eKtab
EN ع
طرائف من التراث
اقرأ عينة مجانية

طرائف من التراث

بقلم صالح عثمان اللحام

صفحة 1
بسم الله الرحمن الرحيم

أما بعد:
قد يضحك الشخص أنا أو أنت أو غيرنا وقد نبكي كلنا أو بعضنا، ولما نضحك فإن ضحكنا إنما هو سعي منا للسعادة، وبكاؤنا إنما لبكائنا على سعادة فقدت أو نحن نخشى من زوالها.
وكما أن البكاء حاجة إنسانية يفرغ من خلاله أحزانه وهمومه ويجلي صدره، والتجهم ليس قرينه، ومن الناس من اعتاد عدم الضحك، فهذا شأن لهم ومن الناس من منظره بريد التجهم الذي يخفي وراءه أشياء ، ومن الناس فمرآه يدل على تشاؤمه، فهذا خطير وضعه، تجتنب رفقته!
وكذلك الضحك إنما هو حاجة إنسانية، وليس كل الضحك يأتي من خلال الطرفة أو التهريج، بل السعادة أصل ذلك كله.
وللضحك آداب وأحكام ومقدار، وهو علم بذاته أو قلْ: فن، ولا أقصد بذلك مقابل التمثيل والرقص ... بل ذلك موهبة من الله لأشخاص، يمكن تنميته وتطويره.
ولكن في الزمان الحالي أصبحت ترى أتعس الناس أكثرهم ضحكاً وأسرعهم بديهة في الطرف اللاذعة والأجوبة المسكتة، بل وأحلاهم وأظرفهم لفظاً، لا ولا تستطيع إيقافهم حين البدء بسرد ما عندهم، فلا تغركم المظاهر، والمؤمن صبور كتوم.
وخير من يتعلم منه آداب الضحك: معلم البشرية عليه الصلاة والسلام والمبلغ عن خالق المخلوقات العالم بما يصلح للناس ومقداره وزمانه ومكانه.
فكان صلى الله عليه وسلم يمزح ولا يقول إلا حقاً؛ فقد روى أبو هريرة، قال: قال رسول الله: ((إني لا أقول إلا حقاً))، قال بعض أصحابه: فإنك تداعبنا يا رسول الله! فقال: ((إني لا أقول إلا حقاً))(1).
قال المناوي في شرح الحديث(2): المداعبة مطلوبة محبوبة لكن في مواطن مخصوصة، فليس في كل آن يصلح المزاح ولا في كل وقت يحسن الجد ، قال:
أهـازل حيـث الهزل يحسن بالفتى وإني إذا جـد الرجـال لذو جد
وقال الراغب: المزاح والمداعبة إذا كان على الاقتصاد محمود والإفراط فيه يذهب البهاء ويجري السفهاء وتركه يقبض المؤانس ويوحش المخالط لكن الاقتصاد منه صعب جداً لا يكاد يوقف عليه، ولذلك يخرج عنه أكثر الحكماء حيث قيل: المزاح مسلبة للبهاء مقطعة للإخاء فَحْلُ لا ينتج إلا الشر.
أما ما روى الترمذي (1995) والبخاري في ((الأدب المفرد)) (394) وغيرهما عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
((لا تمار أخاك ولا تمازحه ولا تعده موعدة فتخلف))(3).
قال الذهبي في ((تذكرة الحفاظ)) عقبه (2 / 634): المزاح قد رخص في يسيره(4).
ومن مزحه ( ما رواه أنس بن مالك: أن رجلاً استحمل(5) رسول الله ( فقال: ((إني حاملك على ولد الناقة)).
فقال: يا رسول الله ما أصنع بولد الناقة؟
فقال رسول الله (: ((وهل تلد الإبل إلا النوق))؟
قال أبو عيسى الترمذي(6): هذا حديث حسن صحيح غريب. وصححه الضياء والألباني.
وقال لأنس: ((يا ذا الأذنين))(7)، والصغير يفهمها كبرهما، وكلنا بأذنين.
وحذر ( من الكذب لإضحاك الناس، بل ويجمعون معه الغيبة للناس أو طوائف معينة ، بل وبهتانهم والافتراء عليهم؛ فعن معاوية بن حيدة قال: سمعت نبي الله ( يقول: ((ويل للذي يحدث فيكذب ويضحك به القوم ويل له ويل له))(8) .
ومثل هذا يحدث الآن في كل العالم، فلا تكاد تجد بلداً إلا وفيه من يهزأ الناس به، وسبق لنا وحذرنا من نجالسه من هذه الغيبة وتضييع الحسنات، ومثل ذلك ما يحصل عندنا في الأردن من تقصد أهل الطفيلة بذلك، وهم أناس ـ في غالبهم طيبيـن بسطاء ـ حصلت عندهم بعض الطرائف التي لا تخلو منها أمة من الأمم وخاصة حين يتعاملون مع ما يـجهلون ما اخترع في عصرنا الحال مما لا عهد لهم به.
صفحة 2
ولعل أصل ذلك ومنشأ الخطأ فيه هو الاسم فربطهم الجهلة ومن لا يتقي الله عزوجل في الخلق بالطّفيليين، الذي كانوا يأتون الدعوات وهم ليسوا من أهلها، وهم قوم قدماء؛ ينضم إليهم من هذا وصفه لا من سكن مدينة و الطفيلة.
وهم حق لهم أن لا يغضبوا والناس يهدونهم حسناتهم ولولا أنني لا أحب أن يعصى الله لقلت: هم أحق بحسنات من يغتابهم ويستهزئ بهم، وإلا من يحلله من أهل الطفيلة كلهم صغيرهم وكبيرهم حيهكم وميتهم ، تالله إنها لكبيرة.
ومثل ذلك عند أهل ما يسمى بفلسطين، فالخليلي عندهم حاله كحال الطفيلي، وأهل اللد لهم حكايات مع أهل الرملة، والطريف أن والدي من اللد وأمي من الخليل!!!
اللهم ارحم أبي واغفر له ذنبه كله دقه وجله، فأنت غني عن عذابه وهو فقير إلى رحمتك، وأحسن عمل أمي واختم لها بالصالـحات! آمين!
وضحكه عليه الصلاة والسلام وابتساماته تجليات نبوية وأخلاق رسل كرام وحين الحاجة للحلم ودفع الغضب.
هذا وتأليفي الذي بين يديك ليس بدعاً، ولا هو خارج عن أحكام من سبقني وقد ضمنه كثير من العلماء في كتبهم، بل وأفرده آخرون بالتصنيف.
وأنا في كتابي هذا لم أحاول ترتيبه كسابق عهدي في كتاب سبقه وهو ((تفسير الأحلام، جمع المروي والثابت عن ابن سيرين))، حتى لا يمل القارئ مما يمر به من قصص طريفة، فمنها عن العلماء والفقهاء وفيها عن الخلفاء، والخطباء، والعامة، والبخلاء والطُّفيليين … إلى آخره.
وروست الطرفة بعنوان يعبر عن معناها وقد يضيب نقداً لحال معاصر نريد من ورائه أمراً بمعروف أو نهياً عن منكر.
وبينت المصدر الذي أخذت منه القصة في كثير من المواطن حيث كان التفرد، وقد ألحق به غيره، وما تكرر فقد أهمله، وشرحت الكلمات الغريبة على قدر الطاقة.
وخرجت الأحاديث، وما سكت عنه فهو صحيح.
وشرحت الكلمات الغريبة ولعلي تركت بعضها لظني قرب معناها عند الناس.
وسأتبع هذا الجزء بإذن الله عزوجل أجزاء أخرى، فأرجو الله أن تجد فيه أخي القارئ متعة الأدب النظيف وبدون تهريج، ويغنك عن سفاسف القوم الذين لا يعلمون، وتتشوق نفسك لمعرفة المزيد عن سير السابقين.
يحتاجه الأب مع ابنه والمربي مع تلاميذه؛ فقد حاولت كل ما يشكل شرحه في هذه الحالة. والله الموفق في الأمر كله.
وتجد فيه بإذن الله ما يشبع عطش أطفالك وأصدقائك ونسائك، ولا كذب فيه فأنا لم أخترع القصص، ولا قصدي من ذلك الغيبة لهم، ولا هو عند العلماء من الغيبة لهم، فرحم الله من ترحم عليهم ـ أهل الخير والدين منهم ـ ومن ترحم علينا معهم، وعلى والديّ وجميع المسلمين.
وكتب أبو عكاشة صالح اللحام
في عمان قبل غروب شمس يوم العشرين من رمضان 1423 للهجرة
وصلى الله على محمد وآله وصحبه والتابعين لهم بإحسان
صفحة 3
مزاح القاضي

هل هي صدفة(9)؛ عيسى ابن مريم عنده في الدار؟
في ((تاريخ بغداد))(10): قال محمد بن سلام: أتى رجل إلى القاضي عبيد الله ابن الحسن، فقال: كنا عند الأمير محمد ابن سليمان فجرى ذكرك فذكرت بكل جميل فما استطاع مقبّح أمرك يذكرك بشيء يعيبك به إلا المزاح، فقال: ويحك والله إني لأمزح وما أقول إلا حقاً، فلو قلت الساعة: في داري عيسى بن مريم أكنت تصدقني؟
قلت: هذا من ذاك.
فقال لجصاص في داره: يا جصاص!
قال: لبيك!
قال: ما اسمك؟
قال: عيسى.
قال: ما اسم أمك؟
قال: مريم.
قال: ويحك فإذا اتفق لي مثل هذا فما أصنع؟

ستر الخطأ

وتقدمت إليه امرأة في قضية فقالت: أصلح الله القاضي! إن زوجي لا يجامعني عندك أفأكفّله؟
فقال لها المنادي: اسكتي! لا تسفهي عند القاضي.
فقال القاضي: اسكت! ثم أقبل عليها فقال: إن لم يحضر معك ـ عافاكِ الله ـ فكفّليه.
والمرأة إنما أرادت أنه لا يجتمع هو وإياها عند القاضي، ولكنها أخطأت وقالت لفظ الجماع، فأراد أن لا يحرجها، فأسكت الحاجب عنده، ولو تركه يشرح لها معنى ما أخطأت فيه لدخل في العيب هو.
صفحة 4

وصفة صعبة

ومرض القاضي مرة فأتاه ابن أعين الطبيب فقال: يا ابن أعين! إنه أهدي إليّ رغيدة في فلجة فأصابني علوصة.
فقال له ابن أعين: خذ حبق ويقق ويفق!
قال القاضي: ويلك! ما حبق ويقق ويفق!
قال ابن أعين: وما رغيدة في فلجة فأصابتك علوصة!
قال أهدي إلي زبد في سكرجة فأكثرت منه فأصابني مغص وثقلة.
قال: خذ صعتراً وحب الرمان فهو جيد.

دعاء غير مستجاب

أبو بكر أزهر بن سعد السمان الباهلي بالولاء البصري روى الحديث عن حميد الطويل وروى عنه أهل العراق كان يصحب أبا جعفر المنصور قبل أن يلي الخلافة فلما وليها جاءه أزهر مهنئاً فحجبه المنصور فترصد له يوم جلوسه العام وسلم عليه فقال له المنصور: ما جاء بك؟
قال: جئت مهنئاً بالأمر (بالخلافة).
فقال المنصور: أعطوه ألف دينار، وقولوا له: قد قضيت وظيفة الهناء (التهنئة) فلا تعد إلي. فمضى وعاد في قابل فحجبه فدخل عليه في مثل ذلك المجلس وسلم عليه فقال له: ما جاء بك؟
فقال له: سمعت أنك مرضت فجئتك عائداً (العيادة هي زيارة المريض).
فقال: أعطوه ألف دينار وقولوا له: قد قضيت وظيفة العيادة فلا تعد إلي فإني قليل الأمراض.
فمضى وعاد في قابل فقال له في مثل ذلك المجلس: ما جاء بك
فقال: سمعت منك دعاء مستجاباً فجئت لأتعلمه منك.
فقال: له يا هذا إنه غير مستجاب؛ إني في كل سنة أدعو الله به أن لا تأتيني وأنت تأتي!
صفحة 5

معرفة تجاوزت الحدود

قال إسحاق الموصلي: كان لنا جار يعرف بأبي حفص، وينبز باللوطي، فمرض جار له فعاده، فقال له: كيف تجدك؟ أما تعرفني!
فقال له المريض بصوت ضعيف: بلى أنت أبو حفص اللوطي!
فقال له: تجاوزت حد المعرفة لا رفع الله جنبك!

علامة مميزة

عجل بن لجيم بن صعب بن علي بن بكر بن وائل: قال أبو عبيدة: كان عجل بن لجيم يعد في الحمقى بين العرب وكان لابنه فرس جواد، أرسله في سباق ففاز به، فقال له ابنه: يا أبت! إن لكل فرس اسماً، فما نسمي الفرس؟
فقال: افقأ إحدى عينيه وسمه الأعور!
وفيه قال بعض شعراء العرب:
رمتني بنو عجــل بـداء أبيهـم وهل أحد في الناس أحمق من عجل
أليس أبوهم عار عين جــواده فسارت به الأمثال في الناس بالجهـل

تخاطر أفكار الشعراء

حكى أبو عبيدة: خرج جرير والفرزدق مرتدفين على ناقة إلى هشام بن عبد الملك الأموي وهو يومئذٍ بالرصافة فنـزل جرير لقضاء حاجته فجعلت الناقة تتلفت فضربها الفرزدق وقال:
إلام تــلفتـين وأنـت تحـتــي وخير الناس كلهم أمامي
متى تردي الرصافة تستريحي من التهجير والدبر الدوامي
ثم قال : الآن يجيئني جرير فأنشده هذين البيتين فيقول:
تلفت أنها تحت ابن قـين إلى الكيرين والفاس الكهام
متـى تــرد الـرصافـة تـخـز فيهـا كخـزيـك في المواسـم كـل عـام
قال: فجاء جرير والفرزدق يضحك، فقال: ما يضحكك يا أبا فراس؟ فأنشده البيتين الأولين فأنشده جرير البيتين الآخرين فقال الفرزدق: والله لقد قلت هذا.
فقال جرير: أما علمت أن شيطاننا واحد؟

 
صفحة 6

أشعر الناس من هذا أبوه

قال ابن خلكان: ذكر أبو الفرج الأصبهاني في كتاب ((الأغاني)) في ترجمة جرير المذكور: أن رجلاً قال لجرير: من أشعر الناس؟
قال له: قم حتى أعرفك الجواب! فأخذ بيده وجاء به إلى أبيه عطية وقد أخذ عنـزاً له فاعتقلها وجعل يمص ضرعها فصاح به: اخرج يا أبت! فخرج شيخ دميم رث الهيئة وقد سال لبن العنـز على لحيته، فقال: أترى هذا؟
قال: نعم.
قال: أوَتعرفه؟
قال: لا.
قال: هذا أبي! أفتدري لم كان يشرب من ضرع العنـز؟
قلت: لا.
قال: مخافة أن يسمع صوت الحلب فيطلب منه لبن. ثم قال: أشعر الناس من فاخر بمثل هذا الأب ثمانين شاعراً وقارعهم به فغلبهم جميعاً.
هل هو أدب مع آل البيت
حكى كشاجم في كتاب ((المصايد والمطارد)) أن جعفراً الصادق سأل أبا حنيفة رضي الله عنهما فقال: ما تقول في محرم كسر رباعية ظبي؟
فقال: يا ابن رسول الله ما أعلم ما فيه؟
فقال له: أنت تتداهى ولا تعلم أن الظبي لا يكون له رباعية وهو ثني أبداً.
صفحة 7

هكذا يفعل الدَّيْن!

كان بالدينور  شيخ يتشيع ويميل إلى مذهب أهل الإمامة وكان له أصحاب يجتمعون إليه يأخذون عنه ويدرسون عنده يقال له بشر الجعاب فرفع صاحب الخبر بالدينور إلى المتوكل: أن بالدينور رجلاً رافضياً يحضره جماعة من الرافضة ويتدارسون الرفض، ويسبون الصحابة ويشتمون السلف.
فلما وقف المتوكل على كتابه أمر وزيره عبيد الله بن يحيى بالكتاب إلى عامله على الدينور بإشخاص بشر هذا والفرقة التي تجالسه.
فكتب عبيد الله بن يحيى بذلك فلما وصل إلى العامل كتابه وكان صديقاً لبشر الجعاب، حسن المصافاة له ، شديد الإشفاق عليه؛ همه ذلك وشق عليه، فاستدعى بشراً وأقرأه ما كوتب به في أمره وأمر أصحابه فقال له بشر: عندي في هذا رأي إن استعملته كنت غير مستبطئٍ فيما أمرت به وكنتُ بمنجاة مما أنت خائف علي منه.
قال: وما هو؟
قال: بالدينور شيخ خفاف اسمه بشر، ومن الممكن المتيسر أن تجعل مكان الجعاب: الخفاف، وليس بمحفوظ عندهم وما نسبت إليه من الحرفة والصناعة.
فَسُـرّ العامل بقوله وعمد إلى العين من الجعاب فغير عينها وغير استواء خطها وانبساطه ووصل الباء بما صارت به فاء.
وكان أخبره عن بشر الخفاف:
أنه أبله في غاية البله والغفلة، وأنه هُزَأَة عند أهل بلده وضحكة؛ وذلك أن أهل سواد البلد يأخذون منه الخفاف التامة والمقطوعة بنسيئة، ويعدونه بأثمانها عند حصول الغلة فإذا حصلت وحازوا ما لهم منها ماطلوه بدينه، ولووه بحقه واعتلوا بأنواع الباطل عليه، فإذا انقضى وقت البيادر ودنا الشتاء واحتاجوا إلى الخفاف، وما جرى مجراها؛ وافوا بشراً هذا واعتذروا إليه وخدعوه وابتدروا يعدونه الوفاء ويؤكدون مواعيدهم بالأيمان الكاذبة، والمعاهدة الباطلة، ويضمنون له أداء الديون الماضية والمستأنفة، فيحسن ظنه بهم وسكونه ويستسلم إليهم، ويستأنف إعطاءهم من الخفاف وغيرها، ما يريدونه، فإذا حضرت الغلة أجروه على العادة وحملوه على ما تقدم من السنة.
ثم لا يزالون على هذه الوتيرة من أخذ سلعه في وقت حاجتهم ودفعه عن حقه في إبان غلاتهم، فلا يتنبه من رقدته ولا يفيق من سكرته. فأنفذ صاحب الخبر كتابه وأشار بتقدم الخفاف أمام القوم والإقبال عليه بالمخاطبة وتخصيصه بالمسألة ساكناً إلى أنه من ركاكته وعيه وفهاهته بما يضحك الحاضرين ويحسم الاشتغال بالبحث عن هذه القصة ويتخلص من هذه البلية.
فلما ورد كتاب صاحب الخبر أعلم عبيد الله بن يحيى المتوكل به وبحضور القوم، فأمر أن يجلس ويستحضرهم ويخاطبهم فيما حكي عنهم وأمر فعلق بينه وبينهم سبنية ليقف على ما يجري ويسمعه ويشاهده ففعل ذلك.
وجلس عبيد الله واستدعى المحضرين فقدموا إليه يقدمهم بشر الخفاف فلما جلسوا أقبل عبيد الله على بشر فقال له: أنت بشر الخفاف؟
فقال: نعم، فسكنت نفوس الحاضرين معه إلى تمام هذه الحيلة وإتمام هذه المدالسة، وجواز هذه المغالطة.
فقال له: إنه رفع إلى أمير المؤمنين من أمركم شيء أنكره فأمر بالكشف عنه وسؤالكم بعد إحضاركم عن حقيقته.
فقال له بشر: نحن حاضرون فما الذي تأمرنا به؟
قال: بلغ أمير المؤمنين أنه يجتمع إليك قوم فيخوضون معك في الترفض وشتم الصحابة!
فقال بشر: ما أعرف من هذا شيئاً!
قال: قد أمرت بامتحانكم والفحص عن مذاهبكم؛ فما تقول في السلف؟
فقال: لعن الله السلف!
فقال له عبيد الله: ويلك أتدري ما تقول؟
قال: نعم لعن الله السلف!
صفحة 8
فخرج خادم من بين يدي المتوكل فقال لعبيد الله: يقول لك أمير المؤمنين: سله الثالثة؛ فإن أقام على هذا فاضرب عنقه!
فقال له: إني سائلك هذه المرة فإن لم تتب وترجع عما قلت أمرت بقتلك؛ فما تقول الآن في السلف؟
فقال: لعن الله السلف قد خرب بيتي وأبطل معيشتي وأتلف مالي وأفقرني وأهلك عيالي!
قال: وكيف؟
قال: أنا رجل أسلف الأكرة وأهل الدستان الخفاف والتمسكات (التمشكان؟) على أن يوفوني الثمن مما يحصل من غلاتهم فأصير إليهم عند حصول الغلة في بيادرهم فإذا أحرزوا الغلات دفعوني عن حقي وامتنعوا من توفيتي مالي ثم يعودون عند دخول الشتاء فيعتذرون إلي ويحلفون بالله لا يعاودون مطلي وظلمي وإنهم يؤدون إلي المتقدم والمتأخر من مالي فأجيبهم إلى ما يلتمسونه وأعطيهم ما يطلبونه فإذا جاء وقت الغلة عادوا إلى مثل ما كانوا عليه من ظلمي وكسروا مالي فقد اختلت حالي وافتقرت عيالي.
قال: فسمع ضحك عال من وراء السبنية، وخرج الخادم فقال: استحلل هؤلاء القوم وخل سبيلهم.
فقالوا: أمير المؤمنين في حل وسعة فصرفهم.
فلما توسطوا صحن الدار، قال بعض الحاضرين: هؤلاء قوم مجان محتالون وصاحب الخبر فطن متيقظ لا يكتب إلا بما يعلمه ويثق بصحته وينبغي أن يستقصى الفحص عن هذا والنظر فيه فأمر بردهم فلما أمروا بالرجوع قال بعض الجماعة التابعة لبعض: ليس هذا من ذلك الذي تقدم فينبغي أن نتولى الكلام نحن ، ونسلك طريق الجد والديانة! فرجعوا فأمروا بالجلوس ثم أقبل عبيد الله على القوم فقال: إن الذي كتب في أمركم ما كتب ليس ممن يقدم على الكتب بما لا يقتله علماً ويحيط به خبراً، وقد أمر أمير المؤمنين باستئناف امتحانكم وإنعام التفتيش عن أمركم.
فقالوا: افعل ما أمرت به.
فقال: من خير الناس بعد رسول الله؟
قلنا: علي بن أبي طالب.
فقال لخادم بين يديه: قد سمعت ما قالوا فأخبر أمير المؤمنين به فمضى ثم عاد، فقال: يقول لكم أمير المؤمنين: هذا مذهبي!
فقلنا: الحمد لله الذي وفق أمير المؤمنين في دينه ووفقنا لاتباعه وموافقته على مذهبه!
ثم قال لهم: ما تقولون في أبي بكر رضي الله عنه
فقالوا: رحمة الله على أبي بكر نقول فيه خيراً.
قال: فما تقولون في عمر؟
قلنا: رحمة الله عليه ولا نحبه.
قال: ولم؟
قلنا: لأنه أخرج مولانا العباس من الشورى.
قال: فسمعنا من وراء السبنية ضحكاً أعلى من الضحك الأول، ثم أتى الخادم فقال لعبيد الله عن المتوكل: أتبعهم صلة فقد لزمتهم في طريقهم مؤونة واصرفهم!
فقالوا: نحن في غنى وفي المسلمين من هو أحق بهذه الصلة وإليها أحوج وانصرفوا.
صفحة 9

الهرب من الدَّيْن

كان عبادة  من أطيب الناس وأخفهم روحاً وأحضرهم نادرة وكان أبوه من طباخي المأمون وكان معه فخرج حاذقاً بالطبيخ ثم مات أبوه ونجب؛ حكى أبو حازم الفقيه وقد جرى ذكر عبادة قال: ما كان أظرفه!
قيل: وكيف؟
قال: لما حصل بالموصل تبعه غرماؤه وطلبوه وقدموه إلى علي بن إبراهيم العمري وهو قاضي الموصل فحلف لواحد ثم لآخر ثم لآخر، فقال له علي بن إبراهيم: ويحك ترى هؤلاء كلهم قد اجتمعوا على ظلمك فاتق الله وارجع إلى نفسك فإن كانت عسرة بإزائها نظرة.
فقال: صدقت فديتك ليس كلهم ادعى الكذب ولا كلهم ادعى الصدق ولكني دفعت بالله ما لا أطيق.

الميراث

وقيل له وقد مات زوج أخته: ما ورثت أختك من زوجها؟
قال: أربعة أشهر وعشراً.

مخادعة الساحر

قال ابن خلكان: رأيت في بعض المجاميع أنه كان متصلاً بخدمة بعض الملوك وأن ذلك الملك طلب رجلاً من أتباعه وأكابر دولته ليعاقبه بسبب جريمة صدرت منه، وعلم أن أبا معشر يدل عليه بالطرائق التي يستخرج بها الخبايا والأشياء الكامنة فأراد أن يعمل شيئا لا يهتدي إليه ويبعد عنه حسه فأخذ طستاً وجعل فيه دماً وجعل في الدم هاون ذهب وقعد على الهاون أياماً وتطلب الملك ذلك الرجل وبالغ في التطلب فلما عجز عنه أحضر أبا معشر وقال له: تعرفني موضعه بما جرت عادتك به فعمل المسألة التي يستخرج بها الخبايا وسكت زماناً حائراً.
فقال له الملك: ما سبب سكوتك وحيرتك؟
قال: أرى شيئاً عجيباً!
فقال: وما هو؟
قال: أرى الرجل المطلوب على جبل من ذهب والجبل في بحر من دم ولا أعلم في العالم موضعاُ من البلاد علي هذه الصفة.
فقال له: أعد نظرك وغير المسألة وجدد أخذ الطالع ففعل، ثم قال: ما أراه إلا كما ذكرت وهذا شيء ما وقع لي مثله، فلما أيس الملك من القدرة عليه بهذا الطريق أيضاً نادى في البلد بالأمان للرجل ولمن أخفاه وأظهر من ذلك ما وثق به فلما اطمأن الرجل ظهر وحضر بين يدي الملك فسأله عن الموضع الذي كان فيه فأخبره بما اعتمده فأعجبه حسن احتياله في إخفاء نفسه ولطافة أبي معشر في استخراجه.
 
صفحة 10

متسول على علم وثقافة

حكى أبو حامد المروروذي: وقف سائل من الأنكاد علينا في جامع البصرة وفي المجلس جماعة فسأل وألح فقلت له وقد ضجرت: يا هذا نزلت بواد غير ذي زرع!
فقال: صدقت، ولكن تجبى إليه ثمرات كل شيء، فضحكت منه الجماعة ووصلته بشيء.

الهرب من الجهاد (العسكرية)

قال: ومثل هـذه النـادرة مـا أخـبرني الفقيه أمين الديـن بن الفقيـه نصر رحمـه الله تعـالى وهو يومئذ شـاب وصاحـب ديوان الأحبـاس يكتـب أسمـاءهم يستعد بهـم للمضي للحـاق بالمقام السلطاني في مهم ، فاعتذر رجل منهـم فخط على اسمـه وكتب غيره فقام رجل آخـر ليعتذر فقـال: المملـوك كما قال الله(إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ)
فقال له الفقيه أمين الديـن: صل! يشير إلى بقيـة الآية وهي قوله
(وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ ۖ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا)، فضحـك البرهـان ضحكـاً شديداً وقال: لا أجمع عليـك بين تنـديـر الفقيـه وبين تكليفـك للمجـيء، ثم خـط على اسمـه وكتـب غيره.

مسألة تحتاج إلى فتوى

حكى ابن بسام في ((الذخيرة)): كان المنصور قد عزم على الانفراد بالحرم، وأمر بإحضار من جرى رسمه في مثل ذلك اليوم من الوزراء والندماء وأحضر ابن شهيد في محفة لنقرس كان به، وأخذوا في شأنهم فمر لهم يوم لم يشهدوا مثله ووقت لم يعهدوا نظيره، وطما الطرب وسما بهم حتى تهايج القوم ورقصوا وجعلوا يرقصون بالنوبة حتى انتهى الدور إلى ابن شهيد فأقامه الوزير أبو عبد الله بن عياش فجعل يرقص وهو متوكئ عليه ويرتجل ويومئ إلى المنصور وقد غلبه السكر:
هـاك شـيـخ قــاده العـذر لكـا قـــام في رقــصتـــه مســـتمســكــا
عـاقـه عـن هـــزهـا مـنفــرداً نقــرس أخـنـــى عـليـــه فــاتــكــا
ألــو كــنـت كــمـا تعــرفــني قـمـت إجــلالاً عـلـى رأسـي لـكــا
قـهقـه الإبـريـق مـني ضحـكـاً ورأى رعــشــة رجــلــي فبــكــــى
وكان حاضرهم ابن لنكك البغدادي وكان حسن النادرة سريعها فقال: لله درك يا وزير! ترقص بالقائمة وتصلي بالقاعدة!
فضحك المنصور والقاعدون.