صفحة 1
في رثاء شهوة الأمهات
سأتذكر وأنا أرتبُ سريري
وسرير طفلينِ آخرين
وأنا أمسحُ قيءَ أحدهما عن الأرض
وأنا أفتح نافذةً على غبار الشارع
وأنا أقلع شوكًا من أصيص لا يُخرج الورد
وأنا أقرأ وصفةً لطريقةِ عملِ المنسفِ على أصوله
وأنا أرتقُ شلحةً بيضاءَ ثقبتها الأصابعُ الصغيرةُ
وأنا أعدّ ميزانية فصلِ الشتاء
وأنا أتفقّدُ رائحة لحاف تفوح بالنشادر
وأنا أقلّب قنوات الأطفال الستّ لأجد «توم أند جيري» تحت الطلب
وأنا أبحث في حقيبتي _السوبر ماركت_ عن فوطة منسية
سأتذكر
وأنا أغسل جسداً بحجم الكفّ
وأنا أزيلُ بقايا خضراءَ من أنوفٍ طريّة
وأنا أزيلُ التشابك في شَعرٍ غزته الشكولاتة والمصاص ومربّى المشمش
وأنا أقرأ قصصًا عن النمل النشيط والأسود الكسولة والفقمات المهاجرة
وأنا أنزع العلكة من أسفل حذائي وقلبي
وأنا أبحث عن الطريقة الأفضل لإزالة بقع الزيت
وأنا أقضم الأظافر العشرين بعد بحثٍ طويلٍ عن المقص
سأتذكر
صفحة 2
حين يلمسني طفل بالخطأ في أماكن لا تعمل
حين ترشقني الحنفية بمياهها
حين تعلنني المسلسلات التركية مشاهدتها المخلصة
حين تقرصني كفّان تجتمعان أسفل الطاولة في المطعم
حين أنقب في قصص الأصدقاء عن شهواتٍ حية
سأذكرهم كلهم
أمهات بعيونٍ صفراء
كلهم مرةً واحدةً يندلقون أمامي
الأفخاذُ البيضاء المستبيحةُ لساحة البيت
الغضبُ العابرُ في أوقات محدّدة من الشهر
القلق المفرط على فاتورة الهاتف
وجع البطن لانتفاخات لا تنتهي
تفسير أحلامِ الشياطينِ العابثة
فناجين القهوة الجاهزة للتأمّل
أغنية التنورة الزرقاء فوق الركبة المُفلطحة
شفاهٌ تنزُّ من شدّةِ العضّ
ستيانات كبيرة حافظةُ الدنانير والقروش القليلة
مراييل منسيّة فوق كروشٍ مُدوّرة
وقصص بنات الجيران الداشرات التي لا تتوقف
أمهاتٌ بجدائلَ مقصوصة
وحنّة طينيّة تسيلُ على الحاجبين
وشهوات ميتة.
صفحة 3
محمود
كان من الممكن أن يكون محمود ابننا
كنتُ سأعترض على الاسم
و كنتَ ستصرّ لارتباطات عائلية
كان من الممكن أن نشتري له سريراً بملاحفَ زرقاء
وحيواناتٍ تدور تحثّه على النوم
كان من الممكن أن نسهر طوال الليل في انتظار سنّه الأول
أن نجرّب كل أنواع الحليب لأن صدري لا يدر حليبًا يكفي كل هذا النهم
كان من الممكن أن نلتقط بالكميرا النيكون الجديدة خطوته الأولى
أن نقارن لفظه للكلمات بابنة أخيك
_طبعًا محمود سيمسحها عن السطر بالمحاية _
كان من الممكن أن نختلف بأمر مدرسته الأولى
كنتَ ستقول لا بأس بمدرسةٍ حكومية وكنتُ سأصرّ على الخاصة
كنتَ ستدير لي وجهكَ وأنت تعدّ الدولارات القليلة المتبقية من راتبك
وأنا أولول بأنني أنا من يصرف على البيت
كنا سنفرحُ ما أن يحمل حقيبته ويلوح لابنة الجيران في انتظار دورنا
وعندما تشتكي المعلمة سنسبها
طبعًا هي لا تستوعب عبقرية طفلنا الوحيد
نعم سنشتري له سيارة تدور بالبطاريات
صفحة 4
وتصنع له طائرةً ورقية لا تطير
سأحافظ على أسنانه بيضاء
وترفع له قبّة القميص لزيادة الهيئة
كان سيحبني أكثر قليلاً لعقد لا أفهمها
وكنت ستغار دون أن تحدّد السبب
وحين يتغير صوته سيكرهني ويكرهكَ ويحب بنت الجيران أكثر
سنحللُ الأمر ساعاتٍ طويلةً قبل أن ننام
نتهامس سراً بأهمية الصبر والتطنيش مع المراقبة عن بعد
السيجارة الأولى ستفقدكَ صوابكَ
حين تجدها مختبئةً خلف المغسلة
لكن صوته المهزوز سيمنعكَ من لطشه كفًا خماسيّ الأبعاد
ستسامحه لأنك طيّب
ولأنه لن يدخن إلا في السر
لكن الحجر الأول الذي سيضربه على الحاجز ليرفع من أسهم البطولة
في عيون منال
سيعلنها حربًا بيتية
تبدأ بالعضّ
وتنتهي بالحفايّات الطائرة
لن تفيدنا النقاشات الليلية في إيجاد حلول جذرية
سأحمله بين أسناني وأقفز به من حيّ إلى آخر
لأحميه
وكان سيهرب
دائمًا كان ليفعل ذلك
طفلاً ضالاً يُتعب القلب والروح... هكذا كان ليكون
فقط لو أنك لم تستشهد قبل أن يولد بثمانِ سنواتٍ
ولو أنه لم يستشهد بعدها بسنواتٍ مماثلة.
صفحة 5
أطفال
كلما خرجت يدُ طفلٍ من أسفل عمارة
أتفقد أيدي أطفالي الثلاثة
أعد أصابع أيديهم وأرجلهم
أتفقّد عدد الاسنان والشعر في كل حاجب
كلما سكت صوت طفل في مخيم اليوموك
أرفع صوت التلفاز والإذاعات والأغنيات
أقرص أطفالي الثلاثة من أجنابهم
ليكون بكاء ويكون صخب
كلما جاع لي قلب
على حاجز قلنديا
أفتح فمي وأبدأ بالأكل
أكلاً عاطفيًا بملوحةٍ زائدة
يسدّ رمق العيون التي تبكي في كل مكان.
صفحة 6
على سبيل الدراما العاطفية
أجمل ما أهديتني
كمًّا هائلاً من الدراما تصنع لي أيامًا من حرّ
تحركني في الشارع على إيقاع أغنياتٍ في الرأس
الذي أسنده على زجاج السرفيس وأبكي
أمسح دمعتينِ أسفل النظارة
وأعضّ شفةً لم تزُرهَا المُلوحة
من سنين ضوئية
وأبتسم /
لأن الأمر يعجبني إلى هذا الحد
قصائد فالتة تمشي في الشارع
المئات منها في طريقي الآن
وأنا أفكّر في قرط فضيّ بحجر فيروز أزرق مخضّر
أقتل به مرارة أنك لستَ موجوداً
لا يهم أن تحبني
من قال إن هناك شيءٌ من هذا القبيل
أصنع أبديّات لكل من هم حولي
صفحة 7
حيوات سعيدة تأخذهم من حياتي بهدوء
وبأقل قدر من الذنب
لا أريد لها أن تكون كاملةً حياتي
لتكن دراما ناقصة
بمواسمَ عدّة
ونهاياتٍ لا تنتهي إلا لتبدأ من جديد
«خففي مكسيكي وتركي» ستقول
دون أن أجدَ أجابة ذكية لفعلٍ لا يُراد له ذلك.
ليست قاتلة هذه الدراما المحلية التي أكتبها
كنت أفضل واحدة بأكشن وقبلات مقطوشة ونظرات عاتبة
لا بأس بالقليل من المحاكمات والذكريات والتعطش
والأسى
دراما عميقة بنقاشات ساخنة يلف بمنتصفها البطل«أنت» خصر البطلة «أنا»
ويقبلها قبلاً تحرج الأمهات في غرف الجلوس
ليست قاتلة ليست بوليسية وليست جاسوسية وليست عشقًا وليست فلسفة
هذه الدراما العادية التي تقول لي اسمها على مهل:
«الحياة».
صفحة 8
فرح افتراضي
كيف أفتّش في باطن يدك الافتراضية
عن سرّ
كيف ألوحها في الهواء لأبعد ناموسةَ العقل القلقة
كيف أغار من عيون النساء النافرات على قميصك
كيف أجمعهن كحبّات العدس وأجرشهنّ لطبخة المجدرة القادمة
كيف أجمع الإلكترونات الساكنة والمتحركة
أضعها في قارورة وأرميها إلى البحر
لتصلك ثلاث قُبل حاولت الوصول مراراً وخنقها الموديوم
كيف أترجم جملة لا تترجم
«أنت فرح الفايسبوك» .
صفحة 9
نشرة نفسية
هذهِ الليلةُ
لا يجرحُني قلبُكَ العابثُ بالفتياتِ المارّاتِ قُربَكَ
ولا امرأةٌ توزعُ المهماتَ والأدوارَ في يومكَ الطويلِ
إنه بطني الذي ينتفخُ من أكلِ الفلافل والجُمل الفاترة
ما يُثقلُ روحي
......
نعم أنا ملأى بالغضبِ من إمرأةٍ عبثتْ في دمي
وسرقتْ موتَكَ
....
هذه هي أنا كلما حاولتُ أن اتخطى نفسي
وجدتني أعود إلى الصفر
لم تنفعني المساحيقُ ولا الابتساماتُ الخضراءُ
لأشبهكم،
حزينةٌ كحبّة مشمش
لم تصل فمَكْ
....
أحببتُ البحرَ الذي في طرفِ الخريطة
كان يبدو مغريًا على صفحاتِ كتابِ الجغرافيا
هذي بلاي وهذا بحري وهذه كذبتي الراقية.
صفحة 10
لا هي مغمضةٌ ولا هي مفتوحة
ثلاثُ فرداتِ أحذية
من الحجم الصغير
تحدّد لي اليوم
تلك الرابعة الفارة من الجمع
تدوخني خلفها
أسفل الكنبة
وفوق الخزانة وفي سلة الغسيل،
الرابعة التي ستشكل سؤالًا طويلًا
قبل خروج طفلٍ من البيت
أين حذائي
أين حذائي ؟
فردةٌ واحدةٌ صنعتْ لي
يوميَ الطويل.
أربعُ عيون سارحةٌ
لا هي مغمضةٌ ولا هي مفتوحة،
تقلّب ليَ الليلَ
هل كانت قنبلةً تلك التي أودتْ بتلك العيون
هل كانت ميتةً سريعةً لا سؤال بها ؟