eKtab
EN ع
ترجمات من الشعر البلغاري المعاصر
اقرأ عينة مجانية

ترجمات من الشعر البلغاري المعاصر

بقلم د. عيسى الناعوري

صفحة 1
مقدمة قصيرة
 
الأدب البلغاري المعاصر أدب غني؛ فيه قوة، وحب للأرض وللعمل؛ وفيه كفاح بطولي، وإنسانية حادبة حانية. وقد تمرس الشعب البلغاري طويلاً بمقارعة الاحتلال العثماني الذي جثم على صدره أكثر من خمسة قرون كانت كما يصورها الأدب البلغاري – قروناً من العسف، والاستبداد، والإرهاب، والإذلال.
 
وفي زيارتي لبلغاريا عام 1973 أتيح لي، من خلال اتصالاتي الشخصية بالكتّاب والشعراء، وبالصحف ودور النشر، أن أعرف الشيء الكثير عن هذا الأدب النضالي والإنساني معاً. وفي دار جمعية حقوق المؤلفين، في صوفيا، سألني مدير الجمعية: "هل عرفتم الحكم العثماني في بلادكم؟" فقلت: "لقد خضعنا لنيره أربعة قرون متلاحقة في الزمن عينه الذي كانت فيه بلغاريا أيضاً خاضعة له، ثم خلصنا منه في أعقاب الحرب العالمية الأولى فقط". فقال: في وسعكم إذن أن تفهموا أكثر من سواكم أدب الشعب البلغاري، والروح التي أملته".
 
لقد عاش الشعب البلغاري طويلاً في مقاومة الاستبداد العثماني، وفي الحرب العالمية الثانية عرف كذلك المقاومة العنيدة الشرسة للاحتلال النازي. وعلى مذبح المقاومة في الحالتين قدم البلغاريون الضحايا والقرابين العديدة؛ وكان الأدب والشعر في مقدمة المعركة، يحملان الراية ويصرخان في الجموع أن تتقدم. كانا يوقدان النار في الصدور، صدور الجماهير الثائرة الناقمة، لعدم المهادنة، وللمضي في النضال حتى النصر أو الموت. وهنالك شعراء وكتاب عديدون تمرسوا بالمقاومة الفعلية المسلحة، إلى جانب المقاومة بالكلمة، فحملوا السلاح، وركبوا رؤوس الجبال، وتسللوا في الوديان، وقدموا العديد من الضحايا على مذبح الحرية والاستقلال، وكثيرون منهم هربوا إلى رومانيا، حيث أنشأوا الجمعيات لتغذية المقاومة من هناك، وتدرّبوا على المقاومة وحمل السلاح.
 
ومن الشعراء المشهورين الذين ضحوا بأنفسهم بشرف وعزة في هذه المقاومة العنيدة الباسلة، الشاعر خريستو بوتيف، الذي سقط في ميدان القتال عام 1876. ومنهم أيضاً الكاتب والروائي إيفان فازوف، الذي يعتبره البلغاريون أبا للأدب البلغاري الحديث. ومنهم الشاعر فاسيلين أندرييف، صاحب كتاب (قصائد وأقاصيص من حرب العصابات) الذي كافح ضد النازية، وهو اليوم بين كبار الشعراء الأحياء.
صفحة 2
على أن البلغاريين اليوم يعتبرون على رأس شعرائهم الأحياء الشاعرة السيدة إليزافيتا باغريانا. وقد تجاوزت الآن الحادية والثمانين من عمرها، وقد شرق شعرها وغرب، وتعددت ترجماته في العالم. وهي من ألطف الشعراء حساً وأرقهم عاطفة، ويدور الكثير من شعرها على المرأة، وعلى كفاحها من أجل تحطيم القيود التقليدية التي ظلت ترسف فيها طوال العهد العثماني خاصة، وقد وصلت إلى قمة شهرتها الشعرية في فترة ما بين الحربين العالميتين.
 
والذي يقرأ الشعر البلغاري المعاصر يلمس مدى ما فيه من المعاناة الإنسانية والاجتماعية، ومن الاهتمام بالإنسان المكافح والعامل، إلى جانب ما فيه من جمال الخيال والصورة والعبارة.
 
وقد رأيت أن أجول في رياض هذا الشعر البلغاري لكي أقدم للقارئ العربي نماذج مختارة منه، فيلمس معي مدى ما يزخر به من حس نضالي وإنساني ووطني جميل وجدير بأن نعرفه، وتعرفه لغتنا العربية، وبأن نحبه كذلك.
 
هذه النماذج التي يجدها القارئ في هذا الكتيب ترجمت كثيراً منها عن مجلة أوبزور (OBZOR) التي تصدر في صوفيا فصلية باللغة الإنجليزية، وبعضها ترجمته عن مجموعة ترجمات باللغة الإيطالية تلقيتها من رئيس جمعية حقوق المؤلفين البلغاريين في صوفيا.
 
كل ما أرجوه أن أكون قد أحسنت الاختيار، أولاً، ثم الترجمة، ثانياً وأن يتجاوب القارئ العربي مع هذه النماذج.
صفحة 3
الشاعر والثائر والمحارب
 
خريستو بوتيف
 
(1848 – 1876)
 
بطل في الحرب وفي الشعر: عمّد شعره بدمه في عنفوان الشباب، فكان رمز عزة وكرامة، ومشعل حرية وانطلاق لقومه البلغاريين ولأقوام آخرين.
 
ذلك هو الشاعر البلغاري خريستو بوتيف.
 
هذا الشاعر البطل استأثر باهتمامي في دراستي للأدب المعاصر في بلغاريا، مثلما استأثر من قبله باهتمامي في دراستي للأدب المجري الشاعر والمحارب المجري البطل شاندور بيتوفي (1823 – 1849)، بطل تحرير المجر في القرن التاسع عشر، وكان بيتوفي هو السابق وبوتيف هو اللاحق: فقد ولد بوتيف قبل مصرع بيتوفي بسنة واحدة.
 
حتى في الاسم يتشابه الشاعران البطلان: (بيتوفي، وبوتيف) مثلما يتشابهان في الشعر الثائر والإنساني، وفي البطولة وحروب التحرير في بلديهما المتجاورين، لتحريرهما من النير الأجنبي – وكان يوماً هو النير العثماني عينه – وكلاهما جاء في القرن عينه – القرن التاسع عشر – وتحرر بلداهما في فترة متقاربة: فقد تحررت المجر عام 1876، وتحررت بلغاريا بعدها بعامين، أي عام 1878.
 
شاندور بيتوفي قاد معارك التحرير في عنفوان شبابه الباكر، وقاد معها حركة الشعر يلهب به النفوس، ويستثير همم الشبان للانخراط في حركة المقاومة الشعبية وحرب العصابات من أجل تحرير المجر، فكانت قصائده أغانيَ شعبية تمجد الحرية، وتدعو إلى الثورة المقدسة، وكان هو في مقدمة المقاتلين بالسلاح، لا بالكلمة وحدها، حتى سقط شهيداً والراية في يده في سهل شجشوار، وكان عمره ستة وعشرين عاماً فقط، ولكنه كان ولا يزال في التاريخ المجري بطل التحرير وشاعره. غير أن حرية المجر لم تتحقق إلا بعد مصرعه بثماني عشرة سنة، فقط سقط هو عام 1849.
 
ومثل بيتوفي في المجر، كذلك قاد خريستو بوتيف في بلغاريا حركة التحرر في عنفوان شبابه الباكر، وقاد معها حركة الشعر يلهب به النفوس، ويستثير همم الشبان للانخراط في حركة المقاومة وحرب العصابات من أجل تحرير بلغاريا، فكانت قصائده أغاني شعبية تمجّد الثورة والحرية. وقد سقط في ميدان القتال، على جبل فولا، وعمره ثمانية وعشرون عاماً فقط. ولم تتحقق حرية بلغاريا إلا بعد مصرعه بعامين، فقط سقط هو عام 1876.
 
بيتوفي كان يتغنى في شعره بالحرية، وبالمعارك الدامية في حرب التحرير، ويتنبأ بمصرعه في سبيل الوطن، مفاخراً بهذه الميتة الشريفة المقدسة. ومثله كان بوتيف في بلغاريا، يتغنى بالحرية في شعره، ويمجد المعارك الدامية في سبيل تحرير بلغاريا، ويتنبأ بمصرعه في ميدان القتال من أجل بلده، مفاخراً بهذه الميتة الشريفة.
صفحة 4
ومثلما اتخذ المجريون من بيتوفي بطلاً للتحرير، ونموذجاً للأبطال الذين يهبون للوطن كل شيء، كذلك اتخذ البلغاريون من بوتيف بطلاً للتحرير، ونموذجاً للأبطال الذين يهبون الوطن كل شيء.
 
يقول بيتوفي في إحدى قصائده (الترجمة هنا للصديق المجري المستعرب عبد الكريم جوليوس جرمانوس في مجلة المقتطف):
 
فكر واحد يعييني تصوّره:
 
أن أموت على سريري بين الوسائد والحشايا،
 
أن أذبل رويداً كالزهرة تتناهبها الحشرات،
 
أن أفنى بطيئاً كالشمعة اليتيمة في غرفة مهجورة!!
 
رباه! لا تقدر لي ميتة كتلك.
 
وهذه الروح الثائرة عينها هي روح بوتيف كذلك، وتتجلى في العديد من قصائده، كما سنرى فيما بعد.
 
ومجال المقارنة بين حياة بيتوفي وحياة بوتيف، وبين شعرهما واسع جداً. غير أننا لا نريد ههنا الاسترسال إليه، بل نعود إلى موضوعنا الأصيل، وهو حياة بوتيف وشعره ونضاله البطولي.
 
***
 
ولد خريستو بوتيف يوم عيد الميلاد، 25 كانون الأول عام 1848م، في مدينة كالوفر، قرب جبل (ستارا بلانينا). ولهذا الجبل في تاريخ الثورة البلغارية شهرته التي خلدها الشعر بتخليد بطولة الثوار. وأشير من ذلك بنوع خاص إلى قصيدة بوتيف في تمجيد الثائر (الحاج ديميتير) الذي سقط على قمة (ستارا بلانينا) في شهر آب عام 1868، ولم يصدق الشعب نبأ موته، بل نسجوا حوله أسطورة تقول أنه لا يزال حياً يقاتل على رأس الجبل بشجاعة وبسالة. وفي ذلك يقول بوتيف (الترجمة للشاعر اللبناني الصديق فؤاد الخشن، من كتابه "الديوان البلغاري"، الصادر عام 1973 عن دار العودة، في بيروت):
 
في البلقان
صفحة 5
يغفو البطل
 
والشمس الوقادة
 
تتوقف.. ترسل في غضب
 
نحو الأرض سهام اللهب،
 
والحصّادة
 
تشدو في الحقل المتموج والدم
 
ما زال غزيراً ينهمر
 
***
 
من يسقط من أجل الحرية
 
في أرض الساحة لا يغني
 
إذ تأسى الأرض لمصرعه
 
تبكيه حناناً كلّ سماء
 
يتغنى باسمه
 
كل الشادين الموهوبين وكل الشعراء.
 
***
صفحة 6
جاء بوتيف إلى الدنيا وبلاده بلغاريا ترسف في أغلال من الاحتلال العثماني الذي امتد خمسة قرون، والثائرون في جبال بلغاريا يحاربون الاحتلال حرب عصابات. فنشأ في جو الثورة والمقاومة. وفي هذا الجو درس حتى نهاية المرحلة الابتدائية. ثم أرسله أبوه إلى أوديسا عام 1863 للدراسة على نفقة الحكومة الروسية. ولكن بوتيف بدلاً من الانصراف إلى الدراسة عكف على قراءة مؤلفات الأدباء الروس الطافحة بروح الثورة، وانضم إلى جماعات سرية من الشبان الروس ذوي النزعات الثورية. فأدى ذلك إلى طرده من روسيا وهو بعد في السابعة عشرة من عمره.
 
كانت روح الثورة قد أخذت تسيطر على وجدانه، وتوجه ميوله وتصرفاته. وكان طغيان الاحتلال العثماني الذي يسوم شعبه وبلده عسفاً، يلهب في نفسه هذه الروح الثورية المتمردة، التي تنزع إلى الحرية والاستقلال.
 
وعاد بوتيف إلى مسقط رأسه وعمره تسعة عشر عاماً، وأخذ مكان والده في التدريس. وفي عمله هذا راح يزيد من اتصالاته بالشبان، وينظمهم في جماعات صغيرة للتدرب على استخدام السلاح من أجل مقارعة الحكم الغريب. وكان لا بد له من أن يصادف المتاعب والمصاعب من الحكم القائم، ومن عملائه وأنصاره الذين ضايقتهم تصرفات بوتيف وأعماله الوطنية.
 
فلم يجد له بداً من الهرب إلى رومانيا. وكان قد لجأ إليها قبله كثير من قومه البلغار طلباً للحرية، وهرباً من الظلم، ورغبة في الإعداد للمقاومة. كان بوتيف قد بدأ ينظم الشعر الوطني، ويلهب به في نفوس الشبان المتوثبين للحرية. وأخذت قصائده تتردد على ألسنة الجماهير في كل مكان من بلغاريا.
 
وفي بوخارست ذاق حياة التشرد والفاقة القاسية المريرة. وكان يعيش هناك مع صديقه وزميله الثائر الشاب (فاسيل ليفسكي). وهذه الفترة يصفها بوتيف في رسالة إلى أحد أصدقائه، نترجمها في ما يلي عن مجلة (أبزور – العدد 2 عام 1973) من اللغة الإنجليزية:
 
" أكتب إليك لأخبرك يا صديقي أنني أقمت هنا (في بوخارست) وفي نيتي أن أصبح معلماً في المدرسة البلغارية غير أنني منيت بالخيبة المرة. لقد وقعت في ظروف عسيرة جداً أكاد لا أستطيع معها تصوير حالتي البائسة. إنني شديد الإفلاس. والأسمال البالية التي لدي لا تصلح لكي أرتديها بعد الآن، وأخجل من أن أظهر بها في الشارع. إنني أقيم في طاحونة مفتوحة للرياح في ضواحي بوخاريست مع صديقي ومواطني فاسيل ليفسكي. وفي الخير أن لا تسألني ماذا تأكل، لأننا لا نجد غير الخبز وحده مرة كل يومين أو ثلاثة أيام لنسد به جوعنا.. إنني أفكر في أن ألقي محاضرة في (نادي المحبة الأخوية للمصالحة) في أحد هذه الأيام، ولكنني لا أدري بأية ثياب يمكنني أن أظهر هناك. وعلى الرغم من هذا الموقف الحرج لم أفقد جرأتي وشرفي.. وأما صديقي ليفسكي الذي يقاسمني مكان إقامتي، فإن له مزاجاً عجيباً لا يصدق: فحين تسوء الأمور معنا إلى حدها الأدنى، نجده مرحاً كما لو كانت الأمور على أفضل ما تكون، وحين يكون البرد في الخارج قاتلاً، ونكون في أشد حالات الجوع منذ يومين أو ثلاثة تراه يغني فرحاً قريراً. إنه يغني ونحن في السرير مساء، ويغني في اللحظة التي يفتح بها عينيه صباحاً. ومهما يكن مبلغ قنوطك، فإنه يمرح أمامك بحيث يجعلك تنسى حزنك وألمك. إنه لمن الممتع حقّاً أن يعيش المرء مع مثل هذا المزاج!".
صفحة 7
ثم سقط الشاب الثائر فاسيل ليفسكي، زميل بوتيف ورفيقه العزيز، أسيراً في أيدي الأتراك: سقط بفعل الغدر والخيانة وهو على رأس رجاله في (كوكرينا) في 26 ديسمبر 1872، وقدم للمحاكمة في صوفيا. وعلى الرغم من التحقيق المضني والإرهاب والتعذيب، فقد وقف شامخ الرأس، ثابت الجنان، وأبى أن يبوح بسر من أسرار رفاقه الثائرين، والمنظمات السرية الثورية. فصدر الحكم بإعدامه. وفي السادس من شباط 1873 التف حبل المشنقة حول عنق (رسول الحرية) –كما يدعوه قومه البلغاريون – خارج مدينة صوفيا، وكان عمره ستة وثلاثين عاماً.
 
وفي هذا كتب صديقه بوتيف قصيدة حزينة يرثيه بها، عنوانها: (شنق فاسيل ليفسكي)، نترجمها عن الإنجليزية أيضاً، من مجلة (أويزور) المتقدم ذكرها، وهي:
 
إيه يا أم، يا أرض مولدي!
 
لماذا تبكين بكل هذه المرارة والحزن؟
 
وأنت أيها الغراب الأسفع الرهيب والطائر الكريه
 
على قبر من تنعق بهذا الشكل المثير للاشمئزاز؟
 
إنك تبكين، يا أم – وأنا أعرف ذلك جيداً
 
لأنك مستعبدة، وتكدحين جاهدة من أجل القليل
 
ولأن صوتك الصافي، يا أم، يروي محنتك،
 
وهو صوت لا أمل له، لأنه صراخ في الفقر
 
***
 
ابك، فهناك على مقربة صوفيا
 
ترتفع مشنقة سوداء رهيبة
 
إن أفضل أبنائك، يا بلغاريا، هناك
 
يتدلى من المشنقة ثقيلاً ثقيلاً.
صفحة 8
والغراب ينعق نعيقاً كريهاً ووحشياً،
 
والذئاب في الخارج تعوي، وتجري الكلاب مسعورة
 
والشيوخ والعجائز يرتفع دعاؤهم حاراً إلى الله
 
مع نحيب النساء وعويل الأطفال
 
***
 
وها هو الشتاء يدندن أغنيته الشيطانية
 
والأشواك تتناثر في الرياح ملء السهل.
 
والبرد والصقيع، والعويل الموجع،
 
والألم العميق، تملأ قلبه بثقلها
 
***
 
واستمر بوتيف يكتب القصائد الثائرة ليستثير بها الهمم لمقاومة الاحتلال، ويقرع بها أسماع الخونة والمتعاونين مع الحكم الغريب، والشوربجيين الذين ينشرون الهول والظلم للمواطنين لاستيفاء الضرائب التي لا يطيقها المواطنون الفقراء، ويمجد الثائرين الذين يسقطون في مقارعة العدو المتسلط. وفي الوقت نفسه يهيّئ الرجال من رفاقه النازحين في رومانيا لعبور الدانوب من جديد، ومحاربة الأتراك.
 
في إحدى قصائده يخاطب أمه قائلاً: (الترجمة للشاعر السوري أحمد سليمان الأحمد، من كتابه "قصائد للإنسان والحرية – كريستو بوتيف شاعر بلغاريا الأكبر"، الصادر في دمشق عام 1967 الطبعة الثانية):
صفحة 9
يا أم! عندما تسمعين
 
أزيز الرصاص فوق سطح البيت،
 
عندما تشاهدين اندفاع الفتيان،
 
فاخرجي واسأليهم عني
 
وإذا أخبروك أنني سقطت
 
صريعاً برصاصة،
 
فلا تبكي عندئذ يا أمي.
 
***
 
عودي إلى بيتنا
 
وليقص قلبك على الصغار كل شيء،
 
ليعلموا ويتذكروا
 
أن أخاهم سقط بعيداً عنهم
 
إذ لم يكن المسكين يستطيع
 
أن يحني رأسه أمام الأتراك،
 
ولم يكن يستطيع أن يرى
 
آلام الفقراء دون أن يرتعد
صفحة 10
قولي لهم، يا أم، أن يتذكروا ذلك
 
وأن يبحثوا فوق الصخور
 
عن لحمي الأبيض،
 
فوق الصخور المأهولة بالنسور،
 
وعن دمي الأسود
 
الذي جفَّ في التراب،
 
التراب الأسود، يا أم!
 
وقد يجدون بندقيتي،
 
بندقيتي، يا أم، وحسامي.
 
وإذا هم لقوا المغتصب
 
فليحيوه برصاصة،
 
وليدغدغوه بسيفي
 
***
 
ترى، هل كان خريستو بوتيف في هذه القصيدة يتنبأ بالغيب؟
 
إن في الشعراء أحياناً أرواح الأنبياء، لأنهم يكشفون المجهول قبل وقوعه، ولقد كان لا بد لبوتيف أن يسقط في ميدان الشرف، وأن لا يعرف أحد مكان قبره إلى اليوم.