم انبهار الزائرين بما تعوّد رؤيته صباحاً ومساءً ليصير كمثل من تزوّج امرأة جميلة، ما لبث بعد مدّة أن اعتاد حضورها، فألف وجهها، ولم يعد قادراً على أن يرى منها... ما يراه الآخرون فيها.ـ
بقي له أنْ يخفّ نحو ما كان يسرع إليه عندما يُصاب بالتعب، أو حينما يستشعر غصّة قلق من مناخ خريفي يلبّد مشاعره بغيوم سوداء تنذر بعاصفة كآبة موسمية، تصيبه عادةً بداء وجودي اعتل به نتيجة أشياء ليس لصاحبها القدرة على أنْ يدرك كنهها أبداً. ففي هذه الأحوال كان يذهب إلى صديقه الأقرب نسيم، الذي كان يشكو هو أيضاً اضطراباً ناجماً عن تحسّسه المفرط لآلام الآخرين وعذاباتهم. كان هو ملاذه ساعة يحتاج إلى من يسمعه بتفهم إنسان ليست إطراءاته للمجاملة وليس نقده للذمّ والشماتة. كان هو ملجأه ساعة الشدة ما أنْ يلتمس في نفسه ضغطاً يحتاج إلى الفضفضة عن عيب أو زلّة أو فشل أو مِنْ «جرصة». عرّضته لتوبيخ شخص أمام الملأ... بقي مرّة ثلاثة أيام يتألم من إخفائه وخز نظرات أحد مراقبي المحال التجارية وهو يطلب إليه العودة فوراً إلى الصندوق لدفع ثمن علبة سجائر مارلبورو في جيبه إلى أن حوّل بعدها الأمر إلى مادة للسخرية من قيمة هذه السخافات حيال هول الموت وعظمة الخلق و.. و.. وذلك كي يُخفف من كرب حادثة كادت أن تخنقه لو لم يبح بها إلى صديقه نسيم، على أمل أن يتطهر من كتمانه لسرّ ألم البوح به أخف بكثير مِنْ ألم إخفائه، وإن ترتب عليه توبيخ صديقه الأرحم من عذابات تقريع الذات لنفسها. قرّر هذه المرّة أن يذهب إليه ليشاركه في الفرحة بما أحسّ به لحظة رآها. وقرّر أن يدعوه إلى حيث دأب الاثنان على ارتياد ربوَة مطلّة من على كتف واد سحيق فوق نهر «السيبانة» لكي يحتسيا البيرة، بما يجعل من الحديث بأي أمر حميمي أجمل وأخفّ وأكثر صراحة مِنْ رقابة الأنا لنفسها، هذا قبل أنْ يفرغ في بطنه خمس قناني «ألماسة» حيث كانا يجدان راحتيهما بعيداً عن عيون الناس ومسامعهم لأنهم لن يقبلوا جحوداً حرّم معاقرة الخمرة والزنى، فمنع كل اللذائذ التي تتغذى بها النفوس المتألمة من عدم رومانسية هذا العالم البشع، الممتلئ بممنوعات ومحرّمات تبعث على الهزء من حرية إنسان، يتكبل عقله إرادة، لا تقاس بحريّة الحيوانات التي لا عقل لها ولا إرادة.ـ
أخبره سالم بما رآه. وراح يفضي إليه بأسلوب شاعري صادم ما أحسّ به لحظة نظر إلى عيني فتاة، لا تشبه أياً منهن في العالم كلّه. وقال: أشعر أنني امتلأت بفرحة تخولني أن أطير فوق هذا الوادي بخفة ذاك الطائر وأشار بإصبعه إلى ناحية شحرور صودف مروره من فوق رأسيهما. أشعر ببهجة من النوع الذي يُصاب أثناءها المرء بحالة تمتزج فيها الخفّة والانشراح والامتلاء والرضى فتصير من العجينة التي تستشعر عندها الرابط ما بين الخبل والغبطة من صلة عضوية، لن تكتنه سرّها ما لم ترَ عيني هذه المخلوقة الرائعة، وأردف يصف له كيف غمرته بأحاسيس لم يسبق أن شعر بمثلها. قائلاً: «حسبت نفسي كما لو أنني كنت إنساناً مؤجلاً إلى تلك اللحظة وأُقسم لك إنني كنت كمن يبحث عنها هي بالذات. إنها مقدّرة لي حتى ولو وُلِدت في الصين. لا تبتسم هكذا بخبث. أتحسبني خرّفت؟ إنني على يقين تام يا نسيم بأنني كنت سأجدها ولو كانت تعيش على كوكب آخر، كما لو أنّ ثمة قوّة خفية، وليست المصادفة ما يجمع قلبي عاشقين متيمين». كان نسيم يستمع إلى صديقه بشغف ثأري، وكاد ألّا يصدق ما تسمعه أذناه من كلام. كان يستهزئ به سالم نفسه إنْ نطق به لسان عاشق ولهان. حتّى إنه كان يزدري كل من يهيم عشقاً بامرأة، يوجد على شاكلتها الملايين بحسب قاموس ألفاظه الساخرة. كان صديقه مصدوماً بتحوله العاصف خلال ساعات إلى شاعر وهو يصف جمالها، على عكس ما كان يدعيه من نفور من الشعر على اعتبار أنه لسان حال الناس العاجزين عن التعبير المباشر والصريح فيلجأون إلى الاستعارات الميتة والمجازات القابلة للتأويل والتفسير الأنوي غير المفهوم، إلّا للشاعر وحده. هكذا يستغل بعض الشعراء خوفهم من التصريح بما لا يستطيعون الاحتفاظ به، فيتلفظون بلغة مخصية تجعلهم يلتذون بكونهم ضحايا عدم فهم الناس لهم. قاطعه (نسيم) بالسؤال عمّا إذا كانت تبادله الشعور والاهتمام نفسهما. لم يجبه. لأنّه كان تائهاً مشتتاً وهو شارد بموصوفته التي استحالت من شدّة هيامه بما لم يعرف له سبباً، كائناً قدرياً غريباً. لكن ما إن أعاد طرح السؤال عليه، حتّى أجابه بلا مبالاة قائلاً:ـ
صفحة 9
ـ لا أعرف... ولا يهمني، ولربما هي مرتبطة بشاب من سنها... مَنْ يدري. لكن افهمني جيداً، هذه مشكلتي أنا. اتركني ولا تنغّص عليّ بهجتي بشعور جدير بأن يتذوق طعمه إنسان مثلي حديث العاطفة. فالحب عطاء لا يتنعّم بمرّه وحلوه إلّا الأخيار من البشر.ـ
كان يتحدّث عنها بنبرة إنسان وجد ضالته بعد بحث، طوله بطول عمره. وكان نسيم لا يزال ساكتاً ينصت إلى صديقه بخبثه المعهود كذاك الذي جعل شخصه يتقمص صمتاً مريباً على ما هو واضح في نظراته اللصوصية الباردة أثناء الجلسات العامة. ولعلّ فطنته البليغة كتلك التي أمدته بالقدرة على تمييز الحمار من غيره، كانت لا تكفي ما لم تقترن بنزوع فطري إلى الصمت. ولربما كان هذا نتيجة خوفه من أنْ يتفوه بما لا يطيقه هو في الآخرين، أو تحسباً من نفسه المضطربة بسبب علة سيكولوجية كامنة في منشأ طفل حسّاس، عاش في أزقة مخيم اللاجئين في عين الحلوة.ـ
لم يقاطعه البتّة، ولم يبدِ استياءً لمّاحاً من إطالة الكلام بما سيفضي إليه في نهاية الاعتراف بما لا يحتاج إلى التصريح؛ تركه على سجيته يحكي كما يحلو لشخص منبهر بأحاسيس كان يزدريها عند الآخرين لأنّه لم يختبر أثرها في حياته الطافحة بعلاقات عابرة مع نساء مللنه، بعد أنْ أخفقن في اختراق جليد مشاعره المؤجلة التي كانت على ما يبدو، على وشك الانفجار على نحو ما صار يبدو لمن يسمعه في تلك الآونة وكأنّه هذيان إنسان هوى إلى لجّة مستنقع عميق وهو لا يجيد العوم. على كل حال فالمرأة لا تراهن على غير ذلك. تتصبّر وتتظاهر بما يوهم الرجل بأنها ضعيفة لا حيلة لها، كي تباغته في لحظات يأسه بقوّة عزمها على أنْ تنتشله من ضعفٍ هو فيه، فإذا نجحت فازت، وإذا أخفقت أصابها الإحباط، ورحلت.ـ
كاد نسيم أن يفسد على سالم فرحة اعترافه بما لم يعترف له به يوم جاء إليه يخبره كيف أنّ حبيبته تنكّرت لقسمها بأن تموت عذراء إن فرقهما قدر ربّاني، قبل أنْ يصعقه خبر خطبتها لشاب آخر «آدمي ومأمّن حاله»، بحسب ما نُقل على لسان أُمها إلى جارتها أمّ شريف. لقد شحنت رانية سالم بحماسة غير معهودة لوظيفته التي كان يمقتها إلى حدّ الاختناق، بهمّ انقضاء الست ساعات تدريس مِنْ كل يوم. فجأة دبّ فيه النشاط فصار ينهض في الصباح المبكر، يتفرّس في وجهه في المرآة. يضحك، يعبس، تمثّل كل الوضعيات التي ظنّ بأنها صادفته بها تماشياً مع موجبات تلبسه بهيئة أستاذ موقَّر عند دخوله حرم المدرسة، نزولاً على تعليمات شديدة الصرامة من المديرة. انتظر الأساتذة الجدد وصول الست عبير التي تأخرت عشر دقائق ليكون لإطلالتها وقع مشهد مسرحي. وما إنْ ألقت بجسدها المتورم على كرسي متحرّك خلف مكتبها المزدان بثلاث دروع تكريمية إلى جانب اسمها المحفور على لوحة خشبية يبدو أنها تلقتها مِنْ أحد المتزلفين الكُثُر، حتّى راحت ترمق الحاضرين بنظرات خاوية بلا أحاسيس، كالتي تنمّ عن تمرّسها لا بل استخفافها بمثل هذه الاجتماعات التي دأبت على عقدها عشر سنوات متتالية، بعد ذلك شرعت تصدح بالنبرة الثأرية لامرأة شرقية تبوّأت مركز سلطة على الذكور.ـ
أمعنت في النيل من ذكورية هؤلاء الأساتذة المستكينين سمعاً وطاعة أمامها، عبر سرد لائحة طويلة من المسموحات والممنوعات قائلة:ـ
ـ عليكم الانتباه إلى مظهركم، فتصفيف الشعر وحلاقة الذقن صباح كل يوم مسألة جوهرية بالنسبة إلينا. والثياب أيضاً، فالهندام جزء من صورة الأستاذ أمام طلاب يجنحون نحو الموضة. فإذا سمحتم، الجينز ممنوع والأحذية الرياضية لا تؤدي غرض الظهور بالمظهر الرّصين أمام المراهقين. واسمحوا لي أن ألفت نظركم، بعد التجربة إلى ضرورة الحفاظ على المسافة الفاصلة بينكم وبين الطلبة. ـ
هكذا راحت تتلو عليهم القوانين بنبرة آمرة كي يستوي الحاضرون في صورة أساتذة نموذجيين، يُعتد بجديتهم ويُستجاب لكلامهم. وأردفت:ـ
أنصحكم من خبرتي الطويلة ألّا تتبادلوا الأحاديث الجانبية مع الطلبة. أمّا إذا وجدت نفسك مرغماً على ما لا يمكن التهرب من الإجابة عنه، فتعمّد الردّ على أسئلتهم الخاصة بطريقة لا مبالية، يجب أن تحرص فيها على حيادك عبر رأي عمومي. فإن تسألك فتاة مثلاً عن معنى الطلاق، فهذا يعني أنّ ثمّة شيئاً يحصل من هذا القبيل بين أهلها. فاحذر هنا من التورط في أمورهم الخاصة؛ وإذا اضطررت، لا بأس من أنْ تتكلم مع الطالب وأنْتَ تمشي بحيث يدرك أنْ لا وقت لديك لأنْ تولي اهتماماً لغير التدريس. واسترسلت المديرة في ترسيم معايير محددة لصورة الأستاذ الناجح، بالتركيز على المظهر مِن دون أنْ تعير الأهمية ذاتها لمشاعر الطلبة وأحاسيسهم المعنّفة ولأن لسالم حساسية مفرطة حيال الالتزام بما يجيد إتقانه الأغبياء والسذّج من البشر. لم يطق نفسه أستاذاً، بل كان يمقت هذه الوظيفة التي أمدّت أصحاب «الكرا؟تات» بكفاية معنوية، لم تشبع رضاه البتّة. وهذا ما بدا واضحاً في استهتاره المتواصل بالأنظمة المدرسية وفي استخفافه بعظائم أمور الناس وكبائرهم التي لم يجد فيها سالم ما يستحق ضنى الحبس في ما يريده الآخرون أنْ يكون، فالبارز من هيئته لا يحتاج إلى فراسة لملاحظة التعب الذي قد استبد بوجه أضناه الالتزام، بما لا يطيقه. وهذا ما كان لافتاً للانتباه إلى شخص يتسم بالغرابة، إنْ لناحية وجوده حيث يجب ألّا يوجد، وإن لناحية استهتاره بما يجب أن يهتمّ به «إنّك شخص ملائم لأيّة وظيفة أو مهنة غير أن تكون أستاذاً». بهذا أسرّت له رانية في لقائهما الأول. بعد أنْ تسلّلت خفية من قبضة الرقابة المتشددة للناظرة سكينة، التي لم تأبه يوماً لحدود الصلاحيات الموكلة إليها. فالعيب يجب ألّا يُسكت عنه أبداً. والحفاظ على شرف البنت أدعى من كل الشهادات العلمية. كما أنّ استيضاح مغزى تكرار انفراد صبي ببنت في الملعب من الأمور البديهية لـ «عانس» تخشّبت رغباتها الجنسية على نحو يدعو إلى الشفقة على ما آلت إليه أنوثتها المتربصة بالأخرياتِ لكي تثأر مما ارتكبته هي بحقّ نفسها.
كان يتحدّث عنها بنبرة إنسان وجد ضالته بعد بحث، طوله بطول عمره. وكان نسيم لا يزال ساكتاً ينصت إلى صديقه بخبثه المعهود كذاك الذي جعل شخصه يتقمص صمتاً مريباً على ما هو واضح في نظراته اللصوصية الباردة أثناء الجلسات العامة. ولعلّ فطنته البليغة كتلك التي أمدته بالقدرة على تمييز الحمار من غيره، كانت لا تكفي ما لم تقترن بنزوع فطري إلى الصمت. ولربما كان هذا نتيجة خوفه من أنْ يتفوه بما لا يطيقه هو في الآخرين، أو تحسباً من نفسه المضطربة بسبب علة سيكولوجية كامنة في منشأ طفل حسّاس، عاش في أزقة مخيم اللاجئين في عين الحلوة.ـ
لم يقاطعه البتّة، ولم يبدِ استياءً لمّاحاً من إطالة الكلام بما سيفضي إليه في نهاية الاعتراف بما لا يحتاج إلى التصريح؛ تركه على سجيته يحكي كما يحلو لشخص منبهر بأحاسيس كان يزدريها عند الآخرين لأنّه لم يختبر أثرها في حياته الطافحة بعلاقات عابرة مع نساء مللنه، بعد أنْ أخفقن في اختراق جليد مشاعره المؤجلة التي كانت على ما يبدو، على وشك الانفجار على نحو ما صار يبدو لمن يسمعه في تلك الآونة وكأنّه هذيان إنسان هوى إلى لجّة مستنقع عميق وهو لا يجيد العوم. على كل حال فالمرأة لا تراهن على غير ذلك. تتصبّر وتتظاهر بما يوهم الرجل بأنها ضعيفة لا حيلة لها، كي تباغته في لحظات يأسه بقوّة عزمها على أنْ تنتشله من ضعفٍ هو فيه، فإذا نجحت فازت، وإذا أخفقت أصابها الإحباط، ورحلت.ـ
كاد نسيم أن يفسد على سالم فرحة اعترافه بما لم يعترف له به يوم جاء إليه يخبره كيف أنّ حبيبته تنكّرت لقسمها بأن تموت عذراء إن فرقهما قدر ربّاني، قبل أنْ يصعقه خبر خطبتها لشاب آخر «آدمي ومأمّن حاله»، بحسب ما نُقل على لسان أُمها إلى جارتها أمّ شريف. لقد شحنت رانية سالم بحماسة غير معهودة لوظيفته التي كان يمقتها إلى حدّ الاختناق، بهمّ انقضاء الست ساعات تدريس مِنْ كل يوم. فجأة دبّ فيه النشاط فصار ينهض في الصباح المبكر، يتفرّس في وجهه في المرآة. يضحك، يعبس، تمثّل كل الوضعيات التي ظنّ بأنها صادفته بها تماشياً مع موجبات تلبسه بهيئة أستاذ موقَّر عند دخوله حرم المدرسة، نزولاً على تعليمات شديدة الصرامة من المديرة. انتظر الأساتذة الجدد وصول الست عبير التي تأخرت عشر دقائق ليكون لإطلالتها وقع مشهد مسرحي. وما إنْ ألقت بجسدها المتورم على كرسي متحرّك خلف مكتبها المزدان بثلاث دروع تكريمية إلى جانب اسمها المحفور على لوحة خشبية يبدو أنها تلقتها مِنْ أحد المتزلفين الكُثُر، حتّى راحت ترمق الحاضرين بنظرات خاوية بلا أحاسيس، كالتي تنمّ عن تمرّسها لا بل استخفافها بمثل هذه الاجتماعات التي دأبت على عقدها عشر سنوات متتالية، بعد ذلك شرعت تصدح بالنبرة الثأرية لامرأة شرقية تبوّأت مركز سلطة على الذكور.ـ
أمعنت في النيل من ذكورية هؤلاء الأساتذة المستكينين سمعاً وطاعة أمامها، عبر سرد لائحة طويلة من المسموحات والممنوعات قائلة:ـ
ـ عليكم الانتباه إلى مظهركم، فتصفيف الشعر وحلاقة الذقن صباح كل يوم مسألة جوهرية بالنسبة إلينا. والثياب أيضاً، فالهندام جزء من صورة الأستاذ أمام طلاب يجنحون نحو الموضة. فإذا سمحتم، الجينز ممنوع والأحذية الرياضية لا تؤدي غرض الظهور بالمظهر الرّصين أمام المراهقين. واسمحوا لي أن ألفت نظركم، بعد التجربة إلى ضرورة الحفاظ على المسافة الفاصلة بينكم وبين الطلبة. ـ
هكذا راحت تتلو عليهم القوانين بنبرة آمرة كي يستوي الحاضرون في صورة أساتذة نموذجيين، يُعتد بجديتهم ويُستجاب لكلامهم. وأردفت:ـ
أنصحكم من خبرتي الطويلة ألّا تتبادلوا الأحاديث الجانبية مع الطلبة. أمّا إذا وجدت نفسك مرغماً على ما لا يمكن التهرب من الإجابة عنه، فتعمّد الردّ على أسئلتهم الخاصة بطريقة لا مبالية، يجب أن تحرص فيها على حيادك عبر رأي عمومي. فإن تسألك فتاة مثلاً عن معنى الطلاق، فهذا يعني أنّ ثمّة شيئاً يحصل من هذا القبيل بين أهلها. فاحذر هنا من التورط في أمورهم الخاصة؛ وإذا اضطررت، لا بأس من أنْ تتكلم مع الطالب وأنْتَ تمشي بحيث يدرك أنْ لا وقت لديك لأنْ تولي اهتماماً لغير التدريس. واسترسلت المديرة في ترسيم معايير محددة لصورة الأستاذ الناجح، بالتركيز على المظهر مِن دون أنْ تعير الأهمية ذاتها لمشاعر الطلبة وأحاسيسهم المعنّفة ولأن لسالم حساسية مفرطة حيال الالتزام بما يجيد إتقانه الأغبياء والسذّج من البشر. لم يطق نفسه أستاذاً، بل كان يمقت هذه الوظيفة التي أمدّت أصحاب «الكرا؟تات» بكفاية معنوية، لم تشبع رضاه البتّة. وهذا ما بدا واضحاً في استهتاره المتواصل بالأنظمة المدرسية وفي استخفافه بعظائم أمور الناس وكبائرهم التي لم يجد فيها سالم ما يستحق ضنى الحبس في ما يريده الآخرون أنْ يكون، فالبارز من هيئته لا يحتاج إلى فراسة لملاحظة التعب الذي قد استبد بوجه أضناه الالتزام، بما لا يطيقه. وهذا ما كان لافتاً للانتباه إلى شخص يتسم بالغرابة، إنْ لناحية وجوده حيث يجب ألّا يوجد، وإن لناحية استهتاره بما يجب أن يهتمّ به «إنّك شخص ملائم لأيّة وظيفة أو مهنة غير أن تكون أستاذاً». بهذا أسرّت له رانية في لقائهما الأول. بعد أنْ تسلّلت خفية من قبضة الرقابة المتشددة للناظرة سكينة، التي لم تأبه يوماً لحدود الصلاحيات الموكلة إليها. فالعيب يجب ألّا يُسكت عنه أبداً. والحفاظ على شرف البنت أدعى من كل الشهادات العلمية. كما أنّ استيضاح مغزى تكرار انفراد صبي ببنت في الملعب من الأمور البديهية لـ «عانس» تخشّبت رغباتها الجنسية على نحو يدعو إلى الشفقة على ما آلت إليه أنوثتها المتربصة بالأخرياتِ لكي تثأر مما ارتكبته هي بحقّ نفسها.
صفحة 10
تجاوزت سكينة الخمسين، ويبدو أنها لم تَخُض أيّة تجربة تنمّ عن تفهم أبوي لتحرش الفتية بعضهم ببعض. ولعلّ تربيتها الصارمة في عائلة ذكورية متشددة، حالت دون أنْ تذوق حلاوة التهور، ولربما كانت في صباها خجلى فلم تختلس أياً من الجنح المتهورة لمراهقة تذوقت طعم التمرّد على تنبيهات الأهل وممنوعات الناس. ولاعتبار هذه الأمور من المعاصي التي لا تُغتفر، فهذا يعني أنها لم تُقبِّل مراهقاً ولم تختبر لذّة المداعبة. ولا نُغالي إنْ قلنا إن الشغب بات في نظرها مسموحاً والرسوب مقبولاً بالقياس إلى هول التفكير في مثل هذه المعاصي؛ فمن الطبيعي إذاً أن تستدعي حنان إلى النظارة غير مرّة، لكي تستجوبها عن دواعي وقوفها المتكرّر مع منير. فكانت تتصرف كما لو أنّها منذورة لحماية الطلاب مِنْ أنفسهم، بعد أنْ خبرت نفسها وهي في مثل سنّهم. لذا، انصبّ جلّ اهتمامها على استبيان خبايا فتية يستبطنون رذائل يجب اجتثاثها مِنْ جذورها، وكان في عُرفها، أن الأستاذ سالم غير منضبط وسلوكه لا يساعد أبداً على الحشمة.ـ
«يتبادل وإيّاهم المزاح، بلهجة سوقية، ومن دون ضوابط. حتّى إنني سمعته مرّة في أحد الممرات يدعو صبية إلى أن تخرج من قوقعتها، وتحبّ فتى في مثل عمرها. هذا استهتار تجاوز الحدود، ويجب ألّا نتسامح معه أبداً». هكذا راحت تشكوه للمديرة التي كانت تستمع إلى الناظرة سكينة لكي تستحصل فقط على تفاصيل يهمها منها أن تباغت أستاذاً يشكو أمر غيره، بدرايتها بكل ما يحصل داخل مؤسستها الموقّرة. إلى أنْ تفاقمت الأحوال عقب حملة شعواء شنّتها الناظرة على سالم، بعد أنْ ضبطته متلبساً بالضحك مع هيفاء بنت الشيخ عارف، وهي تقدّم له وردة حمراء أثناء انتقاله مِنْ صف إلى صف. هالها أنْ تسكت عَنْ جرم إفساد بنات الناس. فأسرعت على الفور إلى مكتب المديرة. ومَنْ رأى كيف اقتحمت قاعة الانتظار، فلا يتردد في الظنّ أن ثمّة فاجعة تتعلّق بجريمة قتل، فتحت الباب بسرعة ومِنْ دون أن تستأذن دخلت بوجه محتقن غضباً ممزوجاً بفرحة نجاحها في النيل منه، وهي تصرخ:ـ
ـ الأمر لم يعد يُطاق. لا... لا... هذا فوق الخيال. أوَصَلَت به الوقاحة إلى أنْ يُغرّر حتّى ببنت الشيخ، من غير أن يحتسب لوجودنا، كما لو أننا خيالات صحراء أمامه. هذا كتير. يا أنا... يا هو في هذه المؤسسة.ـ
كانت لا تزال تهدر واقفة حيث لم تسمع دعوة المديرة إلى أن تهدأ وتخفض من صراخها المتشنّج مما ينمّ عن صدق إيمانها بأنها منذورة لحماية المدرسة من أمثال سالم. ولأن المديرة اعتادت فوران غضبها المتكرر بعد كل حادثة من هذا النوع في كل يوم أو يومين على أبعد تقدير، عرفت كيف تهدّئ من روع امرأة، أسباب انفعالها، لا تقتصر على ما تذرّعت به لتحتجّ على قدر استمرارها عشرين سنة وهي تحت سلطة مديرين تعاقبوا على ثباتها كناظرة، في مبنى ترى نفسها هي الأحق بإدارته، إنما لسخطها على حظّها البائس الذي لم يسعفها على الفوز بعريس على قدر نياتها الطيبة، ويأسها من عدم إنصاف جهودها المضنية في حماية أخلاق الطلاب مِنْ رذائل هذا الزمن الرديء. فهذه كلها كوامن وجيهة لتصرّف ليس له ما يبرّره عند أبي إبراهيم وعند الكثير من أولياء الطلبة الذين كانوا يرأفون بحال أولادهم حالما تطل عليهم بوجهها المكفهرّ وتكشيرتها الدائمة. هذا قبل أنْ يغالطوا أنفسهم، بعد أنْ يستبينوا صدقها وطيبتها عقب اللقاء الأوّل. كان سالم وحده يدرك شيئاً له علاقة بنيّة سكينة المقهورة من جراء ضغط سيكولوجي تفجّر داخلها عنفاً ثأرياً للانتقام من سالم الرجل، بعد أنْ غشها بتودده إليها على ما دأب المزاح به عند التقرّب من نساء يحتجن إلى أقل من كلمة غزل، لكي تتجنب تسلطهم، فكيف بها وهي التي تعاني ظمأ دهرياً من قحط الرجال، ما أدّى إلى أن تقطع الأمل من أنوثتها التي عادت واستشعرتها بقوّة مضاعفة من خلال تودّد قصد منه سالم غير ما ذهبت إليه مخيلتها في تبرّجها الفاقع وفي ارتدائها فساتين يبدو أنها ابتاعتها منذ أكثر من عشرين سنة.ـ
إلى أن خرج مرّةً مِنْ غرفة النظارة وهو يردد لنفسه قائلاً: «المسألة لم تعد تحتمل»، بعد أنْ أحسّ بضيق إلحاحها الغبي في الاطمئنان إلى صحته، ومواظبتها على السؤال عما أكلَت البارحة؟ ومع من كنت في السهرة، إلخ... حَتّى كاد أن يختنق من إطباق أنثى وضعت رهان خمسين سنة خلت بمفعولها الرجعي على نظرة بدا فيها التكلّف غالباً على ما أرادت إظهاره من أنوثة، أجمل ما فيها العفوية والتلقائية، لا الاستجداء الذي يحوّل عيني أجمل امرأة إلى طوق من القرف. فكيف بعيني سكينة البشعة في الأصل، قرّر بعدئذ سالم ألّا يأتي أبداً إلى النظارة، وإن كان ثمّة موجب ضروري أو أمر مهمّ، إلّا أنه ليس بأهمية تحرّره من طوق ملاحقتها الخانقة. فالضرورة تقضي بأن يتخذ موقفاً صارماً مِنْ لعبة مقيتة، تورّط سالم فيها مِنْ حيث لم يدرك الأثمان المترتبة على الخروج منها؛ وأياً يكن، فردة فعلها تبقى أهون من لجاجة تعقّبه بمتخيلة شطحت بها إلى حيث أثارت اشمئزاز سالم من نفسه. فانفعالها الغاضب من سالم اختزل سرّ معاناتها مِن الرجال كلهم.
«يتبادل وإيّاهم المزاح، بلهجة سوقية، ومن دون ضوابط. حتّى إنني سمعته مرّة في أحد الممرات يدعو صبية إلى أن تخرج من قوقعتها، وتحبّ فتى في مثل عمرها. هذا استهتار تجاوز الحدود، ويجب ألّا نتسامح معه أبداً». هكذا راحت تشكوه للمديرة التي كانت تستمع إلى الناظرة سكينة لكي تستحصل فقط على تفاصيل يهمها منها أن تباغت أستاذاً يشكو أمر غيره، بدرايتها بكل ما يحصل داخل مؤسستها الموقّرة. إلى أنْ تفاقمت الأحوال عقب حملة شعواء شنّتها الناظرة على سالم، بعد أنْ ضبطته متلبساً بالضحك مع هيفاء بنت الشيخ عارف، وهي تقدّم له وردة حمراء أثناء انتقاله مِنْ صف إلى صف. هالها أنْ تسكت عَنْ جرم إفساد بنات الناس. فأسرعت على الفور إلى مكتب المديرة. ومَنْ رأى كيف اقتحمت قاعة الانتظار، فلا يتردد في الظنّ أن ثمّة فاجعة تتعلّق بجريمة قتل، فتحت الباب بسرعة ومِنْ دون أن تستأذن دخلت بوجه محتقن غضباً ممزوجاً بفرحة نجاحها في النيل منه، وهي تصرخ:ـ
ـ الأمر لم يعد يُطاق. لا... لا... هذا فوق الخيال. أوَصَلَت به الوقاحة إلى أنْ يُغرّر حتّى ببنت الشيخ، من غير أن يحتسب لوجودنا، كما لو أننا خيالات صحراء أمامه. هذا كتير. يا أنا... يا هو في هذه المؤسسة.ـ
كانت لا تزال تهدر واقفة حيث لم تسمع دعوة المديرة إلى أن تهدأ وتخفض من صراخها المتشنّج مما ينمّ عن صدق إيمانها بأنها منذورة لحماية المدرسة من أمثال سالم. ولأن المديرة اعتادت فوران غضبها المتكرر بعد كل حادثة من هذا النوع في كل يوم أو يومين على أبعد تقدير، عرفت كيف تهدّئ من روع امرأة، أسباب انفعالها، لا تقتصر على ما تذرّعت به لتحتجّ على قدر استمرارها عشرين سنة وهي تحت سلطة مديرين تعاقبوا على ثباتها كناظرة، في مبنى ترى نفسها هي الأحق بإدارته، إنما لسخطها على حظّها البائس الذي لم يسعفها على الفوز بعريس على قدر نياتها الطيبة، ويأسها من عدم إنصاف جهودها المضنية في حماية أخلاق الطلاب مِنْ رذائل هذا الزمن الرديء. فهذه كلها كوامن وجيهة لتصرّف ليس له ما يبرّره عند أبي إبراهيم وعند الكثير من أولياء الطلبة الذين كانوا يرأفون بحال أولادهم حالما تطل عليهم بوجهها المكفهرّ وتكشيرتها الدائمة. هذا قبل أنْ يغالطوا أنفسهم، بعد أنْ يستبينوا صدقها وطيبتها عقب اللقاء الأوّل. كان سالم وحده يدرك شيئاً له علاقة بنيّة سكينة المقهورة من جراء ضغط سيكولوجي تفجّر داخلها عنفاً ثأرياً للانتقام من سالم الرجل، بعد أنْ غشها بتودده إليها على ما دأب المزاح به عند التقرّب من نساء يحتجن إلى أقل من كلمة غزل، لكي تتجنب تسلطهم، فكيف بها وهي التي تعاني ظمأ دهرياً من قحط الرجال، ما أدّى إلى أن تقطع الأمل من أنوثتها التي عادت واستشعرتها بقوّة مضاعفة من خلال تودّد قصد منه سالم غير ما ذهبت إليه مخيلتها في تبرّجها الفاقع وفي ارتدائها فساتين يبدو أنها ابتاعتها منذ أكثر من عشرين سنة.ـ
إلى أن خرج مرّةً مِنْ غرفة النظارة وهو يردد لنفسه قائلاً: «المسألة لم تعد تحتمل»، بعد أنْ أحسّ بضيق إلحاحها الغبي في الاطمئنان إلى صحته، ومواظبتها على السؤال عما أكلَت البارحة؟ ومع من كنت في السهرة، إلخ... حَتّى كاد أن يختنق من إطباق أنثى وضعت رهان خمسين سنة خلت بمفعولها الرجعي على نظرة بدا فيها التكلّف غالباً على ما أرادت إظهاره من أنوثة، أجمل ما فيها العفوية والتلقائية، لا الاستجداء الذي يحوّل عيني أجمل امرأة إلى طوق من القرف. فكيف بعيني سكينة البشعة في الأصل، قرّر بعدئذ سالم ألّا يأتي أبداً إلى النظارة، وإن كان ثمّة موجب ضروري أو أمر مهمّ، إلّا أنه ليس بأهمية تحرّره من طوق ملاحقتها الخانقة. فالضرورة تقضي بأن يتخذ موقفاً صارماً مِنْ لعبة مقيتة، تورّط سالم فيها مِنْ حيث لم يدرك الأثمان المترتبة على الخروج منها؛ وأياً يكن، فردة فعلها تبقى أهون من لجاجة تعقّبه بمتخيلة شطحت بها إلى حيث أثارت اشمئزاز سالم من نفسه. فانفعالها الغاضب من سالم اختزل سرّ معاناتها مِن الرجال كلهم.