eKtab
EN ع
تمكين المرأة في المنهاج المدرسي
اقرأ عينة مجانية

تمكين المرأة في المنهاج المدرسي

بقلم د. نسيمه مصطفى الخالدي

صفحة 1

وقفة تأملية

حين يرتفع صوت الحكمة و التأمل تتكاثف المعاني قبل أن تنساب لتعبر عن مكنونات الذات … وحين يتحاور الأفراد لتعميق الأفهام …تتولد معرفة جديدة قد تكون قابعة في الوجدان .

وعندما أتأمل تلك السويعات التي سعيت فيها إلى استلهام آفاق جديدة من الوعي الإنساني… أكثر عمقاً ورحابة من المألوف... وكيف حاولت مع كل من قابلتهم أن تكون الحوارات أكثر غنى مما استقر في بطون الكتب، بل كيف كنا نطرح أسئلة سابرة تجول في الخاطر و يفرضها السياق، حينها أدرك أن جل من قابلتهم أعملوا فكرهم ليستحضروا إدراكات عميقة في ضوء خبراتهم الحياتية المتباينة، واجتهد الجميع في التفكر بالواقع تحليلا ًوتأملا محاولين النفاذ إلى ما وراء مفردات ذاك الواقع سعياً لربط الأسباب الكامنة بالنتائج الظاهرة.

وحين كنت أعود عقب كل مقابلة كانت تدفعني الرغبة في البحث و الاستقصاء التي تسكن روحي إلى أن أسارع إلى آلة التسجيل وأستمع إلى ما قيل، وأتأمل في المعاني التي تولدت والادراكات التي تعمقت... وأستمع المرة تلو الأخرى، وأستذكر الملامح والقسمات، وأحاول أن أستشف الثقة والحكمة التي كان ينضح بها هذا الصوت أو ذاك... أو المرارة و الأسى التي كان يشي بهما صوت آخر.

ولي أن أقول أن بعض الأصوات النسوية التي حفرت في وجداني، أذكت في وعيي تساؤلات عميقة ستظل تلح علي، فلن أنسَ بثينة، ووداد ونجاة... وسأعمل ما حييت على أن أجد إجابات لتلك التساؤلات التي طرحنها، ولذاك السؤال الكبير الذي رددته نجاة بكل الصدق الإنساني "لماذا جئت يا ست نسيمه... هل جئت لتساعدينا أم لترشي الملح على جراحاتنا ؟؟"

وكان علي كباحثة أن أتأمل وأن أسعى لمواصلة البحث الحصيف المتدبر لأجيب انطلاقاً من أهداف دراستي.

وللقارئ على اختلاف تجربته الحياتية أن يتأمل في كل ما قيل في تلك الجلسات وأن يصغي لتلك الأصوات التي تمثل تيارات متباينة، وله أن يستلهم معانٍ أخرى واستبصارات قد تكون أكثر عمقاً.

واختم بالشكر الموصول لكل من قدم بعضاً من البوح عن مكنونات ذاته من أفراد عينة الدراسة الذين تحاورت معهم وأصغيت لتصوراتهم... لفكرهم... لعذاباتهم... لأنّاتهم، وعايشت وإياهم ولادة معان جديدة لمنظورٍ حرصنا أن تتكامل فيه دلالات المعاني مع مجالات التمكين ومهاراته. آملة أن تظل هذه التجربة حية متجددة، نابضة تنضح بكل ما يليق بها من الصدق والبهاء اللذين يتوق لهما الباحثون في مجالات المعرفة الإنسانية كافة.

المؤلفة

الدكتورة نسيمة مصطفى الخالدي

صفحة 2

مقدمة

تقوم التنشئة الاجتماعية في جوهرها على تكوين وعي لدى الناشئة لكل ما يتعلق بالمستحسن والمقبول و الممجوج من أفعال و إدراكات في دورة زمنية ما،وفي بيئة ما،ويحدث ذلك ضمن عمليات متعاقبة مقصودة وغير مقصودة تعمل في المحصلة النهائية على تعريف الأفراد بأدوارهم الاجتماعية المتمايزة، وبسبل التعامل مع مصادر العيش في تلك البيئة، وبكيفية تلبية احتياجاتهم للقيام بتلك الأدوار. وتظل المدرسة إحدى أهم المؤسسات الاجتماعية التي تسعى لتشكيل وعي الأفراد، ويعتبر المنهاج المدرسي من أخطر أدوات التنشئة إذ من خلال سياسته ومراميه ووسائله يتم تمرير كل القيم" المقبولة " التي تحدد لهم دورهم المستقبلي وتهيمن على تفكيرهم وتوجه ممارساتهم بل وتجعلهم يقبلون واقعهم ويعملون على تكريس قيم ذاك الواقع. ولكن ثمة للمنهاج دور آخر، إذ قد يكون أداة تنوير وتبصير تذكي لدى الأفراد حسًا بالانتماء لجماعتهم من خلال منظور ثلاثي متوازن تتلاقى فيه أهداف الفرد والمجتمع و المعرفة، فالمنهج والحالة هذه يسهم في تكوين وعي الفرد الذي يسخر المعرفة لبناء مجتمعه من خلال تحقيق ذاته.

ولعل من المفيد أن نتأمل بعض مقولات المنظور النقدي حول المدرسة و المنهاج، إذ يرى منظِروه أن المدرسة يجب أن تسعى لإطلاق طاقات الطلبة نحو التحرير و المساواة و العدالة الاجتماعية وان هذا هو الهدف الرئيس للمدرسة ..وحين يطرح النقديون (Walker,1986) السؤال الجوهري : ما المعرفة التي يجب أن يتعلمها الطالب، ولماذا ؟ لا يكتفون بما هو قائم في المدرسة حين تمتد جذور المشاكل خارج أسوار المدرسة، وحينها نتفق معهم بان وظيفة المدرسة لا ينبغي أن تكون إعادة إنتاج الثقافة بل تروم التغيير الذي يحقق النماء الكلي للفرد و المجتمع.

ويقتضي التأمل التدبري وقفة نقدية على ما يطرح حول الكثير من القيم التي تمرر للفتيات في أنظمة تربوية شتى والتي تستهدف رسم معالم شخصيتهن،وتشكيل إدراكا تهن على نحو معين. ولعل ماكميلان (McMillan ,1982) تناقش الأمر بصورة جلية حين تشير إلى أنه- حتى في الأنظمة التربوية التي ’يخال أنها متطورة ما زالت تلك الأنظمة تبنى على الافتراض بان النساء يستخدمن العاطفة و الوجدان في تمثل المسائل الحياتية ، في حين أن الرجال يستخدمون المنطق و التبرير العقلاني، ويترتب على ذلك –كما ترى ماكميلان– نتائج مدمرة ترسخ القناعات لدى النساء بأن الإنجازات الفكرية منذ فجر التاريخ و التي هي نتاج المنطق شأن " ذكوري " لا علاقة لهن به. وثمة قضية أخرى في غاية الأهمية، وهي أن هذه القناعات عينها هي التي تجعل القائمين على رسم ملامح الأنظمة التربوية يبثون في وعي الفتيات أن فروعاً معرفية مثل العلوم و الرياضيات والتي تحتاج إلى منطق تحليلي analytical logic لا يمتلكنه أصلاً مما يعني ضرورة توجههن لدراسة فروع معرفية ذات أبعاد إنسانية، ولعل التنميط الجنوسي في هذا السياق يشكل قضية جوهرية يمكن تناولها بشيء من التفصيل لأنها تلقي بعض الضوء على دور التعليم المدرسي في تكوين وعي الفتاة لذاتها وقدراتها، ويقتضي المنطق أن نسترشد بالنتائج التي توصلت إليها الدراسات في هذا السياق ، فما الذي تذهب إليه الدراسات حول دور التعليم المدرسي وأثره في تنميط الفتيات جنوسيًا؟.

تؤكد الدراسات (Byrnes , 1996 ,( Woolfolk,1987 وجود القليل من الفوارق بين الذكور و الإناث في التطور العقلي و الحركي أو في القدرات الخاصة، وحينما تبرز الفوارق بين الذكور و الإناث فإنها تكون لصالح الإناث ولكنها فوارق صغيرة تندرج تحت المهارات اللفظية .وحين يناقش بايرنز (Byrnes , 1996 ) الفوارق الفردية في المهارات في الرياضيات فانه يطرح تساؤلاً حول من لديه قدرات فطرية و استعدادات لتعلم الرياضيات، أهم الذكور أم الإناث ؟ ويوضح لنا أن إجابة الباحثين ستكون : أنهما كلاهما يمتلكان القدرة الفطرية لتعلم الرياضيات، ولكن المعرفة البحثية الموسعة التي تم التوصل لها من العديد من الدراسات تظهر أن الذكور في بعض الأحيان يتفوقون على الإناث و في بعض الأحيان تتفوق الإناث، وفي بعض الدراسات لا ’يلحظ فارق بينهما مما يعني أن تدني نسبة التحاق الفتيات بالكليات العلمية في الكثير من الدول ومن بينها الأردن قد يكون ناجماً عن نوع من التنميط الجنوسي.

ويقودنا التفكير التأملي في نتائج تلك الدراسات إلى أن على مخططي المناهج أن يعوا أن هناك حاجات مشتركة بين الأفراد المتعلمين بغض النظر عن نوعهم الاجتماعي، وأن هناك حاجات تخص الإناث أو الذكور وحدهم، وأن المنهاج لابد أن يكون أداة تنوير لكل الأفراد بدء بالمرأة التي تشكل نصف المجتمع وتنجب وتربي المجتمع كله. ويلحظ المهتمون بقضايا التربية النسوية أن الإطار العام للتعامل مع المرأة العربية عمومًا ينبثق من تنميط جنوسي لا يساعد المرأة في أن تجد المعنى لعالمها أو أن تنظم خبراتها الحياتية، بل إنه قائم على افتراضات ثابتة حول الجنوسة تكرس النظرة الدونية المتشككة في قدراتها .و يشير البعض إلى أن دور المرأة العربية في القطاع العام ينحصر في اتخاذ القرارات في المجالات النسوية تقليدياً كالخدمات الاجتماعية و الصحة و التعليم كنتيجة لمحدودية التعليم و الأيديولوجيات و الأنماط الاجتماعية التي تعمل جميعها على عزل المرأة عن مواقع صنع القرار(صندوق الأمم المتحدة الإنمائي، 2003(.

ويقتضي البحث الذي يعي كل الظروف و الأبدال و المتغيرات ويحاول أن يلمس الواقع ومعطياته –بكل صدق ٍ و حكمة –على الرغم مما يكتنف ذلك من عوامل متداخلة متشابكة تؤثر وتتأثر بعضها ببعض، يقتضي أن نتوقف لنتساءل : كيف يسعى المنهاج الأردني في مباحثه كافة لتمكين المرأة ؟ وكيف يشكل وعيها لذاتها ولقدراتها و للآخرين من حولها؟ وكيف تعمل مكوناته على تعزيز ثقتها بذاتها، وما المهارات التي يكسبها إياها؟ بل وكيف يستنهض قواها الكامنة للقيام بدورها المأمول.

وللاستقصاء في هذا المجال الحيوي كان لا بد من بناء منظور وطني وثيق الصلة بحاجات المرأة في مجتمعنا الأردني وذلك حرصاً على تلمس الواقع من خلال رؤى وطنية متباينة بمنأى عن التطويع الفج لمذاهب فكرية مجلوبة،أو الانسياق لأيديولوجيات تختلف فيها حاجات المرأة وأولوياتها ولا تنسجم مع إرثنا الثقافي في بعديه التاريخي و الجغرافي. والمنظور الوطني الذي تسعى هذه الدراسة لبنائه والذي يمكن من خلاله التعرف على دور المنهاج المدرسي الأردني في تمكين المرأة سيسهم في رسم ملامحه عينة من المهتمين بقضايا المرأة الذين يمثلون تيارات فكرية متباينة هي التيار الإسلامي، التيار الليبرالي، التيار المعتدل، والتيار الراديكالي، وهؤلاء الأفراد من مفكرين، وخبراء، ومدربين في مجالات تمكين المرأة، بالإضافة إلى نساء متنورات خبرن التدريب في دورات للتمكين لديهن تجارب حياتية متفردة. و ستتم الاستعانة بهذا المنظور لمقابلة عناصره بالأفكار المستخرجة من محتوى المنهاج للمباحث الدراسية كافة للوقوف على ما يقدمه المنهاج، سعيًا لتطويره ليصبح أداة حقيقية للتنوير في مجتمع القرن الحادي والعشرين الذي لابد أن تكون أدوار المرأة فيه أكثر فاعلية لتتكامل الجهود لبناء المجتمع المحلي، ولحفز الخلق و الإبداع للتواصل مع المجتمع الإنساني الكبير.

ولعل من أهم الأسباب التي تقتضي إجراء هذه الدراسة هو قلة الدراسات التي تبحث في موضوع تمكين المرأة العربية عمومًا، عدا دراسة قدمت نماذج من نساء عربيات يتحدثن عن تجاربهن في التمكين الذاتي Self – Empowerment، في حين لم ’يعثر من مجمل الدراسات التي اهتدي إليها على دراسة واحدة حاولت استقصاء دور المنهاج المدرسي والكتب المدرسية للمباحث كافة في تمكين المرأة، فقد توجهت معظم الدراسات الأردنية إلى استطلاع صورة المرأة في مناهج مبحث ما، أو التعرف إلى الأدوار الجندرية في الكتب المدرسية بينما يأخذ موضوع تمكين المرأة موضع الصدارة عند البحث في قضايا المرأة على الصعيد العالمي، فضلاً عن أن تمكين المرأة يعتبر أوسع من دراسة الأدوار الجندرية أو صورة المرأة في الكتب المدرسية لمبحث ما،لذا ارتأت الباحثة أن تقدم ما يمكن أن يسد فراغًا في مجال تمكين المرأة من حيث علاقته بالمناهج و الكتب المدرسية.

صفحة 3

مشكلة الدراسة

يتفق المفكرون في قضايا التنمية البشرية على أهمية مشاركة أفراد المجتمع كافة في بناء و تطوير مجتمعهم. وفي عام 1975 عملت الأمم المتحدة على تسمية العقد 1975- 1985 بعقد المرأة مما أسهم في إذكاء الوعي للأدوار الفاعلة للمرأة في مواجهة تحديات كبيرة مثل الأمية و الفقر و المرض. وفي الدورة الاستثنائية الثالثة للجمعية العامة للأمم المتحدة المنعقدة تحت شعار " المرأة عام 2000 المساواة بين الجنسين والتنمية و السلام في القرن الحادي و العشرين " تمت الإشارة إلى الإجراءات و المبادرات المقترحة للتغلب على العراقيل والتحديات القائمة حول إدماج المنظور الجنوسي في جميع السياسات و البرامج في منظومة الأمم المتحدة (وثائق الأمم المتحدة، 2002).

ويلحظ المهتمون بقضايا المرأة على الصعيد الوطني و العربي و الدولي كثرة الندوات، و المؤتمرات، والحركات التي تدعو إلى تحسين مكانة المرأة وتفعيل أدوارها و الأخذ بيدها، ولكن المتأمل في الواقع على الصعيد الوطني يدرك محدودية نتائج تلك الجهود. بل إن الدراسات في هذا السياق تؤكد أن مشاركة المرأة الأردنية في بناء المجتمع في الأبعاد الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و السياسية لا تزال دون المستوى المطلوب،على الرغم من أن الدستور في مجمله أعطى للمرأة حقوقا متساوية مع الرجل من حيث ما ’تقر من حقوق وما ’يفرض من التزامات (محمد،2001). وعلى الرغم مما تشير إليه الدراسات من أن مشاركة الإناث في القوى العاملة قد ارتفعت من 7,7% عام 1979 إلى 14% عام 1990 إلا أن هذه المشاركة ما تزال متدنية (العساف، 1996) بل إن البعض يرى أن من أهم الأولويات أن نبدأ برفع الوعي المجتمعي لرفع الظلم عنها ومن ثم تعليمها و تدريبها لتصبح مؤهلة للمشاركة الفاعلة .و تشير الدراسات أيضا إلى أن أهم العوامل التي تعيق إسهام المرأة في الإنتاج والتنمية هي النظرة السائدة لها، والمحكومة بالموروث الاجتماعي الذي ينظر لها بدونية، فضلا عن "عدم تعليمها وتدريبها جيدا " (العساف،1996).

ولعلنا لا نجافي الحقيقة إن قلنا هنا أن نتائج الاتفاقات و الندوات والمؤتمرات على المستويات كافة لم يصحبها تكون وعي وطني شمولي بضرورة إحداث تغيير أو تصحيح على مكانة المرأة بل أن إحدى الدراسات الأردنية توضح أن تلك الجهود " زادت من نسبة عمالة المرأة في قطاع الخدمات وليس قطاع الإنتاج " (فرحان،1992). وبحسب إحصاءات دائرة الإحصاءات العامة فإن مشاركة المرأة الأردنية في سوق العمل لعام 2007 بلغت 14،7%. بل إن معدل بطالة الشابات الإناث 48،4%. (www.dos.gov.jo)

ولقد سعى التطوير في النظام التربوي الأردني منذ نهاية العقد الثامن من القرن الماضي إلى إحداث إصلاحات في مكونات النظام التربوي كافة، وهدف تطوير المناهج المدرسية – بوصفه أحد الأبعاد الهامة –إلى التحسين و التجويد في غايات المنهاج ومحتواه ، ولعل من إحدى أولويات هذه المناهج تلبية حاجات المتعلمين و الحاجات الجمعية للمجتمع الأردني. وتشير تقارير وزارة التربية و التعليم في هذا السياق إلى " أن مرد ظاهرة انخفاض نسبة وجود المرأة في صنع القرار يعود إلى عوامل هي في كثير من الأحيان تأتي من المرأة ذاتها من خلال سلبيتها وتقبلها لمفردات واقعها ولكن الحديث عن هذه العوامل بحاجة لبحوث علمية متخصصة." (تقرير جهود وزارة التربية و التعليم حول تنفيذ منهاج عمل بيجين منذ عام 1995، 1999 ) ويرى منظرو الأمم المتحدة أن التقليل من شأن المرأة لا يعد مشكلة يخلقها الرجل فحسب وإنما تشارك النساء أنفسهن فيها وتؤثر فيها متغيرات كثيرة، ومن هنا فان ثمة حاجة لتمكين المرأة عن طريق الثقافة و العمل من خلال تيسير توليد الوعي لدى الرجل والمرأة تجاه مواضيع الجنوسة .(يونيفم ، 2000).

إن المتأمل في هذه المعطيات تستوقفه كثرة المفاهيم التي تسعى للأخذ بيد المرأة وتحسين مكانتها فمن منادٍ بالتحرير،إلى متبنٍ للمساواة، إلى مطالبٍ بالإنصاف، إلى داع ٍ للتمكين ،ومن هنا فإن هذه الدراسة تسعى إلى بلورة مفهوم تمكين المرأة ضمن منظور شمولي يسهم في بنائه عينة من المهتمين بقضايا المرأة ويتضمن عناصر تنضوي تحت مجالات متعددة لكي تستخدم كمعايير للحكم على دور المنهاج الأردني في تمكين المرأة وتفعيل مشاركتها .و تقوم هذه الدراسة على افتراض أن الخطوط العريضة لمناهج التعليم الأساسي و الثانوي و الخطوط العريضة لمرحلتي التعليم الأساسي و الثانوي للمباحث وكتبها المدرسية لابد أن تعمل على إكساب الفتيات معارف ومهارات تسهم في إعدادهن للحياة في القرن الحادي و العشرين،حتى يمتلكن مهارات بينشخصية مثل : الدفاع و التفاوض و الحوار و المشاركة في المجالات الحياتية كافة ومن هنا كان لابد من استقصاء ما يتجسد فعليًا في الخطوط العريضة لمناهج المراحل و الخطوط العريضة للمناهج المدرسية في ضوء مفهوم التمكين الذي سيتم تطويره.

وقد حاولت هذه الدراسة الإجابة عن الأسئلة البحثية التالية :

1- ما مفهوم تمكين المرأة الذي تجمع عليه الجهات المعنية بالمرأة في المجتمع الأردني ؟

2- كيف تسهم الخطوط العريضة للتعليم المدرسي في المرحلتين الأساسية و الثانوية والخطوط العريضة للمناهج و الكتب المدرسية للمباحث الدراسية كافة في تمكين المرأة وفق المنظور المطور للتمكين ؟

3- كيف يمكن أن نطور مناهج أردنية بما يؤدي إلى تمكين المرأة وفق المنظور المطور للتمكين؟.

ولعل من أهم بواعث هذه الدراسة اهتمام الباحثة بقضية المرأة منذ بدايات الوعي الذي يذكيه تأمل تدبري دؤوب في خبرات عشرات النساء اللواتي عايشت الباحثة واقعهن و استمعت لقصصهن، وحاولت أن تقف على أسباب معاناتهن في أبعادها كافة على المستوى الشخصي و المجتمعي و الإنساني بكل رحابته، إذ كانت التساؤلات القابعة في الوجدان دوماً : وما دور المنهاج إذن ؟؟ ولماذا نلجأ للتعليم المدرسي إذا كان لا يكسب المرأة مهارات هي في أمس الحاجة إليها ؟؟ ثم، كيف يمكن أن يكون المنهاج أداة لتخفيف معاناة المرأة ؟؟ ومن هنا كان لا بد من التصدي لقضية في غاية الأهمية وهي : كيف يمكن للمنهاج أن يصقل شخصية المرأة ويرقى بإنسانيتها ليمكنها من التواصل مع ذاتها ومع الآخرين و يكسبها مهارات المشاركة و المبادرة الاجتماعية .

صفحة 4

مصطلحات الدراسة ومفاهيمها

الجنوسة:

مصطلح يشير إلى الأنماط المتعلمة من السلوك والتي تشمل مجمل الأفعال التي يعبر بها الأفراد من كلا الجنسين عن نوعهم الاجتماعي، والتي تختلف من ثقافة لأخرى. (KEY CONCEPTS IN CULTURAL THEORY, 1990)

عينة كرة الثلج المتدحرجة:

نوع من العينة يحدد فيه الباحث عددًا قليلا ًمن الأفراد لديهم الخصائص التي يحتاجها لأغراض دراسته، ويكون تصميم العينة بحيث أن العينة الابتدائية هي التي تزود الباحث بمعلومات عن باقي أفراد العينة و الذين لا يعرف الباحث الكثير من المعلومات عنهم في بداية عملية جمع البيانات. (EDWARD & TALBOT, 1994)

المنظور :

هو مجمل القيم و الاتجاهات و المعتقدات و المعاني التي يتضمنها الإطار الفكري أو وجهة نظر الفرد في موقف معين. (قاموس مصطلحات العلوم الاجتماعية الشامل، 1999).

صفحة 5

حدود الدراسة

حاولت الدراسة بناء منظور وطني للتمكين اعتمد في بنائه اختيار عينة بطريقة كرة الثلج المتدحرجة، وهذه العينة محدودة اختيرت لتمثل التيارات الأربعة لمجتمع الدراسة،وقد استخدم أسلوب المقابلة شبه المقننة، غير أن ثمة أساليب أخرى لم تستخدم لذا ينبغي أخذ الحيطة عند تعميم النتائج.

تمت قراءة وثيقة المنهاج لكل المباحث التي اشتملت على أجزاء من نصوصها تتعلق بالمرأة، وهذه المباحث هي : التربية الإسلامية، اللغة العربية، اللغة الإنجليزية، التربية الاجتماعية و الوطنية و المدنية ، التاريخ و الجغرافيا، والتربية المهنية .وتم اعتماد طريقة تحليل المحتوى التي ذكرت في منهجية الدراسة وطرائق البحث، لذا ينبغي الحذر عند تعميم نتائج الدراسة إذا اعتمدت طريقة أخرى.

بلغ مجموع المناهج والكتب المدرسية التي تمت قراءتها لأغراض هذه الدراسة (304) كتب، وبلغ عدد الكتب التي تم تحليلها بعد استبعاد المناهج والكتب غير ذات العلاقة (123 )، أما الكتب و المواد التعليمية التالية فقد استثنيت من الدراسة لأسباب متباينة، وهذه المواد التعليمية هي:

- دفتر الكتابة بجزأيه الأول والثاني للصف الأول والثاني الأساسي ودفتر الكتابة المعتمد للعام الدراسي الحالي للصفوف الثاني والثالث والرابع، وكذلك كراسة الخط العربي للصف الخامس الأساسي ، نظراً لأن ما يطلب إلى الطلبة كتابته أو قراءته متضمن في كتاب " لغتنا العربية " للصفوف المذكورة.

- القرص المدمج CD ROM باللغة الإنجليزية للصفوف من الأول وحتى الخامس الأساسي نظرًا لأنه لا يشتمل على أفكار مسبقة حول المرأة وإنما يهدف إلى تحفيز الطلبة للتعبير عن ذواتهم في ضوء خبراتهم.

- المادة المسجلة لمبحث اللغة الإنجليزية للصفوف كافة حيث اكتفي بالنصوص المقروءة والمرئية .

- الوحدات التدريبية في مجالات الزراعة – الصناعة والوحدات التدريبية الأربع للصفين الثامن والتاسع لكونها لا تحمل مضامين محددة حول المرأة.

- أدلة المعلمين إلى التربية المهنية للصف العاشر وعددها عشرة أدله تشتمل على وحدات في مجالات هي : الزراعي-الصناعي-التجاري-الطباعة و-التربية المهنية للتجاري نظرًا لأنها لا تشتمل على وحدات معنى يمكن أن ’تستقرئ منها أفكار حول تمكين المرأة، في حين تم تضمين دليلي المعلمين حول العلوم المنزلية والصحة والسلامة لعلاقته بموضوع الدراسة.

- اللغة الفرنسية للصفوف الثامن، والتاسع والعاشر كونها تدرَس بشكل اختياري وتجريبي.

- الأدلة الإرشادية لمعلمي العلوم والرياضيات للصف الثامن الأساسي.

- دليل المعلم في التربية الصحية حيث لا يلزم المعلمون كافة باستخدامه وإنما يطلب إلى معلمي المباحث الدراسية استخدامه كمرجع .

ويضاف إلى حدود هذه الدراسة ما يلي:

تم اختيار كتب الثقافة العامة في المرحلة الثانوية نظرًا لصعوبة دراسة المناهج والكتب المدرسية التي تدرس في فروع التعليم : العلمي- الأدبي- الشرعي- الإدارة المعلوماتية- التمريض- الزراعي – الصناعي- الفندقي- الاقتصاد المنزلي- التطبيقي، ولكون هذه الكتب تشكل أرضية ثقافية يدرسها الطلبة في فروع التعليم كافة.

- فيما يتعلق بوثيقة الخطوط العريضة لمنهاج اللغة الإنجليزية للمرحلة الأساسية فقد اعتمدت طبعة عام 1991، أما الطبعة المعتمدة للمرحلة الثانوية فهي طبعة عام 1993 وذلك وفق دليل الطبعات المعتمدة للعام الدراسي الحالي 2003/2004، الذي صدر عن وزارة التربية و التعليم .

صفحة 6

أهمية الدراسة

ترتبط أهمية هذه الدراسة بجملة من الحقائق و المعطيات نجملها فيما يلي :

إن أول ما يمكن الإشارة إليه في هذا السياق هو أن دور المنهاج المدرسي في تكوين اتجاهات الطلبة نحو المرأة قد أصبح معياراً من معايير جودة المنهاج،فضلاً عن حقيقة لا يمكن تجاوزها ترتبط بمقولة أننا إذا أردنا أن نحقق المساواة و العدالة المجتمعية فلا بد أن نركز على المدرسة و المنهاج المدرسي،وعليه فإن هذه الدراسة تأخذ أهميتها من الموضوع الذي تستقصيه.

يعتبر الاستقصاء المنهاجي عملية مستمرة تسعى نحو توليد معرفة جديدة تقود لفهم ٍ أعمق،إذ ينبغي للبحث أن يكون محركاًً قوياً يحمل في ثناياه مبررات عقلانية للتغيير وصولاً لواقع أمثل ولعل إحدى أهم ركائز التطوير التربوي في الأنظمة التربوية المتطورة هي نتائج البحث التربوي، نقول هذا ونحن ندرك أهمية توقيت هذه الدراسة حيث تقوم وزارة التربية و التعليم ممثلة بإدارة المناهج و الكتب المدرسية بعملية تغيير في أطر المناهج وخطط البرامج الدراسية ضمن مشروع إصلاح التعليم نحو اقتصاد المعرفة Educational Reform For Knowledge Economy الذي بُدئ به منذ نهاية عام 2003 والذي تشتمل خطته في مرحلتها الأولى 2004-4008 على تطوير أطر المناهج للمباحث الدراسية ضمن تطوير الإطار العام للمناهج و التقويم،ومن المأمول الانتفاع بنتائج هذه الدراسة في السعي نحو تطوير ينبثق من الحاجات و الأولويات الوطنية، وفي ضوء المتاح و الممكن والمأمول وفق ما يراه ممثلون لتيارات فكرية محلية متباينة.

حين يستهدف البحث استقصاء دور المنهاج في امتلاك المرأة المعرفة و القدرات و المهارات التي تمكنها من المشاركة فإنه يكتسب أهمية خاصة نظرًا للموقع الذي يمكن أن تتبوأه المرأة إن تأهلت لذلك، إذ يمكنها والحالة هذه مواجهة تحديات الفقر و الأمية و البطالة و التهميش، مما يفعل خطط التنمية المستدامة و التي يعَول عليها كثيرا في الأردن .

وتنبثق أهمية هذه الدراسة من منطقية الربط بين ما تشتمل عليه وثيقة المناهج للمرحلتين الأساسية و الثانوية وكذلك الخطوط العريضة لمناهج المباحث الدراسية وكتبها المدرسية حول تمكين المرأة من منظور شمولي، وبين واقع المرأة إذ أن التساؤلات حول دور المنهاج في تمكين المرأة مهمة نظراً لإمكانية توليد معرفة مؤثرة حول تفعيل دور المناهج في تمكين المرأة من منظور يكون أكثر وسطية و اعتدالا من المنظورات الغربية أو الشرقية، بل أكثر تلبية لحاجاتنا المجتمعية حين يكون للمهتمين بقضايا المرأة دور في صوغه وبلورته.

ويزيد من أهمية هذه الدراسة حقيقة لابد من التوقف عندها وتأملها ملياً وهي تتعلق بواقع العالم العربي الذي غدا بحاجة للكثير من الأبحاث المرتبطة بضرورة أن يتصدى المنهاج لبعض عناصر الثقافة التي تعمل على بث معتقدات تشكل فهماً يرسخ اللامساواة الجنوسية بعيدا عن الفهم الديني المتعمق الذي يرقى بالمرأة العربية، ومن هنا كان لابد من القيام بهذه الدراسة التي تقدم منظورا متوازنا للتمكين يستمد جذوره من حاجات المرأة العربية المسلمة وتصل فروعه إلى مستجدات الحضارة العقلانية الإنسانية في مجتمع القرن الحادي و العشرين.

و تتميز هذه الدراسة بأنها الدراسة الأولى التي يتم فيها تحليل محتوى المناهج و الكتب المدرسية الأردنية للمرحلتين الأساسية و الثانوية و للمباحث كافة من حيث علاقته بقضية تمكين المرأة وفي صفوف التعليم كافة، إذ ’يلاحظ شيوع الدراسات التي تناولت بالبحث المناهج والكتب المدرسية لمبحث محدد، أو لصف معين، أو لمرحلة بعينها، فضلاً عن أن الدراسات السابقة انطلقت من أيديولوجية حول تمكين المرأة لم يتم الاتفاق عليها في حين أن التحليل في هذه الدراسة استند إلى أيديولوجية وطنية تتسم بالشمولية .

كما تتميز هذه الدراسة بأنها تعطي تصورا عن كيف تتكامل أو تتناقض وتتشتت مناهج المباحث وكتبها المدرسية للصفوف كافة في المدى الأفقي والتتابع العمودي Scope & Sequenceحيال مفهوم واحد وهو تمكين المرأة، وكيف يتعاضد أو يتعارض المحتوى التعليمي في المبحث الواحد من حلقة تعليمية لأخرى .بل كيف تؤثر توجهات و خبرات واضعي المنهاج في تجسيد الكتاب المدرسي لمبحث ما على نحو قد يكون مغايرًا لما ورد في الخطوط العريضة للمنهاج في هذا المبحث أو ذاك مما يعطي للدراسة أهمية خاصة .

وعلى ما سبق، فإن هذه الدراسة تكتسب أهميتها من حقيقة أن القراءة التحليلية المتفحصة للمناهج و الكتب المدرسية في هذه الدراسة تمت في ضوء منظور متوازن بني من خلال أدوات البحث النوعي مما يعني أن هذه الدراسة قد استثمرت أدوات البحث النوعية و الكمية، ولعل المرء يدرك لدى الاطلاع على دراسات محلية في مجال هذه الدراسة أن تلك الدراسات قد نحت منحى كميا في تحليل محتوى منهاج مبحث ما أو في الوقوف على الأدوار الجندرية في مرحلة ما دون استخدام أدوات البحث النوعي، ويعتبر تكامل أدوات البحث من أهم الركائز التي تعلي من قيمة النتائج التي يتوصل لها الباحث وترفع من شأن الدراسة.

صفحة 7

أولاً : التمكين النسوي .. مفهومه، نظرياته ومنظوراته

WOMEN EMPOWERMENT: CONCEPT, THEORIES AND PERSPECTIVES

يقتضي البحث استجلاء مفهوم التمكين في سياقات متباينة، والوقوف على دلالات هذا المفهوم في فروع معرفية مختلفة .ويقتضي كذلك،البحث في النظريات التي ترتبط بهذا المفهوم لذا سنقسم هذا الفصل من هذه الدراسة إلى قسمين نبحث في الأول منها ثلاثة مكونات هي : مفهوم التمكين ودلالاته في سياقات الفروع المعرفية المختلفة، ثم نناقش نظريات التمكين،التي اختلفت في منطلقاتها وتبريراتها و تصوراتها حول تمكين المرأة، ولكنها في مجملها تقدم تفسيراً لواقع المرأة وتصوراً لكيفية تمكينها.ونناقش في المكون الثالث منظورات التمكين الخمسة وهي : التمكين كمنحى للتنمية النسوية من منظور المنظمات الدولية، التمكين من منظور العالم الثالث،المنظور الراديكالي العربي للتمكين،المرأة الأردنية. واقع ورؤى،المنظور الإسلامي للتمكين. أما القسم الثاني من هذا الفصل فقد اشتمل على كل ما اهتدي له من دراسات سابقة تتعلق بأبعاد هذه الدراسة باللغتين العربية و الإنجليزية وستتم مناقشتها من حيث مراميها، و منهجيتها، وأهم ما توصلت إليه .

صفحة 8

أ- مفهوم التمكين ودلالاته في سياقات الفروع المعرفية المختلفة:

Empowerment And Its Connotation In The Contexts Of Various Disciplines

لقد شاع في العقود الأربعة الأخيرة من القرن العشرين مصطلح التمكين، وترى يونغ ) 1998 (Youngأن مصطلح التمكين ظهر مع نهاية سنوات العقد الثالث للأمم المتحدة للتطوير U N.’S Third Development Decade واستخدم في حقل الدراسات المتعلقة بالخدمة الإنسانية Human Service، ونظرًا لتعدد مجالات تلك الخدمة و تباين اهتماماتها وأغراضها، يحسن بالباحث استقصاء الدلالات والإيحاءات المرتبطة بهذا المفهوم في بعض حقول المعرفة.وتعتقد لورين (Laurine,1995) أن هذا المفهوم يتسم بالغموض في مستوى الاستخدام وتستنتج أن سبب هذا الغموض هو كثرة التعريفات التي ترتبط بكلمة التمكين وكثرة الحقول التي تستخدم فيها هذه الكلمة، إذ أنه يسود في حقول معرفية متعددة مثل: التربية، علم الاجتماع، علم الإنسان، دراسات النساء، علم الأديان، الصحة العامة،و التمريض، وتوضح أن سياسات النساء والجنوسة لم يتم التطرق لها بشكل كاف في بحوث التمكين على الرغم من حقيقة أن النساء قد استخدمن هذا المفهوم للإفصاح عن خبراتهن الحياتية. ولنا قبل أن نتطرق إلى معاني التمكين أن نضيف أن التمكين قد أصبح جزءا رئيسًا في مجالات الإدارة الحديثة،إذ بدأ المنظرون في استخدامه على نطاق واسع في هذا المجال أيضا .

ومن ناحية أخرى يرى رابابورت (Rappaport ,1981) أن التمكين هو مكون حديث لمنظور الخدمات الإنسانية في مجال الصحة العقلية المجتمعية في حين يعرف ويست و ستيرن (West & Stern , 1991) التمكين من المنظور الصحي بأنه العملية التي تحدث عندما يصبح أفراد أسر المرضى ذوي معرفة واطلاع واسعين ومعمقين Knowledgeable حول أوضاع مرضاهم، وحين يمتلكون الثقة بتلك المعرفة، وعندما يعون أن لديهم خيارات حول تلك المعرفة ويستشف من هذا التعريف العناصر الرئيسة للتمكين وهي : ثقة الفرد بذاته وبالمعرفة التي يمتلكها، ووعي بالبدائل و المتغيرات، وقدرة على التعامل الحكيم الرشيد مع معطيات الواقع المتبدلة دوما.

وفي السياق نفسه تبين دراسة لورد (Lord,1989) التي استخدمت التحليل النوعي لخبرات التمكين عند ذوي الحاجات الخاصة في محاولة لتحديد العناصر التي ساعدت هؤلاء الأفراد على اكتساب السيطرة على حياتهم، وتنمية قدراتهم على المشاركة، أن التمكين :

حالة فريدة unique يتباين الأفراد في إدراك معانيها،وأنه يستدعي المشاركة والتزويد بالمعرفة والدعم ويتشكل من خلال عوامل شخصية ومجتمعية تستدعي استمرارية إتاحة المصادر،وأنه خبرة مستمرة قابلة للنمو.

وفي سياق آخر يتوصل ولرشتاين وبيرنشتاين ( 1988 ,Wallerstein & Bernstein) إلى أن التربية التمكينية الصحية تشتمل على العناصر التالية:عمليات بناء مستمر للمشاركة الوجدانية، طرح أسئلة ناقدة، عمل جمعي لمجموعات صغيرة لإثارة الوعي وللتعرف على المحددات الشخصية والمجتمعية في المجالات الصحية.

وعلى صعيد أخر فقد ورد في دورية الجمعية اللبنانية لإدارة الأعمال (الإداري، 1999) تعريف مفهوم التمكين على أنه "منحى يقوم على أن تمنح المنظمة الممكنة الموظفين المهارات والسلطة التي يحتاجونها لاتخاذ قرارات تؤثر في أعمالهم وقرارات متعلقة بنوعية الإنتاج ووسائله، ومن هنا فإن التمكين يعلم الموظف كيفية المباشرة بعملية تبادل تلقائي". و عليه، يصبح التمكين عملية لبناء مهارات الموظفين لجعل عملهم أكثر سهولة ونتائجهم أفضل مع شعور برضى أكبر وتوتر أقل "ويرى منظرو هذا المنحى ضرورة وجود مراقب للتمكين يدرك إدراكا كاملا أن كل كائن بشري هو مجموعة من التناقضات…مواهب وضعف، قوة ومخاوف وتحت ضغط المهمات الجديدة تؤدي عوامل الخوف والحاجة إلى احترام الذات إلى الفشل عوضا عن النجاح، ومن هنا فان مراقب التمكين هو جزئيا: معلم هاد، محرض محمس، عالم نفس، قائد. (م.س، 101). وتضيف تشودري (Chowdhry ,1995) أبعادًا جديدة للتمكين بشكل عام إذ تعرفه بأنه "تعزيز القدرات ليصبح الفرد ذا مكنة empowered من خلال التعاون والتنسيق مع الآخرين واستخدام الإمكانات إيجابيًا وتطوير الطاقات لتصل إلى أقصى درجاتها" ولعل التأمل في هذه التعريفات يجعلنا نقف على ما للتمكين من أهمية في الأخذ بيد الفرد لاستكشاف ذاته وتطوير إمكاناته ليبلغ درجة من تكامل طاقاته بغية تحقيق ذاته و الرقي بمجتمعة.

وحين نحاول تأمل الفلسفة التي تقوم عليها عملية التمكين في المجالات التربوية، وهي المحور في الخدمات الإنسانية نلحظ تأثير فكر المفكر البرازيلي فريري Paulo Freire في التمكين من خلال منظوره النقدي الذي يرتكز على إثارة الوعي لدى الأفراد للنظر نقدياً إلى الآثار المترتبة على التطور والنمو الإنساني في ظل أيديولوجيات تسعى إلى الهيمنةHegemonyعلى الإنسان والسيطرة على قواه (Freire,1970) ويرى منظرو هذا المنحى أن تمكين الأفراد يتم عن طريق إثارة الوعي النقدي(critical consciousness) والمحافظة عليه عن طريق الحوار بين الممكنين بحيث يكونوا متشاركين في البحث وأن يتحروا الحقائق بشكل تعاوني بغية أن يطوروا وعياً للواقع، وأن يصلوا إلى تصورات لواقع أفضل قد يكون ممكناً وأكثر قرباً من خصوصية ظروف وحاجات وثقافة المجتمع الذي يعيش فيه هؤلاء الأفراد. ولنا أن نستنتج أن منظور فريري يهدف في محصلته النهائية إلى بناء مجتمع أفضل من خلال تمكين الناس بامتلاك مهارات التفكير المستنير.ولإيضاح أبعاد وعناصر التمكين من هذا المنظور على الصعيد العملي يمكننا تأمل مشروعين قاما على منظور فريري للتمكين، أولهما دراسة دير و تشوكسي(Dyer & Choksi,1998) التي استندت إلى مفهوم فريري للتمكين في مجال تعليم الكبار في منطقة كتش Kutch في الهند التي تقطنها قبائل راباري Rabari التي هدفت إلى التعرف على أسباب محدودية نجاح برامج محو الأمية التي ترتبط بمفاهيم رعوية،وقد استخدم القائمون على البحث منحى Freire في جعل المشاركين يتأملون نقديا العلاقة بين برامج محو الأمية والبرامج المتاحة في المدارس التي يتعلم بها أطفالهم والتي تكسبهم مهارات اقتصادية ومعرفية ثقافية. وقد لاحظ الباحثون أن منظور البدو للتمكين كان: إكسابهم مهارات تقنية للتعامل مع مدى واسع من المهام في قطاعات العمل الحديثة، ولكن، وبما أن برامج محو الأمية لم تكسبهم المهارات التي يحلمون بها، ولم تقدم لهم ما يسعون إليه من كفايات اقتصادية وثقافية ومعنوية يحتاجونها في ظروفهم الحياتية فقد فضلوا الإحجام عن الانضمام لتلك البرامج حيث لا تكسبهم التمكين الذي يبتغون،مما يعني ارتباط نجاح عملية التمكين بعامل مهم وهو وجود الحافز الذاتي لدى الفرد الذي يراد تمكينه.

أما المشروع الثاني الذي قام على منظور فريري Freire في التمكين فهو ذو علاقة بالقضية النسوية،حيث إن القائمين على مشروع "Arab Women Speak Out" الذي يشرف عليه مركز النساء العربيات للتدريب والبحث CAWTAR في تونس يرون أن " المعرفة تتولد ليس من خلال الخبراء، ولكن من خلال المناقشات الجمعية على مستوى القاعدة الشعبية". ولنا الآن أن نقتبس التعريف الذي تقدمه هذه الباحثة وزملاؤها لتحديد ملامح عملية التمكين إذ يعتقدون أنه " العملية التي تزيد الخيارات، وتعمل على تجويد الدخول إلى الخدمات وترفع قدرات الأفراد… إنها عملية تهدف إلى تطوير الإمكانات الإنسانية لتصل إلى أقصى مداها " (Jabri , et al., 1997 ) ويتضمن التمكين في هذا المنظور الافتراض بان الناس سيكونون بعد تمكينهم قادرين على التحكم والسيطرة على حياتهم في سياق بيئاتهم، ويهدف في المحصلة النهائية أن يساعد الأفراد على أن يستخدموا قواهم التي اكتشفوها في ذواتهم في العمل مع الآخرين لإحداث التغير الإيجابي المرغوب وأن يعملوا بجد ليصلوا إلى الاعتماد على ذواتهم لمساعدة الآخرين، وعليه فان التمكين في هذا المشروع هو اكتساب المكنة للعمل وليس لممارسة السلطة على الآخرين وهو لا يمكن أن يفرض من الخارج، و يجب أن ينمو من الفهم الذاتي للأفراد لظروفهم،و خياراتهم وفرصهم،و بيئاتهم الاجتماعية. إذن، يسعى الأفراد ذوو المكنة إلى التشاركية بوازع ذاتي، وهم واعون لحقوقهم الجمعية ومسؤولياتهم، ويصبحون منغمسين بفاعلية في مجتمعهم الأكبر.

وقد لاحظ كارل(Karl,1995) أن التمكين عملية من الوعي وبناء الإمكانات التي تقود لمشاركة أكبر وقدرة على صنع القرار والفعل التغييري. وهو يتضمن القدرة على التفاوض والتأثير في طبيعة العلاقات والقرارات التي تصنع ضمن تلك العلاقات.

ومن ناحية أخرى ترى جبري و زملاؤها أن الاعتقاد بالفاعلية أو التمكين الذاتي يشجع النساء على المشاركة بشكل كامل في عملية التطوير وليس انتظار التطوير ليأتي إلى مجتمعاتهن،لأن الأفراد ذوي المكنة يريدون أن يساعدوا في توجيه تلك العملية، ولذلك فإن تطوير احترام الذات والحس الذاتي بالفاعلية هما عنصران ضروريان لنجاح تعليم التمكين.

وتضيف دولاني (Dulany,1990) ’بعد التلقي إذ أن ما نتلقاه له أثره في التمكين فهي ترى أن التمكين " مصطلح يشير إلى أن يجد الشخص صوته " وهي تقول " إنه لكي نتكلم علينا أن نعرف ما الذي نريد قوله، ولكي نسمع علينا أن نملك الجرأة على الكلام ". وحتى يصبح الفرد ذا مكنة Empoweredفلا بدله من المرور بجملة من العمليات المعقدة التي يحدث جزء منها خلال التطور البيولوجي لعملية نمو الفرد بينما تتأثر الأجزاء الأخرى بنوعية التلقي الذي يتعرض له الفرد في عوالمه الذاتية.

ولعل من البديهي القول أنه في الديمقراطية المثالية يعطى كل فردٍ الفرصة ليجد صوته وليستخدمه بقوة متساوية مع الآخرين، ولكن في الحقيقة الحياتية المعيشة فإن الظروف تعمل ضد مثل هذا التساوي. وتؤكد دولاني أن التمكين الجمعي يعني مساعدة الآخرين في أن يجدوا المعرفة والشجاعة ليتكلموا بأصواتهم عن ذواتهم، فهو عملية تغير اجتماعي لأنه حينما تصبح الغالبية العظمى من الناس قادرة على الإفصاح عن معتقداتها فإنها سوف ’تسمع وسوف يستجيب المجتمع.

ولابد من التأكيد هنا أن الظروف المؤثرة في اكتساب الأفراد المكنة أصبحت إحدى القضايا الهامة في البحث في تمكين المرأة في محاولة لفهم عناصر و مكونات التمكين النسوي ضمن أطر أكثر شمولية .

ومن هنا يجدر بنا أن نشير إلى أهمية البحوث التي قامت بها يونغ (Young,1998)، فقد توصلت من خلالها إلى أن التمكين يرمي إلى " جعل الناس قادرين على السيطرة على حياتهم ومقدرا تهم واكتساب القدرة على القيام بالممارسات التغييرية وفق الأولويات الخاصة والعامة لتغيير الأحداث وبطريقة لم يكونوا قادرين عليها سابقا ومن الواضح مما سبق قوله أن التمكين حين يتطرق إلى قضايا المرأة فإنه يعني أكثر مما سبق إذ يشمل التغيير في العمليات والبنى التي تعيد إنتاج تبعية المرأة للرجل. وتؤكد يونغ على هذا الطرح إذ توضح أن استراتيجيات تمكين المرأة لا يمكن أن تؤخذ بمعزل عن السياق التاريخي الذي أوجد سلطة الرجل، أو بعيدًا عن العمليات التي تبني خبرات تعزز القهر والتبعية النسوية ولو تعددت أشكال مثل هذه الاستراتيجيات.

ولكي نستجلي التصور العملي القائم على التمكين،نتوقف عند أحد البرامج التي تتمثل هذا المنحى، وهو برنامج عمل السياسة الوطنية للتعليم في الهند والذي يشير صراحة إلى أن النساء يصبحن ذوات مكنة من خلال التأمل الجمعي وصنع القرار، أما أدوات التمكين فهي تتراوح لتشمل " بناء صورة إيجابية للمرأة،و بناء الثقة بالذات،و تطوير القدرة على التفكير الناقد،و بناء التماسك الجمعي بين النساء، وتعزيز مهارات صنع القرار والعمل".(م.س )

ويمكن للمرء أن يطرح تساؤلاً حول طبيعة التمكين: هل هو عملية فردية أم جمعية؟ ويقودنا التفكير في هذا التساؤل إلى حقيقة أن التمكين الجمعي collective epowerment يحقق التمكين الفردي إذ أن التمكين يتضمن تغييرًا فرديًا وفعلاً جمعيًا، أي أن تمكين النساء جمعيًا لكي يسيرن أمور حياتهن ويضعن أولوياتهن وليساعدن بعضهن بعضا يرتبط بمقولة أن التمكين الجمعي يحقق التمكين الفردي. وتركز لونغوي (Longwe,1998) على جوهر عملية التمكين كعملية جمعية، إذ ترى أن التعريف المبسط لتمكين النساء يعيد تفسير المفهوم على أنه " اعتماد على الذات " ولكنها ترى أن كلمة تمكين تبدو أكثر قوة من الاعتماد على الذات بل إنها "عملية تهتم في جوهرها بالفعل الجمعي للتغلب الجنوسي على اللامساواة والتعرف كذلك إلى كل القضايا التي تقف في طريق تقدم النساء وبخاصة تلك التي ترسخت في العادات والقوانين والمعتقدات الأيديولوجية، ومن هنا فإن التدريب على التمكين يهتم بعملية التنوير والاستبصار insight وإحياء الضمير والتنظيم الجمعي" ويتضح مما سبق أن تمكين النساء لابد أن يشتمل على تدريب جنوسي Gender Training للتزويد بالمهارات والأساليب لتحسين التوجهات الجنوسية من خلال مؤسسات تطويرية تعمل على تصميم برامج تتعرف إلى قضايا الجنوسة التي تقف حائلا في طريق التطوير، ويتوجه التدريب الشامل في هذه الأوضاع إلى الناس في كل المستويات، من صانعي السياسة المجتمعية إلى كل المتأثرين بها.

وقبل أن نختم هذا الجزء من هذه الدراسة لا بد أن نشير إلى مكونات وأبعاد التمكين النفسي كأحد أهم عناصر التمكين النسوي التي ’ينظر لها كمنطلق أولي للتمكين، والتي تفصلها مورو وهوكسهيرست (Morrow & Hawxhurst,1998) على النحو الآتي:

المستوى الشخصيPersonal : ويتعلق بالحقوق الفردية والحريات، المصادر والقدرات الشخصية،و معرفة الذات .

المستوى البينشخصي ( Interpersonal): ويتعلق بتقبل الآخرين، الدعم والدفاع على مستوى المجتمع،المشاركة مع الآخرين .

أما المستوى السياسي الاجتماعي Sociopolitical ) ): فهو يشمل الحقوق الشرعية واستخدام المصادر، والتساؤل حول الحقيقة .

ويتمثل التل و حماد هذه المعاني ( التل وحماد، 2000 ) حين يعرفان التمكين بأنه" العملية التي تتحقق من خلالها بعض السيطرة للمجموعات المقهورة ومن بينها النساء، على حياتها عن طريق الانخراط في نشاطات وهياكل تسمح لها بالمشاركة، وبقدر أكبر، في اتخاذ القرارات التي تؤثر في حياتها بشكل مباشر". وقد لوحظ أن هذه العملية تساعد هذه المجموعات على حكم نفسها بنجاح، وذلك عن طريق القوة التي لا تستخدمها لإكراه الآخرين بل لاستعمالها كقدرة تساعد على تحقيق التغير الاجتماعي.

وتتوصل لورين Laurine ,1995 )) في دراسة لها حول خبرات النساء عن معاني التمكين Women’s Experiences of The Meaning of Empowerment" إلى ثلاثة من معاني التمكين لدى نساء تدربن ضمن مشاغل للتمكين، وهي :

- التمكين كإحساس داخلي عميق بالذات.

- التمكين كقدرة على المبادرة في العمل بالاستناد إلى الحس الداخلي للذات، والثقة بامتلاك المهارات والقدرات، وبقيام المرأة بما تريد القيام به ومعرفة ما تريد القيام به، أي الاختيار والسيطرة على ذاك الاختيار.

- التمكين كقدرة على الانتماء للحياة والارتباط بمظاهرها الحيوية بفاعلية، وهذه تعني التواصل مع الذات ومع الآخرين في المجتمع.

ولعل تأمل جوهر عملية التمكين النسوي يجعلنا نصل إلى فهم أعمق لمكونات هذا المفهوم، والتي يمكن أن نجملها فيما يلي :

-التمكين عملية مستمرة تقوم على إثارة الوعي وتتعلم من خلالها النساء الممكنات معرفة جديدة حول:الحقوق والواجبات الفردية والحريات في مجتمعهن، ظروفهن، و خيارا تهن، وحاجاتهن، معيقات ومحددات التنمية النسوية في المجتمع الإنساني وفي مجتمعهن خاصة، مصادر المعرفة المتوافرة في مجتمعهن وكيفية الوصول إليها.

-التمكين يستلزم تدريبا تنخرط من خلاله النساء في مشاغل تدريبية من أجل: إثارة الوعي حول القضايا النسوية في مجتمعهن، التعرف على مزيد من المحددات الشخصية والمجتمعية من خلال التدريب على مهارات التفاوض، و الحوار،و طرح الأسئلة، والتبرير، تنمية التفكير الناقد، تنمية مهارات الوصول للمعرفة التقنية وغيرها.

-وتستدعي عملية التمكين وجود ممكن قد يكون مؤسسة أو فريقًا متطوعاً أو فردًا وهذا الممكن يكون خبيراً عارفاً بالمجتمع والأفراد الذين يعمل معهم وذا دربة في التعامل مع شبكة العلاقات التي تربط أفراد هذا المجتمع بأولوياتهم وحاجاتهم وخياراتهم وعلاقة ذلك بواقع النساء.

-أما العناصر اللازمة لنجاح التمكين فهي: ارتباطه بالحاجات الفعلية للأفراد الممكنين وجعلهم يلمسون آثاره الإيجابية من خلال التحسن في واقعهم الحياتي المعيش ماديًا أو معنويًا أو كليهما، ضرورة أن يبدأ التمكين من القاعدة للقمة وليس العكس، إذ أن دور الخبراء ليس إملاء المعرفة بل التفاعل مع الممكنين لتوليد المعرفة لديهم ولتعزيز قدراتهم للوصول بهم إلى أقصى إمكاناتهم وهو يقوم على التشاركية وتحمل المسؤولية والانغماس في هموم وحاجات وأولويات المجتمع بفاعلية، وجود القناعة الكاملة لدى الممكنين والممكنين

-وأن اكتساب المكنة لا يعني ممارسة السلطة على الآخرين، بل جعل النساء الممكنات قادرات على السيطرة على حياتهن في سياق بيئاتهن ولديهن المكنة على استخدام القوى التي اكتشفنها في ذواتهن لتحسين الواقع وللوصول لنساء أخريات لتمكينهن، ضرورة أن تستمر النساء في العمل على أن تكون أصواتهن مسموعة من خلال التماسك الجمعي بينهن وذلك للعمل على تغيير القناعات والعمليات والبنى الاجتماعية التي ترسخ تبعية وقهر النساء، ثقة الممكنين والممكنات بأن التمكين لابد أن يقود إلى تعميق الوعي لدى النساء لظروف المجتمع الذي يعشن فيه وإلى القدرة على تحسينها لجعل الواقع أكثر عدالة على المستويين الفردي والجمعي.

صفحة 9

ب- نظريات التمكين النسوي

قبل أن نختم الفصل الثاني من هذه الدراسة لا بد من أن نلقي مزيداً من الضوء على النظريات التي تناولت واقع المرأة ومدى ارتباطه بالأنظمة الاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية والفكرية في المجتمع، وهذه النظريات هي : نظرية التطبيع الاجتماعي، نظرية الفوارق الجنوسية، النظرية البنيوية، النظرية التفكيكية ( الهدمية).

وسنناقش منطلقات وإسهامات كل من هذه النظريات في تفسير الجنوسة ومعتقدات متبنيها حول كيفية تمكين المرأة، ثم نخلص إلى أوجه القصور في الطروحات التي تتبناها كل منها.

يتفق متبنو هذه النظريات بداية على أن التنميط الجنوسي ما زال شائعاً في التعليم وفي مواقع العمل وفي القيادة السياسية، وأن النساء ما زلن يحصلن على دخل أقل من الرجال وما زلن يعملن في مهن الخدمات وما زال تواجدهن قليلاً في فروع معرفية مثل العلوم والرياضيات. وإن الرجال مبرزون في مواقع القيادة بينما يصل إليه عدد قليل من النساء، وأن أعداد الرجال تفوق أعداد النساء في الأعمال السياسية والمهن ذات الأجر المرتفع .

(Humm, 1989; Sadker & Sadker, 1997; Key Concepts in Cultural Theory, 2002; Thompson, 2003)

1- نظرية التطبيع الاجتماعي Socialisation Theory

إن المتتبع للفكر الذي ينطلق من هذا المنحى يلحظ أنها سادت في السبعينات من القرن الماضي ويرى ثومبسون (Thompson, 2003) أنها استمرت إلى بدايات الثمانينات من القرن الماضي. وتستند في إطارها الفكري إلى مقولة أن أداء الفتيات في فروع معرفية ذكورية مثل العلوم والرياضيات ضعيف بسبب التنشئة الاجتماعية وإن الفتيات يمتلكن القدرات الفكرية اللازمة لدراسة مثل هذه المواضيع مثل الذكور تماماً، وحين لا يقوم الآباء والمعلمون بتطبيع الفتيات اجتماعياً وحين يتعاملون معهن بعدالة فإن الفتيات يستطعن أن يمتلكن القدرات الفكرية اللازمة لدراسة هذه المواضيع مثلهن مثل الذكور. ويحسن بنا أن نشير إلى نتائج البحوث التربوية في هذا السياق تؤكد ما يذهب إليه متبنو هذه النظرية (Woolfolk, 1987, Fennema, 999) بل أن البعض يذهب إلى أبعد من ذلك إذ يرون أنه حينما نقدم تعليماً محايداً وحينما نلغي العوائق التي نضعها في طريق نجاح الفتيات فإن المدارس ستصبح ليس فقط مكاناً للعدالة، وإنما بيئة مناسبة لزيادة عدد الأفراد القادرين على تحقيق ذواتهم، ومن هنا فإن الفائدة ستعم المجتمع بأسره. ولعل مناقشة أهم المبادئ التي ترتكز إليها هذه النظرية يعين في التعرف على أهم منطلقاتها وهي:

· يرى متبنو هذه النظرية من أمثال ميرا سادكر Myra Sadker، ودافيد سادكر David Sadker، وروبرت هول Robert Hall أن الخصائص النسوية الملاحظة ليست سمات طبيعية ً للأنوثة ولكنها نتيجة للتربية الدونية التي تخضع لها النساء فهن يتعلمن منذ بدايات الطفولة المبكرة أن ينظرن لأنفسهن على أنهن ضعيفات لا حول لهن ولا قوة، وأن يقسن قدرتهن في ضوء قدرات الآخرين، ومن خلال الأسرة والمدرسة والمجتمع بأسره تتعلم الفتيات سلوك رفض الذات. وتقوم صور وسائل الإعلان على تعزيز الرسالة بأن للنساء دوراً تكميلياً تجميلياً وليس دوراً نشطاً فاعلاً. كما أن السلبية passivity التي تظهرها الفتيات والتردد hesitancy إنما هما نتيجة مباشرة لكيفية التعامل معهن في مراحل سابقة (Thompson 2003) .

· لو كان الآباء يتوقعون من بناتهم كما يتوقعون من أبنائهم ولو كان المعلمون يسألون الفتيات أسئلة صعبة ومتحدية كما يفعلون مع الفتيان فإن سلوك التشكك وتهميش الذات سوف يختفي، ويقدم أصحاب هذه النظرية الأدلة الداعمة ويرددون مقولة "عامل الفتاة على أنها فرد عقلاني، وسوف تثبت لك بأنها تمتلك الذكاء والاستقلالية، والثقة بالذات، والقدرة على الإبداع كالفتى تماماً".( م.س )

إن التنظير المرتبط بنظرية التطبيع الاجتماعي كما يؤكد سادكر وسادكر (Sadker & Sadker , 1997) لا يتعرض للفوارق الجنوسية بين الذكور والإناث لأنهم يعتبرون الأنوثة وسائر أشكال الاختلاف أثر مصطنع ومجرد ناتج من نواتج التعامل غير المتساوي مع الفتيات، ويركز التنظير المرتبط بها على ما ينقص النساء وليس على ما يميز الرجال.

ويمكن للمرء أن يتساءل هنا ما أشكال التدخلات التربوية التي يقترحها متبنو هذه النظرية- مناوأة التطبيع الاجتماعي- لتمكين المرأة؟

يؤكد منظرو هذا المنحى أن التمكين لا ينتهي عند عقد ورشات في العلوم والرياضيات للفتيات، أو عند دعوة بعض الشخصيات النسوية لزيارة المدارس، ولكن التمكين التربوي في إطار هذه النظرية يعني كما يشير تومبسون (Thopmson,2003) أن يعامل أولياء الأمور والقائمون على النظام التربوي كافة الفتيات بنفس الطريقة التي يعاملون بها الفتيات ولا يعني هذا مجرد إن يمتلك الوالدان والمعلمون الرغبة في التعامل المتساوي مع الأفراد من كلا الجنسين، ولكن عليهم أن يتخطوا -هم أنفسهم- إدراكاتهم القائمة على التطبيع حول كيفية التعامل مع الطلبة من الجنسين.

ويقوم التمكين في إطار هذه النظرية على ضرورة وجود كتب مدرسية ومواد تعليمية مساندة ووسائط تعليمية تتعامل مع الفتيات بطرق ذات معنى لأن جهود المعلمين في تقديم منهاج عادل ستبدو جهوداً متحيزة للإناث إذا لم يرافقها بيئة تعليمية تتكامل كل عناصرها لتحقيق الأثر المطلوب.

ويتضمن التمكين وفق هذه النظرية (Miller, 1993) إعادة النظر في التحيز ضد المرأة في الإعلام، وفي الصفوف المدرسية، وفي تمويل البرامج المدرسية وفي كيفية إبراز صورة المرأة في الكتب المدرسية وفي المنهاج ككل لتمنح الفتيات نفس الفرص ونفس الخبرات التي تعطى للفتيان.


ونختم بأهم إسهامات هذه النظرية في مجال تمكين المرأة وهي:

· إعادة النظر في قضية انضمام الفتيات لفروع معرفية معنية إذ أنها تقلل من أهمية الادعاءات بأن الفتيات ليس لديهن الاهتمامات أو القدرات لدراسة العلوم أو الرياضيات .

· إن سياسات الإصلاح الناجمة عن النقاشات المستندة إلى نظرية التطبيع الاجتماعي ساهمت في إعادة النظر في اللاإنصاف المؤسسي طويل الأمد في بعض الأنظمة التربوية .

· الإصرار على معايير محايدة جنوسياً، كما ساهمت هذه النظرية في تقديم تحدٍ جادٍ حول مساهمات النساء في مجتمعاتهن ليس على مستوى المدرسة فقط، وإنما في الإطار المجتمعي العريض .

2- نظرية الفوارق الجنوسية Gender Differences Theory

يرى أصحاب هذه النظرية أن الفوارق بين الجنسين أمر هام يجب الإقرار به في النظام التربوي،وإنه من الخير للنظام التربوي بدلاً من أن يطبع الفتيات ليصبحن مثل الفتيان أن يرفع من قيمة الخصائص المرتبطة بالإناث، وهم يؤكدون (Humm 1989, Thomspon , 2003) أن المشكلة التربوية للفتيات تكمن في انخفاض درجة الانسجام بين ثقافة المدرسة والثقافة الأنثوية، ولعلنا نضيف أن إحساس الفتيات بالغربة وعدم القدرة على التكيف يخلق للفتيات وضعاً لا يجدن فيه معنى لعالمهن، مما قد يتسبب في سلبيتهن وعدم مشاركتهن في مجتمعاتهن. أما الأسس والمبادئ التي تقوم عليها هذه النظرية وفق ما يشير إليه منظروها فهي:

· إن النساء يمكن أن يكن مساويات للرجال دون أن يكن شبيهات لهم وإن علينا أن نحترم التنوع في الطبيعة الإنسانية للذكور والإناث و أن نأخذ قيم النساء كقيم مستقلة و موازية في الأهمية لقيم الرجال وأنها تنبع من الإنجاز النسوي والهوية النسوية.

· على الرغم من اتفاق منظري هذا المنحى مع منظري التطبيع الاجتماعي إلا أن تومبسون (Thompson,2003) يشير إلى قضية هامة وهي : أن النساء يجب أن لا يميز ضدهن في المجال العام، وهذا لا يعني أن النساء يجب أن يعاملن على أنهن نظائر الرجال، وإنما يعني أن لا يعامل اختلاف النساء عن الرجال كقاعدة للتميز، فتهميش مهارات ومعرفة النساء شكل من أشكال التمييز ضدهن.

· إن من المهم ليس مجرد الإشارة إلى وجود قيم نسوية بل إدراك أهمية تلك القيم التي أهملت لارتباطها بالنساء.

ولعل التأمل في أشكال التدخلات التربوية التي يقدمها متبنو هذه النظرية يوضح الفوارق في تصورات التمكين من هذا المنظور عن الذي سبقه والتي يمكن أن نجملها فيما يلي:

· إن القيم التي يعلى من شأنها، ويلتزم بها في السياقات المدرسية الحالية هي التنافسية والفردية والتغلب على الآخرين. لذا فإن من المهم أن نجعل المدارس أماكن لتجد فيها الفتيات معنى لعالمهن،فما تحتاجه الفتيات ليس تعليماً محايداً جنوسياً - كما في نظرية التطبيع الاجتماعي- وإنما تعليم ذو حساسية جنوسية Gender-Sensitive Education يتوجه نحو قيم العالم الخاص للفتيات.

· قد يختلف منظرو هذا المنحى حول ما الذي يجب أن يتضمنه التعليم ذو الحساسية الجنوسية ولكن بعضهم يشير إلى توجهات ترتكز على طرق النساء في الحصول على المعرفة إذ يؤكدون أنها ليست أقل أو أفضل من طرق الرجال ولكنها غالباً ما تختلف في الوصول إلى نفس النتاجات التي يصل إليها الذكور.

· يرى أصحاب هذا المنحى بما فيهم جيليجان Gilligan(م.س) إن الأمر الجوهري في التمكين ليس في الاهتمام بنمط تعلم الفتيات أو في طرق بنائهن للمعرفة، و إنما هو صراع الفتيات بين توجههن لخصائصهن الحقيقية وبين التوقعات التقليدية التي تتعلق بالإناث وتفرض عليهن، فحينما تتعلم الفتيات أنه لكي ’يحترمن في مجتمعاتهن فإن عليهن أن يكبتن غضبهن وأن لا يعبرن عن أي رفض قد يشعرن به، فإن هذا يعني أن إحساسهن بخبراتهن ليس مهماً بل إن عليهن أن يكن لطيفات دوماً. ويرى هؤلاء المنظرون أنه لكي نستعيد إحساس الفتيات بذواتهن كأفراد قادرين فإننا نحتاج إلى أدوار نسوية نموذجية.

· لتمكين الفتيات لا بد أن تتضمن البرامج المدرسية عواطف الفتيات واتجاهاتهن و ارتباطاتهن و اهتماماتهن و مسؤولياتهن القائمة على خبراتهن.

· التمكين في التعليم لا يتحقق في تلبية حاجات الفتيات الخاصة بهن، وإنما استجابة لحاجات المجتمع برمته وهم يرون أن تركيز المنهاج التقليدي على المعرفة المجردة يجب أن يتغير نحو التركيز على الفوارق الجنوسية.

· المدرسة الناجحة للفتيات لا يجب أن تنمذج وفق ما يتماشى مع الذكور، وبدلاً من أخذ القيم الذكورية على أنها مسلمات تخص الجنسين، فإن الخصائص المرتبطة بالإناث مهمة وتساوي في أهميتها الخصائص الذكورية (Miller, 1993) .

ولعل من أهم إسهامات هذه النظرية إعطاء الاهتمام للخصائص النسوية وتسليط الضوء عليها كمحور هام يمكن أن يبنى عليه لتمكين المرأة،وكذلك النظر إلى وظيفة النظام التربوي على أنها التعرف إلى القيم النسوية بالإضافة إلى النظم القيمية الذكورية ليكونا أساساً للمنهاج.

3- النظرية البنيوية Structural Theory

تنطلق هذه النظرية من تركز القوة والامتيازات في أيدي الأقلية ويرى متبنو هذه النظرية (Thompson, 2003) أن السلطة هي ممارسة تسلطية تمارسها مجموعة قليلة على الأكثرية وهم يرون أن السلطة نوع من التملك من خلال القانون والمعايير والممارسات، ويبحثون في كل أنواع اللاعدالة سواء أكانت الجنوسة أم أنواعاً أخرى من اللاعدالة.

أما أهم المبادئ التي تقوم عليها هذه النظرية فهي:

إن إقصاء مجموعات من المجتمع هو أمر مهم لا بد أن يفهم بعمق لأن التاريخ السائد يركز على القادة السياسيين والعسكريين كما يركز على الأفراد الذين يمجدهم الاتجاه العام، بينما الأفراد الذين يمثلون الاتجاه الخاص مثل الخدم والعبيد وأولئك الذين لم يقدموا إنجازات سجلها التاريخ فإنه يتم إقصاؤهم، لذا فإن معايير الفروع المعرفية التي يدرسها الطلبة تمنعهم من أن يروا معظم الناس من السود، والنساء البيض، ومعظم أفراد الطبقة العاملة على أنهم قاموا بمساهمات ذات معنى لصنع التاريخ.

ثمة أنماط من الإقصاء على أساس النوع الاجتماعي Gender، أو الجنس البشري Race، أو على أساس الطبقة الاجتماعية Class،لذا فإن من الصعب على الأفراد التعرف على شكل آخر يتمثل في المساهمة الجمعية ويرى متبنو هذا المنحى أن ثمة حاجات للاستقصاء الدقيق المستند إلى النظريات لنتمكن من التساؤل حول كفاية التفسيرات الشائعة حول إقصاء مجموعات بعينها.

إن الاضطهاد لبعض فئات المجتمع يخدم مصالح أشخاص آخرين، فعندما تتفوق مجموعة تتسم بالتبعية على مجموعة تسيطر عليها تبدأ بإعادة النظر في المعايير، فحينما تتفوق الفتيات ويأخذن معدلات أعلى تبرز قضايا مثل: أسس النجاح، وقد تثار عوائق لتحد من تقدم الفتيات في مجال التعليم وقد يبحث في الامتحانات نفسها ومدى شرعيتها. وإذا كان المجتمع سيستفيد من حدوث تغير في مكانة النساء. ويقدم لنا Thompson مثالاً حول ذلك فهو يرى أن فكرة أن البيت هو المكان الطبيعي للمرأة هي فكرة شائعة ثقافياً وتاريخياً، ولكن يتم التغاضي عنها بسهولة في أمريكا، مثلاً إذا كان هناك نقص في العمال وحاجة لأيدي عاملة وليس اعترافاً بقدرات المرأة.

أما أهم أشكال التمكين والتدخلات التربوية التي يقترحها منظرو هذا المنحى فهي:

· علينا أن نفهم الاضطهاد قبل أن نحاول تغييره، ومن هنا فإن التعلم الليبرالي والمنهاج النظير وتعريف الطلاب بالنظريات النقدية هي أساليب تزودهم بأدوات تثير الوعي لتمكين الطلاب من تحليل الجنوسة وأنماط التفاعلات الصفية في ضوء المصالح التي تخدمها.

· إن المنحى البنيوي وليس الأيديولوجية الشائعة هي التي تمكن من تطوير الإطار العام لثقافة معارضة تستطيع أن تقف في وجه الثقافة السائدة ويقوم هذا المنحى على تعريف الطلاب بنظريات بديلة تتحدى الواقع من مثل النظرية النسوية الماركسية والراديكالية النسوية (Key Concepts in Cultural Theory, 2002) وغيرها فإنهم يكتسبون الأدوات ليستخدموها في تحدي علاقات القوة، ثم يستطيعون أن يتفحصوا التناقضات في خبرتهم الخاصة ويجابهوا العلاقات التي تكتنف الأيديولوجية السائدة والوصول للخبرة الحقيقية.

· يمكن أن يقدم للطلبة برامج حول دراسات المرأة ولكنها لا تهدف فقط لتصحيح الثقافة السائدة ولكن لجعل الطلبة يتأملون في نصوص تركز على المرأة وفي تحليلات تزودهم بمنظور بديل غني ومتطور حول علاقات القوة السائدة وأن يسعوا نحو فهم مواقف النساء من خلال أدوات تتولد من خبرة النساء أنفسهن.

4- النظرية التفكيكية (الهدمية) Deconstructive Theory

تختلف هذه النظرية عن سابقاتها في المنطلق الرئيسي الذي تنطلق منه، فبينما يأخذ التحليل المنبثق من النظرية البنيوية البنى التي تخدمها علاقات القوة على أنها ثابتة (مثل المجتمع الأبوي، أو قضية الجنس الأبيض)، يرفض متبنو النظرية الهدمية هذه البناءات،و يعيبون على أصحاب نظرية التطبيع الاجتماعي أنهم يعملون في نظام بطركي ويحاولون أن يغيروه، بل إن منظري النظرية التفكيكية يرون أنه لتحدي المجتمع ألبطركي على المرء أن يكون خارجه وحينها يصبح من الممكن وجود ما يسمح ببناء معانٍ جديدة.

أما أهم المبادئ التي ترتكز إليها هذه النظرية فهي:

· التعامل مع البنى المجتمعية بالكثير من الارتياب بل أن المنطلق الرئيسي الذي تقوم عليه هذه النظرية كما يوضح Thompson هو رفض فكرة أن بنية معينةً على شاكلة معينة هي أمر طبيعي، لذا فإن وجود مثل تلك البنى على نحو معين واعتبار ذلك أمراً بديهيا هو ما ترفضه النظرية الهدمية.

· إن الادعاءات حول الهوية يمكن أن تفهم من خلال شبكة من المرجعيات حول نقيض الشيء، ومن خلال التركيز على الأنظمة الرمزية المختلفة لصنع المعنى ومن هنا فمتبنو هذه النظرية (Humm, 1989) يرون أن الثنائيات التي تؤطر ما نأخذه على أنه طرق حتمية في وصف خبرتنا يمكن أن نثبت أنها ليست إلا جزء من معرفتنا حول الجنوسة أو الفوارق الجنوسية.ونلحظ مما تقدم أن هذه النظرية تأخذنا بعيداً عن الأسئلة الجوهرية السائدة حول المشاركة المجتمعية للمرأة وغيرها مما تطرحه الحركات النسوية .

· حيث أن عاداتنا وتوقعاتنا تنظم ما نرى وكيف نراه فإن إعادة النظر في البنى المجتمعية تفسح المجال لإيجاد بنى جديدة.

وفيما يتعلق بالتدخلات التربوية وأشكال التمكين من خلال النظرية التفكيكية ( الهدمية) كما يقدمها متبنو النظرية (م.س) فهي:

· تستند التدخلات التربوية في هذه النظرية إلى تعطيل المعطيات التي ’تؤخذ كمسلمات حول الجنوسة،و الجنس البشري، والطبقة وقد يستخدم أصحاب هذه النظرية فكرة إعادة تسمية المألوف لجعله غير مألوف، أو يغيرون النظام المتوقع للأشياء، أو قد يستخدمون تشبيهات لخطابات شائعة تسبب الصدمة، أو يعيدون قراءة المألوف بعدسات مختلفة، أو يستخرجون معنى جديداً من كلمات قديمة، ويلجأ بعض المنظرين إلى استخدام ظلال المعاني لإيجاد معنى مناقض.

· استخدام نصوص بديلة وممارسات تفسيرية، أما الممارسات الصفية Classroom Practices فهي تقوم على إعادة تعريف التربية على أنها مشروع يُعطي الاستجابية الأنثوية، والمعرفة الحدسية النسوية اهتماماً مركزياً.

إن تركيز المدرسة التفكيكية ( الهدمية) ينصب على النصوص والخطابات التي تساعد في تنظيم المعرفة في التساؤل حول كيف نقاد لقبول أوضاع وعلاقات معينة على أنها أمر طبيعي معتاد!

ومن إسهامات هذه النظرية توضيح التناقضات الظاهرية Paradox، والتناقض Contradiction، والمبالغات Exaggeration و القراءة ما بين السطور للخطاب الذي تستخدمه آليات الاضطهاد و الممارسات الاضطهادية Oppressive Practices،وهي تسلط الضوء على آليات الاضطهاد النسوي السائدة ضمن المجتمعات.

ج- منظورات التمكين

نبحث في هذا الجزء من هذه الدراسة في التمكين من منظورات مختلفة و نستهله بالتمكين من منظور المنظمات الدولية. ويستهدف الاستقصاء في هذا الجزء مزيدًا من الإيضاح لمفهوم التمكين من خلال مقارنة نقدية حول الافتراضات التي تقوم عليها هذه المنظورات، والأهداف التي تتبناها، ورؤيتها لتصحيح وتعزيز مكانة المرأة.

صفحة 10

التمكين كمنحى للتنمية النسوية، منظور المنظمات الدولية

إن المتأمل لمنظور المنظمات الدولية حيال تمكين المرأة يلحظ الاهتمام الدولي بالمرأة، إذ تعتبرها دافيس ( 1998 Davis, ) حارسة الثقافة، فهي التي تتحمل مسؤولية بث الثقافة لأطفالها وبناء البيت وفق نمط ثقافي معين. وعلى ذلك تعتبر عملية إثارة وعيها لكثير من المتغيرات المجتمعية، وتدريبها على مواصلة الوعي النقدي لظروفها وخياراتها وحاجاتها أمرا مهما. لذا نلحظ إقامة المؤتمرات والندوات والمشاغل التدريبية حول تمكين المرأة،مثل المؤتمر الذي عقدته رابطة تطوير النساء في واشنطن عام 1979 والذي اتخذ من فكرة التمكين محوراً لمناقشاته.

ولكننا لو عدنا إلى بدايات القرن العشرين فسنجد وعياً يسترعي الاهتمام لحقوق المرأة حيث أن قضية المساواة بين الجنسين أشير إليها للمرة الأولى في ميثاق عصبة الأمم عام (1919)، (كديور،200)، ولقد تقرر حينها ضرورة توفير ظروف عادلة لعمل الرجال والنساء والأطفال. ولكن بعد تأسيس الأمم المتحدة عقب الحرب العلمية الثانية نال هذا الموضوع الأهمية التي يستحقها من المنظمة الدولية ووردت في ميثاق الأمم المتحدة – بوصفه أول وثيقة دولية-قضية المساواة بين المرأة والرجل. وفي عام 1946 قرر المجلس الاقتصادي الاجتماعي في الأمم المتحدة أن يؤسس هيئة تحسين مكانة المرأة وبقرار حزيران 1946 أقر أن لتلك الهيئة وظيفتين هما:تقديم توصيات وتقارير للمجلس الاقتصادي الاجتماعي حول تعزيز حقوق النساء في المجالات السياسية والاقتصادية و المدنية والاجتماعية والتربوية. وكذلك تقديم توصيات حول المشاكل الطارئة التي تحتاج اهتماما خاصا في حقل حقوق النساء.

(The UN And The Advancement of Women 1975-1996, 1996)

وتوضح ناصر (2002)، أبعاد تبني المنظومة الدولية عام 1979 ما يعتبر إعلانًا عالميًا لحقوق المرأة وهو اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة والتي استندت إلى جذور قانونية في مختلف الإعلانات والعهود والاتفاقيات الدولية التي أعدتها الأمم المتحدة التي دعت إلى مكافحة التمييز ضد المرأة في كافة الميادين السياسية، والمدنية، والاجتماعية، والاقتصادية واستمدت نصوصها منها. ونستطيع أن نستنتج أن تلك الاتفاقية قد حركت الوعي لدى المنظمات والهيئات النسائية في أرجاء العالم نحو تكثيف الجهد من خلال استنهاض المجتمعات على المستويات كافة للشروع في مساعدة النساء في تحقيق ذواتهن ومشاركتهن الفاعلة في مجتمعاتهن المحلية وفي المجتمع الإنساني الكبير. وفي حزيران من عام 1993 طور المؤتمر العالمي لحقوق الإنسان خطة العمل الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان لتشمل كافة التجاوزات القائمة على أساس الجنوسة "وقد ورد في إعلان فينا،في الوثيقة الختامية للمؤتمر تحديداً، أمثلة على التمييز المتعلق بالجندر باعتبارها تشكل انتهاكات لحقوق الإنسان" (م.س) ودعت إلى تضافر وتكثيف الجهد لتامين الحقوق الإنسانية للمرأة في جميع أنشطة الأمم المتحدة.

أما أهم تلك الافتراضات التي يقوم عليها مفهوم تمكين المرأة من منظور المنظمات الدولية فهي :

· لن يحدث تحول اجتماعي في المجتمعات الإنسانية حتى يتعلم كل مجتمع كيف يتبنى قيما جديدة ويعمل على صياغة علاقات بين الجنسين تقوم على المساواة والمسؤولية التشاركية، والاحترام المتبادل.

· على الرغم من أن هناك اعترافا رسميا بحقوق النساء وقبولا شرعيا لمساواة النساء مع الرجال فإن البيانات المكثفة التي تم جمعها من خلال الأمم المتحدة تثبت أن النساء ما زلن يواجهن التمييز والتهميش، وما زالت هناك فجوة بين ما يجب أن يكون وفق القانون والسياسة وبين ما هو قائم فعلا.

· على الأمم المتحدة والدول الأعضاء فيها وشركائهم في المجتمع المدني أن يركزوا على كيفية تفعيل التطبيق العملي لبرامج تهدف إلى تحسين الحياة اليومية للنساء.

· أن النساء في العالم الثالث قد يشاركن في خلق معيقات للتنمية النسوية، ومن هنا يرى المنظرون لهذا المنحنى "ضرورة التعبئة الجماعية لزيادة الوعي لدى النساء للتغلب على حالات التمييز في النوع الاجتماعي في المؤسسات.

· لا يُُكتفى ضمن هذا المنظور بالسعي لمزيد من التعليم من أجل التقدم وإنما لا بد من محاولة "إنهاء التفرقة العنصرية ضد البنات في النظام المدرسي والوظيفي وفي هذا تلبية لاحتياجات النوع الإستراتيجية بطريقة مباشرة من خلال تعبئة كاملة لتلبية الاحتياجات العملية للنوع الاجتماعي (صندوق الأمم المتحدة الإنمائي للمرأة،،12,2000) ومما سبق تتضح لنا أهمية الأخذ بهذه الافتراضات لدى استقصاء واقع التمكين النسوي في مجتمعات إنسانية متباينة

ويمكن للمرء أن يتساءل عن منطلقات تمكين المرأة من منظور المنظمات الدولية ليجد أنه ينبثق من " عملية زيادة وعي النساء عن طريق توفير الوسائل الثقافية، التعليمية والمادية حتى يتمكن الأفراد من المشاركة في اتخاذ القرار والتحكم في الموارد التي تعنيهم." (م.س ).

ويتضح من خلال وثائق الأمم المتحدة أن التمكين كمنحى تنموي مدخل حديث مصوغ من نساء العالم الثالث وأنه يتفادى الربط بالحركة النسوية الغربية وأنه يهدف إلى تمكين المرأة من خلال اعتمادها على ذاتها من خلال الثقافة والتعليم والعمل والتوظيف.

مما سبق نلحظ اتساع الآفاق الإنسانية لهذا المنظور، وتنوع الاستراتيجيات التي يسعى لاستثمارها. ونشير فيما يأتي إلى جملة من الأهداف التي يسعى لتحقيقها:

· توليد الوعي هدف محوري رئيس، إذ أن إثارة وتوليد الوعي لدى أفراد المجتمع كافة بمواضيع وقضايا الجنوسة وكل ما يرتبط بها من متغيرات تؤثر عليه ويتأثر بها يعتبر نقطة الانطلاق نحو التمكين.

· للشروع بإثارة الوعي لابد من تحليل العوامل التي تكرس الوضع الدوني للمرأة عن طريق التدريب لتمكين كل المدافعين عن حقوق المرأة من التواصل مع بقية أفراد المجتمع.

· بما أن معاناة المرأة في مجتمعات العالم الثالث تنتج عن عوامل تتباين عن تلك التي في البلدان المتقدمة بحكم اختلاف السياق التاريخي والظروف المجتمعية والاقتصادية،لذا يمكن أن يكون تشكيل الوعي بهذه العوامل بداية التمكين ويشكل العمل على تنظيم جهود النساء وإكسابهن مهارات الوعي النقدي الذي يسبق المبادرة أمراً في غاية الأهمية.

· العمل على تحريك الجماعات النسائية حول البرامج التنموية للتأكد من أن النساء يمارسن سيطرة كافية ومعاملة متساوية كمشاركات وكمستفيدات.