صفحة 1
توطئة
سبق طبع العديد من هذه الأبحاث بأكملها في مجلات علمية، وبعض آخر منها يعد جديدا بدرجات مختلفة. ثمة إشكاليتان أساسيتان تشكل قاسما مشتركا لمواضع عناية تلك الأبحاث. إحداهما هي إشكالية المعنى، خصوصا كما هي متضمنة في مفهوم الإقرار التحليلي. الثانية هي مفهوم الالتزام الأنطولوجي، خصوصا كما هو متضمن في إشكالية الكليات.
ثمة أبحاث متنوعة سبق نشرها بدا أنها جديرة بأن تضمَّن هنا لولا أنها أثارت صعوبتين. الأولى كونها متداخلة، شأنها في ذلك شأن الأبحاث التي كتبت بحيث توفر على القارئ عناء التردد المستمر على المكتبات. الثانية هي أنها اشتملت على أجزاء أصبحت أجدها تدريجيا مصاغة صياغة رديئة أو ما هو أسوء من ذلك. مفاد ما أريد قوله هو أن تلك الأبحاث المتعددة بدت أنها تبرر إعادة طبعها على عواهنها وتحت عناوينها الأصلية، في حين توجب تشذيب بعض آخر، اختصاره، دمجه، إضافة مواد جديدة إليه، أو إعادة تقسيمه وفق مبادئ توحيد وتفريد جديدة استجلبت معها عناوين جديدة. بخصوص مجالات المواضيع الخاصة بما ليس جديدا، انظر "أصول الأبحاث" في نهاية هذا الكتاب.
الموضوعان المشار إليهما في بداية هذه الصفحة يبحثان عبر الكتاب وعلى نحو متزايد بمساعدة أدوات المنطق الفنية. لقد استدعى هذا أن نمر في منتصف الطريق بمرحلة يتوجب فيها التوقف عن مناقشة ذينك الموضوعين بغية طرح بعض التمهيدات الفنية في المنطق. "أسس المنطق" أعيد طباعته لهذا السبب وللقيمة التي يحتازها بذاته، فقد قام بدور في أدبيات لاحقة، وثمة بحث مستمر عن طبعات جديدة له. إعادة طباعته هنا إنما تهيئ الفرصة لطرح تعليقات إضافية، تمس تلك الاكتشافات اللاحقة وتقيم علاقة بين نسق "أسس جديدة" ونظريات فئوية أخرى. على ذلك، ظلت عملية حشر المنطق البحت قصدا ضمن حدود معقولة.
كما لوحظ ببعض التفصيل في الصفحات الأخيرة، أعيدت طباعة معظم محتويات هذا الكتاب أو تم تعديلها من الدوريات: Review of Metaphysics, Philosophical Review, American Mathematical Monthly, Journal of Symbolic Logic, Proceedings of the American Academy of Arts and Science, Philosophical Studies. إنني أشعر بالامتنان تجاه محرري تلك الدوريات وتجاه دار النشر بجامعة منسوتا لسماحهم لي بتوظيف تلك المواد مرة أخرى.
أيضا، فإنني مدين للأستاذين ردولف كارناب ودونالد ديفدسون لما قدماه من انتقادات مفيدة لمخطوطات مبكرة للبحث "أسس جديدة" و"ثنتان من عقائد الامبيريقية" على التوالي، وللأستاذ بول برنيز لملاحظته خطأ في الطبعة الأولى من "أسس جديدة". نقد التحليلية الذي كرس معظم "ثنتان من عقائد الامبيريقية" لنقده جاء نتاجا لنقاشات شفهية ومكتوبة لم تتخذ طابعا رسميا اشتركت فيها بدءا منذ عام 1939 مع الأساتذة كارناب، ألونزو تشرش، نيلسون جودمان، ألفرد تارسكي، ومورتن وايت؛ إنني مدين بفضل كل منهم لدفعي إلى كتابة ذلك البحث وربما أدين بفضلهم بخصوص محتواه أيضا. فضلا عن ذلك، فإنني مدين لجودمان لنقده بحثين استمد منهما جزئيا البحث المعنون "المنطق وتمدية الكليات"، ولوايت لنقاشه الذي أثر في الشكل الراهن لذلك البحث.
أشكر السيدة مارتن جوهن لطباعتها الجيدة، وإداريي مؤسسة هارفارد للمنحة التي وهبوها إياي. أقر أيضا بجميل السادة دونالد ب. كومبي و س. مارشال كوهن اللذين قدما لي مساعدة كبيرة في ثبت الأسماء والمواضيع وفي إعداد الإثباتات.
ويلارد كواين
كيبمردج، ماستشوشست.
سبق طبع العديد من هذه الأبحاث بأكملها في مجلات علمية، وبعض آخر منها يعد جديدا بدرجات مختلفة. ثمة إشكاليتان أساسيتان تشكل قاسما مشتركا لمواضع عناية تلك الأبحاث. إحداهما هي إشكالية المعنى، خصوصا كما هي متضمنة في مفهوم الإقرار التحليلي. الثانية هي مفهوم الالتزام الأنطولوجي، خصوصا كما هو متضمن في إشكالية الكليات.
ثمة أبحاث متنوعة سبق نشرها بدا أنها جديرة بأن تضمَّن هنا لولا أنها أثارت صعوبتين. الأولى كونها متداخلة، شأنها في ذلك شأن الأبحاث التي كتبت بحيث توفر على القارئ عناء التردد المستمر على المكتبات. الثانية هي أنها اشتملت على أجزاء أصبحت أجدها تدريجيا مصاغة صياغة رديئة أو ما هو أسوء من ذلك. مفاد ما أريد قوله هو أن تلك الأبحاث المتعددة بدت أنها تبرر إعادة طبعها على عواهنها وتحت عناوينها الأصلية، في حين توجب تشذيب بعض آخر، اختصاره، دمجه، إضافة مواد جديدة إليه، أو إعادة تقسيمه وفق مبادئ توحيد وتفريد جديدة استجلبت معها عناوين جديدة. بخصوص مجالات المواضيع الخاصة بما ليس جديدا، انظر "أصول الأبحاث" في نهاية هذا الكتاب.
الموضوعان المشار إليهما في بداية هذه الصفحة يبحثان عبر الكتاب وعلى نحو متزايد بمساعدة أدوات المنطق الفنية. لقد استدعى هذا أن نمر في منتصف الطريق بمرحلة يتوجب فيها التوقف عن مناقشة ذينك الموضوعين بغية طرح بعض التمهيدات الفنية في المنطق. "أسس المنطق" أعيد طباعته لهذا السبب وللقيمة التي يحتازها بذاته، فقد قام بدور في أدبيات لاحقة، وثمة بحث مستمر عن طبعات جديدة له. إعادة طباعته هنا إنما تهيئ الفرصة لطرح تعليقات إضافية، تمس تلك الاكتشافات اللاحقة وتقيم علاقة بين نسق "أسس جديدة" ونظريات فئوية أخرى. على ذلك، ظلت عملية حشر المنطق البحت قصدا ضمن حدود معقولة.
كما لوحظ ببعض التفصيل في الصفحات الأخيرة، أعيدت طباعة معظم محتويات هذا الكتاب أو تم تعديلها من الدوريات: Review of Metaphysics, Philosophical Review, American Mathematical Monthly, Journal of Symbolic Logic, Proceedings of the American Academy of Arts and Science, Philosophical Studies. إنني أشعر بالامتنان تجاه محرري تلك الدوريات وتجاه دار النشر بجامعة منسوتا لسماحهم لي بتوظيف تلك المواد مرة أخرى.
أيضا، فإنني مدين للأستاذين ردولف كارناب ودونالد ديفدسون لما قدماه من انتقادات مفيدة لمخطوطات مبكرة للبحث "أسس جديدة" و"ثنتان من عقائد الامبيريقية" على التوالي، وللأستاذ بول برنيز لملاحظته خطأ في الطبعة الأولى من "أسس جديدة". نقد التحليلية الذي كرس معظم "ثنتان من عقائد الامبيريقية" لنقده جاء نتاجا لنقاشات شفهية ومكتوبة لم تتخذ طابعا رسميا اشتركت فيها بدءا منذ عام 1939 مع الأساتذة كارناب، ألونزو تشرش، نيلسون جودمان، ألفرد تارسكي، ومورتن وايت؛ إنني مدين بفضل كل منهم لدفعي إلى كتابة ذلك البحث وربما أدين بفضلهم بخصوص محتواه أيضا. فضلا عن ذلك، فإنني مدين لجودمان لنقده بحثين استمد منهما جزئيا البحث المعنون "المنطق وتمدية الكليات"، ولوايت لنقاشه الذي أثر في الشكل الراهن لذلك البحث.
أشكر السيدة مارتن جوهن لطباعتها الجيدة، وإداريي مؤسسة هارفارد للمنحة التي وهبوها إياي. أقر أيضا بجميل السادة دونالد ب. كومبي و س. مارشال كوهن اللذين قدما لي مساعدة كبيرة في ثبت الأسماء والمواضيع وفي إعداد الإثباتات.
ويلارد كواين
كيبمردج، ماستشوشست.
صفحة 2
تقديم المترجم
لا أزعم، وقد لا يحق لكثيرين من غير أولي الاختصاص أن يزعموا، فهم كل التفاصيل المنطقية التي يخوض كواين في غمارها؛ غير أنه بالمقدور التغاضي عن كثير منها دون فقد مفاد الرؤى التي يطرحها هذا الفيلسوف المعاصر. القضايا التي يثيرها هذا الكتاب ميتافيزيقية في طابعها العام، ومؤلفه يعمد إلى توظيف التقنيات المنطقية التي تم استحداثها منذ مطلع القرن الفائت ـ بعد أن يجري عليها تعديلات لا مراء في جوهريتها ـ كي يقوم بتوضيح وحسم مسائل تتعلق على وجه الخصوص بالعلم الطبيعي. الراهن أن كواين معني بوجه عام بطرح تصور في المعرفة البشرية، وهو مشغول خصوصا بأمر الكينونات التي يلزمنا المشروع الابستمولوجي بتضمينها في مذاهبنا الأنطولوجية، وإن كان يحرص دوما على إلزامنا بالحد الأدنى منها، فهو يظل نصيرا متحمسا للنزعة الامبيريقية. على ذلك، يستبان أن كواين أكثر استعدادا من أقرانه الامبيريقين لقبول بعض الكينونات المجردة، من قبيل الفئات والأعداد، كونه يذهب إلى أنه لا سبيل للممارسة المشروع العلمي في غيابها.
الدراسات التي يشتمل عليها هذا الكتاب أضحت كلاسيكية. الواقع أنه لا يكاد يخلو بحث معاصر في مسائل أنطولوجيا العلم من الإشارة إلى بعض منها. لقد شعر المعنيون بتلك المسائل أنه يتوجب عليهم اتخاذ موقف من الرؤى التي يشايعها كواين، ورغم أن كثيرا منهم لا يقر المذهب الذي يخلص إليه، فإنهم يستشعرون أهمية الرد على حججه التي بدت قوية بسبب حرصه المستمر على دعمها مستخدما مختلف تقنيات علوم المنطق والدلالة.
في مقاله الأول، المعنون "في الذي يوجد"، يتساءل كواين عما يتعين علينا الالتزام بوجوده عبر المنطوقات التي نقرها. هذا سؤال قديم، فالفلاسفة منذ أقدم العصور تساءلوا عما يحظى بمنزلة الوجود ويتنزه عن غياهب العدم، وهكذا ذهب كثير منهم إلى إقرار وجود عالم مفارق للأنا البشرية لا يرتهن قيامه بقيامها، واعتقد بعض في أن العالم الذي ندرك بحواسنا ليس حقيقيا تماما، وإنما هو ظلال لحقائق خالدة تتموضع في عالم مغاير، وذهب آخرون إلى تكريس تعليم سولبسيسي مفاده أن تكون هو أن تكون موضعا للإدراك، في حين أقرت طائفة أخرى من الفلاسفة أن السؤال عن وجود أشياء بعينها قد يكون حريا بعناء التقصي، بيد أن السؤال العام عما يوجد حقيقة لا معنى له أصلا. في معرض تناوله لهذه المسألة، يشير كواين بداية إلى مأزق يزعم البعض أنه يواجهه كل من ينكر وجود أية كينونة. إذا أنكرتُ وجود شيء تقر وجوده، لن يكون بمقدوري التسليم بوجود أشياء تقر وجودها ولا أقره، إذا أن تسليمي بوجود مثل هذه الأشياء إنما يتناقض مع إنكاري إياها. هذا يعني، على حد تعبير كواين، أن نصير المبدأ السلبي في أي جدل أنطولوجي يعاني من وضع غير موات، إذ سوف يجد نفسه عاجزا حتى عن التسليم بأن خصمه يختلف معه. الأسوأ من ذلك هو أن هناك مذهبا أفلاطوني الطابع يغالي في تحميل كواهلنا بعبء الالتزام بوجود حتى ما نقر صراحة بعدم وجوده. يتوجب على ما لا يوجد، فيما يقر ذلك المذهب، أن يوجد بمعنى ما، وإلا ما احتاز إقرارنا بعدم وجوده على أي معنى. يشبه كواين هذا التعليم بلحية أفلاطون الكثة التي طالما أثلمت شفرة أوكام، لكنه لا يألو جهدا في تبيان الأخلاط التي ينهض عليها.
هكذا يشرع كواين في التساؤل عن طبيعة هذه الكينونة التي يُزعم أننا ملزمون بإقرار وجودها حين ننكر وجود أية كينونة؟ بيّن أنه ليس بمقدور أحد الزعم بأنه محتم علينا إقرار وجود منطقة زماكنية، دانية أو قصية، تضم مثلا حصانا مجنحا من لحم ودم حين نقر أن "بيجاسوس" ليس موجودا. قد يسلم خصمنا بأنه لا يريد شيئا من هكذا قبيل حين يقر إلزامنا بتلك الكينونة، وحين يُكره على تفصيل مراده، قد يقر أن بيجاسوس فكرة في أذهان الناس. لكن قوله هذا، فيما يوضح كواين، إنما يمكننا من الشروع في كشف النقاب عن الخلط الذي وقع فيه. قد نسلم جدلا بوجود كينونة من هكذا قبيل، لكنها ليست ما يتحدث عنه الناس حين ينكرون وجود بيجاسوس.
لا أزعم، وقد لا يحق لكثيرين من غير أولي الاختصاص أن يزعموا، فهم كل التفاصيل المنطقية التي يخوض كواين في غمارها؛ غير أنه بالمقدور التغاضي عن كثير منها دون فقد مفاد الرؤى التي يطرحها هذا الفيلسوف المعاصر. القضايا التي يثيرها هذا الكتاب ميتافيزيقية في طابعها العام، ومؤلفه يعمد إلى توظيف التقنيات المنطقية التي تم استحداثها منذ مطلع القرن الفائت ـ بعد أن يجري عليها تعديلات لا مراء في جوهريتها ـ كي يقوم بتوضيح وحسم مسائل تتعلق على وجه الخصوص بالعلم الطبيعي. الراهن أن كواين معني بوجه عام بطرح تصور في المعرفة البشرية، وهو مشغول خصوصا بأمر الكينونات التي يلزمنا المشروع الابستمولوجي بتضمينها في مذاهبنا الأنطولوجية، وإن كان يحرص دوما على إلزامنا بالحد الأدنى منها، فهو يظل نصيرا متحمسا للنزعة الامبيريقية. على ذلك، يستبان أن كواين أكثر استعدادا من أقرانه الامبيريقين لقبول بعض الكينونات المجردة، من قبيل الفئات والأعداد، كونه يذهب إلى أنه لا سبيل للممارسة المشروع العلمي في غيابها.
الدراسات التي يشتمل عليها هذا الكتاب أضحت كلاسيكية. الواقع أنه لا يكاد يخلو بحث معاصر في مسائل أنطولوجيا العلم من الإشارة إلى بعض منها. لقد شعر المعنيون بتلك المسائل أنه يتوجب عليهم اتخاذ موقف من الرؤى التي يشايعها كواين، ورغم أن كثيرا منهم لا يقر المذهب الذي يخلص إليه، فإنهم يستشعرون أهمية الرد على حججه التي بدت قوية بسبب حرصه المستمر على دعمها مستخدما مختلف تقنيات علوم المنطق والدلالة.
في مقاله الأول، المعنون "في الذي يوجد"، يتساءل كواين عما يتعين علينا الالتزام بوجوده عبر المنطوقات التي نقرها. هذا سؤال قديم، فالفلاسفة منذ أقدم العصور تساءلوا عما يحظى بمنزلة الوجود ويتنزه عن غياهب العدم، وهكذا ذهب كثير منهم إلى إقرار وجود عالم مفارق للأنا البشرية لا يرتهن قيامه بقيامها، واعتقد بعض في أن العالم الذي ندرك بحواسنا ليس حقيقيا تماما، وإنما هو ظلال لحقائق خالدة تتموضع في عالم مغاير، وذهب آخرون إلى تكريس تعليم سولبسيسي مفاده أن تكون هو أن تكون موضعا للإدراك، في حين أقرت طائفة أخرى من الفلاسفة أن السؤال عن وجود أشياء بعينها قد يكون حريا بعناء التقصي، بيد أن السؤال العام عما يوجد حقيقة لا معنى له أصلا. في معرض تناوله لهذه المسألة، يشير كواين بداية إلى مأزق يزعم البعض أنه يواجهه كل من ينكر وجود أية كينونة. إذا أنكرتُ وجود شيء تقر وجوده، لن يكون بمقدوري التسليم بوجود أشياء تقر وجودها ولا أقره، إذا أن تسليمي بوجود مثل هذه الأشياء إنما يتناقض مع إنكاري إياها. هذا يعني، على حد تعبير كواين، أن نصير المبدأ السلبي في أي جدل أنطولوجي يعاني من وضع غير موات، إذ سوف يجد نفسه عاجزا حتى عن التسليم بأن خصمه يختلف معه. الأسوأ من ذلك هو أن هناك مذهبا أفلاطوني الطابع يغالي في تحميل كواهلنا بعبء الالتزام بوجود حتى ما نقر صراحة بعدم وجوده. يتوجب على ما لا يوجد، فيما يقر ذلك المذهب، أن يوجد بمعنى ما، وإلا ما احتاز إقرارنا بعدم وجوده على أي معنى. يشبه كواين هذا التعليم بلحية أفلاطون الكثة التي طالما أثلمت شفرة أوكام، لكنه لا يألو جهدا في تبيان الأخلاط التي ينهض عليها.
هكذا يشرع كواين في التساؤل عن طبيعة هذه الكينونة التي يُزعم أننا ملزمون بإقرار وجودها حين ننكر وجود أية كينونة؟ بيّن أنه ليس بمقدور أحد الزعم بأنه محتم علينا إقرار وجود منطقة زماكنية، دانية أو قصية، تضم مثلا حصانا مجنحا من لحم ودم حين نقر أن "بيجاسوس" ليس موجودا. قد يسلم خصمنا بأنه لا يريد شيئا من هكذا قبيل حين يقر إلزامنا بتلك الكينونة، وحين يُكره على تفصيل مراده، قد يقر أن بيجاسوس فكرة في أذهان الناس. لكن قوله هذا، فيما يوضح كواين، إنما يمكننا من الشروع في كشف النقاب عن الخلط الذي وقع فيه. قد نسلم جدلا بوجود كينونة من هكذا قبيل، لكنها ليست ما يتحدث عنه الناس حين ينكرون وجود بيجاسوس.
صفحة 3
بيد أن المذاهب الأفلاطونية ليست جميعها عرضة لهذا الدحض الميسر. ثمة صيغ أكثر تركيبا لإلزامنا بما لا يحس ولا يجس، رغم أن كواين يبدي استعدادا مماثلا لتبيان مكامن قصورها. ثمة من يقر أن بيجاسوس، كأي شيء آخر ننكر وجوده، إنما يحتاز على وجوده بوصفه كائنا غير متحقق. حين ننكر وجود بيجاسوس فإننا نقر أن خاصية التحقق تعوزه. القول بأن بيجاسوس ليس حقيقيا لا يختلف من وجهة نظر منطقية عن القول بأن مبنى الامباير ستيت ليس مطليا باللون الأحمر. في الحالين نقر شيئا عن شيء لا نرتاب في كونه كائنا.
لا ريب أن هذا المذهب سوف يذكر كثيرا منا بنقد كانت الشهير للدليل الأنطولوجي في إثبات وجود الله. ثمة افتراض متضمن فيه مفاده أن الوجود (الذي يحلل هنا عبر مفهوم التحقق العياني) خاصية من ضمن الخواص التي قد يختص بها أي شيء. وقبل أن يلتمس كواين في تقنيات المنطق المعاصر سبيلا للتعبير عن قالة كانت بأن الوجود شرط لاختصاص أي شيء بأية خاصية، عوضا عن أن يكون خاصية من ضمن الخصائص التي قد تعزى إليه، يمطر كواين خصمه بوابل من الأسئلة يستبان من عوزها بداهة لأية أجوبة، أو من قابليتها لأن يجاب عنها بشكل اعتباطي، أن المذهب الذي يثيرها غير قابل لأن يدافع عنه. إنه يطلب منا أن نعتبر الرجل البدين الممكن تحققه في موضع بعينه، وأن نعتبر معه الرجل الأصلع الممكن في ذات الموضع: "هل هما ذات الرجل الممكن أم تراهما رجلين ممكنين؟ كيف يتسنى لنا حسم هذا الأمر؟ كم عدد الرجال الممكنين في ذلك الموضع؟ وكم عدد المتماثلين منهم؟ هل يفوق عدد النحيلين منهم عدد البدناء؟ أم أن التماثل هنا يعني التماهي؟ أم أنه ليس هناك شيئان ممكنان متماثلان؟ وهل هذا يعني استحالة تماثل أي شيئين؟ وأخيرا، هل يعد مفهوم الهوية قابلا للتطبيق على الإمكانات غير المتحققة؟ ولكن أية دلالة ينطوي عليها الحديث عن كينونات لا معنى للحكم بتماهيها مع ذواتها ولا معنى للحكم بتمايز واحدتها عن سائرها؟".
العالم الذي يدافع كواين عن كوننا في حل من الالتزام بوجوده مكتظ بعدد لا متناه من الكينونات، وهو لا يخدش الحس الاستاطيقي المستسر فينا فحسب، بل يهدد بإيقاعنا فريسة لأغلاط منطقية فاضحة، أو هكذا يزعم كواين حين يشرع في الحديث عن قبة باركلي الدائرية المربعة. إذا كان احتياز إقرار عدم كون بيجاسوس على معنى يرتهن بكونه على أقل تقدير إمكانا غير متحقق، سوف يرتهن احتياز إقرار عدم وجود قبة كلية باركلي الدائرية المربعة بكونها. غير أننا خلافا لحالة بيجاسوس لا نستطيع التسليم بوجود قبة كلية باركلي الدائرية المربعة حتى بوصفها إمكانا غير متحقق. وبطبيعة الحال، فإن خصم كواين، درءا لوقوعه في أية إحالات منطقية، سوف يسارع إلى إنكار احتياز أي إقرار يشتمل على مثل ذلك التعبير الذي يبدو متناقضا على أي معنى. بيد أن كواين يسد الطريق أمام هذا المذهب عبر الركون إلى اكتشاف في المنطق الرياضي، يعزى فضله إلى تشرش، مفاده أنه ليس هناك اختبار للتناقض يمكن تطبيقه بوجه عام. بصياغة قد تكون أكثر وضوحا، عوز معيار يحسم أمر التناقض يكرس ريبة كواين في مذهب خصمه الذي يمكن صياغته بالقول إن إقرار إنكار وجود أية كينونة يحتاز التعبير عنها على معنى يلزمنا بإقرار وجودها بوصفها إمكانا غير متحقق على أقل تقدير؛ ذلك أنه لا سبيل لتجنب أشياع هذا المذهب إقرار إلزامنا بوجود الكينونات المتناقضة، من قبيل قبة باركلي، إلا عبر إنكارهم احتياز التعبيرات المتناقضة التي تزعم الإشارة إليها على معنى. بيد أن جدوى هذه السبيل، نسبة إلى المقصد الذي توظف في تحقيقه، رهن بوجود معيار قادر على أن يحسم في أي سياق أمر تضمن أي تعبير لأي نوع من الإحالات المنطقية، وهذا على وجه الضبط هو المعيار الذي يبرهن تشرش على استحالة قيامه. وغني عن فضل البيان أن الاستراتيجية التي ينتهجها كواين في هذا السياق الخاص تفتح الباب على مصراعيه لإنقاذ أي تعليم يبدو أنه يقع فريسة للتناقض، الأمر الذي يعرض تلك الاستراتيجية إلى برهان خلف صريح يشكك في عقلانية تبنيها.
لقد آثرت أن أمضي بعض الوقت في عرض بعض من سبل كواين في حجاج خصومه في هذا المسألة، لمجرد أن أبين في هذا المعرض الاستهلالي مدى أساسية القضايا التي يتناولها من جهة ومدى حرصه على توضيح المواقف التي تم اتخاذها بخصوصها وتبيان مكامن قصورها. المذهب الذي يخلص إليه كواين في هذه المسألة يركن إلى نظرية رسل في الأوصاف، وهو يحدث فيها تعديلات تمكن من توظيفها في حسم مسألة ما تلزمنا إقراراتنا بوجوده بصرف النظر عن طبيعة الصياغة اللغوية التي يتم عبرها الإفصاح عن تلك الإقرارات. أن تكون هو أن تكون قيمة لمتغير. هذا هو مفاد المعيار الذي يقترحه كواين. متغيرات التكميم، "شيء ما"، "لا شيء"، "كل شيء"، "تستنفد نطاق مذهبنا الأنطولوجي بأسره، بصرف النظر عن طبيعته، ونحن ملزمون بافتراض أنطولوجي بعينه إذا وفقط إذا توجب اعتبار المفترض المزعوم ضمن الأشياء التي تسري عليها متغيراتنا لجعل واحد من إقراراتنا صحيحا." محاجة كواين عامة تماما. لقد افترض خصومه أننا لا نستطيع إقرار إنكار أي شيء نتورط في تسميته، "بيجاسوس" مثلا، إلا عبر إلزام أنفسنا بوجود مقابل موضوعي لذلك الاسم. الآن اتضح أن هذا الافتراض لا أساس له من الصحة، إذ يمكن دوما إعادة صياغة الاسم المفرد المعني بحيث يصبح وصفا مفردا، ثم القيام بتحليله وفق نظرية رسل. هكذا نلزم أنفسنا بأنطولوجيا تشتمل على الأعداد حين نقول بكون أعداد أولية أكبر من المليون ونجعل منها قيما لمتغيرات منطوقاتنا، ونلزم أنفسنا بأنطولوجيا تشتمل على أحاديات القرن حين نقول بكون أحاديات القرن ونجعل منها قيما لمتغيرات منطوقاتنا، وكذا الحال حين نقر وجود بيحاسوس؛ "بيد أننا لا نلزم أنفسنا بأنطولوجيا تشتمل على بيجاسوس أو مؤلف ويفرلي أو القبة الدائرية المربعة في باركلي حين نقر عدم كونها. لم نعد تحت طائلة الوهم بأن احتياز جملة تتضمن كلمة مفردة على معنى يفترض شيئا تسميها تلك الكلمة. إن احتياز الكلمة المفردة على معنى ليس وقفا على قيامها بفعل التسمية."
لا ريب أن هذا المذهب سوف يذكر كثيرا منا بنقد كانت الشهير للدليل الأنطولوجي في إثبات وجود الله. ثمة افتراض متضمن فيه مفاده أن الوجود (الذي يحلل هنا عبر مفهوم التحقق العياني) خاصية من ضمن الخواص التي قد يختص بها أي شيء. وقبل أن يلتمس كواين في تقنيات المنطق المعاصر سبيلا للتعبير عن قالة كانت بأن الوجود شرط لاختصاص أي شيء بأية خاصية، عوضا عن أن يكون خاصية من ضمن الخصائص التي قد تعزى إليه، يمطر كواين خصمه بوابل من الأسئلة يستبان من عوزها بداهة لأية أجوبة، أو من قابليتها لأن يجاب عنها بشكل اعتباطي، أن المذهب الذي يثيرها غير قابل لأن يدافع عنه. إنه يطلب منا أن نعتبر الرجل البدين الممكن تحققه في موضع بعينه، وأن نعتبر معه الرجل الأصلع الممكن في ذات الموضع: "هل هما ذات الرجل الممكن أم تراهما رجلين ممكنين؟ كيف يتسنى لنا حسم هذا الأمر؟ كم عدد الرجال الممكنين في ذلك الموضع؟ وكم عدد المتماثلين منهم؟ هل يفوق عدد النحيلين منهم عدد البدناء؟ أم أن التماثل هنا يعني التماهي؟ أم أنه ليس هناك شيئان ممكنان متماثلان؟ وهل هذا يعني استحالة تماثل أي شيئين؟ وأخيرا، هل يعد مفهوم الهوية قابلا للتطبيق على الإمكانات غير المتحققة؟ ولكن أية دلالة ينطوي عليها الحديث عن كينونات لا معنى للحكم بتماهيها مع ذواتها ولا معنى للحكم بتمايز واحدتها عن سائرها؟".
العالم الذي يدافع كواين عن كوننا في حل من الالتزام بوجوده مكتظ بعدد لا متناه من الكينونات، وهو لا يخدش الحس الاستاطيقي المستسر فينا فحسب، بل يهدد بإيقاعنا فريسة لأغلاط منطقية فاضحة، أو هكذا يزعم كواين حين يشرع في الحديث عن قبة باركلي الدائرية المربعة. إذا كان احتياز إقرار عدم كون بيجاسوس على معنى يرتهن بكونه على أقل تقدير إمكانا غير متحقق، سوف يرتهن احتياز إقرار عدم وجود قبة كلية باركلي الدائرية المربعة بكونها. غير أننا خلافا لحالة بيجاسوس لا نستطيع التسليم بوجود قبة كلية باركلي الدائرية المربعة حتى بوصفها إمكانا غير متحقق. وبطبيعة الحال، فإن خصم كواين، درءا لوقوعه في أية إحالات منطقية، سوف يسارع إلى إنكار احتياز أي إقرار يشتمل على مثل ذلك التعبير الذي يبدو متناقضا على أي معنى. بيد أن كواين يسد الطريق أمام هذا المذهب عبر الركون إلى اكتشاف في المنطق الرياضي، يعزى فضله إلى تشرش، مفاده أنه ليس هناك اختبار للتناقض يمكن تطبيقه بوجه عام. بصياغة قد تكون أكثر وضوحا، عوز معيار يحسم أمر التناقض يكرس ريبة كواين في مذهب خصمه الذي يمكن صياغته بالقول إن إقرار إنكار وجود أية كينونة يحتاز التعبير عنها على معنى يلزمنا بإقرار وجودها بوصفها إمكانا غير متحقق على أقل تقدير؛ ذلك أنه لا سبيل لتجنب أشياع هذا المذهب إقرار إلزامنا بوجود الكينونات المتناقضة، من قبيل قبة باركلي، إلا عبر إنكارهم احتياز التعبيرات المتناقضة التي تزعم الإشارة إليها على معنى. بيد أن جدوى هذه السبيل، نسبة إلى المقصد الذي توظف في تحقيقه، رهن بوجود معيار قادر على أن يحسم في أي سياق أمر تضمن أي تعبير لأي نوع من الإحالات المنطقية، وهذا على وجه الضبط هو المعيار الذي يبرهن تشرش على استحالة قيامه. وغني عن فضل البيان أن الاستراتيجية التي ينتهجها كواين في هذا السياق الخاص تفتح الباب على مصراعيه لإنقاذ أي تعليم يبدو أنه يقع فريسة للتناقض، الأمر الذي يعرض تلك الاستراتيجية إلى برهان خلف صريح يشكك في عقلانية تبنيها.
لقد آثرت أن أمضي بعض الوقت في عرض بعض من سبل كواين في حجاج خصومه في هذا المسألة، لمجرد أن أبين في هذا المعرض الاستهلالي مدى أساسية القضايا التي يتناولها من جهة ومدى حرصه على توضيح المواقف التي تم اتخاذها بخصوصها وتبيان مكامن قصورها. المذهب الذي يخلص إليه كواين في هذه المسألة يركن إلى نظرية رسل في الأوصاف، وهو يحدث فيها تعديلات تمكن من توظيفها في حسم مسألة ما تلزمنا إقراراتنا بوجوده بصرف النظر عن طبيعة الصياغة اللغوية التي يتم عبرها الإفصاح عن تلك الإقرارات. أن تكون هو أن تكون قيمة لمتغير. هذا هو مفاد المعيار الذي يقترحه كواين. متغيرات التكميم، "شيء ما"، "لا شيء"، "كل شيء"، "تستنفد نطاق مذهبنا الأنطولوجي بأسره، بصرف النظر عن طبيعته، ونحن ملزمون بافتراض أنطولوجي بعينه إذا وفقط إذا توجب اعتبار المفترض المزعوم ضمن الأشياء التي تسري عليها متغيراتنا لجعل واحد من إقراراتنا صحيحا." محاجة كواين عامة تماما. لقد افترض خصومه أننا لا نستطيع إقرار إنكار أي شيء نتورط في تسميته، "بيجاسوس" مثلا، إلا عبر إلزام أنفسنا بوجود مقابل موضوعي لذلك الاسم. الآن اتضح أن هذا الافتراض لا أساس له من الصحة، إذ يمكن دوما إعادة صياغة الاسم المفرد المعني بحيث يصبح وصفا مفردا، ثم القيام بتحليله وفق نظرية رسل. هكذا نلزم أنفسنا بأنطولوجيا تشتمل على الأعداد حين نقول بكون أعداد أولية أكبر من المليون ونجعل منها قيما لمتغيرات منطوقاتنا، ونلزم أنفسنا بأنطولوجيا تشتمل على أحاديات القرن حين نقول بكون أحاديات القرن ونجعل منها قيما لمتغيرات منطوقاتنا، وكذا الحال حين نقر وجود بيحاسوس؛ "بيد أننا لا نلزم أنفسنا بأنطولوجيا تشتمل على بيجاسوس أو مؤلف ويفرلي أو القبة الدائرية المربعة في باركلي حين نقر عدم كونها. لم نعد تحت طائلة الوهم بأن احتياز جملة تتضمن كلمة مفردة على معنى يفترض شيئا تسميها تلك الكلمة. إن احتياز الكلمة المفردة على معنى ليس وقفا على قيامها بفعل التسمية."
صفحة 4
ثمة تعليم آخر يشكل عند كواين مركز عود لكثير من الأحكام التي يعنى بالدفاع عنها. الفلسفة عنده استمرار للعلم، بل جزء منه، فالعلم متصلة تبدأ بالتاريخ والهندسة وتنتهي بالرياضة والفلسفة، وليس ثمة معيار حاسم يمكّن من الفصل بين أجزاء هذه المتصلة. ثمة مبادئ تفترض في أية منظومة معرفية، يتم بموجبها تقويم قابلية أية مكون لأن ينتسب إليها، ومشروعية انتساب مثل هذا المكون لا ترتهن كما يزعم كثير من أشياع النزعة الامبيريقية باقتداره على مواجهة محكمة الخبرة التي لا تقبل أحكامها أي نقض أو استئناف، فالمكونات لا تواجه الخبرة بشكل فردي منزوعة من أسلحة منظومتها، بل تتم المواجهة بين منظومة بأسرها وخبرات تم استقراؤها على نحو لا سبيل لحسم أمر حياده. وغني عن فضل البيان أن كواين هنا يستشرف فلسفة العلم الجديدة التي أضحى يشايعها في الثلث الأخير من القرن العشرين فلاسفة من قبيل تومس كون، هارولد براون، وليري لادان، رغم أنه يخلص إلى مذهبه بالركون إلى اعتبارات منطقية صرفة، في حين يعمد أولئك الفلاسفة إلى دعم رؤاهم عبر سبل وصفية تركن إلى تاريخ العلم، ما يجعلهم عرضة إلى تهمة اشتقاق ما يتوجب قيامه من مجرد واقع قيامه.
غير أن رؤية كواين في المنطق قد تجعل ذلك الفرق أقل أهمية. عند كواين، مجموع ما يسمى بالمعرفة أو الاعتقاد، المنظومات الابستمولوجية بمختلف أنماطها، نسيج استحدثه الإنسان لا يمس الخبرة إلا في الأطراف. من شان التضارب مع الخبرة في منطقة الأطراف أن يحدث تعديلات داخل المجال، بحيث يلزمنا أن نعيد النظر في قيم صدق بعض الإقرارات، ما يستلزم بدوره، بسبب الارتباطات المتبادلة القائمة بينها، إعادة تقويم مجموعة أخرى منها. بيد أن كواين يذهب إلى حد اعتبار قوانين المنطق جزءا من الأحكام التي تفترض في سياق البت في أمر أي إقرار، فهي لا تعدو في نهاية المطاف أن تكون مجموعة أخرى من إقرارات النسق. على هذا النحو يخلص كواين إلى التشكيك في مثنوية تشكل عقيدة من عقائد الامبيريقية، عنيت التمييز بين القضايا التحليلية، التي تصدق بسبب معانيها، والقضايا التركيبية، التي ترتهن قيم صدقها بالشاكلة التي يكون عليها العالم:
"إذا صح هذا المذهب، فإن الحديث عن المحتوى الامبيريقي الخاص بإقرار مفرد حديث مضلل ـ خصوصا إذا كان بعيدا عن أطراف المجال الخبراتية. أيضا من الحمق أن نتحدث عن تمييز بين الإقرارات التركيبية، التي تصدق عرضا في الخبرة، والإقرارات التحليلية، التي تصدق بصرف النظر عما يحدث. يمكن لأي إقرار أن يعد صادقا مهما حدث، طالما قمنا بتعديلات متطرفة إلى حد كبير في مواضع أخرى من النسق. حتى الإقرار الذي يكون غاية في القرب من الأطراف يمكن أن يعد صادقا، على تضاربه مع الخبرة، فقد ندفع بالوقوع تحت تأثير الهلوسة أو بالقيام بتعديل إقرارات بعينها ـ ما يسمى بالقوانين المنطقية. في المقابل، وعلى النحو نفسه، ليس هناك إقرار محصن ضد التعديل. حتى تعديل قانون الوسط المرفوع المنطقي اقترح سبيلا لتبسيط ميكانيكا الكم."
يبقى أن نشير إلى أن كواين لا يروم طرح نسق استرابي رغم استعداده المستمر في التشكيك حتى في صحة ما عهدناه من قواعد منطقية. المنظومة التي يشايعها براجماتية في طابعها، وبالرغم من أنه يعي تماما عجز البشر عن إثبات أية قضية، وبالرغم من مذهبه يقر أن كل التحليلات ملزمة بأن تدور في نهاية المطاف في حلقة مفرغة، فإنه يبدي استعدادا لتقويم الأنساق النظرية وفق مدى اتساقها وإسهامها في توضيح ما كان مبهما، طالما كان هناك وعي تام بالافتراضات المؤسس عليها وبإمكان الاستعاضة عنها بنظريات قد لا تقل اتساقا أو اقتدار على إنجاز مهمة فهم العالم.
وبعد، ها نحن نقدم هذا الكتاب إلى قراء العربية رغم مرور عقود على صدور الأبحاث التي يشتمل عليها، إحساسا منا بأهميتها نسبة إلى علمي الدلالة والمنطق، فضلا عن فلسفة العلوم ومختلف مذاهب الوجود. ولربما يجد النشء الجديد في ثناياها بعضا مما يعين على تشكيل رؤى أصيلة في تلك المجالات صعبة المراس، سيما حال مقاربتها عبر أدبيات التراث العربي والإسلامي ومقارنتها بالرؤى التي دأب الأسلاف على تبنيها، فدراية المحدثين من أمثال كواين بذلك التراث لم تكن أوفر حظا من دراية أولئك الأسلاف بما خلص إليه أولئك المحدثون.
بنغازي
23.9.2000
غير أن رؤية كواين في المنطق قد تجعل ذلك الفرق أقل أهمية. عند كواين، مجموع ما يسمى بالمعرفة أو الاعتقاد، المنظومات الابستمولوجية بمختلف أنماطها، نسيج استحدثه الإنسان لا يمس الخبرة إلا في الأطراف. من شان التضارب مع الخبرة في منطقة الأطراف أن يحدث تعديلات داخل المجال، بحيث يلزمنا أن نعيد النظر في قيم صدق بعض الإقرارات، ما يستلزم بدوره، بسبب الارتباطات المتبادلة القائمة بينها، إعادة تقويم مجموعة أخرى منها. بيد أن كواين يذهب إلى حد اعتبار قوانين المنطق جزءا من الأحكام التي تفترض في سياق البت في أمر أي إقرار، فهي لا تعدو في نهاية المطاف أن تكون مجموعة أخرى من إقرارات النسق. على هذا النحو يخلص كواين إلى التشكيك في مثنوية تشكل عقيدة من عقائد الامبيريقية، عنيت التمييز بين القضايا التحليلية، التي تصدق بسبب معانيها، والقضايا التركيبية، التي ترتهن قيم صدقها بالشاكلة التي يكون عليها العالم:
"إذا صح هذا المذهب، فإن الحديث عن المحتوى الامبيريقي الخاص بإقرار مفرد حديث مضلل ـ خصوصا إذا كان بعيدا عن أطراف المجال الخبراتية. أيضا من الحمق أن نتحدث عن تمييز بين الإقرارات التركيبية، التي تصدق عرضا في الخبرة، والإقرارات التحليلية، التي تصدق بصرف النظر عما يحدث. يمكن لأي إقرار أن يعد صادقا مهما حدث، طالما قمنا بتعديلات متطرفة إلى حد كبير في مواضع أخرى من النسق. حتى الإقرار الذي يكون غاية في القرب من الأطراف يمكن أن يعد صادقا، على تضاربه مع الخبرة، فقد ندفع بالوقوع تحت تأثير الهلوسة أو بالقيام بتعديل إقرارات بعينها ـ ما يسمى بالقوانين المنطقية. في المقابل، وعلى النحو نفسه، ليس هناك إقرار محصن ضد التعديل. حتى تعديل قانون الوسط المرفوع المنطقي اقترح سبيلا لتبسيط ميكانيكا الكم."
يبقى أن نشير إلى أن كواين لا يروم طرح نسق استرابي رغم استعداده المستمر في التشكيك حتى في صحة ما عهدناه من قواعد منطقية. المنظومة التي يشايعها براجماتية في طابعها، وبالرغم من أنه يعي تماما عجز البشر عن إثبات أية قضية، وبالرغم من مذهبه يقر أن كل التحليلات ملزمة بأن تدور في نهاية المطاف في حلقة مفرغة، فإنه يبدي استعدادا لتقويم الأنساق النظرية وفق مدى اتساقها وإسهامها في توضيح ما كان مبهما، طالما كان هناك وعي تام بالافتراضات المؤسس عليها وبإمكان الاستعاضة عنها بنظريات قد لا تقل اتساقا أو اقتدار على إنجاز مهمة فهم العالم.
وبعد، ها نحن نقدم هذا الكتاب إلى قراء العربية رغم مرور عقود على صدور الأبحاث التي يشتمل عليها، إحساسا منا بأهميتها نسبة إلى علمي الدلالة والمنطق، فضلا عن فلسفة العلوم ومختلف مذاهب الوجود. ولربما يجد النشء الجديد في ثناياها بعضا مما يعين على تشكيل رؤى أصيلة في تلك المجالات صعبة المراس، سيما حال مقاربتها عبر أدبيات التراث العربي والإسلامي ومقارنتها بالرؤى التي دأب الأسلاف على تبنيها، فدراية المحدثين من أمثال كواين بذلك التراث لم تكن أوفر حظا من دراية أولئك الأسلاف بما خلص إليه أولئك المحدثون.
بنغازي
23.9.2000
صفحة 5
في الذي يوجد
يتعين أحد جوانب الإثارة في المسألة الأنطولوجية في كونها بسيطة. بالمقدور التعبير عنها بثلاثة ألفاظ أنجلوسكسونية أحادية المقطع: "ما الذي يوجد؟" في الوسع أيضا الإجابة عنها بعبارة واحدة "كل شيء"، ولن تجد من ينكر صحة هذه الإجابة. بيد أنها لا تقر سوى وجود ما يوجد. تظل هناك فسحة للاختلاف بخصوص الحالات، ولذا ظلت المسألة مثارا للجدل عبر العصور.
هب أن فيلسوفين، ماكس وأنا، قد اختلفا فيما يتعلق بالأنطولوجيا. افترض أن ماكس يقر وجود شيء أنكر وجوده. سوف يستطيع بشكل متسق مع رؤيته أن يصف الاختلاف في الرؤى القائم بيننا بالقول إنني أرفض التسليم بكينونات بعينها. وبطبيعة الحال، سوف أحتج على قوله ذاك، فما أقره هو أنه ليست هناك كينونات، من النوع الذي يزعم، تستدعي أصلا قيامي بالتسليم بها. بيد أن اكتشافي خطأ في صياغته للاختلاف أمر تعوزه الأهمية، فأنا على أي حال ملتزم باعتباره مخطئا في مذهبه الأنطولوجي.
في المقابل، حين أحاول صياغة ذلك الاختلاف، يبدو أنني أقع فريسة لمأزق. ليس بمقدوري التسليم بوجود أشياء يقر ماكس وجودها ولا أقره، إذا أن تسليمي بوجود مثل هذه الأشياء إنما يتناقض مع إنكاري إياها.
لو صح هذا الاستدلال لبدا أن نصير المبدأ السلبي في أي جدل أنطولوجي يعاني من وضع غير موات، إذ سوف يكون عاجزا حتى عن التسليم بأن خصمه يختلف معه. هذا هو اللغز الأفلاطوني القديم المتعلق باللاوجود. يتوجب على اللاوجود أن يوجد بمعنى ما، وإلا ما ذلك الشيء الذي لا يوجد؟ يمكن وصف هذا التعليم المشوش بلحية أفلاطون التي أثبتت التطور التاريخي أنها خشنة، ولكم أثلمت حد شفرة أوكام.
هذا هو مسار الاستدلال الذي أفضى بفلاسفة من أمثال ماكس إلى عزو الوجود في سياقات كان في وسعهم التسليم بعدم وجود أي شيء. اعتبر بيجاسوس مثلا. لو لم يكن بيجاسوس موجودا، فيما يجادل ماكس، لما كنا نتحدث عن أي شيء حين نستخدم كلمة "بيجاسوس". لهذا السبب، لا معنى للقول إن بيجاسوس لا يوجد. هكذا يعتقد ماكس أنه أثبت بذلك استحالة أن ينكر المرء على نحو متسق وجود بيجاسوس، وهكذا يخلص إلى إقرار وجوده.
الراهن أن ماكس لا يستطيع أن يقنع نفسه بأن ثمة منطقة زماكنية، دانية أو قصية، تضم حصانا مجنحا من لحم ودم. حين يُكره على التفصيل، سوف يقر أن بيجاسوس فكرة في أذهان الناس. لكن قوله هذا يمكننا من الشروع في كشف النقاب عن الخلط الذي وقع فيه. قد نسلم جدلا بوجود كينونة، بل حتى بوجود كينونة متفردة (رغم أن هذا مناف للعقل) هي فكرة بيجاسوس الذهنية. بيد أن هذه الكينونة ليست ما يتحدث عنه الناس حين ينكرون وجود بيجاسوس.
على ذلك فإن ماكس لا يخلط إطلاقا بين البارثينون (هيكل آلهة أثينا) وفكرة البارثينون. البارثينون شيء مادي؛ فكرة البارثينون ذهنية (وفق منظور ماكس للأفكار على أقل تقدير، فليس لدي بديل أفضل أطرحه). البارثينون شيء تمكن رؤيته؛ فكرة البارثينون غير مرئية. إننا لا نستطيع بسهولة تخيل شيئين أقل شبها وأقل عرضة للخلط بين البارثينون وفكرة البارثينون. ولكن ما أن ننتقل من البارثينون إلى بيجاسوس حتى نقع في الخلط ـ ذلك أنه ليس ثمة سبب آخر يجعل ماكس أقرب إلى الوقوع فريسة لإيهام أشد درجات الزيف بيانا وفجاجة من التسليم بعدم وجود بيجاسوس.
هكذا يستبان أن وقوع ماكس في خلط ابتدائي إنما يعزى إلى فكرة وجوب وجود بيجاسوس، المؤسسة على الحكم بأن عدم وجوده لا معنى له إلا حال صحتها. المتفكرون الأكثر حذقا، الذين ينطلقون من ذات المبدأ، يطرحون نظريات في بيجاسوس ضلالها أقل بيانا من نظرية ماكس، ما يجعلها أصعب على الدحض. سوف نسم أحد أولئك المتفكرين "وايمان". يقر وايمان أن بيجاسوس يحتاز على وجوده بوصف كائنا غير متحقق. حين نقول عن بيجاسوس إنه ليس ثمة مثل هذا الشيء، فإننا بطريقة أدق إنما نقر أن خاصية التحقق تعوز بيجاسوس. القول بأن بيجاسوس ليس حقيقيا لا يختلف من وجهة نظر منطقية عن القول بأن البارثينون ليس أحمر. في الحالين نقر شيئا عن شيء لا نرتاب في كونه.
بالمناسبة، وايمان هو أحد الفلاسفة الذي أسهموا في تقويض الكلمة العتيقة الرائعة "يوجد". رغم مشايعته للإمكانات غير المتحققة، فإنه يقصر كلمة "وجود" على الواقع. على هذا النحو فإنه يبقي على وهم قيام اتفاق أنطولوجي بينه وبيننا نحن الذين ننكر سائر أجزاء كونه المتورم.
وفق استخدام الحس المشترك لكلمة "يوجد"، ننزع جميعا إلى القول إن بيجاسوس لا يوجد، نريد من ذلك أنه ليس هناك كائن من هكذا قبيل. لو وجد بيجاسوس لكان في زمان ومكان، ليس لأن كلمة "يوجد" تحتاز على دلالة زماكنية بل فقط لأن كلمة "بيجاسوس" تحتاز على مثل هذه الدلالة. إذا كانت الإشارة الزماكنية غائبة في إقرارا وجود جذر تربيعي للعدد 27، فلأن الجذر التربيعي ليس نوعا زماكنيا من الأشياء، وليس بسبب إبهامنا لاستخدام كلمة "يوجد"1. على ذلك، فإن وايمان، الذي يبذل جهدا غير مجد في إقناعنا، يتفضل بالتسليم بعدم وجود بيجاسوس، ثم لا يلبث أن يصر، خلافا لما نقصده من عدم الوجود، على أن بيجاسوس يوجد. الوجود شيء، يقول وايمان، والكينونة شيء آخر. السبيل الوحيدة التي أعرفها لتعتيم هذه المسألة هي أن نقوم بمنح وايمان كلمة "الوجود".
يتعين أحد جوانب الإثارة في المسألة الأنطولوجية في كونها بسيطة. بالمقدور التعبير عنها بثلاثة ألفاظ أنجلوسكسونية أحادية المقطع: "ما الذي يوجد؟" في الوسع أيضا الإجابة عنها بعبارة واحدة "كل شيء"، ولن تجد من ينكر صحة هذه الإجابة. بيد أنها لا تقر سوى وجود ما يوجد. تظل هناك فسحة للاختلاف بخصوص الحالات، ولذا ظلت المسألة مثارا للجدل عبر العصور.
هب أن فيلسوفين، ماكس وأنا، قد اختلفا فيما يتعلق بالأنطولوجيا. افترض أن ماكس يقر وجود شيء أنكر وجوده. سوف يستطيع بشكل متسق مع رؤيته أن يصف الاختلاف في الرؤى القائم بيننا بالقول إنني أرفض التسليم بكينونات بعينها. وبطبيعة الحال، سوف أحتج على قوله ذاك، فما أقره هو أنه ليست هناك كينونات، من النوع الذي يزعم، تستدعي أصلا قيامي بالتسليم بها. بيد أن اكتشافي خطأ في صياغته للاختلاف أمر تعوزه الأهمية، فأنا على أي حال ملتزم باعتباره مخطئا في مذهبه الأنطولوجي.
في المقابل، حين أحاول صياغة ذلك الاختلاف، يبدو أنني أقع فريسة لمأزق. ليس بمقدوري التسليم بوجود أشياء يقر ماكس وجودها ولا أقره، إذا أن تسليمي بوجود مثل هذه الأشياء إنما يتناقض مع إنكاري إياها.
لو صح هذا الاستدلال لبدا أن نصير المبدأ السلبي في أي جدل أنطولوجي يعاني من وضع غير موات، إذ سوف يكون عاجزا حتى عن التسليم بأن خصمه يختلف معه. هذا هو اللغز الأفلاطوني القديم المتعلق باللاوجود. يتوجب على اللاوجود أن يوجد بمعنى ما، وإلا ما ذلك الشيء الذي لا يوجد؟ يمكن وصف هذا التعليم المشوش بلحية أفلاطون التي أثبتت التطور التاريخي أنها خشنة، ولكم أثلمت حد شفرة أوكام.
هذا هو مسار الاستدلال الذي أفضى بفلاسفة من أمثال ماكس إلى عزو الوجود في سياقات كان في وسعهم التسليم بعدم وجود أي شيء. اعتبر بيجاسوس مثلا. لو لم يكن بيجاسوس موجودا، فيما يجادل ماكس، لما كنا نتحدث عن أي شيء حين نستخدم كلمة "بيجاسوس". لهذا السبب، لا معنى للقول إن بيجاسوس لا يوجد. هكذا يعتقد ماكس أنه أثبت بذلك استحالة أن ينكر المرء على نحو متسق وجود بيجاسوس، وهكذا يخلص إلى إقرار وجوده.
الراهن أن ماكس لا يستطيع أن يقنع نفسه بأن ثمة منطقة زماكنية، دانية أو قصية، تضم حصانا مجنحا من لحم ودم. حين يُكره على التفصيل، سوف يقر أن بيجاسوس فكرة في أذهان الناس. لكن قوله هذا يمكننا من الشروع في كشف النقاب عن الخلط الذي وقع فيه. قد نسلم جدلا بوجود كينونة، بل حتى بوجود كينونة متفردة (رغم أن هذا مناف للعقل) هي فكرة بيجاسوس الذهنية. بيد أن هذه الكينونة ليست ما يتحدث عنه الناس حين ينكرون وجود بيجاسوس.
على ذلك فإن ماكس لا يخلط إطلاقا بين البارثينون (هيكل آلهة أثينا) وفكرة البارثينون. البارثينون شيء مادي؛ فكرة البارثينون ذهنية (وفق منظور ماكس للأفكار على أقل تقدير، فليس لدي بديل أفضل أطرحه). البارثينون شيء تمكن رؤيته؛ فكرة البارثينون غير مرئية. إننا لا نستطيع بسهولة تخيل شيئين أقل شبها وأقل عرضة للخلط بين البارثينون وفكرة البارثينون. ولكن ما أن ننتقل من البارثينون إلى بيجاسوس حتى نقع في الخلط ـ ذلك أنه ليس ثمة سبب آخر يجعل ماكس أقرب إلى الوقوع فريسة لإيهام أشد درجات الزيف بيانا وفجاجة من التسليم بعدم وجود بيجاسوس.
هكذا يستبان أن وقوع ماكس في خلط ابتدائي إنما يعزى إلى فكرة وجوب وجود بيجاسوس، المؤسسة على الحكم بأن عدم وجوده لا معنى له إلا حال صحتها. المتفكرون الأكثر حذقا، الذين ينطلقون من ذات المبدأ، يطرحون نظريات في بيجاسوس ضلالها أقل بيانا من نظرية ماكس، ما يجعلها أصعب على الدحض. سوف نسم أحد أولئك المتفكرين "وايمان". يقر وايمان أن بيجاسوس يحتاز على وجوده بوصف كائنا غير متحقق. حين نقول عن بيجاسوس إنه ليس ثمة مثل هذا الشيء، فإننا بطريقة أدق إنما نقر أن خاصية التحقق تعوز بيجاسوس. القول بأن بيجاسوس ليس حقيقيا لا يختلف من وجهة نظر منطقية عن القول بأن البارثينون ليس أحمر. في الحالين نقر شيئا عن شيء لا نرتاب في كونه.
بالمناسبة، وايمان هو أحد الفلاسفة الذي أسهموا في تقويض الكلمة العتيقة الرائعة "يوجد". رغم مشايعته للإمكانات غير المتحققة، فإنه يقصر كلمة "وجود" على الواقع. على هذا النحو فإنه يبقي على وهم قيام اتفاق أنطولوجي بينه وبيننا نحن الذين ننكر سائر أجزاء كونه المتورم.
وفق استخدام الحس المشترك لكلمة "يوجد"، ننزع جميعا إلى القول إن بيجاسوس لا يوجد، نريد من ذلك أنه ليس هناك كائن من هكذا قبيل. لو وجد بيجاسوس لكان في زمان ومكان، ليس لأن كلمة "يوجد" تحتاز على دلالة زماكنية بل فقط لأن كلمة "بيجاسوس" تحتاز على مثل هذه الدلالة. إذا كانت الإشارة الزماكنية غائبة في إقرارا وجود جذر تربيعي للعدد 27، فلأن الجذر التربيعي ليس نوعا زماكنيا من الأشياء، وليس بسبب إبهامنا لاستخدام كلمة "يوجد"1. على ذلك، فإن وايمان، الذي يبذل جهدا غير مجد في إقناعنا، يتفضل بالتسليم بعدم وجود بيجاسوس، ثم لا يلبث أن يصر، خلافا لما نقصده من عدم الوجود، على أن بيجاسوس يوجد. الوجود شيء، يقول وايمان، والكينونة شيء آخر. السبيل الوحيدة التي أعرفها لتعتيم هذه المسألة هي أن نقوم بمنح وايمان كلمة "الوجود".
صفحة 6
سأحاول الإحجام عن استخدامها ثانية. تبقى معنا كلمة "يكون". لقد أمضينا وقتا أطول مما يجب مع معاني المفردات. دعونا نعد إلى أنطولوجيا وايمان.
بطرق كثيرة، يعد عالم وايمان المكتظ عالما بشعا. إنه يزعج الحس الجمالي فينا، نحن الذين تستهوينا الفضاءات. لكن هذا ليس أسوء ما فيه. أحياؤه الرثة مرتع خصب لعناصر مشوشة. اعتبر مثلا الرجل البدين الممكن في ذلك المدخل، واعتبر أيضا الرجل الأصلع الممكن في ذات المكان. هل هما ذات الرجل الممكن أم تراهما رجلين ممكنين؟ كيف يتسنى لنا حسم هذا الأمر؟ كم عدد الرجال الممكنين في ذلك المدخل؟ وكم عدد المتماثلين منهم؟ هل يفوق عدد النحيلين منهم عدد البدناء؟ أم أن التماثل هنا يعني التماهي؟ أم أنه ليس هناك شيئان ممكنان متماثلان؟ وهل هذا يعني استحالة تماثل أي شيئين؟ وأخيرا، هل يعد مفهوم الهوية قابلا للتطبيق على الإمكانات غير المتحققة؟ ولكن أية دلالة ينطوي عليها الحديث عن كينونات لا معنى للحكم بتماهيها مع ذواتها ولا معنى للحكم بتمايز واحدتها عن سائرها؟ إن هذه العناصر معطوبة إلى حد يجعلها غير قابلة للإصلاح. قد يوظف علاج فريجي2للمفاهيم الفردية في بذل بعض الجهود الرامية إلى إعادة تأهيلها، غير أنني أشعر أنه من المفضل أن نقوم بتطهير أحياء وايمان الرثة والخلاص منها نهائيا.
الإمكان، صحبة مفاهيم موجهة أخرى من قبيل الضرورة والاستحالة والعارضية، تثير إشكاليات لا نقصد تضمين وجوب إغفالها. بيد أننا نستطيع على أقل تقدير قصر الموجهات على جمل بأسرها. لنا أن نطبق كلمة "بالإمكان" على جمل كاملة، وأن نعنى بطرح تحليل دلالي لمثل هذا الاستخدام. لن يمكننا هذا التحليل من قطع شوط طويل شطر بسط عالمنا بحيث يشتمل على ما يسمى بالكينونات الممكنة. أحسب أن الدافع الأساسي للقيام بهذا البسط إنما يكمن في الفكرة القديمة التي تقر مثلا وجوب كون بيجاسوس حتى يكون ثمة معنى حتى لإقرار أنه لا يكون.
على ذلك، يبدو أنه سوف يُبدد كل هذا الترف الوفير الذي ينطوي عليه عالم إمكانات وايمان حين نحدث تغييرا طفيفا في الإمكانات، وعوضا عن التحدث عن بيجاسوس نشرع في الحديث عن قبة كلية باركلي الدائرية المربعة. إذا كان احتياز إقرار عدم كون بيجاسوس على معنى يرتهن بكونه، سوف يرتهن احتياز إقرار عدم كون قبة كلية باركلي الدائرية المربعة بكونها. غير أننا خلافا لحالة بيجاسوس لا نستطيع قبول قبة كلية باركلي الدائرية المربعة حتى بوصفها إمكانا غير متحقق. هل نستطيع الآن إرغام وايمان على قبول الإحالات غير متحققة؟ إذا صح هذا، ثمة عدد كبير من الأسئلة المحرجة التي يمكن إثارتها بخصوص تلك الإحالات. قد نؤمل حتى في إيقاعه في شرك التناقض، وذلك بجعله يسلم بأن بعضا من تلك الكينونات تعد في آن دائرية ومربعة. غير أن وايمان المراوغ يفضل القرن الآخر من المعضلة، فهو يقر أنه لا معنى لإنكار كون قبة كلية باركلي الدائرية المربعة. إنه يقول إن العبارة " قبة دائرية مربعة" يعوزها المعنى تماما.
لم يكن وايمان أول من ارتأى هذا البديل. المذهب القائل بخلو التناقضات من المعنى يرجع إلى عصور أقدم عهدا. أيضا فإن هذا الموروث يظل بيّنا في أعمال كتاب لا يشاركون وايمان أيا من دوافعه. على ذلك، فإنني أرتاب فيما إذا كانت فتنة هذا المذهب البادية لم تشكل أساسا الدافع الذي لاحظناه عند وايمان. الراهن أن هذا المذهب لا يحتاز على فتنة كامنة وقد أفضى بأشياعه إلى اتخاذ مواقف متطرفة من قبيل تحدي نهج الإثبات عبر برهان الخلف، وهو تحد أستشعر فيه برهان خلف ضد المذهب نفسه.
فضلا عن ذلك، فإن القول بخلو التناقضات من المعنى يعاني من قصور منهجي؛ إنه يحول من حيث المبدأ دون تشكيل وسيلة فعالة للتمييز بين ما يحتاز على معنى وما يعوزه المعنى. لن يكون بمقدورنا إطلاقا تشكيل مناهج منتظمة للبت في احتياز متتابعة من الألفاظ على دلالة، حتى على المستوى الفردي، ناهيك عن المستوى الجمعي. ذلك أنه يلزم عن اكتشاف في المنطق الرياضي، يعزى فضله إلى تشرش3، أنه ليس هناك اختبار للتناقض يمكن تطبيقه بوجه عام.
لقد تحدثت بطريقة استخفت من لحية أفلاطون، حين ألمحت إلى خشونتها، كما أسهبت في المضايقات الناجمة عن الصبر عليها. غير أن الأوان قد أزف لاتخاذ بعض الخطوات.
في نظرية فيما يسمى بالأوصاف الفردية، بيّن رسل كيف يتسنى لنا استخدام ما يبدو أسماء دون افتراض وجود الكينونات التي يُزعم تسميتها. الأسماء التي تنطبق عليها نظرية رسل مباشرة أسماء وصفية مركبة من قبيل "مؤلف ويفرلي"، "الملك الحالي لفرنسا"، " قبة كلية باركلي الدائرية المربعة". يقوم رسل بتحليل مثل هذه العبارات بطريقة منتظمة بوصفها أجزاء من الجمل الكاملة التي ترد فيها. مثال ذلك أنه يفسر الجملة "كان مؤلف ويفرلي شاعرا" بأسرها على اعتبار أنها تعني "شخص ما (والأفضل: شيء ما) كتب ويفرلي، وكان شاعرا، ولا شيء آخر كتب ويفرلي." (المراد من العبارة الإضافية توكيد التفرد المتضمن في التعريف بالإضافة4الوارد في "مؤلف ويفرلي".) أما الجملة " قبة كلية باركلي الدائرية المربعة قرنفلية" فتفسر على النحو التالي: "ثمة شيء يتصف بأنه مربع، دائري، وقبة في كلية باركلي."5
يتميز هذا التحليل بأن ما يبدو اسما، العبارة الوصفية، يعاد صياغته في السياق بوصفه رمزا ناقصا. ليس ثمة تعبير يطرح باعتباره تحليلا للعبارة الوصفية، رغم أن الجملة ككل، الجملة التي تشكل سياق العبارة، تظل تحصل على نصيب كامل من المعنى ـ بصرف النظر عن صدقها أو بطلانها.
تشتمل الجملة غير المحللة "كان مؤلف ويفرلي شاعرا" على العبارة "مؤلف ويفرلي" التي يخطئ ماكس ووايمان حين يفترضان ارتهان احتيازها على معنى بقيام مشار إليه موضوعي. في المقابل، نجد أنه في تحليل رسل، الذي يقر "شخص ما كتب ويفرلي، وكان شاعرا، ولا شيء آخر كتب ويفرلي"، يحال عبء الإشارة الموضوعية الذي سلف أن حملت به العبارة الوصفية إلى ألفاظ من القبيل الذي يسميه المناطقة بالمتغيرات المقيدة، متغيرات التكميم، أي عبارات من قبيل "شيء ما"، "لا شيء"، "كل شيء". إن هذه الألفاظ، التي هي أبعد ما تكون عن الزعم بأنها أسماء خاصة بمؤلف ويفرلي، لا تدعي أصلا أن تكون أسماء. إنها تشير إلى الكينونات بوجه عام، وهي تنطوي على غموض مقصود يميزها6. وبطبيعة الحال، فإن هذه الألفاظ التكميمية أو المتغيرات المقيدة تشكل جزءا أساسيا من اللغة، كما أن احتيازها على معنى ليس عرضة للارتياب، في السياق المعني على أقل تقدير. بيد أن احتيازها على معنى لا يفترض بحال وجود مؤلف لويفرلي أو قبة باركلي الدائرية المربعة، ولا أية أشياء سبق تحديدها على نحو خاص.
بطرق كثيرة، يعد عالم وايمان المكتظ عالما بشعا. إنه يزعج الحس الجمالي فينا، نحن الذين تستهوينا الفضاءات. لكن هذا ليس أسوء ما فيه. أحياؤه الرثة مرتع خصب لعناصر مشوشة. اعتبر مثلا الرجل البدين الممكن في ذلك المدخل، واعتبر أيضا الرجل الأصلع الممكن في ذات المكان. هل هما ذات الرجل الممكن أم تراهما رجلين ممكنين؟ كيف يتسنى لنا حسم هذا الأمر؟ كم عدد الرجال الممكنين في ذلك المدخل؟ وكم عدد المتماثلين منهم؟ هل يفوق عدد النحيلين منهم عدد البدناء؟ أم أن التماثل هنا يعني التماهي؟ أم أنه ليس هناك شيئان ممكنان متماثلان؟ وهل هذا يعني استحالة تماثل أي شيئين؟ وأخيرا، هل يعد مفهوم الهوية قابلا للتطبيق على الإمكانات غير المتحققة؟ ولكن أية دلالة ينطوي عليها الحديث عن كينونات لا معنى للحكم بتماهيها مع ذواتها ولا معنى للحكم بتمايز واحدتها عن سائرها؟ إن هذه العناصر معطوبة إلى حد يجعلها غير قابلة للإصلاح. قد يوظف علاج فريجي2للمفاهيم الفردية في بذل بعض الجهود الرامية إلى إعادة تأهيلها، غير أنني أشعر أنه من المفضل أن نقوم بتطهير أحياء وايمان الرثة والخلاص منها نهائيا.
الإمكان، صحبة مفاهيم موجهة أخرى من قبيل الضرورة والاستحالة والعارضية، تثير إشكاليات لا نقصد تضمين وجوب إغفالها. بيد أننا نستطيع على أقل تقدير قصر الموجهات على جمل بأسرها. لنا أن نطبق كلمة "بالإمكان" على جمل كاملة، وأن نعنى بطرح تحليل دلالي لمثل هذا الاستخدام. لن يمكننا هذا التحليل من قطع شوط طويل شطر بسط عالمنا بحيث يشتمل على ما يسمى بالكينونات الممكنة. أحسب أن الدافع الأساسي للقيام بهذا البسط إنما يكمن في الفكرة القديمة التي تقر مثلا وجوب كون بيجاسوس حتى يكون ثمة معنى حتى لإقرار أنه لا يكون.
على ذلك، يبدو أنه سوف يُبدد كل هذا الترف الوفير الذي ينطوي عليه عالم إمكانات وايمان حين نحدث تغييرا طفيفا في الإمكانات، وعوضا عن التحدث عن بيجاسوس نشرع في الحديث عن قبة كلية باركلي الدائرية المربعة. إذا كان احتياز إقرار عدم كون بيجاسوس على معنى يرتهن بكونه، سوف يرتهن احتياز إقرار عدم كون قبة كلية باركلي الدائرية المربعة بكونها. غير أننا خلافا لحالة بيجاسوس لا نستطيع قبول قبة كلية باركلي الدائرية المربعة حتى بوصفها إمكانا غير متحقق. هل نستطيع الآن إرغام وايمان على قبول الإحالات غير متحققة؟ إذا صح هذا، ثمة عدد كبير من الأسئلة المحرجة التي يمكن إثارتها بخصوص تلك الإحالات. قد نؤمل حتى في إيقاعه في شرك التناقض، وذلك بجعله يسلم بأن بعضا من تلك الكينونات تعد في آن دائرية ومربعة. غير أن وايمان المراوغ يفضل القرن الآخر من المعضلة، فهو يقر أنه لا معنى لإنكار كون قبة كلية باركلي الدائرية المربعة. إنه يقول إن العبارة " قبة دائرية مربعة" يعوزها المعنى تماما.
لم يكن وايمان أول من ارتأى هذا البديل. المذهب القائل بخلو التناقضات من المعنى يرجع إلى عصور أقدم عهدا. أيضا فإن هذا الموروث يظل بيّنا في أعمال كتاب لا يشاركون وايمان أيا من دوافعه. على ذلك، فإنني أرتاب فيما إذا كانت فتنة هذا المذهب البادية لم تشكل أساسا الدافع الذي لاحظناه عند وايمان. الراهن أن هذا المذهب لا يحتاز على فتنة كامنة وقد أفضى بأشياعه إلى اتخاذ مواقف متطرفة من قبيل تحدي نهج الإثبات عبر برهان الخلف، وهو تحد أستشعر فيه برهان خلف ضد المذهب نفسه.
فضلا عن ذلك، فإن القول بخلو التناقضات من المعنى يعاني من قصور منهجي؛ إنه يحول من حيث المبدأ دون تشكيل وسيلة فعالة للتمييز بين ما يحتاز على معنى وما يعوزه المعنى. لن يكون بمقدورنا إطلاقا تشكيل مناهج منتظمة للبت في احتياز متتابعة من الألفاظ على دلالة، حتى على المستوى الفردي، ناهيك عن المستوى الجمعي. ذلك أنه يلزم عن اكتشاف في المنطق الرياضي، يعزى فضله إلى تشرش3، أنه ليس هناك اختبار للتناقض يمكن تطبيقه بوجه عام.
لقد تحدثت بطريقة استخفت من لحية أفلاطون، حين ألمحت إلى خشونتها، كما أسهبت في المضايقات الناجمة عن الصبر عليها. غير أن الأوان قد أزف لاتخاذ بعض الخطوات.
في نظرية فيما يسمى بالأوصاف الفردية، بيّن رسل كيف يتسنى لنا استخدام ما يبدو أسماء دون افتراض وجود الكينونات التي يُزعم تسميتها. الأسماء التي تنطبق عليها نظرية رسل مباشرة أسماء وصفية مركبة من قبيل "مؤلف ويفرلي"، "الملك الحالي لفرنسا"، " قبة كلية باركلي الدائرية المربعة". يقوم رسل بتحليل مثل هذه العبارات بطريقة منتظمة بوصفها أجزاء من الجمل الكاملة التي ترد فيها. مثال ذلك أنه يفسر الجملة "كان مؤلف ويفرلي شاعرا" بأسرها على اعتبار أنها تعني "شخص ما (والأفضل: شيء ما) كتب ويفرلي، وكان شاعرا، ولا شيء آخر كتب ويفرلي." (المراد من العبارة الإضافية توكيد التفرد المتضمن في التعريف بالإضافة4الوارد في "مؤلف ويفرلي".) أما الجملة " قبة كلية باركلي الدائرية المربعة قرنفلية" فتفسر على النحو التالي: "ثمة شيء يتصف بأنه مربع، دائري، وقبة في كلية باركلي."5
يتميز هذا التحليل بأن ما يبدو اسما، العبارة الوصفية، يعاد صياغته في السياق بوصفه رمزا ناقصا. ليس ثمة تعبير يطرح باعتباره تحليلا للعبارة الوصفية، رغم أن الجملة ككل، الجملة التي تشكل سياق العبارة، تظل تحصل على نصيب كامل من المعنى ـ بصرف النظر عن صدقها أو بطلانها.
تشتمل الجملة غير المحللة "كان مؤلف ويفرلي شاعرا" على العبارة "مؤلف ويفرلي" التي يخطئ ماكس ووايمان حين يفترضان ارتهان احتيازها على معنى بقيام مشار إليه موضوعي. في المقابل، نجد أنه في تحليل رسل، الذي يقر "شخص ما كتب ويفرلي، وكان شاعرا، ولا شيء آخر كتب ويفرلي"، يحال عبء الإشارة الموضوعية الذي سلف أن حملت به العبارة الوصفية إلى ألفاظ من القبيل الذي يسميه المناطقة بالمتغيرات المقيدة، متغيرات التكميم، أي عبارات من قبيل "شيء ما"، "لا شيء"، "كل شيء". إن هذه الألفاظ، التي هي أبعد ما تكون عن الزعم بأنها أسماء خاصة بمؤلف ويفرلي، لا تدعي أصلا أن تكون أسماء. إنها تشير إلى الكينونات بوجه عام، وهي تنطوي على غموض مقصود يميزها6. وبطبيعة الحال، فإن هذه الألفاظ التكميمية أو المتغيرات المقيدة تشكل جزءا أساسيا من اللغة، كما أن احتيازها على معنى ليس عرضة للارتياب، في السياق المعني على أقل تقدير. بيد أن احتيازها على معنى لا يفترض بحال وجود مؤلف لويفرلي أو قبة باركلي الدائرية المربعة، ولا أية أشياء سبق تحديدها على نحو خاص.
صفحة 7
بخصوص الأوصاف، لم تعد هناك أية صعوبات تواجهنا في إقرار أو إنكار الكون. الجملة "يوجد مؤلف ويفرلي" تعني وفق تفسير رسل "شخص ما (بكلمات أدق: شيء ما) كتب ويفرلي، وكان شاعرا، ولا شيء آخر كتب ويفرلي". الجملة "مؤلف ويفرلي لا يكون" تفسر على نحو مماثل بوصفها جملة فصلية مفاده "إما لا شيء كتب ويفرلي أو شيئان على الأقل كتبا ويفرلي". هذه جملة باطلة لكنها تظل تحتاز على معنى، وهي لا تشتمل على أي تعبير يُفهم منه تسمية مؤلف ويفرلي. وعلى نحو مناظر يتم تحليل الجملة "القبة الدائرية المربعة في باركلي لا تكون ". هكذا يتم التخلي نهائيا عن الفكرة القديمة التي تقر أن جمل اللاكون تدحض نفسها. حين يتم تحليل جملة تتعلق بالكون وفق الطريقة التي تقترحها نظرية رسل، فإنها لا تعود تشتمل على أي تعبير يفهم منه حتى تسمية الشيء المزعوم الذي نتحدث عن كونه، وبذا لا يعود احتياز الجملة على معنى رهنا بكون ذلك الشيء.
ولكن ماذا عن "بيجاسوس"؟ إن كونها كلمة عوضا عن كونها عبارة وصفية يحول دون تطبيق محاجة رسل عليها بشكل مباشر. بيد أن هذه إشكالية تسهل معالجتها. كل ما نحتاجه هو إعادة صياغة "بيجاسوس" في شكل وصف بطريقة تناسب وتميز فكرتنا، كأن نقول "الحصان المجنح الذي استولى عليه بيليريفون". باستبدال مثل هذه العبارة بكلمة "بيجاسوس"، نستطيع القيام بتحليل الجملة "بيجاسوس يكون" أو "بيجاسوس لا يكون" بالطريقة نفسها التي قام رسل وفقها بتحليل "مؤلف ويفرلي يكون" أو "مؤلف ويفرلي لا يكون".
وبطبيعة الحال، فإن إدراج اسم يتكون من كلمة مفردة أو اسم مزعوم من قبيل "بيجاسوس" تحت نظرية رسل في الوصف يتطلب بداية القدرة على ترجمة الكلمة إلى وصف. غير أن هذا لا يشكل قيدا حقيقيا. إذا كانت فكرة بيجاسوس غامضة أو أساسية إلى حد يحول دون ترجمتها بطريقة مناسبة نألفها إلى عبارة وصفية، يظل بمقدورنا الإفادة من الوسيلة التالية. نستطيع الركون إلى الصفة المفترضة غير القابلة للرد أو التحليل " كون الشيء بيجاسوس" وأن نقوم بالتعبير عنها بالجملة الفعلية "يكون_بيجاسوس" أو بالفعل "يتبيجس". آنذاك يتسنى لنا اعتبار الاسم "بيجاسوس" مشتقا يتم تحديده بالوصف "الشيء الذي يتبيجس"7.
إذا بدا أن طرح محمول من قبيل "يتبيجس" يلزمنا التسليم بوجود خاصية مناظرة، البيجسة، في فردوس أفلاطون أو في أذهان الناس، فلا ضير في ذلك. ذلك أننا لم نكن نجادل، وكذا شأن ماكس ووايمان، بخصوص كون أو عدم كون الكليات، بل بخصوص بيجاسوس. إذا تمكنا من تأويل الاسم "بيجاسوس" عبر البيجسسية واعتبرناه وصفا تسري عليه نظرية رسل في الأوصاف، فقد نجحنا في الخلاص من الفكرة القديمة التي تقر أننا لا نستطيع إنكار كينونة بيجاسوس دون افتراض أنه يكون بمعنى ما.
محاجتنا عامة تماما. لقد افترض ماكس ووايمان أننا لا نستطيع إقرار جملة من قبيل "كذا وكذا لا يكون" بطريقة تحتاز على معنى، حيث يستعاض عن "كذا وكذا " باسم مفرد وصفي، ما لم يكن كذا وكذا كائنا. الآن اتضح أن هذا الافتراض لا أساس له من الصحة، إذ يمكن دوما بسط الاسم المفرد المعني بحيث يصبح وصفا مفردا، بالركون إلى وسيلة ما أو أخرى، ثم القيام بتحليله وفق نظرية رسل.
إننا نلزم أنفسنا بأنطولوجيا تشتمل على الأعداد حين نقول بكون أعداد أولية أكبر من المليون، ونلزم أنفسنا بأنطولوجيا تشتمل على أحاديات القرن حين نقول بكون أحاديات القرن، ونلزم أنفسنا بأنطولوجيا تشتمل على بيجاسوس حين نقول إنه يكون. بيد أننا لا نلزم أنفسنا بأنطولوجيا تشتمل على بيجاسوس أو مؤلف ويفرلي أو القبة الدائرية المربعة في باركلي حين نقر عدم كونها. لم نعد تحت طائلة الوهم بأن احتياز جملة تتضمن كلمة مفردة على معنى يفترض شيئا تسميها تلك الكلمة. إن احتياز الكلمة المفردة على معنى ليس وقفا على قيامها بفعل التسمية.
لقد كان بمقدور وايمان وماكس الإفادة من هذا التلميح حتى دون عون من رسل لو أنهما لاحظا، كما يلحظ قليل منا، أن ثمة فرقا بين المعنى والتسمية، حتى في حالة الألفاظ المفردة التي تعد حقيقة أسماء لأشياء بعينها. المثال التالي المستقى من فريجه (Frege [3]) يوضح هذا الأمر. العبارة "نجمة المساء" تسمى جسما ماديا كرويا ضخما بعينه يجوب الآفاق على بعد عدد من ملايين الأميال عن الأرض. عبارة "نجمة الصباح" تسمي الجسم نفسه، وهذا ما اكتشفه أول من اكتشفه ملاحظ بابلي. على ذلك، لا يمكن إقرار أن العبارتين تعنيان الشي نفسه، وإلا لما احتاج ذلك البابلي إلى ملاحظاته ولاكتفى بالتأمل في معاني ألفاظه. يتعين إذن على المعاني، لأنها مختلفة، أن تكون مغايرة للشيء المسمى، كونه واحدا في الحالين.
لم يقتصر الخلط بين المعنى والتسمية على جعل ماكس يعتقد أنه لا سبيل لإنكار بيجاسوس بطريقة تحتاز على معنى. لا ريب أن الخلط المستمر بين المعنى والتسمية قد عمل على إثارة اعتقاد مناف للعقل مفاده أن بيجاسوس فكرة، أي شيء ذهني. تتعين بنية الخلط في أن ماكس لا يميز بين الشيء المسمى المزعوم بيجاسوس ومعنى كلمة "بيجاسوس"، ما يجعله يخلص إلى ارتهان احتياز هذه الكلمة على معنى بكون بيجاسوس. ولكن أي نوع الأشياء تكونه المعاني؟ هذه مسألة فيها نظر. بمقدور المرء اعتبار المعاني أفكارا في العقل، على افتراض أننا نستطيع توضيح فكرة الأفكار التي تكون في العقل. على هذا النحو ينتهي المطاف ببيجاسوس، الذي تم الخلط بينه وبين معناه، بأن يغدو فكرة في الذهن. الأغرب من ذلك أن وايمان، الذي وقع تحت تأثير الدافع الابتدائي الذي استحاذ على ماكس، قد تمكن من تجنب هذا الخطأ الفاضح، بحيث انتهى إلى القول بإمكانات غير متحققة.
دعونا نعد الآن إلى الإشكالية الأنطولوجية المتعلقة بالكليات؛ للسؤال عما إذا كانت هناك أشياء من قبيل الخواص والعلاقات والفئات والأعداد والدوال. يعتقد ماكس على نحو مميز في كون هذه الأشياء. حين يتحدث عن الخواص يقول "ثمة منازل حمراء، ورود حمراء، وغروب أحمر؛ هذا قدر من الحس المشترك قبل الفلسفي يتوجب الإجماع عليه. هناك إذن قاسم مشترك بين المنازل والورود والغروب، هو ما أسميه بخاصية الحمرة." عنده كون الخواص أكثر بيانا وأقل أهمية من الحقيقة التي تقر كون منازل حمراء وورد أحمر وغروب أحمر. أعتقد أن هذا يميز الميتافيزيقا، على الأقل فرعها المسمى بالأنطولوجيا: كل من يعتد بصدق أية جملة تتعلق بهذا الموضوع محتم عليه أن يعتبرها صادقة على نحو تلقائي. أنطولوجيا المرء أساسية للمخطط المفهومي الذي تؤول عبره كل الخبرات، حتى أشدها ألفة. حين يحكم على قضية أنطولوجية وفق مخطط مفهومي بعينه ـ وهل ثمة معيار يحكم وفقه سوى مخطط كهذا؟ ـ تصبح عنده غنية عن فضل البيان، بحيث لا يستشعر حاجة إلى طرح أي تبرير خاص بها. الجمل الأنطولوجية تلزم مباشرة عن أسلوب الجمل السببية المتعلقة بالحقائق السائدة، تماما كما تلزم الجملة "ثمة خاصية" ـ وفق مخطط ماكس المفهومي ـ عن الجملة "ثمة منازل حمراء، وورود حمراء، وغروب أحمر".
في المقال، إذا حكمنا وفق مخطط مفهومي آخر، الجملة الأنطولوجية التي تعتبر عند ماكس بدهية، قد تعد بالقدر نفسه من المباشرية والتلقائية جملة باطلة. قد يسلم المرء بأن هناك منازل حمراء ووردا أحمر وغروبا أحمر وينكر، متغاضيا عن الطريقة الشائعة والمضللة في الكلام، وجود قاسم مشترك بينها. الألفاظ "منازل"، "ورود"، "غروب" تصدق على مختلف الأشياء الفردية التي هي منازل وورود وغروب، كما أن كلمة "حمراء" أو "شيء أحمر" تصدق على كل من تلك الأشياء التي هي منازل حمراء وورود حمراء وغروب أحمر. ولكن ليس ثمة شيء إضافي فردي أو كلي تسميه كلمة "حمرة" أو حتى "المنزلية"، "الوردية"، و"الغروبية". قد يعتبر كون المنازل والورود والغروب حمراء أمرا نهائيا لا يقبل الرد، وقد نقر أن وضع ماكس من حيث قدراته التعبيرية الحقيقية ليست أفضل حالا، نسبة إلى كل الأشياء الغامضة التي يفترض أن تشكل مسميات لـ"الحمرة" مثلا.
ولكن ماذا عن "بيجاسوس"؟ إن كونها كلمة عوضا عن كونها عبارة وصفية يحول دون تطبيق محاجة رسل عليها بشكل مباشر. بيد أن هذه إشكالية تسهل معالجتها. كل ما نحتاجه هو إعادة صياغة "بيجاسوس" في شكل وصف بطريقة تناسب وتميز فكرتنا، كأن نقول "الحصان المجنح الذي استولى عليه بيليريفون". باستبدال مثل هذه العبارة بكلمة "بيجاسوس"، نستطيع القيام بتحليل الجملة "بيجاسوس يكون" أو "بيجاسوس لا يكون" بالطريقة نفسها التي قام رسل وفقها بتحليل "مؤلف ويفرلي يكون" أو "مؤلف ويفرلي لا يكون".
وبطبيعة الحال، فإن إدراج اسم يتكون من كلمة مفردة أو اسم مزعوم من قبيل "بيجاسوس" تحت نظرية رسل في الوصف يتطلب بداية القدرة على ترجمة الكلمة إلى وصف. غير أن هذا لا يشكل قيدا حقيقيا. إذا كانت فكرة بيجاسوس غامضة أو أساسية إلى حد يحول دون ترجمتها بطريقة مناسبة نألفها إلى عبارة وصفية، يظل بمقدورنا الإفادة من الوسيلة التالية. نستطيع الركون إلى الصفة المفترضة غير القابلة للرد أو التحليل " كون الشيء بيجاسوس" وأن نقوم بالتعبير عنها بالجملة الفعلية "يكون_بيجاسوس" أو بالفعل "يتبيجس". آنذاك يتسنى لنا اعتبار الاسم "بيجاسوس" مشتقا يتم تحديده بالوصف "الشيء الذي يتبيجس"7.
إذا بدا أن طرح محمول من قبيل "يتبيجس" يلزمنا التسليم بوجود خاصية مناظرة، البيجسة، في فردوس أفلاطون أو في أذهان الناس، فلا ضير في ذلك. ذلك أننا لم نكن نجادل، وكذا شأن ماكس ووايمان، بخصوص كون أو عدم كون الكليات، بل بخصوص بيجاسوس. إذا تمكنا من تأويل الاسم "بيجاسوس" عبر البيجسسية واعتبرناه وصفا تسري عليه نظرية رسل في الأوصاف، فقد نجحنا في الخلاص من الفكرة القديمة التي تقر أننا لا نستطيع إنكار كينونة بيجاسوس دون افتراض أنه يكون بمعنى ما.
محاجتنا عامة تماما. لقد افترض ماكس ووايمان أننا لا نستطيع إقرار جملة من قبيل "كذا وكذا لا يكون" بطريقة تحتاز على معنى، حيث يستعاض عن "كذا وكذا " باسم مفرد وصفي، ما لم يكن كذا وكذا كائنا. الآن اتضح أن هذا الافتراض لا أساس له من الصحة، إذ يمكن دوما بسط الاسم المفرد المعني بحيث يصبح وصفا مفردا، بالركون إلى وسيلة ما أو أخرى، ثم القيام بتحليله وفق نظرية رسل.
إننا نلزم أنفسنا بأنطولوجيا تشتمل على الأعداد حين نقول بكون أعداد أولية أكبر من المليون، ونلزم أنفسنا بأنطولوجيا تشتمل على أحاديات القرن حين نقول بكون أحاديات القرن، ونلزم أنفسنا بأنطولوجيا تشتمل على بيجاسوس حين نقول إنه يكون. بيد أننا لا نلزم أنفسنا بأنطولوجيا تشتمل على بيجاسوس أو مؤلف ويفرلي أو القبة الدائرية المربعة في باركلي حين نقر عدم كونها. لم نعد تحت طائلة الوهم بأن احتياز جملة تتضمن كلمة مفردة على معنى يفترض شيئا تسميها تلك الكلمة. إن احتياز الكلمة المفردة على معنى ليس وقفا على قيامها بفعل التسمية.
لقد كان بمقدور وايمان وماكس الإفادة من هذا التلميح حتى دون عون من رسل لو أنهما لاحظا، كما يلحظ قليل منا، أن ثمة فرقا بين المعنى والتسمية، حتى في حالة الألفاظ المفردة التي تعد حقيقة أسماء لأشياء بعينها. المثال التالي المستقى من فريجه (Frege [3]) يوضح هذا الأمر. العبارة "نجمة المساء" تسمى جسما ماديا كرويا ضخما بعينه يجوب الآفاق على بعد عدد من ملايين الأميال عن الأرض. عبارة "نجمة الصباح" تسمي الجسم نفسه، وهذا ما اكتشفه أول من اكتشفه ملاحظ بابلي. على ذلك، لا يمكن إقرار أن العبارتين تعنيان الشي نفسه، وإلا لما احتاج ذلك البابلي إلى ملاحظاته ولاكتفى بالتأمل في معاني ألفاظه. يتعين إذن على المعاني، لأنها مختلفة، أن تكون مغايرة للشيء المسمى، كونه واحدا في الحالين.
لم يقتصر الخلط بين المعنى والتسمية على جعل ماكس يعتقد أنه لا سبيل لإنكار بيجاسوس بطريقة تحتاز على معنى. لا ريب أن الخلط المستمر بين المعنى والتسمية قد عمل على إثارة اعتقاد مناف للعقل مفاده أن بيجاسوس فكرة، أي شيء ذهني. تتعين بنية الخلط في أن ماكس لا يميز بين الشيء المسمى المزعوم بيجاسوس ومعنى كلمة "بيجاسوس"، ما يجعله يخلص إلى ارتهان احتياز هذه الكلمة على معنى بكون بيجاسوس. ولكن أي نوع الأشياء تكونه المعاني؟ هذه مسألة فيها نظر. بمقدور المرء اعتبار المعاني أفكارا في العقل، على افتراض أننا نستطيع توضيح فكرة الأفكار التي تكون في العقل. على هذا النحو ينتهي المطاف ببيجاسوس، الذي تم الخلط بينه وبين معناه، بأن يغدو فكرة في الذهن. الأغرب من ذلك أن وايمان، الذي وقع تحت تأثير الدافع الابتدائي الذي استحاذ على ماكس، قد تمكن من تجنب هذا الخطأ الفاضح، بحيث انتهى إلى القول بإمكانات غير متحققة.
دعونا نعد الآن إلى الإشكالية الأنطولوجية المتعلقة بالكليات؛ للسؤال عما إذا كانت هناك أشياء من قبيل الخواص والعلاقات والفئات والأعداد والدوال. يعتقد ماكس على نحو مميز في كون هذه الأشياء. حين يتحدث عن الخواص يقول "ثمة منازل حمراء، ورود حمراء، وغروب أحمر؛ هذا قدر من الحس المشترك قبل الفلسفي يتوجب الإجماع عليه. هناك إذن قاسم مشترك بين المنازل والورود والغروب، هو ما أسميه بخاصية الحمرة." عنده كون الخواص أكثر بيانا وأقل أهمية من الحقيقة التي تقر كون منازل حمراء وورد أحمر وغروب أحمر. أعتقد أن هذا يميز الميتافيزيقا، على الأقل فرعها المسمى بالأنطولوجيا: كل من يعتد بصدق أية جملة تتعلق بهذا الموضوع محتم عليه أن يعتبرها صادقة على نحو تلقائي. أنطولوجيا المرء أساسية للمخطط المفهومي الذي تؤول عبره كل الخبرات، حتى أشدها ألفة. حين يحكم على قضية أنطولوجية وفق مخطط مفهومي بعينه ـ وهل ثمة معيار يحكم وفقه سوى مخطط كهذا؟ ـ تصبح عنده غنية عن فضل البيان، بحيث لا يستشعر حاجة إلى طرح أي تبرير خاص بها. الجمل الأنطولوجية تلزم مباشرة عن أسلوب الجمل السببية المتعلقة بالحقائق السائدة، تماما كما تلزم الجملة "ثمة خاصية" ـ وفق مخطط ماكس المفهومي ـ عن الجملة "ثمة منازل حمراء، وورود حمراء، وغروب أحمر".
في المقال، إذا حكمنا وفق مخطط مفهومي آخر، الجملة الأنطولوجية التي تعتبر عند ماكس بدهية، قد تعد بالقدر نفسه من المباشرية والتلقائية جملة باطلة. قد يسلم المرء بأن هناك منازل حمراء ووردا أحمر وغروبا أحمر وينكر، متغاضيا عن الطريقة الشائعة والمضللة في الكلام، وجود قاسم مشترك بينها. الألفاظ "منازل"، "ورود"، "غروب" تصدق على مختلف الأشياء الفردية التي هي منازل وورود وغروب، كما أن كلمة "حمراء" أو "شيء أحمر" تصدق على كل من تلك الأشياء التي هي منازل حمراء وورود حمراء وغروب أحمر. ولكن ليس ثمة شيء إضافي فردي أو كلي تسميه كلمة "حمرة" أو حتى "المنزلية"، "الوردية"، و"الغروبية". قد يعتبر كون المنازل والورود والغروب حمراء أمرا نهائيا لا يقبل الرد، وقد نقر أن وضع ماكس من حيث قدراته التعبيرية الحقيقية ليست أفضل حالا، نسبة إلى كل الأشياء الغامضة التي يفترض أن تشكل مسميات لـ"الحمرة" مثلا.
صفحة 8
إحدى السبل التي ربما حاول ماكس وفقها بشكل طبيعي فرض مذهبه الأنطولوجي في الكليات علينا سلف اطراحها جانبا حين ناقشنا إشكالية الكليات. ليس بمقدوره أن يجادل بأن احتياز محاميل مثل "الحمرة" و"يكون أحمر"، التي نتفق بخصوص استخدامها، على معنى إنما يرتهن باعتبارها أسماء يسمي كل منها شيئا كليا مفردا. ذلك أننا رأينا أن التسمية سمة أكثر تخصصية من الاحتياز على معنى. إنه لا يستطيع حتى اتهامنا ـ على الأقل ليس بهذه المحاجة ـ بأننا افترضنا خاصية البيجسة حين قمنا بتبني المحمول "يتبيجس".
على ذلك، ينتهج ماكس استراتيجية مختلفة. إنه يقول "دعونا نقبل هذا التمييز بين التسمية والمعنى الذي بالغتم في توكيد أهميته، بل دعونا نسلم بأن "يكون أحمر" و"يتبيجس" ليست أسماء لخصائص. سوف تظلون ملزمين بالاعتراف بأنها تحتاز على معاني، وهذه المعاني بصرف النظر عما إذا تم تسميتها تظل كليات. إنني أغامر إلى حد الزعم بأن بعضا منها هي ذات الأشياء التي أقول إنها خصائص، أو ما يبلّغ في نهاية المطاف المقصد نفسه."
بالنسبة لماكس، هذه خطبة عصماء، والطريقة الوحيدة التي أعرفها للرد عليها إنما تتعين في رفض قبول المعاني. على أذلك فإنني اشعر بأنني راغب عن رفضي إياها، إذ أنني لا أنكر احتياز الألفاظ والجمل على معاني. قد أتفق مع ماكس حرفيا بخصوص تصنيف الأشكال اللغوية إلى أشكال تحتاز على معنى وأخرى يعوزها المعنى، رغم أنه يعتبر الاحتياز على معنى امتلاكا (بإحدى دلالات "الملكية") لشيء مجرد يسميه المعنى، في حين أنني لا أفترض ذلك. إنني أظل حرا في إقرار أن حقيقة احتياز منطوق لغوي معطى على معنى (أو كونه مفيدا، كما أفضل القول، بحيث لا اقترح افتراض المعاني بوصفها أشياء مجردة) واقعة حقيقية نهائية لا تقبل الرد، وقد أضطلع بأمر تحليلها مباشرة عبر ما يقوم به الناس في حضرة المنطوق اللغوي المعني والمنطوقات المشابهة له.
تُرد الطرق المفيدة التي يتحدث وفقها الناس أو يبدو أنهم يتحدثون وفقها إلى طريقتين: ما يسمى إهابة معنى للمنطوق، الذي هو كونه مفيدا، وتشابه المعنى الذي هو ببساطة نطق مرادف معبر عنه بلغة عادة ما تكون أكثر بيانا من الأصل. إذا كانت لدينا حساسية ضد المعاني بوصفها كذلك، نستطيع التحدث مباشرة عن المنطوقات باعتبارها مفيدة أو غير مفيدة، وعن ترادف أو تغاير منطوق مع آخر. صعوبة إشكالية تفسير التعبيرين "مفيد" و"مرادف" بوضوح ودقة، عبر السلوك كما أفضل، لا تقل عن أهميتها8. بيد أن القيمة التفسيرية للأشياء الخاصة والوسيطة وغير القابلة للرد التي تسمى معاني مجرد وهم.
جادلت حتى الآن بأننا نستطيع استعمال الألفاظ المفردة في جمل بشكل يحتاز على معنى دون افتراض وجود أشياء يفهم من تلك الألفاظ أنها تسميها. جادلت أيضا بأننا نستطيع استعمال الألفاظ الكلية، كالمحاميل، دون إقرار أنها تسمى أشياء مجردة. فضلا عن ذلك، جادلت بأننا نستطيع اعتبار المنطوقات مفيدة واعتبارها مترادفة أو متغايرة ، دون افتراض عالما من الأشياء تسمى المعاني. هنا يشرع ماكس في التساؤل عما إذا كان ثمة حد لمناعتنا الأنطولوجية. ألا يوجد شيء نقوله يلزمنا بافتراض كليات أو أية أشياء أخرى غير مرغوب فيها؟ سبق أن اقترحنا إجابة سلبية عن هذا السؤال، حين تحدثنا عن المتغيرات المقيدة، أو متغيرات المكممات، فيما يتعلق بنظرية رسل في الأوصاف. نستطيع بسهولة إقحام أنفسنا في التزامات أنطولوجية بأن نقول مثلا إن هناك شيئا ما (متغير مقيد) يشكل قاسما مشتركا بين المنازل الحمراء والغروب، أو أن ثمة شيئا هو عدد أولي أكبر من المليون. بيد أنه ليست هناك طريقة أخرى لإقحام أنفسنا في التزامات أنطولوجية، عنيت طريقة مغايرة لاستخدام متغيرات مقيدة. استعمال الأسماء المزعومة ليس معيارا، فنحن نستطيع إنكار قيامها بالتسمية بسهولة، ما لم يكن بالمقدور موضعة افتراض الشيء المعني ضمن الأشياء التي نقوم بإقرارها عبر متغيرات مقيدة. الراهن أن الأسماء ليست مهمة إطلاقا للمسألة الأنطولوجية، فكما بينت بخصوص "بيجاسوس" و"يتبيجس"، بالمقدور تحويل الأسماء إلى أوصاف، وقد أثبت رسل أنه بالمقدور الاستغناء عن الاوصاف. كل ما نقوله باستخدام الأسماء قابل لأن يقال بدونها. افتراض الشيء بوصفه كائنا إنما يعني ببساطة اعتباره قيمة لمتغير. وفق تصنيفات النحو التقليدية، هذا يعني تقريبا أنه أن تكون هو أن تكون ضمن نطاق إشارة ضمير. الضمائر هي الوسيط الأساسي للإشارة، ولربما كان أحرى بالأسماء أن تكون ضمائر. متغيرات التكميم، "شيء ما"، "لا شيء"، "كل شيء"، تستنفد نطاق مذهبنا الأنطولوجي بأسره، بصرف النظر عن طبيعته، ونحن ملزمون بافتراض أنطولوجي بعينه إذا وفقط إذا توجب اعتبار المفترض المزعوم ضمن الأشياء التي تسري عليها متغيراتنا لجعل واحد من إقراراتنا صحيحا. نستطيع مثلا أن نقول إن بعض الكلاب بيضاء دون أن نلزم أنفسنا بالتسليم بالكلبية أو البيضاوية بوصفها أشياء. "بعض الكلاب بيضاء" تقر أن بعض الأشياء التي هي كلاب تتصف بأنها بيضاء، وصدق هذه الجملة إنما يتطلب أن تشتمل الأشياء التي تدخل في نطاق المتغير المقيد "بعض الأشياء" على بعض الكلاب البيضاء ،ولا تشترط اشتمالها على الكلبية أو البيضاوية. من جهة أخرى، حين نقول إن بعض الفصائل الحيوانية مهجنة، فإننا نلزم أنفسنا بالتسليم بالفصائل المتعددة نفسها، بوصفها أشياء، حتى إن كانت أشياء مجردة. الواقع أننا نظل ملزمين بها إلى أن نتمكن من استحداث طريقة لإعادة صياغة تلك الجملة بحيث يستبان أن الإشارة البادية إلى الفصائل التي يقوم بها متغيرنا المقيد أسلوب في الحديث يمكن تجنبه9.
الرياضيات الكلاسيكية، كما يوضح مثال الأعداد الأولية التي تتجاوز المليون، مفعمة بالالتزام بأنطولوجيا الأشياء المجردة. من هنا قام جدل كبير في العصور الوسطى حول الكليات تجدد ثانية في الفلسفة الحديثة للرياضيات. لقد بدت هذه المسألة أكثر وضوحا لأنه أصبح لدينا معيار اكثر صراحة لتحديد الأنطولوجيا التي تلتزم بها النظرية أو المقال المعطى. النظرية ملزمة فحسب بكل الأشياء التي يتعين على متغيرات النظرية المقيدة أن تستطيع الإشارة إليها لجعل إقراراتها صادقة.
ولأن معيار الافتراض الأنطولوجي هذا لم يستبن في الموروث الفلسفي، لم يلحظ فلاسفة الرياضة المحدثون بوجه عام أنهم كانوا يجادلون حول ذات إشكالية الكليات القديمة في صياغة تم توضيحها حديثا. بيد أن الانقسامات الأساسية ضمن الرؤى المحدثة في أسس الرياضة إنما ترجع صراحة إلى اختلافات حول نطاق الأشياء التي يتعين السماح للمتغيرات المقيدة بأن تقوم بالإشارة إليها.
يسمي المؤرخون وجهات النظر الثلاث الرئيسة في الكليات بالواقعية، المفهومية، والإسمية. إن هذه المذاهب الثلاثة تعود إلى ظهور في مسوح القرن العشرين الخاصة بفلسفة الرياضيات تحت مسميات حديثة؛ المنطقية، الحدسية، والصورية.
على ذلك، ينتهج ماكس استراتيجية مختلفة. إنه يقول "دعونا نقبل هذا التمييز بين التسمية والمعنى الذي بالغتم في توكيد أهميته، بل دعونا نسلم بأن "يكون أحمر" و"يتبيجس" ليست أسماء لخصائص. سوف تظلون ملزمين بالاعتراف بأنها تحتاز على معاني، وهذه المعاني بصرف النظر عما إذا تم تسميتها تظل كليات. إنني أغامر إلى حد الزعم بأن بعضا منها هي ذات الأشياء التي أقول إنها خصائص، أو ما يبلّغ في نهاية المطاف المقصد نفسه."
بالنسبة لماكس، هذه خطبة عصماء، والطريقة الوحيدة التي أعرفها للرد عليها إنما تتعين في رفض قبول المعاني. على أذلك فإنني اشعر بأنني راغب عن رفضي إياها، إذ أنني لا أنكر احتياز الألفاظ والجمل على معاني. قد أتفق مع ماكس حرفيا بخصوص تصنيف الأشكال اللغوية إلى أشكال تحتاز على معنى وأخرى يعوزها المعنى، رغم أنه يعتبر الاحتياز على معنى امتلاكا (بإحدى دلالات "الملكية") لشيء مجرد يسميه المعنى، في حين أنني لا أفترض ذلك. إنني أظل حرا في إقرار أن حقيقة احتياز منطوق لغوي معطى على معنى (أو كونه مفيدا، كما أفضل القول، بحيث لا اقترح افتراض المعاني بوصفها أشياء مجردة) واقعة حقيقية نهائية لا تقبل الرد، وقد أضطلع بأمر تحليلها مباشرة عبر ما يقوم به الناس في حضرة المنطوق اللغوي المعني والمنطوقات المشابهة له.
تُرد الطرق المفيدة التي يتحدث وفقها الناس أو يبدو أنهم يتحدثون وفقها إلى طريقتين: ما يسمى إهابة معنى للمنطوق، الذي هو كونه مفيدا، وتشابه المعنى الذي هو ببساطة نطق مرادف معبر عنه بلغة عادة ما تكون أكثر بيانا من الأصل. إذا كانت لدينا حساسية ضد المعاني بوصفها كذلك، نستطيع التحدث مباشرة عن المنطوقات باعتبارها مفيدة أو غير مفيدة، وعن ترادف أو تغاير منطوق مع آخر. صعوبة إشكالية تفسير التعبيرين "مفيد" و"مرادف" بوضوح ودقة، عبر السلوك كما أفضل، لا تقل عن أهميتها8. بيد أن القيمة التفسيرية للأشياء الخاصة والوسيطة وغير القابلة للرد التي تسمى معاني مجرد وهم.
جادلت حتى الآن بأننا نستطيع استعمال الألفاظ المفردة في جمل بشكل يحتاز على معنى دون افتراض وجود أشياء يفهم من تلك الألفاظ أنها تسميها. جادلت أيضا بأننا نستطيع استعمال الألفاظ الكلية، كالمحاميل، دون إقرار أنها تسمى أشياء مجردة. فضلا عن ذلك، جادلت بأننا نستطيع اعتبار المنطوقات مفيدة واعتبارها مترادفة أو متغايرة ، دون افتراض عالما من الأشياء تسمى المعاني. هنا يشرع ماكس في التساؤل عما إذا كان ثمة حد لمناعتنا الأنطولوجية. ألا يوجد شيء نقوله يلزمنا بافتراض كليات أو أية أشياء أخرى غير مرغوب فيها؟ سبق أن اقترحنا إجابة سلبية عن هذا السؤال، حين تحدثنا عن المتغيرات المقيدة، أو متغيرات المكممات، فيما يتعلق بنظرية رسل في الأوصاف. نستطيع بسهولة إقحام أنفسنا في التزامات أنطولوجية بأن نقول مثلا إن هناك شيئا ما (متغير مقيد) يشكل قاسما مشتركا بين المنازل الحمراء والغروب، أو أن ثمة شيئا هو عدد أولي أكبر من المليون. بيد أنه ليست هناك طريقة أخرى لإقحام أنفسنا في التزامات أنطولوجية، عنيت طريقة مغايرة لاستخدام متغيرات مقيدة. استعمال الأسماء المزعومة ليس معيارا، فنحن نستطيع إنكار قيامها بالتسمية بسهولة، ما لم يكن بالمقدور موضعة افتراض الشيء المعني ضمن الأشياء التي نقوم بإقرارها عبر متغيرات مقيدة. الراهن أن الأسماء ليست مهمة إطلاقا للمسألة الأنطولوجية، فكما بينت بخصوص "بيجاسوس" و"يتبيجس"، بالمقدور تحويل الأسماء إلى أوصاف، وقد أثبت رسل أنه بالمقدور الاستغناء عن الاوصاف. كل ما نقوله باستخدام الأسماء قابل لأن يقال بدونها. افتراض الشيء بوصفه كائنا إنما يعني ببساطة اعتباره قيمة لمتغير. وفق تصنيفات النحو التقليدية، هذا يعني تقريبا أنه أن تكون هو أن تكون ضمن نطاق إشارة ضمير. الضمائر هي الوسيط الأساسي للإشارة، ولربما كان أحرى بالأسماء أن تكون ضمائر. متغيرات التكميم، "شيء ما"، "لا شيء"، "كل شيء"، تستنفد نطاق مذهبنا الأنطولوجي بأسره، بصرف النظر عن طبيعته، ونحن ملزمون بافتراض أنطولوجي بعينه إذا وفقط إذا توجب اعتبار المفترض المزعوم ضمن الأشياء التي تسري عليها متغيراتنا لجعل واحد من إقراراتنا صحيحا. نستطيع مثلا أن نقول إن بعض الكلاب بيضاء دون أن نلزم أنفسنا بالتسليم بالكلبية أو البيضاوية بوصفها أشياء. "بعض الكلاب بيضاء" تقر أن بعض الأشياء التي هي كلاب تتصف بأنها بيضاء، وصدق هذه الجملة إنما يتطلب أن تشتمل الأشياء التي تدخل في نطاق المتغير المقيد "بعض الأشياء" على بعض الكلاب البيضاء ،ولا تشترط اشتمالها على الكلبية أو البيضاوية. من جهة أخرى، حين نقول إن بعض الفصائل الحيوانية مهجنة، فإننا نلزم أنفسنا بالتسليم بالفصائل المتعددة نفسها، بوصفها أشياء، حتى إن كانت أشياء مجردة. الواقع أننا نظل ملزمين بها إلى أن نتمكن من استحداث طريقة لإعادة صياغة تلك الجملة بحيث يستبان أن الإشارة البادية إلى الفصائل التي يقوم بها متغيرنا المقيد أسلوب في الحديث يمكن تجنبه9.
الرياضيات الكلاسيكية، كما يوضح مثال الأعداد الأولية التي تتجاوز المليون، مفعمة بالالتزام بأنطولوجيا الأشياء المجردة. من هنا قام جدل كبير في العصور الوسطى حول الكليات تجدد ثانية في الفلسفة الحديثة للرياضيات. لقد بدت هذه المسألة أكثر وضوحا لأنه أصبح لدينا معيار اكثر صراحة لتحديد الأنطولوجيا التي تلتزم بها النظرية أو المقال المعطى. النظرية ملزمة فحسب بكل الأشياء التي يتعين على متغيرات النظرية المقيدة أن تستطيع الإشارة إليها لجعل إقراراتها صادقة.
ولأن معيار الافتراض الأنطولوجي هذا لم يستبن في الموروث الفلسفي، لم يلحظ فلاسفة الرياضة المحدثون بوجه عام أنهم كانوا يجادلون حول ذات إشكالية الكليات القديمة في صياغة تم توضيحها حديثا. بيد أن الانقسامات الأساسية ضمن الرؤى المحدثة في أسس الرياضة إنما ترجع صراحة إلى اختلافات حول نطاق الأشياء التي يتعين السماح للمتغيرات المقيدة بأن تقوم بالإشارة إليها.
يسمي المؤرخون وجهات النظر الثلاث الرئيسة في الكليات بالواقعية، المفهومية، والإسمية. إن هذه المذاهب الثلاثة تعود إلى ظهور في مسوح القرن العشرين الخاصة بفلسفة الرياضيات تحت مسميات حديثة؛ المنطقية، الحدسية، والصورية.
صفحة 9
الواقعية، وفق استخدام هذه اللفظة في سياق الجدل الوسيط حول الكليات، هي المذهب الأفلاطوني الذي يقر أن الكليات أو الأشياء المجردة تحتاز على وجود مفارق للعقل؛ بمقدور العقل اكتشافها ولكن ليس بمقدوره خلقها. المنطقية، كما يمثلها فريجه، رسل، وايتهد، تشرش، وكارناب، تسمح باستخدام المتغيرات المقيدة للإشارة دون تمييز إلى الكينونات المجردة المعروف منها والمجهول، القابل وغير القابل للتحديد.
في المقابل، تقر المفهومية وجود الكليات لكنها تقول إنها من خلق العقل. أما الحدسية، التي أخذ بها بطريقة أو أخرى في العصور الحديثة كل من بونكارييه، براور، ويل، فضلا عن آخرين، فلا تقر استخدام المتغيرات للإشارة إلى كينونات مجردة إلا حال كونها منتجة بشكل مفرد من مكونات سبق تحديدها. وفق تعبير فرينكل، تزعم المنطقية أن الفئات تكتشف في حين تزعم الحدسية أنها تستحدث، وهذا تعبير منصف حقا عن التعارض بين الواقعية والمفهومية. غير أن هذا التعارض ليس مجرد مماحكة لفظية، فهو يحدث فرقا أساسيا في قدر الرياضيات الكلاسيكية الذي يرغب المرء في التسليم به. أشياع المنطقية، أو الواقعية، قادرون وفق افتراضاتهم على الحصول على تراتيب كانتور التصاعدية في اللاتناهي. في يرغم الحدسيون على التوقف عند أدنى مراتب اللاتناهي، ما يجعلهم ملزمون مباشرة بالتخلي عن بعض القوانين الكلاسيكية الخاصة بالأعداد الحقيقية. إن الجدل المحدث بين المنطقية والحدسية إنما ينشأ عن خلاف حول اللاتناهي.
الصورية، التي ترتبط باسم هلبرت، تحاكي الحدسية في شجب ركون أنصار النزعة المنطقية المتحرر إلى الكليات. غير أن الصورية تعتبر الحدسية مذهبا خاطئا. قد يرجع هذا إلى سببين متعارضين. قد يعترض الصوري، شأن نصير المنطقية، على تعطيل الرياضة الكلاسيكية، وقد يعترض، شأن الإسميين الأقدمين، على قبول الأشياء المجردة أصلا، حتى بالمعنى المقيد الخاص بالأشياء المستحدثة عقليا. بيد أن بيت القصيد واحد في الحالين. ذلك أن الصورية تحتفظ بالرياضيات الكلاسيكية بوصفها مداولة لرموز لا معنى لها. يظل هناك نفع يجنى من هذه المداولة، بصرف النظر عن طبيعة الخدمة التي أثبتت الرياضيات قدرتها على تقديمها لدعم الفيزيائيين والتقنيين. بيد أن النفع لا يعد ضمانا لكونها مفيدة، وفق أية دلالة لغوية صرفة. أيضا فإن النجاح الباهر الذي أحرزه الرياضيون في تشكيل مبرهنات واكتشاف أسس موضوعية لاتفاقهم على النتائج التي يخلصون إليها لا يستلزم أنها مفيدة. ذلك أن الأسس المناسبة للاتفاق يبن الرياضيين قد تكمن ببساطة في القواعد التي تحكم مداولة الرموز، كون تلك القواعد التركيبية، خلافا للرموز نفسها، مفيدة وقابلة للفهم10.
جادلت بأن نوع الأنطولوجيا الذي نتبنى قد يكون ذا شأن، خصوصا فيما يتعلق بالرياضيات، رغم أن هذا مجرد مثال. ولكن كيف نستطيع الحكم على المذاهب الأنطولوجية المتضاربة؟ لا ريب أن الصياغة الدلالية "أن تكون هو أن تكون قيمة لمتغير" لا تطرح إجابة عن هذا السؤال. على العكس تماما، فإنها توظف في اختبار مدى امتثال ملاحظة أو مذهب معطى لمعيار أنطولوجي قبلي. إننا نقوم بفحص المتغيرات المقيدة فيما يتعلق بالأنطولوجيا لا لمعرفة ما يوجد بل لمعرفة ما تقر تلك الملاحظة أو المذهب كونه، بصرف النظر عما إذا كنا متبناة من قبلنا أو من قبل غيرنا11.
في الجدل حول الذي يوجد، تظل هناك أسباب للمعالجة الدلالية. يتعين أحد تلك الأسباب في تجنب المأزق الذي استهللنا به هذه الدراسة؛ مأزق عجزي عن التسليم بأن هناك أشياء يقرها ماكس وأنكرها. طالما ظللت أناصر مذهبي الأنطولوجي، في مقابل مذهب ماكس، لن أستطيع السماح لمتغيراتي المقيدة بأن تشير إلى كينونات تنتمي إلى مذهبه ولا تنتمي إلى مذهبي. على ذلك، أستطيع أن أصف بشكل متسق الخلاف بيننا عبر تحديد الجمل التي يقرها ماكس. طالما اعتد مذهبي بأشكال لغوية، أو على الأقل بمخطوطات ومنطوقات عينية، سوف يكون في وسعي الحديث عن جمل ماكس. ثمة سبب آخر للركون إلى المستوى الدلالي يكمن في إيجاد أسس مشتركة للجدل. الاختلافات الأنطولوجية تشتمل على اختلاف أساسي في المخططات المفهومية، ورغم هذه الاختلافات، نجد، أنا وماكس، أن مخططاتنا متقاربة في تشعباتها الوسيطة والعليا إلى حد يمكن من الاتصال الناجح فيما يتعلق بمواضيع من قبيل السياسة والطقس، واللغة على وجه الخصوص. بقدر ما يكون بالإمكان ترجمة خلافنا حول الأنطولوجيا بشكل تصاعدي إلى جدل دلالي حول الألفاظ وما يتوجب توظيفها في إنجازه، بقدر ما يكون بالإمكان تأجيل نكوص الجدل إلى مرحلة المصادرة على المطلوب.
لا غرو إذن أن يصبح الجدل الأنطولوجي جدلا لغويا. ولكن يتعين علينا ألا نقفز إلى نتيجة مفادها أن الذي يكون إنما يرتهن بالكلمات. قابلية السؤال لأن يترجم إلى ألفاظ دلالية ليست علامة لغويته. أن ترى نيبلز هو أن تحمل اسما يفضي حين يسبق الكلمتين "رأى نيبلز" إلى جملة صادقة؛ ولكن ليس ثمة ما هو لغوي في رؤية نيبلز.
في المقابل، تقر المفهومية وجود الكليات لكنها تقول إنها من خلق العقل. أما الحدسية، التي أخذ بها بطريقة أو أخرى في العصور الحديثة كل من بونكارييه، براور، ويل، فضلا عن آخرين، فلا تقر استخدام المتغيرات للإشارة إلى كينونات مجردة إلا حال كونها منتجة بشكل مفرد من مكونات سبق تحديدها. وفق تعبير فرينكل، تزعم المنطقية أن الفئات تكتشف في حين تزعم الحدسية أنها تستحدث، وهذا تعبير منصف حقا عن التعارض بين الواقعية والمفهومية. غير أن هذا التعارض ليس مجرد مماحكة لفظية، فهو يحدث فرقا أساسيا في قدر الرياضيات الكلاسيكية الذي يرغب المرء في التسليم به. أشياع المنطقية، أو الواقعية، قادرون وفق افتراضاتهم على الحصول على تراتيب كانتور التصاعدية في اللاتناهي. في يرغم الحدسيون على التوقف عند أدنى مراتب اللاتناهي، ما يجعلهم ملزمون مباشرة بالتخلي عن بعض القوانين الكلاسيكية الخاصة بالأعداد الحقيقية. إن الجدل المحدث بين المنطقية والحدسية إنما ينشأ عن خلاف حول اللاتناهي.
الصورية، التي ترتبط باسم هلبرت، تحاكي الحدسية في شجب ركون أنصار النزعة المنطقية المتحرر إلى الكليات. غير أن الصورية تعتبر الحدسية مذهبا خاطئا. قد يرجع هذا إلى سببين متعارضين. قد يعترض الصوري، شأن نصير المنطقية، على تعطيل الرياضة الكلاسيكية، وقد يعترض، شأن الإسميين الأقدمين، على قبول الأشياء المجردة أصلا، حتى بالمعنى المقيد الخاص بالأشياء المستحدثة عقليا. بيد أن بيت القصيد واحد في الحالين. ذلك أن الصورية تحتفظ بالرياضيات الكلاسيكية بوصفها مداولة لرموز لا معنى لها. يظل هناك نفع يجنى من هذه المداولة، بصرف النظر عن طبيعة الخدمة التي أثبتت الرياضيات قدرتها على تقديمها لدعم الفيزيائيين والتقنيين. بيد أن النفع لا يعد ضمانا لكونها مفيدة، وفق أية دلالة لغوية صرفة. أيضا فإن النجاح الباهر الذي أحرزه الرياضيون في تشكيل مبرهنات واكتشاف أسس موضوعية لاتفاقهم على النتائج التي يخلصون إليها لا يستلزم أنها مفيدة. ذلك أن الأسس المناسبة للاتفاق يبن الرياضيين قد تكمن ببساطة في القواعد التي تحكم مداولة الرموز، كون تلك القواعد التركيبية، خلافا للرموز نفسها، مفيدة وقابلة للفهم10.
جادلت بأن نوع الأنطولوجيا الذي نتبنى قد يكون ذا شأن، خصوصا فيما يتعلق بالرياضيات، رغم أن هذا مجرد مثال. ولكن كيف نستطيع الحكم على المذاهب الأنطولوجية المتضاربة؟ لا ريب أن الصياغة الدلالية "أن تكون هو أن تكون قيمة لمتغير" لا تطرح إجابة عن هذا السؤال. على العكس تماما، فإنها توظف في اختبار مدى امتثال ملاحظة أو مذهب معطى لمعيار أنطولوجي قبلي. إننا نقوم بفحص المتغيرات المقيدة فيما يتعلق بالأنطولوجيا لا لمعرفة ما يوجد بل لمعرفة ما تقر تلك الملاحظة أو المذهب كونه، بصرف النظر عما إذا كنا متبناة من قبلنا أو من قبل غيرنا11.
في الجدل حول الذي يوجد، تظل هناك أسباب للمعالجة الدلالية. يتعين أحد تلك الأسباب في تجنب المأزق الذي استهللنا به هذه الدراسة؛ مأزق عجزي عن التسليم بأن هناك أشياء يقرها ماكس وأنكرها. طالما ظللت أناصر مذهبي الأنطولوجي، في مقابل مذهب ماكس، لن أستطيع السماح لمتغيراتي المقيدة بأن تشير إلى كينونات تنتمي إلى مذهبه ولا تنتمي إلى مذهبي. على ذلك، أستطيع أن أصف بشكل متسق الخلاف بيننا عبر تحديد الجمل التي يقرها ماكس. طالما اعتد مذهبي بأشكال لغوية، أو على الأقل بمخطوطات ومنطوقات عينية، سوف يكون في وسعي الحديث عن جمل ماكس. ثمة سبب آخر للركون إلى المستوى الدلالي يكمن في إيجاد أسس مشتركة للجدل. الاختلافات الأنطولوجية تشتمل على اختلاف أساسي في المخططات المفهومية، ورغم هذه الاختلافات، نجد، أنا وماكس، أن مخططاتنا متقاربة في تشعباتها الوسيطة والعليا إلى حد يمكن من الاتصال الناجح فيما يتعلق بمواضيع من قبيل السياسة والطقس، واللغة على وجه الخصوص. بقدر ما يكون بالإمكان ترجمة خلافنا حول الأنطولوجيا بشكل تصاعدي إلى جدل دلالي حول الألفاظ وما يتوجب توظيفها في إنجازه، بقدر ما يكون بالإمكان تأجيل نكوص الجدل إلى مرحلة المصادرة على المطلوب.
لا غرو إذن أن يصبح الجدل الأنطولوجي جدلا لغويا. ولكن يتعين علينا ألا نقفز إلى نتيجة مفادها أن الذي يكون إنما يرتهن بالكلمات. قابلية السؤال لأن يترجم إلى ألفاظ دلالية ليست علامة لغويته. أن ترى نيبلز هو أن تحمل اسما يفضي حين يسبق الكلمتين "رأى نيبلز" إلى جملة صادقة؛ ولكن ليس ثمة ما هو لغوي في رؤية نيبلز.
صفحة 10
أعتقد أن قبولنا أنطولوجيا ما يشبه من حيث المبدأ قبولنا نظرية علمية، مثال نسق في الفيزياء. إننا نتبنى، على الأقل بقدر ما نكون عقلانيين، مخططا مفهوميا يمكن عبره موضعة وترتيب الأجزاء المشوشة من الخبرة الخام. يتم تحديد أنطولوجيا بمجرد أن نقوم بتثبيت المخطط المفهومي الشامل الذي يلائم العلم بالمعنى الأوسع، والاعتبارات التي تحدد البنية المعقولة لأي جزء من المخطط المفهومي، مثل الجزء البيولوجي أو الفيزيائي، لا تختلف من حيث النوع عن الاعتبارات التي تحدد البنية المعقولة للكل. القدر الذي نستطيع وفقه إقرار أن تبني أي نسق علمي يعد أمرا لغويا، هو ذات القدر الذي نستطيع وفقه إقرارا ذات الأمر نسبة إلى الأنطولوجيا.
بيد أن البساطة، بوصفها مرشدا في تشكيل المخططات المفهومية، ليست فكرة واضحة بل غامضة، وهي قادرة على طرح معيار مزدوج أو متكثر. تخيل مثلا أننا قمنا باستحداث مجموعة من المفاهيم غاية في البساطة تناسب وصفا دقيقا للخبرة. لنفترض أيضا أن أشياء هذا المخطط، قيم المتغيرات المقيدة، عبارة عن وقائع ذاتية مفردة، حسية وتأملية. لا ريب أننا سوف نظل نجد أن المخطط المفهومي الفيزيائي، الذي يقصد الحديث عن أشياء خارجية، بتسم بمميزات عظيمة بسبب قيامه بتبسيط تقريراتنا الملاحظية الشاملة. بالربط بين الوقائع الحسية المبعثرة والتعامل معها بوصفها إدراكات لشيء واحد، نقوم برد تعقيد تيار الخبرة إلى بساطة مفهومية يمكن تدبر أمرها. الراهن أن قاعدة البساطة تشكل عندنا المبدأ المرشد في ربط المعطيات الحسية بالأشياء. على هذا النحو نقوم بالربط بين معطى حسي سابق بالدائرية وآخر لاحق بما يعتبر ذات العملة، أو بما يعتبر عملتين مختلفتين، امتثالا لمطالب مبدأ البساطة في صورتنا الكلية للعالم.
لدينا هنا مخططان متنافسان، أحدهما فينومولوجي والآخر فيزيائي. أيهما يتعين أن يهيمن؟ لكل مميزاته، ولكل بساطته التي يختص بها. أقترح أن كلا منهما جدير بأن يتم تطويره. الواقع أنه بالمقدور أن يقال عن كل منهما إنه الأكثر أساسية، ولكن بمعاني مختلفة، فالأول أساسي ابستمولوجيا والآخر ماديا.
يقوم المخطط المفاهيم الفيزيائي بتبسيط تصورنا للخبرة بسبب الطريقة التي يربط بها بين الوقائع الحسية المتكثرة وما يسمى أشياء مفردة. على ذلك، من غير المرجح أن يكون بالإمكان فعليا ترجمة كل جملة عن الأشياء الفيزيائية، حتى بطرق معقدة أو ملتوية، إلى لغة فينومولوجية. الأشياء الفيزيائية كينونات مصادر عليها تجمع شتات تصورنا للخبرة وتقوم بتبسيطه ، تماما كما عمل طرح الأعداد الصماء على تبسيط الحساب. من وجهة نظر المخطط المفهومي للحساب الابتدائي للأعداد الصماء وحده، يعد الحساب الأكثر شمولية للأعداد الصماء والمُنطقة مستحدثا مفيدا من صنع الخيال، أبسط من الحقيقة الموضعية (أي حساب العلاقات) لكنه يشتمل على الحقيقة الموضعية كجزء مبعثر. وعلى نحو مماثل، من وجهة نظر فينومولوجية، يعد المخطط المفهومي للأشياء الفيزيائية مستحدثا خياليا مفيدا، أبسط من الحقيقة الموضعية لكنه يشتمل عليها كجزء مبعثر12.
ولكن ماذا عن فئات أو خصائص الأشياء المادية؟ إن هذا النوع من الأنطولوجيا الأفلاطونية، من وجهة نظر مخطط مفهومي مادي بشكل متطرف، لا يقل عند الفينومونولوجيين خيالية عن ذلك المخطط الفيزيائي نفسه. إن هذا المستحدث الخيالي الأعلى مرتبة يعد بدوره جيدا ومفيدا بقدر ما ينجح في تبسيط تصورنا للفيزياء. وعلى اعتبار أن الرياضيات جزء مكمل لهذا المستحدث، فإن نفع الأخير للعلم بيّن إلى حد كاف. على ذلك، فإنني بالحديث عنه بوصفه مستحدثا خيالا إنما أحاكي فلسفة الرياضية التي أشرت إليها باسم الصورية. غير أنه بالمقدور على نحو مماثل اتخاذ مواقف صورية تجاه المخطط المفهومي الفيزيائي من قبل محبي الجمال والفينومولوجيين الخلّص.
المناظرة بين مستحدث الرياضة ومستحدث الفيزياء تعد، بطرق إضافية واتفاقية، قريبة إلى حد ملفت للنظر. اعتبر مثلا الأزمة التي استفحل أمرها في أسس الرياضة في بداية القرن بسبب اكتشاف مفارقة رسل وسائر المتناقضات في نظرية الفئات. لقد اضطر الرياضيون آنذاك إلى القيام بتجنب المتناقضات بسبل آدهوكية أعوزتها البداهة13.هكذا أصبح استحداثنا للخيال مقصودا وواضحا للجميع. ولكن ماذا عن الفيزياء؟ لقد نشأت المتناقضة بين التصورين الجسيمي والموجي للضوء، وإذا لم يكن هذا ببيان المتناقضة في نظرية رسل، فلعل السبب يرجع إلى أن الفيزياء ليست بوضوح الرياضيات. أيضا فإن أزمة العصور الحديثة في أسس الرياضة التي تعد التالية من حيث الحجم، والتي حدثت عام 1931 بسبب قيام جودل (Godel [2]) بإثبات أن هناك جملا حسابية مقيدة وغير محسومة، لها ما يناظرها في الفيزياء في مبدأ هيزنبرج في اللاتحديد.
بيد أن البساطة، بوصفها مرشدا في تشكيل المخططات المفهومية، ليست فكرة واضحة بل غامضة، وهي قادرة على طرح معيار مزدوج أو متكثر. تخيل مثلا أننا قمنا باستحداث مجموعة من المفاهيم غاية في البساطة تناسب وصفا دقيقا للخبرة. لنفترض أيضا أن أشياء هذا المخطط، قيم المتغيرات المقيدة، عبارة عن وقائع ذاتية مفردة، حسية وتأملية. لا ريب أننا سوف نظل نجد أن المخطط المفهومي الفيزيائي، الذي يقصد الحديث عن أشياء خارجية، بتسم بمميزات عظيمة بسبب قيامه بتبسيط تقريراتنا الملاحظية الشاملة. بالربط بين الوقائع الحسية المبعثرة والتعامل معها بوصفها إدراكات لشيء واحد، نقوم برد تعقيد تيار الخبرة إلى بساطة مفهومية يمكن تدبر أمرها. الراهن أن قاعدة البساطة تشكل عندنا المبدأ المرشد في ربط المعطيات الحسية بالأشياء. على هذا النحو نقوم بالربط بين معطى حسي سابق بالدائرية وآخر لاحق بما يعتبر ذات العملة، أو بما يعتبر عملتين مختلفتين، امتثالا لمطالب مبدأ البساطة في صورتنا الكلية للعالم.
لدينا هنا مخططان متنافسان، أحدهما فينومولوجي والآخر فيزيائي. أيهما يتعين أن يهيمن؟ لكل مميزاته، ولكل بساطته التي يختص بها. أقترح أن كلا منهما جدير بأن يتم تطويره. الواقع أنه بالمقدور أن يقال عن كل منهما إنه الأكثر أساسية، ولكن بمعاني مختلفة، فالأول أساسي ابستمولوجيا والآخر ماديا.
يقوم المخطط المفاهيم الفيزيائي بتبسيط تصورنا للخبرة بسبب الطريقة التي يربط بها بين الوقائع الحسية المتكثرة وما يسمى أشياء مفردة. على ذلك، من غير المرجح أن يكون بالإمكان فعليا ترجمة كل جملة عن الأشياء الفيزيائية، حتى بطرق معقدة أو ملتوية، إلى لغة فينومولوجية. الأشياء الفيزيائية كينونات مصادر عليها تجمع شتات تصورنا للخبرة وتقوم بتبسيطه ، تماما كما عمل طرح الأعداد الصماء على تبسيط الحساب. من وجهة نظر المخطط المفهومي للحساب الابتدائي للأعداد الصماء وحده، يعد الحساب الأكثر شمولية للأعداد الصماء والمُنطقة مستحدثا مفيدا من صنع الخيال، أبسط من الحقيقة الموضعية (أي حساب العلاقات) لكنه يشتمل على الحقيقة الموضعية كجزء مبعثر. وعلى نحو مماثل، من وجهة نظر فينومولوجية، يعد المخطط المفهومي للأشياء الفيزيائية مستحدثا خياليا مفيدا، أبسط من الحقيقة الموضعية لكنه يشتمل عليها كجزء مبعثر12.
ولكن ماذا عن فئات أو خصائص الأشياء المادية؟ إن هذا النوع من الأنطولوجيا الأفلاطونية، من وجهة نظر مخطط مفهومي مادي بشكل متطرف، لا يقل عند الفينومونولوجيين خيالية عن ذلك المخطط الفيزيائي نفسه. إن هذا المستحدث الخيالي الأعلى مرتبة يعد بدوره جيدا ومفيدا بقدر ما ينجح في تبسيط تصورنا للفيزياء. وعلى اعتبار أن الرياضيات جزء مكمل لهذا المستحدث، فإن نفع الأخير للعلم بيّن إلى حد كاف. على ذلك، فإنني بالحديث عنه بوصفه مستحدثا خيالا إنما أحاكي فلسفة الرياضية التي أشرت إليها باسم الصورية. غير أنه بالمقدور على نحو مماثل اتخاذ مواقف صورية تجاه المخطط المفهومي الفيزيائي من قبل محبي الجمال والفينومولوجيين الخلّص.
المناظرة بين مستحدث الرياضة ومستحدث الفيزياء تعد، بطرق إضافية واتفاقية، قريبة إلى حد ملفت للنظر. اعتبر مثلا الأزمة التي استفحل أمرها في أسس الرياضة في بداية القرن بسبب اكتشاف مفارقة رسل وسائر المتناقضات في نظرية الفئات. لقد اضطر الرياضيون آنذاك إلى القيام بتجنب المتناقضات بسبل آدهوكية أعوزتها البداهة13.هكذا أصبح استحداثنا للخيال مقصودا وواضحا للجميع. ولكن ماذا عن الفيزياء؟ لقد نشأت المتناقضة بين التصورين الجسيمي والموجي للضوء، وإذا لم يكن هذا ببيان المتناقضة في نظرية رسل، فلعل السبب يرجع إلى أن الفيزياء ليست بوضوح الرياضيات. أيضا فإن أزمة العصور الحديثة في أسس الرياضة التي تعد التالية من حيث الحجم، والتي حدثت عام 1931 بسبب قيام جودل (Godel [2]) بإثبات أن هناك جملا حسابية مقيدة وغير محسومة، لها ما يناظرها في الفيزياء في مبدأ هيزنبرج في اللاتحديد.