صفحة 1
إلى سيف الرحبي
أنام·
أنام طويلاً· لكن نومي في كثير من الأوقات ليس سوى استلقاء على السرير في ظلمة الغرفة، مُسدلة الستائر·
مع ذلك أنام·
أنام وأحلم أحياناً·
أنام وأتذكر·
أهبط الدرج وأصعده حالماً ومتذكراً·
أحلم أو أتذكر، بناس أعرفهم وناس لم أرهم من قبل·
وأفكر·
أفكر براشد وأفكر بكاثي· أحلم بحكاية راشد، بالمواجهة البعيدة، وأفكر به واقفاً على الرصيف، مُسنداً ظهره إلى جدار بنك باركلي، وناظراً لساعات إلى محطة كنغز كروس· وأفكّر مرات أخرى بما تقوله كاثي·
كاثي التي ذهبت مرة إلى غزة ورأت كيف يعيش الفلسطينيون هناك· أفكر بما أخبرتني به، وأيضاً بمحاولاتها الدائمة أن تجرني إلى المظاهرات المناهضة للحرب· أفكر بضحكي الذي يثير حنقها!
أضحك، فتغضب وتقول: يا لك من عدميّ!
تقول كاثي وتمضي· وتقول إن صبرها قد ينفد قريباً وإنها لن تراني بعد ذلك اليوم·
لكنني أنام·
أنام وأحلم بحكاية الجثث الثلاث التي عُثر عليها مؤخراً في المنتزه المجاور· جثث ثلاثة سكارى· وأتذكر أن قاتلاً طليقاً هناك يزهق أرواح السكارى في منطقة كنغز كروس·
مع ذلك أواصل النوم·
صفحة 2
أهبط الدرج وأصعده، حالماً ومتذكراً·
وأنام·
***
وأنا نائم، ساعة الظهيرة، أسمع طرقات قوية على الباب·
غالباً ما أحاول النوم ساعة الظهيرة· أدسّ نفسي بملابسي تحت اللحاف وأحاول الخلود إلى النوم·
لا أحد ينام ساعة الظهيرة يقول لي جيم، ليس في إنكلترا ساعة قيلولة!
لكنني أحاول النوم·
النوم شفاء من الاكتئاب والصداع النصفيّ أقول لجيم وأخلد إلى النوم· وأنا حيوان نوم، في وسعي أن أنام نوماً متواصلاً لبضعة أيام· ليس ثمة أنجع من النوم دواءً للاكتئاب، فلأنم اكتئابي!
غير أن الطَرقات القوية تتواصل·
هذه ليست طرقات جيم· طرقات جيم خجولة ومترددة، فهو لا يحاول إزعاجي إلاّ خجولاً متردداً· يأتيني حينما لا يجد صاحباً فيحس بالسأم· يأتيني ظهراً ويسألني أن أرافقه إلى الحانة المجاورة·
ليس في إنكلترا ما يُسمى بساعة القيلولة يقول ممازحاً ثم إن الحانة هي أفضل علاج لما تعاني منه
يعلم جيم بما أعاني من اكتئاب· وهو غالباً ما يخبرني بما كابدت زوجته من ألم جراء هذا المرض· طبعاً يحاول جيم البليد مواساتي، ويكاد يفلح في فعل ذلك، غير أنه سرعان ما يُفسد الأمر· إذ يمضي فيخبرني بأنه، على رغم جهوده المتواصلة لمساعدة زوجته المكتئبة، إلا أنه أخفق في الحؤول دونها والانتحار أخيراً·
ومنذ ذلك الوقت وأنا على هذه الحال! يخلص محاولاً استدرار شفقتي·
أشكرك يا عزيزي جيم! فأنت بالفعل قد أدخلت العزاء إلى نفسي! أقول ساخراً وأقرر العودة إلى النوم·
صفحة 3
غير أن الطرقات قوية ما انفكت تهزّ الغرفة·
أنهض وأفتح الباب بحذر· ومن خلال الشق الموارب أبصر قامة غاري· غاري القوي البنية، والفخور بقوة بنيانه إلى حد أنه يُصر على ارتداء الفانلات الضيقة لكي تبرز عضلات صدره وساعديه·
هل ثمة كلب هنا؟ يسألني غاري بلهجة ازدراء لا يُخفى·
ليس ما عداي! أكاد أن أردّ ساخراً، غير أن نظرة غاري الواقف وقفة المتأهب للقتال تثنيني عن فعل ذلك·
لا··لا! أجيبه متلعثماً·
في أية غرفة الكلب إذاً؟ يسأل بنبرة تنم عن ضيق ونفاد صبر·
لا أعلم أسارع إلى الرد·
لكنني أعلم· فالكلب المقصود هو بوي كلب جيم الكسول، الذي يقضي النهار مقعياً على فراش جيم· وكان جورج، صاحب الفندق، قد حظر عليه الاحتفاظ به في غرفته ولكن من غير جدوى· فقد كان جيم يعده بأن يتخلص منه في أقرب فرصة سانحة، غير أنه سرعان ما يخلف الوعد متذرعاً كل مرة بذريعة مختلفة·
أقول لنفسي إن جورج قد ضاق ذرعاً به وبأعذاره فأوفد غاري، قويّ البنية، لكي يُجبره على التخلص من الكلب· وغاري بطل الفوكلاند، على ما يُنعت في غيابه من قِبل نزلاء الفندق، قادر على فعل ذلك، وأكثر من ذلك·
لا أعرف عن أيّ كلب تتحدث! أؤكد لغاري· وغاري غير مقتنع بكلامي· غير أنه يرميني بنظرة أقرأ فيها على الفور عبارة أيها الأجنبي الكاذب!
يوليني ظهره ويتجه نحو غرفة جيم ويطرق الباب بعنف·
أراقبه يستدير ويمضي بعزم، وأتذكر كاثي!
إنه متنمر! تقول كاثي كلما رأت غاري·
إنه متنمر! هذا النوع من الناس مضيعة للمكان! تقول كاثي وتشيح بوجهها لكي تتجنب النظر إليه·
صفحة 4
أتذكر ما تقوله كاثي، وأفكر لعل غاري هو القاتل الطليق في المنطقة· لعله قاتل السكارى، الذي باتت قصته على كل شفة ولسان؟
ولكن لا! غاري لا يقتل، غاري يتنمر فقط!
أقول لنفسي وأراقبه يطرق باب غرفة جيم!
أُراقبه من وراء الباب المشقوق·
***
أعرف غاري وأعرف جيم· لا بد من وقوع أمر سيئ، أقول لنفسي· جيم بليد وجبان، غير أنه في أحيان كثيرة يتفوه بما قد يستفزك ويدفعك إلى صفعه· وغاري لم يكن من النوع الذي يحتمل أية مشاكسة· غاري المتأهب للقتال يدق الباب بعنف فيظهر جيم بوجهه الغبي البليد·
ماذا تريد!
لكن غاري لا يجيب، وإنما يدفع الباب لكي يتمكن من رؤية ما في الغرفة·
يجب أن تُخرج هذا الكلب من الفندق اليوم؟ يهتف غاري، هازّاً سبابته أمام وجه جيم·
ماذا؟ يسأل جيم ببلاهة، ويحاول إغلاق الباب· لكن غاري يسارع إلى وضع قدمه أمام العتبة·
إصغ إليّ أيها الرجل الغبي: يجب أن تتخلص منه اليوم! هل فهمت؟ يأمر غاري، تخلّص منه، وإلاّ فإنني سأعود في المساء وألقي به وبك إلى الشارع!
وما شأنك أنت؟ أين جورج على أية حال؟ يسأل جيم غير مكترث بما قيل له·
لا تسألني أين جورج؟ جورج هو الذي طلب مني أن آتي وأسحبك خارج الفندق إذا لم تُخرج الكلب اليوم· يرد غاري بنبرة واثقة، ويردف بعد برهة اليوم! هل فهمت؟
اليوم··اليوم! ولكن اذهب إلى الجحيم! يرد جيم متأففاً، ويحاول إغلاق الباب· غير أن غاري يدفع الباب بقوة ويندفع إلى الداخل بجنون مُطلقاً سيلاً من الشتائم·
أًدنو لكي أرى ما يجري في الداخل·
صفحة 5
لا بد أن غاري سيفتك به! أقول لنفسي·
سيفتك به لا محالة، أقول لنفسي، وأنا أسترق النظر إلى داخل الغرفة· هناك أبصر جيم وقد تقوقع على نفسه في الزاوية، في حين اشرأب غاري بجسده الأعلى متأهباً للانقضاض عليه: جيم يسأله الانصراف وغاري لا يكف عن إطلاق السباب· وكطفل يرفع جيم يديه لكي يحمي وجهه ورأسه من ضربة متوقعة، ولكنه ما أن يبصرني واقفاً أمام الباب حتى يصرخ مستنجداً: أطلب الشرطة! أطلب الشرطة في الحال!
أقف حائراً عاجزاً، وغاري يتنبه إلى وجودي فيتجه إليّ مُسدداً سبابته نحوي، آمراً متوعداً: أنت! عد إلى غرفتك إذا لم تشأ أن تصاب بمكروه!
لكنه مريض أصرخ متوسلاً·
إذا كان مريضاً فلماذا لا يطبق فمه الكبير؟ يرد غاري ساخراً·
إنه لا يعي ما يقول، أستدرك محاولاً تهدئته، إنه سكران! ألا يمكنك أن ترى؟
نعم أرى ·· أرى!
ويهدأ غاري فجأة· تنبسط قسمات وجهه، فأدرك أن تدخلي قد بعث الارتياح في نفسه· وأفكرّ أن غاري يدرك الحدود جيداً، ويدرك أية عاقبة ستكون بانتظاره إذا ما خرقها· لم ينو غاري الاعتداء على جيم بالضرب، وإنما فقط أراد التنمّر عليه· يعرف غاري جيداً بأن الاعتداء بالضرب سيودي به إلى زنزانة الشرطة، لذلك فهو يتنمّر وينتظر·· ينتظر أحداً ما لكي يتدخل فيجد في ذلك مخرجاً من دون أن يفقد ماء وجهه·
يهدأ غاري حينما يراني متوسلاً، ويسارع إلى الانصراف·
أنتم في طريق بنتونفيل تعيشون على هواكم، يهتف غاري بأعلى صوته أملاً في أن يسمعه بقية النزلاء، ويهبط الدرج مشرئب العنق منتفخ الصدر، لكن الأمور ستتغير قريباً، أعدكم بذلك! يضيف على الفور ما أن يبُصر الأيرلندي الهَرِم برندن واقفاً أمام غرفته في الطابق الثاني·
يبتسم برندن ويهتف، بلهجته الأيرلندية، مداعباً: كُن جاداً يا رجل! فنحن لا نحصل على حصتنا من الصابون والمناشف·
صفحة 6
أدخل إلى غرفتك أيها الرجل الهَرِم! يصرخ غاري مُحذّراً· ثم إنه ما أن يلمح علبة الجعة في يد برندن، حتى يضيف ساخراً، وإن بالنبرة العدائية نفسها: أكمل شرب ما بيدك واذهب إلى النوم!
تعتري إمارة الارتباك وجه برندن، ويحاول إخفاء العلبة، غير أنه يسارع إلى القول ساخراً: ليس الشرب ضد القانون؟ على ما آمل!
لا ليس ضد القانون، ولكن وفرّ عليّ تعليقاتك السخيفة إذا ما أردت أن تبقى سليماً معافى!
أنت عدواني أيها الشاب! يرد برندن بنبرة جادة احترم سنيّ· لقد كنت جندياً في الجيش· لقد حاربت في سبيل هذا البلد·
ها هو برندن، أقول لنفسي، لا يكف عن تكرار هذه العبارة: كنت جندياً! لقد خضت الحرب العالمية الثانية، ولكن، يا أسفي، لأي جدوى؟
لكن غاري لا تنقصه الذخيرة المناسبة· فغاري هو بطل الفوكلاند·
أنت كنت جندياً، وأنا كنت جندياً· أنت حاربت في الحرب العالمية، وأنا حاربت في الفوكلاند! لقد جُرِحت في تلك الحرب اللعينة! يرد غاري مُفحماً الهَرِم الواقف أمام غرفته بتردد·
يعلم جميع نزلاء المبنى، والمباني الأخرى التابعة للفندق، أن غاري حارب وجُرح في حرب الفوكلاند· فغاري لا يكف عن إخبار الناس بما أبلى من بلاء حسن خلال تلك الحرب· لقد قصّ الحكاية مرات عديدة حتى صار يُعرف عند الناس بـغاري بطل الفوكلاند وكلما أذهب إلى المبنى الرئيسي أجده واقفاً أمام ستيفكا، عاملة الاستعلامات، يقصّ عليها بعض مغامراته العسكرية· لكن ستيفكا سرعان ما تملّ من سماع قصصه، فتقول له أمام الجميع: ولكن يا عزيزي غاري، لو سمع الناس كل حكاياتك هذه لظنوا بأنك حاربت في حرب المائة عام وليس في حرب الفوكلاند فقط·
تقول ضاحكة ويضحك النزلاء المتحلقون في البهو، ويهتف أحدهم ساخراً: إنه يحاول أن يثير إعجابك!
وأراقب غاري، وأفكر براشد· أتذكر حكاية المواجهة البعيدة وفرصة البطولة التي بددّها متعمداً·
صفحة 7
راشد، في ذلك المكان البعيد، وخلف تلة صغيرة تعلوها أجمة من القصب، يتأهب لإطلاق الرصاص على ثلاثة جنود، لكنه في اللحظة التي يوشك على ضغط زناد الكلاشينكوف يوقن بأن القتل ليس سبيله·
أتذكر راشداً، وأحاول أن أتخيّله هناك على تلة صغيرة، محاطاً بالقصب ومتأهباً لإطلاق الرصاص على ثلاثة جنود إسرائيليين· يتردد راشد، ويوقن في دخيلة نفسه بأن أمراً كهذا ليس من طبيعته·
شيء ما فتح عينيّ على حقيقة الموقف، على حقيقة الأشياء كما هي، عارية وبذيئة ومن دون أية قيمة! يقول لي راشد حينما نلتقي في ذلك المقهي اليوناني عند زاوية غريز إن روود
ما الذي دهاني؟ لماذا في تلك اللحظة بالذات؟ يتساءل راشد وكأنه يتحدث إلى نفسه· ويقول إن الكثير من الناس يحسّون بما أحسست، ولكن في ما بعد، حينما يفكّرون بما فعلوا، حينما يقدّرون حياتهم في لحظة هدوء، لكنه هو أحسّ بذلك في لحظة المواجهة فقط· نعم لقد راودته مثل تلك الأحاسيس من قبل، لكنها غالباً ما كانت عابرة وغامضة بحيث أمكنه التخلّص منها على الفور·
راشد لم يُخلق لكي يكون بطلاً، أقول لنفسي ولكن غاري، غاري لا يمكن أن يتخيّل نفسه إلا بطلاً·
عُدّ إلى غرفتك ايها الهَرِم! يصرخ غاري هازاً سبابته في وجه برندن· غير أن برندن يلبث واقفاً عند الباب، يهزّ رأسه بيأس ويقول: هذا ما يحدث للمرء حينما يهرم·
هَرمٌ أحمق! يهتف غاري ويستأنف هبوط الدرج· وبين الفينة والأخرى أراه ينحني ملتقطاً قطعة ورق من هنا وعقب سيجارة من هناك·
قمامة! قمامة! كيف يمكن لهؤلاء الناس أن يعيشوا هكذا؟ يتمتم بتأفف، ثم يرفع بصره نحوي: هاي أنت! تعال أقفل الباب خلفي! لا عجب أن حثالة كنغز كروس تجد في هذا المكان مأوى، طالما أن الباب الأمامي يبقى مشرعاً·
أهبط الدرج من غير تلكؤ·
ينبغي على جورج أن يعيّن حارساً لهذا المبنى يقول غاري فجأة، فلا أعلم ما إذا كان يخاطبني أم يتحدث إلى نفسه لا يمكن أن تبقى الأمور على هذه الحال·
نعم، أنت على حق! أسارع إلى الموافقة·
لا يمكن أن يبقى هذا المكان من دون شخص يدير شؤونه يعود إلى القول، شخص قوي قادر على رفس من لا يعجبه
نعم، صحيح!
صفحة 8
ما رأيك أنت؟
أنظر إليه متسائلاً: أتقصد أن أكون أنا حارساً للمبنى؟
نعم! يمكنك أن تفعل كل ما تشاء هنا· يمكنك أن تطرد كل من لا يلتزم بالتعليمات! يقول غاري مشجعاً·
لا أعرف بما أجيب· لا يمكن أن أتخيّل نفسي مسؤولاً عن هذا المبنى، أطرق أبواب النزلاء بعنف كما يفعل غاري، أسأل هذ أن يُخفض صوت الستيريو، وأهدد ذاك بأنه إذا لم يكف عن إحضار أصحابه لقضاء الليل في غرفته فإنني سألقي به إلى الشارع·
لا يمكن أن أتخيّل نفسي أقوم بعمل كهذا!
ولكن لمَ لا؟ أحدّث نفسي· في وسعي أن أتنمر على الناس كما يفعل غاري، آمر وأنهي وأهدد النزلاء بالطرد· هناك الكثير من الناس ممن يفعلون ذلك، فلماذا لا أكون واحداً منهم؟ ومن يدري فقد تدفع هذه المهمة عني الاكتئاب الذي لا يني يعتريني· ومن يدري فقد يخشاني الآخرون ويحسبون لي حساباً، وقد يذيع صيتي بأنني حارس شديد البأس لا يتسامح تجاه خرق التعليمات والقوانين، بل قد يهابني أبناء المنطقة جميعاً·
نعم، هذا ما يحتاجه الفندق! أقول لنفسي، بل هذا ما تحتاجه منطقة كنغز كروس بأسرها· إن ما فيها من حثالة يجعلها بأمس الحاجة إلى رجل شديد البأس· نعم، سأكون مثل ترفاس في فيلم سائق التاكسي!
وأكاد أن أصدق نفسي بأنني قادر على أداء مهمة كهذه·
ثم أتذكر القاتل الطليق! أفكر بأن هذا ما يحاول أن يفعله، أن ينظف المنطقة، متصيداً السكارى واحداً إثر واحد· يحاول أن ينظف كنغز كروس من الحثالة!
وأفكر بأنني في مرة سأخبر كاثي بأمر رغبتي بالتخلص من حثالة كنغز كروس، مثل ترفاس في فيلم سائق التاكسي أفكر بذلك وأنا أدرك فحوى ردّها·
إنك تقع في شرك النظام، ستقول لي، النظام الذي يحوّل الناس إلى سكارى ومدمنين وداعرات من ثم ينعتهم بأنهم أصل الوباء الاجتماعي!
ستقول كاثي كما تقول دائماً·
صفحة 9
ستقول إنه النظام!
نعم! سأردّ عليها، وأحسّ بالسأم·
لكنها مهمة كبيرة! أقول لنفسي، قبل أن يأتيني صوت غاري·
لا تخف سأكون بجانبك إذا ما احتجت إلى مساعدة! يقول غاري مطمئِناً، إذا لم يمتثل أحد ما لتعليماتك، أخبرني وأنا أتدبر أمره!
ولكن ماذا عن يون؟ أسأل فجأة كمن يحاول الشروع في مناقشة عقبات المهمة الموكلة إليه·
لا تحدثني عن ذلك الروماني التعس!
لكنه لا يقوم بعمله كما يجب· لا ينظف الدرج ولا يغيّر أغطية الأسرة في الموعد المحدد·
أعرف·· أعرف! يقول غاري موافقاً، أقسم لك أنه لولا جورج لكنت أوسعته ضرباً وطردته من الفندق منذ وقت بعيد·
إنه لا يفعل شيئاً! يأتي إلى هنا كل أسبوع ويقضي الوقت متحدثاً إلى النزلاء· أقول ممعناً في تحريض غاري·
لا عليك من يون هذا! أنا سأتدبر أمره!
ولكننا لا يمكن أن نكفل النظام هنا من دون أن نُبقي المبنى نظيفاً، ويون·· أقول بصوت من تمرّس في إدارة الشؤون العملية لأعوام عديدة، وأكاد أن أنفجر ضاحكاً، ساخراً من نفسي على الأرجح·
قلت لك، أترك أمر يون لي! يقاطعني بنبرة حاسمة كمن يضع حداً لنقاش عقيم·
حينما نصل إلى الباب الأمامي، يتمهل غاري قليلاًً، ويقول بعدما يستدير نحوي واضعاً راحته على كتفي: أنت وأنا يمكننا أن ندير هذا المبنى، بل الفندق بسائر أقسامه، على خير ما يرام· يقول غاري بصوت رزين بينما تستولي على وجهه قسمات جديّة مفرطة·
أهزّ رأسي موافقاً، وألبث واقفاً أراقبه يخطو إلى الشارع المجاور· ويمضي غاري بين السابلة بخطوات واثقة، ينظر يمنة ويسرة متفحصاً ما يقع أمام ناظريه، متأهباً لأن يأمر هذا وينهى ذاك·
أواصل مراقبة غاري إلى أن يختفي في زحام الداخلين والخارجين من محطة كنغز كروس· وأهمّ بإغلاق الباب الخارجي، غير أنني أتلكأ لكي ألقي نظرة إلى الحانوت المجاور، آمل في أن يكون ثيو هناك·
صفحة 10
أقف أمام الواجهة الزجاجية اللامعة، ولكن عوضاً عن رؤية ثيو أو أي شخص آخر، أُطالع صورتي المنعكسة على الزجاج، فأبصر شخصاً مهوشّ الشعر هزيلاً كمن يعاني من سوء التغذية· كيف لي أن أتولى أمر الفندق وأنا لا أستطيع أن أتولى أمر نفسي، أقول لنفسي، وأدنو من باب الحانوت· وأسارع إلى الدخول آملاً في أن يكون ثيو قد أحضر لي الأقراص المهدئة للأعصاب، وأفكر بأني يجب أن أعود إلى النوم قبل أن يتسلل الاكتئاب إلى نفسي ثانية·
***
يجلس ثيو مطرقاً·
يجلس خلف كاونتر الحانوت الواطئ·
أدخل، فلا يبدو أنه قد تنبّه إلى وجودي، أو وجود أيما شخص آخر في الحانوت، هو الذي لا يكف عن مراقبة الزبائن·
هناك لصوص كثيرون في هذه المنطقة يقول لي دوماً، ويعود إلى مراقبة الزبائن·
لكنه الآن يجلس مطرقاً، غير مكترث بمن يدخل أو يخرج·
أين اختفيت؟ أسأله بصوت، أجاهد أن أجعله ودوداً· أوقن جيداً أن ثيو شخص مزاجيّ، وأنه في لحظة قد يكون مرحاً صدوقاً، وفي أخرى عنيفاً لئيماً·
يرفع بصره إليّ متثاقلاً·
ألم تر هذه بعد؟ يسأل مشيراً إلى الصحيفة المنبسطة أمامه على الطاولة·
لم أرها!
أهزّ رأسي بالنفي· لم أرها وليس من عادتي قراءة الصحف الإنكليزية عموماً، فما بالك بالصحيفة المختصة بشؤون الجالية القبرصية اليونانية·
يطوي الصحيفة بعناية ويدفعها نحوي، مشيراً إلى خبر في وسط إحدى الصفحات الداخلية:
أنظر هنا!
أنظرُ إلى حيث يشير وأقرأ:
تبرئة تلميذ قبرصي من جناية!
أرفع بصري إليه مستغرباً ومتسائلاً·
اقرأ! اقرأ!