eKtab
EN ع
طروس إلى مولاي السلطان -البرقع
اقرأ عينة مجانية

طروس إلى مولاي السلطان -البرقع

بقلم سارة الجروان الكعبي

صفحة 1

(وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا...)

سورة البقرة: 148

صفحة 2

هنالك أبدا عربة راحلة..

إنما دنياك تلك..

وأحد إثنين أنت..

إما راحل أو مرحول عنك..!!

سارة الجروان

صفحة 3

تنويه

عدا الأسماء للشخصيات الأعلام فكل ما جاء في هذا الكتاب من أسماء محض صدفة بحتة، والأحداث لا تمت للواقع بصلة، بيد أن المؤلفة تكاد تكون جازمة بأنها اقتربت كثيرا من تراب تلك الأرض واشتمت رائحته العبقة، وهناك تفرست بتلك الوجوه التي تعرف بعضها وتمقت البعض الآخر منها، وفي هذه الرواية سوف تصنع أكبر محرقة للذكريات التي تحول دون مهادنة الخواتيم.

صفحة 4

الإهداء

إلى عبق الحياة..

دفق أوردتي وعبير روحي..

أولئك الذين تخلقت بهم حياتي الفانية

أملا بحجم اتساع ابتسامتهم..

إلى أبنائي الأحباء حفظهم الله

صفحة 5

مدخل 2

مولاي..

في محفل غير مؤمل ولا معول عليه ولجت مولاي قاعة باتساع عيني وشوقها إليك..

تماديت.. تهاديت.. تشاقيت..

عبر لا حدود اقتحمت عيني عنوة دون الحشود..

تآكلني غضب منك لكل السنوات..

الموات.. العذابات..

النهايات المؤجلات فلا تعود..

وجهك الذي احتضنت.. عينيك...

التفاتك الثكلى.. ابتسامتك البعيدة مولاي..

وقبلتي الفانية إليك.. أحلامي المؤجلة طي كفيك..

هيكلتك المقدسة في هوسي بك غادرتني منك إليك..

اشتعل غضبـي بك لك ومنك عليك..

تلك اللحظات التي حلمت.. أردت..

أفنيت عمرا أرصدها قرباً منك..

أرجأتها.. أبعدتها.. أهملتها.. بيديك..

جئت تواً.. بعد ماذا؟ لماذا..

ودون الحشود عنوة اقتحمتني عيناك..

نظراتك تتلصلص علي..

تهمس لي.. تستصرخني.. تعرفني..

لا تعرفني..

أوتلتحم بـي لسابق معرفة.. حذويك؟؟

جلست مولاي في الصف الأول وأنا بعيدة..

عيناك تدوران تفتشان عني..

وأنا بك لا أبالي..

صفحة 6

غضب يشعلني بك منك وعليك..

أتراك سلطاني.. سلطنتي.. سلطتي..

أم هواني..؟؟!!

غضبـي يشتعل بك.. منك.. وعليك..

حاجبك الوسيم باصبعي أشرت إليه..

فاقترب طائعاً.. متيماً.. وضائعاً..

أفسح لي في الصف الأول..

وعلى بعد ثلاثة مقاعد عنك استقر هذياني..

مولاي..

سلطاني..

سيد العمر أنت.. ابتعته إليك..

حبيبـي أنت..

من يملك أن يحب سلطاناً..

سواها.. مولاتك السلطانة.

عيناك تتشاغلان بـي ولي..

وحدي أرصد شغفهما فيك..

بين جنبيك..

مولاتك السلطانة حواليك..

مولاتك السطانة ولكنك لاتعرفها..

وا أسفي لك.

غضبـي يشتعل بك..

والمسرح الكبير يشتعل بالقصائد المغناة للسلطان..

اشتهاءاتك لا تطالني..

ولا عاد نبض في الخفوق يحتويك..

تلقفك نشوتك.. تهم واقفاً.

لترقص رقصة السلطان قبل الأخيرة..

تنحدر إحداهن..

تلقفك بينما كانت يدك تنازع الرغبتين للاقتراب مني..

كانت ابتسامتي الأولى بثثتها إليك..

تشفيت بك أشفقت عليك..

أردتني أنا دون سواي بين يديك..

وألف يد امتدت إليك عدا يدي..

تمايلت يمنة ويسرة معها..

وعيناك لما تزالان تستحثان..

اقتربت مني حتى أني ابتلعت أنفاسك عوضا عن رئتيك..

حملت كامرتي..

وبدأت ألتقط صورك التي كنت قد كففت عن جمعها مذ إحدى عشر سنة بائدة.

أستصرخ ربـي.. أبثه حزني..

غبني.. تدليس روحي بحب سواه..

وارباه..

صفحة 7

ذاك الذي استعبد روحي..

استحل دوحي.. تلوته دعاءً وصلاة

ذاك الجاثم أمام بصيرتي..

ذاك الذي أعياني..

أسلطاني؟ أسجاني؟هو..

أم حلم هو في الطروس ولا عداه.؟

تلك الماجنة التي تلاحم جسده

تهوي على كتفه..

تهمس له بريبة..

يالها من كئيبة..

عيناه معي وأنا أقرب إليه منها

وتحسب أنها القريبة..

حاول تصنع الغبطة معها فلم يفلح..

فعيناه لا تفتآن تبوحان ولا تبرحان

تراقصاني بهوس الأرواح المتآلفة في السماء..

كان الحياة.. دماء وماء..

كان الهواء.. الموت والفناء..

كان سلطاني المبجل

يحتضر في ذلك المساء.

في استراحته بين الفقرات..

احتشد الجسدان في حيز مكاني واحد..

مد يده تصافحني..

وباليد الأخرى أوثق قبضته على يدي التي سكنت مشاعره..

استلبت نظراته جسدي الواهن،

تنفست مسامات روحي محاذرة..

لم يفلت يدي..

ولتفادي نظرات التعجب سحبتها -أنا- بحياء..

في قبضة يده التي طالت واستطالت عنان السماء

سحبتها دون أن أزهق الروح..

دون الصراخ والنوح..

حسبت قديما بأنني عندما أصافحه سيضج كوني بالأفراح

فلا زالت الأرواح ولا غابت الأتراح..

ولا القلب استراح..

عن سر وجهر ولا خفاء.

عيناك برقتا لي..

هكذا خيل إلي

- هذا فراق بيني وبينك -..

سيدي مولاي السلطان..

همست لي بكلمات مبعثرة

وكأنك كنت تثرثر قصيدة فقدي.

وكأنني أرصف طريقاً لخاتمتي.. همست لك..

هنالك أبدا عربة راحلة إنما دنياك تلك..

وأحد إثنين أنت..

إما راحل أو مرحول عنك..!!

صفحة 8

الحنظل

سيدي ومولاي السلطان..

قالت السلطانة:

تناهى إلى علمنا أنه في منطقة صحراوية نائية متاخمة لمنطقة الذيد، في "فريج[1]" لا يتعدى تعداد سكانه العشرون منـزلاً، وأنه انتهى الحال بحصه في زيجة ثانية لا تختلف كثيراً عن سابقتها سوى أنها أفتضت بكارة طفولتها واستلبت منها إرادتها في حقها المشروع بممارستها للحياة.

خلاف أيدلوجيتها الانسانية في تلك البقعة النائية عن الزمن درجت على ضبط برمجة دوران عقارب الساعة، إنها الخامسة وخمس دقائق، على وقع صوت "السنطور[2]" استيقظت.

اعتدلت في سريرها، رفعت الشعر المترامي فوق وجهها المخملي، ذكرها ربها به فذكرته، سحبت جسدها النحيل.. تركت السرير، تلمست موضع الإنارة في الغرفة الصغيرة وأشعلته..

فتحت الباب.. شاهدت فطيم "تحقن الروبة[3]" استبقت الباب موارباً.. قصدت الحمام، أضاءت اللمبة المدلاة في وسط سقفه المرتفع، وفي منخفض ينتهي بفتحة خارجية "هرقت الما[4]".

على وضوء خرجت، صلت الفجر.. أوصدت باب غرفتها ومشاعاً للضياع تبعثرت.

ضوء الشمس لم يكن ليعلن بعد عن بدء تضاريس انبعاث الشروق، نسمات الندى الباردة تنفسها وميض الفجر.. قشعريرة باردة سرت حول عنقها، فأحكمت رباط "شيلتها[5]" حوله ورمت بأطرافها خلف ظهرها لتتصدر لبرنامجها اليومي في استهلاك الحياة القسري.

خلسة قد ولجت فطيم إلى الغرفة الثانية والأخيرة في هذا المكان لاستكمال هجوعها أما عمتها طماعة فقد غادرت برفقة زوجها "للدبش[6]" إلى "العزبة[7]" توجهت حصه إلى "صندقة[8]" متهالكة، أقرب منها بالعشة[9].

أحضرت كمية من الحطب كانت مكومة خلف باب العشة، وفي الموقد الصغير أوقدت النار، إذ برغاء "الرجاب[10]" وقد علا حيث تتجمع ذات كل صبيحة باكرة من هذا الوقت لتحصل على حصتها من "النفيعة[11]"، وهاهي ذي تحوم حول السور من جهة البوابة الشرقية المتاخمة لباب المطبخ التي تؤدي لطريق العزبة وطريق "الزروب[12]" و"الهور[13]".

خلف المطبخ توجد مساحة مصنعة من الحجارة المرصوفة بالإسمنت، يعلوها "هوز[14]" وهي المكان المخصص للغسيل، تناولت قطعة بلاستيكية زرقاء على هيئة قدر بدا كأنها قد اقتطعته من نهاية برميل تناولتها ودلفت إلى "البخّار[15]حيث كدست "قلال التمر[16]" الخاصة بطعام الرجاب.

أدخلت يدها الصغيرة إلى "القلة[17]" المفتوحة وجعلت تشرذم حبيبات التمر اليابس في محاولة لاستخراج كمية منه، التقطت قطعة حديدية صغيرة علمها والد زوجها أن تستعين بها لإخراج كتل التمر المتلاصقة ببعضها البعض والتي تجد صعوبة كبرى في تفريقها.

بعد جهد مضنٍ شعرت من خلاله بأنها قد أفلتتت بعض أصابعها الصغيرة في القلة حملت وعاءها المملوء، واتجهت جهة الإبل التي ما أن أبصرتها مقبلة حتى علا رغاؤها.

صفحة 9

ولولا السور الصغير يحول بينها وبين الإبل لافترستها إحداهن تحت وطأة خفها الثقيل، فخوفها وفزعها كفيلان بالقضاء عليها بين ذود الإبل.

جعلت تلتقط قطع التمر بحرص تكورها ثم تحشرها في أفواهها الناقمة على الطفلة الصغيرة التي لا تفقه بعد كيفية التعامل معها، فرغت آنية التمر وبقي زبد الإبل على أصابعها وهو الأمر الذي تمقته كثيراً في هذه العملية الشاقة.

حضّرت القهوة ثم خبزت "الرقاق[18]"، ما أن فرغت حتى نهضت "بالطاسة[19]" الفارغة و"بريج[20]" القهوة لتغسلهما من دلو الماء الموجود خلف الصندقة، إذ بطماعة والدة زوجها "تعيب" قد حضرت كعهدها ذات كل صبيحة مقلوبة السحنة.

تركت حصه من يدها وأسرعت لتقبل رأس عمتها وتتمنى لها صباحا سعيداً لاشك هي لن تشاطرها منه سوى تعاسته.

ولجت للصندقة تنظفها وتتأكد من أن علب الصفيح التي تحتفظ بها عمتها فوق صناديق خشبية فارغة لم تتأثر برمال ليلة البارحة المغبرة، إذ أنها تحوي مؤونة القهوة و"البزار[21]".

كان المنـزل، الذي يقع بين كثبان رملية يسوره "شبك[22]" وبعض القطع الخشبية، ذا باب خشب من صنع يدوي، تحده من جنبيه "درامات ديزل[23]" يتألف من حجرتين وصندقة و"خيمة شعر[24]"، ولأن الوقت صيفاً تنصب طماعة "السقا[25]" في خيمة الشعر التي رفعت أذيالها عالياً.

طماعة امرأة بشرتها أميل للاخضرار، على مشارف الخمسين، وزنها التسعيني، لا يبدو عائقاً لبنيتها القوية التي تتمتع بها غطرسة وعنفواناً.

تقدمت حصه تحمل دلة القهوة، وقفت قبالة عمتها التي جلست أسفل السقاء فاردة ساقيها، تخضه بحركات حادة تداري غضباً أوشكت على أن تصب جامه على الصغيرة الماثلة أمامها والتي لا تقوى على الجلوس دون إذن مسبق.

وضعت الدلة من يدها تناولت طاسة قريبة من الموقد تحتوي على فناجين، أخرجت واحداً وسألت عمتها:

- عمتي أأصب لك القهوة؟

أومأت العمة بالإيجاب، أفلتت السقا وتناولت الفنجان من يدها، ثم زمجرت غاضبة:

- كم مرة أخبرتك أن تشعلي النار في الخيمة وتغلي القهوة عليها.

ارتعدت حصه:

- عمي غدير أخبرني ألا فعل فالجو شديد الحرارة في الخيمة.

اشتد حنقها وقد أبصرت يدا حصه مفروكة "بالكركم[26]".

- من أين لك هذا الكركم ولماذا تفركين به يديك؟

تسارعت ضربات قلبها:

- أخبرتني شواخ أن الكركم فوق الحنا يحفظه أشد سواداً، ثم أن يدي تأثرت ببعض الحروق والجروح المتلاحقة يوماً تلو الآخر.

- "غربلج[27]الله" أنت وشواخ.. هذا الكركم الذي خبأته في "السحارة[28]" فتسلطت عليه... أغربـي عن وجهي الآن.

عادت الدماء إلى أوصالها وهي تحث الخطى جهة غرفتها مخبأ إنسانيتها الأوحد في هذه البقعة الغاضبة من الأرض.. أحكمت إغلاق الباب واجترت نفساً عميقاً، كأنها تنفست ذرات الحياة.

فوق السرير، أوشكت على طرح أثقالها، إذ بالباب يطرق بعنف، بمرارة ازدرقت نفساً ممتعضاً وفتحت الباب، ألفته والد زوجها، أوزعت له، ولِنفَسها الشارد، بالولوج، شأنه ذات كل صبيحة الحضور في مثل هذا الوقت ليحتسي بمعيتها "الشاهي[29]" الذي تعده على الفرن الكهربائي في غرفتها.

في هذه الرمال التي تختضب بوهج الشمس لا يشربون سوى حليب "النوق[30]" هو يحب أن يشاطرها تلك الدقائق التي تسرقها خلسة من عمتها، تعد خلالها الشاي بالحليب، وتستمع إلى "الراديو[31]"، بحب قبلته على رأسه، فابتسامته هي الوحيدة التي تشعرها بآدميتها في منفى المكان.

- عمي أنا اليوم صايمة، سآخذ حماماً سريعاً ثم أحضر لك كوباً لذيذاً من الشاي.

- خلاص يابنتي سأتناوله معك على الفطور.

انصرف مسرعاً، دأبه دوماً، فهو على عجالة من أمره في كل وقت وحين، لا شاغل له سوى أمر "الرجاب".

بعد أن أخذت حماماً، أدارت "الراديو" على "إذاعة أم القيوين[32]" لتصغي لأغنيتها الصباحية التي تحب "ياصباح الخير يليِّ معانا.. الكروان غنى وصحانا".

وقفت قبالة المرآة نـزعت "الفودة[33]" عن رأسها وبعنف المقت لكل ما من شأنه أن يذكرها بأنوثتها جعلت تفرك بها خصلات شعرها الطويل والكثيف ثم رفعته دون أن تشغل نفسها بتسريحه.

على عجالة دست جسدها الناحل في ثوب طويل فقد باغتها صوت عمتها طماعة صارخة بها لتخرج، تناولت الشيلة الملقاة على السرير، غطت شعرها، فتحت الباب خرجت مسرعة جهة عمتها التي كانت قريبة من الباب تمسك بقطع من الصوف تصره في طرف شيلتها:

- نعم عمتي..

- أنا سأسبقك عند "لحرمات[34]" يالله هاتي "الدهن[35]" لأصبه فوق الخبز ثم إحمليه واتبعين إلى بيت زوينة بعد قليل.

- حاضر عمتي سأجلب الدهن من المطبخ.

صرخت طماعة بها صرخة مدوية:

- الله يغربلج كم مرة قلت لك بأن تضعي الدهن حول نار الموقد.

- عمتي أنا سأحمل الريوق إلى بيت زوينة وأعود لأني صائمة.

صفحة 10

حملت الريوق بعد أن ارتدت برقعها إلى بيت زوينة المجاور لبيتهم والمشابه له كذلك، فالغرفتان شيدتهما الحكومة وزوائد البيت بناها السكان، اتجهت مباشرة إلى غرفة عفراء التي تحبها كثيراً وهي عمة زوينة، إمرأة طاعنة في السن لم يسبق لها الانجاب، تعيش وزوجها حباً كبيراً بصحبة ابنة أخيها وأطفالها.

سلمت عليها واستأذنت متحججة بصيامها، لكنها فوجئت بالعجوز تخبرها بأنها قد تأثرت بها ونهجت نهجها في صيام الإثنين والخميس لأول مرة في حياتها بسبب الأجر والثواب اللذين أخبرتها عنهما.

عادت حصه سعيدة بخبر صيام العجوز، وسرعان ما شعرت بوعكة معوية، حملت دلواً واتجهت خارج البيت من الباب الخلفي المؤدي "للزروب[36]" متوجهة إلى "الهوُر[37]".

بعد أن وصلت إلى المكان المقصود انحدرت "عرقوباً[38]" ضخماً تلفتت يمنة ويسرة ثم جلست تقضي حاجتها في توتر وزيغ كبيرين، فهي لاتدرك تماماً ماهية أن يخرج الإنسان ليقضي حاجته خارج المنـزل في العراء، ولم تعهد ذلك مذ نعومة أظفارها.

انتهت سريعاً، ودلفت عائدة أدراجها جهة المنـزل، بيد أنها تذكرت نبتة كانت تسقيها كلما تبقى لديها القليل من الماء في الدلو الذي تحمله في رحلتها البغيضة تلك والتي لا مناص منها.

اقتربت من النبتة التي كانت تسميها "اليحة[39]" صبت في الحفرة الصغيرة التي حفرتها حولها ما تبقى من ماء لديها وتعجبت لماذا لا ينفك يزداد حجم نمو ثمرات هذه اليحة مما اضطرها لقطف إحداها، حملتها معها إلى المنـزل، ما أن وصلته إذا بفطيم شقيقة زوجها تهرع مسرعة إليها لترعبها على حين غرة:

- هاه أين كنت؟

سقط قلبها أسفل قدميها جراء مفاجأة فطيم لها، فاستدركت:

- في الهور..

علا صوت فطيم غاضباً:

- يعني عندما تصومين تحرمينا من الحليب.؟

- خلاص يافطيم في اليوم الذي أصوم فيه سأعطيك علبة حليب "رينبو[40]" لتعدي الشاي لك ولعمي.

انفرجت أسارير فطيم بهذا الحديث، ثم ما لبثت أن انتبهت للثمرة في يد حصه فتساءلت وهي تلحق بها إلى غرفتها:

- ماذا تحملين؟

- يحة.. لا أدري لماذا لا تنموا ولها أكثر من قرابة الشهر والعجيب أني كلما أذهب للهور أسقيها.

ضحكت فطيم ضحكة كبيرة حتى انها استلقت على قفاها على سرير حصه التي غضبت من تصرف فطيم فقالت لها وهي تنـزع البرقع من فوق وجهها وتتخلص من الشيلة التي تلفها على رأسها وحول صدرها:

- لماذا تضحكين هكذا.. سمعت نكتة؟

- والله أنها أكبر نكته.. هذه ثمرة "حنظل[41]" يالبقرة.

- ماذا يعني حنظل ألا ترين أنها تشبه "اليح" تماماً.

تناولت فطيم سكيناً وصحناً من الصندوق الخشبـي الذي تحتفظ حصه بداخله بمؤونتها من السكر والحليب وسواه، وضعت الثمرة في الطبق وقطعتها أمسكت بقطعة وعلى عجالة حشرتها في فم حصه:

- هكذا ستعرفين الحنظل عندما تطعمينه.

أبعدت حصه القطعة الصغيرة مكرهة وقد أزعجها تصرف فطيم التي بدت ساخرة منها، ولكن ما أن سرى طعم الحنظل على لعابها إذ بها تلفظها بسرعة وقد هبت مسرعة إلى الحمام تغسل فمها إثر المرارة التي طعمتها في ثمرة الحنظل، خرجت من الحمام غاضبة وصرخت بفطيم:

- أنت مجنونة ألا تعلمين أني صايمة..؟

تحرجت فطيم وشعرت بالإثم ثم سرعان ما خطفت علبة حليب من "الكبت[42]" وخرجت تتمثل عدم الإكتراث:

- سامحيني ياحصه ولكن جهلك بثمرة الحنظل جعلني أفقد صوابـي.

أغلقت حصه الباب تناولت "فودة" وجعلت تفرك لسانها علها تتخلص من طعم المرارة ولكن هيهات.. حدثت نفسها بألم:

- "أجل لم أعرفه قبلاً عرفته الآن في دياركم يافطيم الحنظل لاشك لن أنسى مرارته لطالما حييت فكيف أنسى مُرّاً أتجرعه جهاراً نهاراً..؟"

وضعت رأسها على السرير علها تنعم بساعتي نوم قبل عودة عمتها طماعة وقببيل بدء وقت إعداد وجبة الغداء.

لم تدرك حصه الوقت الذي غفت خلاله من شدة التعب والإنهاك، نهضت منـزعجة مرتعبة إذ بصراخ عمتها يأتيها هادراً عبر الباب المغلق.. قفزت من أعلى السرير كالملدوغة، دخلت الحمام.. شطفت وجهها مغبة أن تراها عمتها فتعرف أنها كانت نائمة، وضعت شيلتها على رأسها وأسرعت تلبـي النداء.. قبالة عمتها وقفت كريشة في مهب الريح:

- نعم عمتي ماذا تأمرين؟

- لماذا لم تجهزي الغداء.. هل أخرجت "السمج[43]" من الثلاجة؟

- سأخرجه الآن..

قالت بارتباك فهي لا تتذكر أن عمتها طلبت منها ذلك.

- أغربـي عن وجهي.. غربلك الله من حرمة.

"الفلاجة[44]" الصغيرة في المطبخ في مخزنها العلوي للتجميد لا يوجد سوى سمك "الشعري[45]" وفي مخزنها السفلي لايوجد سوى "الروب[46]" و"الدهان[47]" أمسكت بـ"خريطة السمج[48]" أخرجته من الثلاجة توجهت به إلى حيث حوض الغسيل خلف المطبخ.

تناولت قدراً وضعت فيه قطع السمك بعد أن أخرجتها من الكيس، وحملت القدر إلى المطبخ، أحكمت غطاءه كي لاتطاله "القطاوة[49]" ثم تناولت "طاسة" عتيقة سكبت فيها أكواباً عدة من "العيش[50]"، وعلى صندوق خشب جلست.. فقد اعتادت ذلك قبالة النار عندما تعد الخبز، وراحت تفتش بين حبات العيش عن القطع الفاسدة منه وبعض قطع الحجارة الصغيرة.

الأرز في بيت طماعة من النوع الرديء الذي لم تعتده في منـزل والدها جمعة، بعد أن فرغت من فرزه وتنظيفه نقعته بالماء وعادت أدراجها إلى غرفتها، حيزها المكاني الأوحد، في هذه الرقعة من الأرض، التي بالكاد تتعرف فيه على آدميتها المستلبة.

أدارت تشغيل جهاز "التلفزيون" الصغير الذي جلبته من بيت أهلها، وكان قد بدأ بث الفترة الصباحية في العاشرة صباحاً، "تحسفت" كثيراً لأنها لم تشاهد الحلقة الجديدة من مسلسل الأطفال "النسر الذهبـي" فهاهي ذي حصة كعادتها القديمة تحب مشاهدة الرسوم المتحركة، لاسيما أنها تفتقد "حزاوي" عمتها ناعمة وقصص أبلة أمينة، وتشعر بأن أعواماً وحُقباً لا تُعد ولا تُحصى، قد حالت دونها ودون تلك الأيام.

احتفظت لديها بدفتر صغير أزرق، تسجل فيه أحداث يومياتها التعيسة، سحبته من تحت المخدة وشرعت تسجل أحداث يومها الآني، ذاك هو الوعاء الوحيد الذي تفرغ فيه همومها ومعاناتها بعيداً عن طفولتها المستباحة، وبعيداً عن إخوتها الذين طالما أحبتهم، وهي تذوق المرارتين من جراء فراقها لهم.

***