صفحة 1
بسم الله الرحمن الرحيم
أبصرت طريقا ثم أضعته، فكأنما شيء من خيال جال في خاطري فطاف بي لأتبعه، بيد أن الحقيقة تنأى وأنا سائر جوّاب أحلام···
وإذا بي أصل إلى رجل ساجد في خشوع تام···· طال سجوده حتى ظننت أنه لا يقوم، ثم اعتدل من سجوده جالسا، فبدا لي وكأنه قد ملأ الأفق لدى استوائه· وصغرت الفلاة من حولنا على سعتها· عجبت لما رأيت· ثم سلم الرجل وحيث همس بالسلام عليكم تحركت الرمال عصفا، يمينا ثم يسارا، وما أَنْ هاجت الأرض لسلامه حتى سكنت، وكأن شيئا لم يحركها !
جلل الخوف قلبي لما رأيت من أمره، فلزمت مكاني· التفت نحوي ثم قال: قم معي لِنُصلِّ على الميت·
تلعثمت بالرد، واختلف علي ما ذكر فسألته: وأي ميت؟
فلم أكن أرى سواه، وحسبتني الميت لشدة ما بي من خوف·
أجاب: ها هوذا! مشيرا إلى نعش كان أمامه، قد لُفَّ صاحبه بقماش أخضر اللون طُرِّز بآيات من كتاب الله· قلت: رحمه الله! ثم قمنا نصلي عليه· وما كدت أحرك رأسي للسلام يمينا، حتى غاب النعش من أمامي ! سألت الرجل: أين النعش؟
أجاب: مالك تسأل عن مصير النعوش، أََوَشَكّاً في وجهتها؟ لم أنبس بحرف، أردف: صار إلى هذا··· ثم أخذ حفنة تراب وقال: أتحسب أنك في حلم؟ هذه هي الحقيقة! ورماني بقبضة التراب وهو يضحك ·قلت: حسبك يا أخي قد روعتني!
قال: أما يكون الأجدى أن يروعك طول اجتراحك السيئات!
أفقت من منامي هذا وأنا أردد عاليا: طول اجتراحي السيئات·· طول اجتراحي السيئات···· دخل علي أخي، فقد أيقظه صوتي وسأل: مابك؟ قلت: هو حلم ···حلم··· عد إلى نومك · بقيت هنيهة ثم قمت أبحث عن ماء أشربه، وأنا أحدث نفسي بأن ما رأيت ما كان إلا حلما· عندما عدت إلى فراشي جلست على طرفه أفكر، وإذ بي أسيّر يدا من فوق الفراش لأجد جانبا منه قد تناثر عليه تراب!!····
صفحة 2
لم أعد إلى نومي· وعزمت على مراقبة نفسي حتى أعرف
كيف طال اجتراحي للسيئات وأنا أحسب نفسي من الناجين؟!
كان اليوم هو يوم عرسي·
في الصباح مر علي أخي، فوجدني على حالي جالسا على طرف الفراش، سأل مبتسما: كيف عريسنا؟ هل أقلق نومك التفكر في يومك؟ هززت رأسي ولم أخبره بالحلم· تركني فعمدت إلى شيخ الجامع في مدينتنا، عله يسعف حيرتي ويسكت تساؤلي، سلّمت ثم سألت: كيف آمن على نفسي من اجتراح السيئات؟
أجاب: ماهذه المشاغل في يوم عرسك ياولدي؟ إن في زواجك عصمة لك من السيئات··· قلت في نفسي: سبحان الله! وأصلّي خلف هذا منذ سنين! فقد أتعسني الرد، وأظهر لي من بلادة جوابه مالم أكن أعرفه عن شيخنا من قبل· قلت له: يا شيخ إن العصمة من السيئات لا تكون بالزواج ! ولكني آثرت متابعة الصلاة في مسجده دون غيره، لأنه كان صديقاً لأبي، وكي لا أكسر خاطره تحسبا لثواب الله، بعدما عرفت ما عرفت من طول اجتراحي للسيئات·تركته وسرت إلى حيث يسير العريس في يوم عرسه····
مضى يوم الحفل بأحسن حال، وأنا ساكن صامت· صار رفقائي يمازحونني عن سبب صمتي وإظهار همي بما يذكر، وما لا يذكر··· بعدها دخلت إلى العروس، لأجدها في كامل الزينة والبهجة، وجلسنا نتسامر· تحدثت إلي زوجتي بحديث عرفت منه أنني قد عقدت على امرأة حمقاء، فأخذت على نفسي عهدا أن أصبر عليها عل ذلك يشفع لي عند ربي، بعد طول اجتراحي السيئات·
لعلكم حسبتم أن الجلوس إلى حديث الحمقى شيء محتمل·
أقول لكم إن جلوس أصحاب الأخدود على النار قد يقصر،
على حين تطول الحياة مع بليد···
وطالت الحياة···ومرت السنون··· وما زلت أجهل كيف يكون اجتراحي للسيئات، وأنا لا أعلم·
صفحة 3
أكرمني الله، فولدت لي زوجتي أربعة أولاد قبل انقضاء الستة أعوام الأولى من زواجنا، وقد بدت عليهم جميعا بشائر الحماقة مبكرا· احتسبتُ عند الله الثواب، وعظم بلائي، ولكن ذلك لم يلو عزمي على البقاء مع زوجتي، التي أفسدت علي عمري· والعجب أنني كنت عليها محسودا· كما أنها قد ورثت عن أبيها حظيرة أبقار، وعن أمها ذهباً كثيراً· سمنت أبنائي الأربعة بعطاء الأبقار، ولمع ذهب أمها من حول عنقها الوافر، وأخذت تدب في الأرض بخلاخل عظيمة صنعت لها وهي تجول في بيتنا·
كنت رجلا باراً بأهله، واصلا لرحمه، قائما على زوجتي وأولادي، وحسبت أنني قد قدمت لنفسي خيرا، ولزمت مرضاة ربي·
ذات ليلة وبينما أنا نائم ، إذا بي أرى الحلم نفسه ! فقمت مفزوعا أردد: >طول اجتراحي السيئات مرارا · تمالكت نفسي بعد زمن وفكرت في أخي رحمه الله ، وأنا أنظر إلى زوجتي وهي في سبات عميق جواري، جعلت أنفض التراب عنها وهي لا تزال نائمة قلت هنأها الله بنومها، فقد عدمت الهناء مذ تزوجتها· كان قد مضى على زواجنا أكثر من سبعة عشر عاما، عندما خرجت من الدار في تلك الليلة، بعد أن قبلت أبنائي الأربعة دون أن ينتبهوا إلى سقوط عبرات الحزن على وجناتهم الوافرة، أو يحركوا ساكنا، ثم ذهبت إلى غير عودة إن شاء الله·
وزهدت فيما يحسد عليه البشر· الأبناء والزوجة والذهب والأبقار وكل تجارتي، طالبا رحمة ربي·
مررت على مدائن وقرى، جبت أودية وقطعت صحارى أسأل عن حكيم، أو عالم، أو شيخ ، لم أجد من يشفيني فما أن أصل إلى مكان حتى يقال لي: من تبحث عنه قد ذهب إلى الحج، أو سافر في تجارة ،أو مضى إلى وجهة ما···أو مات!
فكرت أنني لم أكن قد اجتزت بحرا بعد، قلت علي بالبحر، صوبت النية نحوه وطلبت من يحملني على سفينة تأخذني··· هناك··· سألني رجل بتعجب: هناك؟! قلت بعزم: نعم، هناك ! قال:
تقصد··· وذكر لي مكاناً· أجبته: هو المكان، قال: إذاً مركبك العطاء، ستبحر اليوم بل لعلها الساعة، اذهب وقل للقبطان مراد، إن أخاه حامداً قد بعثك إليه·
دعوت الله له بالعافية والستر، وسرت حيث دلني مطمئن البال، سألت عن سفينة العطاء، والقبطان مراد، فوجهني رجل إلى مركب صغير بدا لي من حالِهِ كأن البحر قد لفظه لرثاثة هيئته·
كنت رجلا باراً بأهله، واصلا لرحمه، قائما على زوجتي وأولادي، وحسبت أنني قد قدمت لنفسي خيرا، ولزمت مرضاة ربي·
ذات ليلة وبينما أنا نائم ، إذا بي أرى الحلم نفسه ! فقمت مفزوعا أردد: >طول اجتراحي السيئات مرارا · تمالكت نفسي بعد زمن وفكرت في أخي رحمه الله ، وأنا أنظر إلى زوجتي وهي في سبات عميق جواري، جعلت أنفض التراب عنها وهي لا تزال نائمة قلت هنأها الله بنومها، فقد عدمت الهناء مذ تزوجتها· كان قد مضى على زواجنا أكثر من سبعة عشر عاما، عندما خرجت من الدار في تلك الليلة، بعد أن قبلت أبنائي الأربعة دون أن ينتبهوا إلى سقوط عبرات الحزن على وجناتهم الوافرة، أو يحركوا ساكنا، ثم ذهبت إلى غير عودة إن شاء الله·
وزهدت فيما يحسد عليه البشر· الأبناء والزوجة والذهب والأبقار وكل تجارتي، طالبا رحمة ربي·
مررت على مدائن وقرى، جبت أودية وقطعت صحارى أسأل عن حكيم، أو عالم، أو شيخ ، لم أجد من يشفيني فما أن أصل إلى مكان حتى يقال لي: من تبحث عنه قد ذهب إلى الحج، أو سافر في تجارة ،أو مضى إلى وجهة ما···أو مات!
فكرت أنني لم أكن قد اجتزت بحرا بعد، قلت علي بالبحر، صوبت النية نحوه وطلبت من يحملني على سفينة تأخذني··· هناك··· سألني رجل بتعجب: هناك؟! قلت بعزم: نعم، هناك ! قال:
تقصد··· وذكر لي مكاناً· أجبته: هو المكان، قال: إذاً مركبك العطاء، ستبحر اليوم بل لعلها الساعة، اذهب وقل للقبطان مراد، إن أخاه حامداً قد بعثك إليه·
دعوت الله له بالعافية والستر، وسرت حيث دلني مطمئن البال، سألت عن سفينة العطاء، والقبطان مراد، فوجهني رجل إلى مركب صغير بدا لي من حالِهِ كأن البحر قد لفظه لرثاثة هيئته·
صفحة 4
ناديت وأنا أضحك: هنا يكون العطاء!؟ ···هنا العطاء!؟ لم أتمالك نفسي وثنى عودي هجمة الضحك علي·
بدا رجل فوق ظهرالمركب فسألته: أأنت مراد؟ وعدت إلى الضحك ثانية· فكرت: لو أنني خرجت من داري تاركا أهلي، لكي أصل إلى هذا المكان الذي فيه غشيت بضحك كهذا لكفاني···· سأل الرجل: ومن السائل؟
أجبت بعد أن تمالكت نفسي: فارس آل رخوان·
صار الرجل يضحك · قلت متعجبا: مابك يا رجل هذا اسمي واسم أهلي ؟ أردف: ومن الذي سمّاكَ غريم أم حاقد؟ قلت: أبي! قال: والله على مثل هذه الأسماء لا يحسد المرء؟
يا فارس أين فرسك؟ وزاد ضحكا··· قلت ساخرا: وعلى مثل هذه السفن لا يحسد المرء؟ ابتسم الرجل قائلا: ما الذي تريده يا أخي···فارس أين فرسك؟ أجبته وقد وليت مدبرا: الله الغني! نادى الرجل: ··· عن العطاء!
تركته وسفينتة غاضبا، و بينما أنا سائر خطر في نفسي: ··· والله إنه لجواب فطن ! وعدت إلى مراد، تعلقت بحبل وشددت نفسي حتى اعتليت ظهر العطاء وناديت مرادا الذي غاب داخل المركب· أجابني مراد: إن نداء من غير سلام أبتر كعمل من غير بسملة· ثم أضاف ضاحكا: سلم يا فارس أين فرسك؟ قلت: تهزأ بي؟ قال: لا بل باسمك ؟ قلت: ما أنا وما اسمي· قال: اسأل نفسك· أعدت عليه: أنت تهزأ بي! أجاب: وإن فعلت ! ما أنت فاعل ؟ قلت: هذا···
ولطمته لطمة وقع على إثرها وسال من رأسه الدم·
عندها خرجت من حجرة في المركب امرأة حسناء قالت: تعسا لك قتلته! وصارت تلطم وجهها وتنوح·
قلت بشغف: هو ليس بميت !
أكملت الحسناء: اعتليت العطاء تريد قتل مراد البِشر؟
قلت: والله لا أرى في مرادك هذا بِشرا···إنه حي ! ها هو ينظر إلي ···مبتسما· التفتت إليه الفتاة وقالت: فداؤك عمري ألف مرة يا مراد· فما أنا دونك إلا كلفظ دون معنى·
حدثت نفسي وقلت: سبحان الله ! ما ظننت مثل هذه تلتفت إلى مثل هذا سواء أكان حياً أم ميتا ···
صفحة 5
قال القبطان: سامحك الله يا أخي! وشفاك من ضيق نفسك وأنفة طبعك··· بينما الفتاة تطبب جرحه· قلت: أنا ذاهب·
قال مراد: ذاهب معنا إن شاء الله· سألت متعجبا: أوتأخذني معك بعد···؟ قاطعني القبطان: نعم، بعد لطم وشج··· نعم·
ثم ضحك ، والفتاة تنظر إلي بعتب·
جُهِزت السفينة للإبحار· نادى مراد بسم الله مجراها ومرساها وأطلق شراعا أحمر جعل يلوح في الهواء، ثم شد حبلا فاستقام، وصارت الرياح تُسّير مركبنا، وهو يشق طريقا في البحر بخفة وسرعة· أحسست بانشراح كبير، وأنا أتأمل السماء والبحر يتسعان أمامي كذراعين ضمتاني والمجهول، ومضينا···
لم أكن قد رأيت الفتاة مذ أن أبحرنا، ولم أكن أقدر أن أسكن عقلي عن التفكير في أمرها· بعد مرور أيام سألت صاحبي، بينما نحن نقتسم خبزا وعسلا تحت سماء صافية، ونشوة هواء البحر الطلقة، تشنف أسماعنا أصوات طيور النورس، وأمواج لطاف· قلت: يا مراد من تلك الفتاة؟ أجاب: أي فتاة؟ وجعل ينظر من حوله قلت: تلك التي رأيتها قبل إبحارنا··· ضحك مراد وصار يضرب الأرض برجله· أحسست بانزعاج ثم سكت فجأة، ونظر إلي مجيبا: والله لقد تحشمت عن هذا السؤال طويلا ! هذا جيد· هي جاريتي سُليَّى···
تابعت: لم أرها منذ ذلك اليوم ! هنا استشاط مراد غضبا، وأخذ بناصيتي، ثم حملني وألقى بي من فوق ظهر المركب، وسقطت في البحر وقبل أن يخطر إلى قلبي خوف···غمرتني المياه صرت أصرخ وأنادي: يا مراد اتق الله! يا مراد كلنا إنسان ! يا أخي هذه نزغَة شيطان وسيطول عليها ندمك إن لم تغثني !ومراد لا يجيب·
أيقنت أنه لا سبيل للنجاة في بحر بلا شطآن إلا بمركب العطاء، فصرت أسبح بكل قوتي نحوه وهو ينْأى· أحسست أنني بدأت بالغرق ، والمركب ماثل أمامي لا أقدر أن أصل إليه حتى استيأست من الحياة· وإذا بحبل من العطاء يسقط نحوي، تعلقت به حمدت الله وخطر في نفسي: أنني من غريق إلى صحبة مجنون لا ضير··· ثم سحبني مراد إلى السفينة·علوت سطح المركب، وحالي يُرثى له· نظرت إلى مراد ثم قلت له برفق: ما بك يا أخي أويفعل هذا بصاحب سفر؟ هذه والله صنيعة سوء ! سكت مراد ولم يجبني، وزاد غيظي فأضفت بصوت جهوري: لن أحلك ما حييت ، ولا حتى بعد مماتي، ولا يوم الحشر، وسترى أينا أضعف جنداً !
صفحة 6
لم يجبني مراد فصرت أصرخ: ترميني مثل صيد نتن ولا تبالي ! هنا قال مراد: أويسأل مراد عن سُليَّى؟ قلت:
لم لا؟ و يسأل رب العزة عن جنة عدن؟ أردف مراد: أوما تعلم بأنني رجل غيور؟ قلت: بل مجنون! ثم تركته و هو أبغض إنسان إلى قلبي ·
جلست في حجرتي لا أخرج منها ، إلى أن أتت ليلة قد استحال علي النوم فيها ففكرت أن أخرج إلى ظهر السفينة، لأتمتع بهواء الليل العليل، لم أقابل مرادا وحمدت ربي لذلك فقد مُلِئَتْ نفسي ضغنا عليه، جلست أنظر إلى الأفق وقد لمعت الأمواج كصفحة من حديد يتنفس من تحتها البحر، فيرفع السفينة تارة، ثم يخفضها تارة أخرى، في إيقاع ساحر أخذني، فلم أشعر بأن مرادا كان جالسا بجواري· عندما التفت نحوه ورأيته، عبست في وجهه، و نهضت تاركا له· أمسك مراد بيدي وأقعدني عنوة· كان مرادٌ رَجُلاً جسيماً، ثم سأل في غير هزل: ما الذي أغضبك مني؟ قلت: سبحان الله ! أحسبك مازحا عندما ألقيت بي إلى البحر· ولا أستحسن مزاح الثقلاء· أجاب جادا: لا لم أكن أمزح ! هنا انتفخت غيظا وقلت: يا أخي لا أريد التحدث إليك قال: أنت مخطئ، تعال معي لأريك حجرة من سألت عنها وقبل أن أتمكن من الردّ دفعني أمامه، وسرنا في سرداب ضيق إلى أن وصلنا إلى باب صغير، فتحه مراد، ودخلنا إلى غرفة لم أر في حياتي لها مثيلا، واسعة قد ملئت بشموع عطرة، غطت جدرانها بأحسن الأقمشة وأبهجها، وفرشت بسجاد بديع ووسائد وافرة، كان بها صحاف رصت فيها فواكه وأطايب متنوعة، فكأنما النعيم قد كسا المكان بكل ما لديه وزيادة·
دهشت لمِا رأيتُ ، وما أدهشني أكثر هو أن تكون مثل هذه الغرفة في مركبنا هذا على بساطته قلت: سبحان مبدع الأرض والسماء وخالق الزمان والمدى كيف توجد هذه هنا؟ ولم أسأل بالطبع عن سُليَّى التي غابت عن المكان· قال مراد: اجلس !
جلست وعيناي تجولان في أرجاء الغرفة، فرأيت عن يميني، قفصاً كبيراً مُلِئَ طيورا جميلة متعددة الألوان والأحجام كلها صامتة قلت: لعلها تكون نائمة، وعن شمالي، وجدت نولاً لحياكة السجاد قد صنع من ذهب رصع به جوهر، قمت إليه لأرى عن قرب نقش السجادة التي كانت تنسجها به، فإذا هو صور لأفراد!···· نساءٍ ورجالٍ، يرتدون ثيابا فاخرة وهم يتجولون في قصور بديعة· منهم من ظهر في بساتين خلابة، وباحات أنيقة، ومنهم من بدا وكأنه يعزف، ومن يغني، ومن يأكل من أطباق فاخرة، وهكذا· أسعدني ما رأيت من جمال و صنعة لطيفة· لفت الأجزاء التامة من تلك السجادة، فلم أتمكن من رؤيتها جميعا، لكثرة ماقد طوى منها، قلت لمراد: تحمل هذه كل صور النعيم ! أجاب: نعم، تلك صنعة سُليَّى·
جعلت أتفحص الجزء الذي ظهر لي ولم يكتمل بعد، فتنبهت بعد برهة من إعجاب ، إلى أن كل من ظهر فيها قد بدا على وجوههم علامات الحزن والأسى! سألت مرادا متعجبا: هؤلاء كلهم تعساء! كيف يكون ذلك ؟ أجابني: أنت محق، فهم سجناء· قد سجنتهم سُليَّى في نسجها···
هنا ابتعدت عن صنعة سُليَّى· وقلت: لا حول ولا قوة إلا بالله، عجبا ما تقول يا رجل أويحبس الأحياء في نسج من زينة !
قال مراد: انظر يا فارس ! وهو يشير إلى جزء من النسج فاقتربت منه بترقب وسألت: أين؟ أشار: هنا··· هذا أنت ! نظرت وإذا بصورتي لم تكتمل بعد، قد ظهرت في النسج قلت: وماالذي أتي بي هنا؟ أجاب مراد: أنت!
ثم أردف: ألم تكن تبحث عنها؟ قلت بامتعاض: وما يعني هذا الهراء! قال مراد: اسأل نفسك · فهل تَسْلو عمرك أم تحياه ؟ ثم أضاف دون أن ينتظر مني جواباً لسؤاله: انظر إلى المكاحل التي صنعتها من ريش الطيور الحبيسة وأشار إلى منضدة قد رصت عليها مكاحل لطيفة أنيقة، بعضها صنع من ذهب، وبعضها من فضة وعاج، وأخرى نحتت من الجوهر الخالص، قلت في الحال: سأطلقهم ! فقد سئمت من سُليَّى وحبسها الأحياء، ضحك مراد وقال: وإن فعلت فلن يستطيعوا التحليق، إلا صغيرهم هذا، فلم تأخذ سُليَّى من ريش أجنحته بعد· وأشار إلى طير ترابي اللون كان قد وضع رأسه تحت جناحه ونام····
قلت: إذن أطلقه ! قال مراد: افعل، إن وجدت المفتاح·
أجبته بعزم: أجده إن شاء الله !
وجعلت أبحث عنه · بينما أنا في بحثي، إذا بمراد قد اضطجع ونام· خطر في نفسي: ما أشبهه بزوجتي··· تذكرت أبنائي الأربعة فحزنت···
تابعت بحثي، فكشفت ستارا، ووجدت به جيبا· فتحت الجيب، فإذا بداخله خمسة كتب صغيرة أخرجتها كلها، وجعلت أتفحص الكتب واحدا تلو الآخر، أجملها كان أحمر اللون قد رسم عليه وردة ما رأيت مثلها قط، فتحت الكتاب فإذا بطيب يخرج من بين صفحاته وكأني وقتها أحمل بين يدي قارورة عطر، خطت صفحات هذا الكتاب العبق بخط محكم تام البنية، كادت ترقص كلماته بخفة من فوق الأوراق، وكأن المداد صار نغما يرى، حملت تلك السطور قصة، بدأت في التو قراءتها بعدما أعدت الكتب الأربعة الأخرى إلى الجيب المخفي في الستارة، وهذا ما قرأت·····