eKtab
EN ع
تصبحون.. على حب
اقرأ عينة مجانية

تصبحون.. على حب

بقلم جمعة سعيد السمان

صفحة 1
"صغيرة على الحب"
 
قالت والدمع يطفح من عينيها
 
قل إنك تحبني.. قل إنّك تعشقني
 
قل إنّني أنا.. أنا  الوجود.. والفناء بعدي
 
الحب يطفح من قلبي.. ويلمع في عيني
 
كما تلمع حبّة النّدى في عين الشّمس
 
الحب في قلبي قمر.. وقبلة عاشق.. وتنهيدة فجر
 
قل إنك تحبني.. ويذوب سواد الليل
 
وتطلّ عين الشّمس
 
=    =    =     =     =     =      =      =        =       =
 
الحب صغيرتي.. ليس يداً تمتد.. أو دمعة عينٍ
 
الحب دفقات موج بحر.. يحطّم المركب
 
لا نجاة .. الجميع غارق
 
الحب صغيرتي حصان جامح.. كفر باللجام
 
وطوى الميدان.. أو فوز ساحق
 
صغيرةٌ على الحبِّ أنتِ 
 
غدا يكبر الحب.. يتمطّى عملاقا
 
يحطّم القيد.. ويقتحم الصّدر عنوة
 
يبحث عن الحبيب بين شغاف القلب
 
هذا هو الحب صغيرتي
 
لا توسّلَ.. ولا دموع
 
قوة.. جبروت.. صمود
 
حرب.. أكون.. أو لا أكون.
صفحة 2
ساعة غروب
 
شاطئ وبحر وخيال طفل .. قال الصغير والصوت حزين..حين كانت الشمس تتكئ على صفحة ماء البحر ساعة الغروب.. ماذا لو أن الشمس تغرق في البحر ولا تعود.. ويستولي الظلام على الكون.. ونعيش عتمة الكون مع قمر ونجمات تأخذ منهما العتمة خيوط النور.. ولا يصلنا منهما سوى القليل؟! عندها سأحزن حين لا أرى لون عينيك.. والجّديلة تذوب في سواد الليل.. وتتوه يدي عن يدك ونضلّ الطّريق.
 
 قالت وفي الصوت لهجة تسكب الطمأنينة في قلب الصديق: لا.. لاتخف ستعود الشمس مع الشروق.. إن لها في البعيد البعيد.. وراء البحر بيتاً تأوي إليه.. تنام كما ننام.. وتصحو مع الشروق كما نصحو.. تنشر نورها على البحر والشاطئ.. ليبقى لون البحر أزرق.. والرمل اصفر.. وعيوني أجمل.. ولا يبقى من الليل سوى لون جديلتي الأسود.
صفحة 3
طفلة تستفز ذاكرة عجوز
 
تسألين.. وتسألين.. وتسألين
 
ببراءة الأطفال يا صغيرتي تسألين
 
آه.. آه لو أنك تدرين..؟!!
 
لو تعلمين.. أنك الآن بسكين تطعنين
 
لو تعلمين.. أنك الآن ناراً على الجرح تسكبين
 
لو تعلمين أنك الان حربا داخلي تشعلين..
 
لو تعلمين.. أنني بركان هامد
 
اشتعلت فيه نار الحب سنينا وسنينا
 
قصتي 
 
لماذا أنا حزين..؟!!
 
يا برعما ناعما في إبريل
 
إنه لشئ كثير عليك كثير
 
أن تسمعي قصة رجل قلّبته الدنيا على نار جمرها
 
حتى بات كالعرجون القديم
 
هي جميلة
 
سبحان من شكّل التكوين.
 
قالت.. الروح لك.. الحب لك 
 
تمتّع.. أنا البستان.. هديّة لك من رب العالمين
 
نمت..حلمت.. استيقظت... ناديت
 
هرب صوتي خارج البيت عاليا ملهوفا يسأل
 
لكنّه عاد مع الجارة خافتاً ذليلاً
 
هرب العصفور من القفص ونال التحرير
 
أنت الآن حب قديم
 
رأتهما رَأيَ العين يطيران بجناح حب
 
كان بينهما حب قديم..
 
آه يا مسكين 
 
كم قلبي لك حزين..
صفحة 4
يوم عبوس غاضب
 
هل رأيت فأرا بين براثن قط يتسلّى ويتلذّذ..؟؟ هكذا كانت السفينة بين جبال الموج.. وأودية قعر البحر تتعذّب.. في شتاء يوم عبوس غاضب ماطر.. كانت على شاطئ البحر عيون قلقة ترقب.. وآذان مرهفة تسمع.. وقلوب خائفة خاشعة تسأل وتتضرّع.. من استفزّك يا بحر..؟!! من يحمل سلسلة جبال هذا الموج يتعالى.. يصل حدّ عنان السّماء يتحدّى..؟!! رذاذ يملأ وجه القمر.. والنّجمات أغمضت عيونها ابتلعت نورها.. خيوطا تداخلت وتشابكت.. عقدا لا تفك ولا تتحلّل.. أهي شياطين الجنّ..؟!! لا.. إنّهم في زوايا ظلمة الكون عيون يلمع فيها ضوء البرق.. وصوت دعاء لله خائفا يتضرع ويتوسّل.. برق يشعل السّماء.. ورعد يزلزل الأرض.. وريح تركض.. تجلد الموج.. والموج على سطح البحر جبال تركض..الى أين ..؟؟ لا تدري.
 
 الضباب احتل سطح البحر.. والعين باتت لا تنفع ولا تشفع.. ماذا يخيفك يا بحر؟! البرق وأنت الماء؟!! النار عند قدميك تموت.. وحرّها نار إبراهيم لا تحرق ولا تلسع.. أهو صوت الرعد؟! كيف وأنت الموج!! إن سكن كل شئ فأنت الهدير.. موجك من طرف شاطئ الدنيا البعيد.. الى طرف الشاطئ الدنيا الآخر.. تذوب فيه أصوات الكون.. ولا صوت سوى صوت ملاك صغير يصلّي ويترحّم.. ودمعة جعلت البحر مالحاً أكثر.. على سفينة في قعر الوادي بين جبلي موجك تستغيث.. والرحمة في قلبك سمك قرش منك القسوة تعلّم.
 
 مضى الليل.. وطلّت الشّمس حزينة على الشاطئ.. وليس سوى شراع ممزّق وبقايا قلاع.
صفحة 5
"مزهرية الورد"
 
فتاة صغيرة.. ذات جدائل طويلة وحقيبة.. لها كبرياء حصان.. وخطوات غزال.
 
لم تداعب أنامل العشق قلبها بعد.. ولم يسعدها حب.. ولم يتعسها عشق.. تنام ملء
 
العين.. لا أرق.. ولا انشغال بال.. ولا سوء حال.
 
يتبعها فتى في مثل عمرها.. غرّد لها من أشعار نزار.. وأبدع في تلحين الكلام.. 
 
وكان فنّانا.. صدّته وكان قد غزا خدّيها احمرار.. لكن الكلام ظلّ منقوشا على جدار القلب.. تهرب إليه العين.. ويغمض عليه الرمش.. وتعيش أجمل الأحلام.
 
تجرأ ذات يوم وتقدّم منها يحمل وردة حمراء.. قبّل الوردة وقدّمها لها.. ولكنها
 
ارتبكت.. رفضتها وكان الخجل والحياء لها عدوين.. واصلت الدّرب والندم يأكلها.
 
ليتها شمّت الوردة.. ونعمت بأريج عطرها.. أو سمعت ما في جعبة قلبه من كلام.. ولامت نفسها.. حين كانت ردة فعلها فظّة.. والكلام لا يستحقه حامل وردة.. جاء يقدّم آيات حب وإخلاص وولاء.
 
طال الليل .. وما تغيّر.. أو تبدّل السؤال.. ترى لو عاد الفتى وقدّم لها الوردة..
 
هل ستأخذها.. وتسمع منه ما جمعٍ لها في جعبة القلب من كلام..؟؟
 
أذّن الفجر.. وما حصلت على جواب.. وقف العقل على شاطئ النفس صادا مانعا..
 
تنتهي عند قدميه موج بحر القلب غاضبا هادرا.. يعذّبه الغرام.
 
فتنها جمال الوردة الحمراء.. وكان للوردة فم ولسان.. قالت كلاما لم تسمع مثله كلاما.. حملها الى دنيا غير هذه الدنيا.. تعيش أحلام السعادة.. تختال كالطاووس في عالم الأحلام والخيال.
 
مرت الأيام يوجع قلب الفتى صدّها وقاسي الكلام.. فابتعد حذرا.. يحافظ على كرامته والإحترام.
 
كانت تمشي الفتاة.. وعيونها تتلفت يمينا وشمالا.. كانت خطواته خلفها..تدخل في القلب الأمان.. ما أشقى القلب إذا ما ابتعد عنه الأحباب والخلاّن.
 
أوجع الفراق قلب الفتى.. وبات القلبان قي عذاب الحب نارا.. الى أن تغلّب الشوق.. وتجرأ الفتى يمشي الى جوارها خطوات.. انطلقت فرحة من القلب.. وتجلّت في عينيها أجمل نظرات الحب والهيام.
 
فرح الفتى وعاد يورق الأمل في نفسه.. ومضى نهاره يجوب البساتين.. حتى قطف أجمل وردة حمراء.. وكذلك مضى الليل يختار أجمل كلمات الحب والعشق.. يكتبها رسالة.. وما بقي له سوى الشجاعة.. تكسر الحواجز.. ليلتقيا حبيبة وحبيب.
 
مشت الفتاة ومشى الفتى بجوارها.. رأت الوردة في يد فتاها.. خفق قلبها.. ورمته بنظرة قبول.. فتغلّبت الشجاعة.. وأخذت الفتاة الوردة والرّسالة.
 
ثم واصلت الدرب الى بيتها.. يعذّبها تأخر سواد الليل.. حتى تدخل الغرفة تدّعي النعاس وتقفل الباب على نفسها.
 
كان للوردة جناح.. وللرسالة جناح.. طارا بها الى عوالم أفرحت القلب وحجبت النعاس عن العين.. حتى أشرق الصّباح.. وطلّت فراشة من الشباك تسأل عن وردة كانت في بستان آخر.. غير بستان فرحة قلبها.
 
واستمر الحال على هذا المنوال ورد ورسائل.. ولقاءات في بساتين العشق.. الى أن كبر الفتى والفتاة.. وكان الوفاء والإخلاص إكليل حبهما.. فتقدم الفتى للفتاة عريسا.. وفرح الحبيبان بلمّ الشمل.. والبيت الحلم.. الذي تحقّق وأصبح العش الذي يجمعهما.
 
مرت الأيام والشمس بالدفء تبارك حبهما.. وقمر الليل يطلّ من الشباك يؤنس
 
فرحة الحب والعشق في قلبيهما.
 
ولكن ما أن اطمأن الزوج.. وتأكد من حبّه في قلب الحبيبة حتى طمع.. وأخذ يبحث عن حب آخر.. يعزّز به رجولته.. وسيادته وعنفوانه.. شعرت الزوجة وتكدّرت.. وعاتبته عتاب الحبيب للحبيب.. لكنه ظلم وافترى.. وطال لسانه.. وعندما اشتد الخلاف طالت يده.. حزن الحب وانزوى بعيدا عن قلبيهما.. وما عادت تطلّ عليهما شمس الصّباح رفيقة عمرهما.. ولا قمر الليل الذي كان يؤنس فرحة قلبيهما.. ولا عادت تطلّ الفراشة.. تسأل عن وردة حمراء تعشق لونها.. وأريج عطرها.
 
ذات ليلة دخل الزّوج يضع في فمه لسان غراب.. يزفّ خبر زواجه من أخرى.
 
ما اعترضت الزّوجة ولا دمعت عينها.. ذهبت الى خزانة أسرارها.. جمعت الرّسائل وما قدّم لها من ورد.. وكانت قد جفّفّته الأيام.. وضعتهم على سريره.. وعادت الى بيت أبيها.. وبعدها ما ألقت تحيّة الى رجل.. وما قرأت رسالة حب.. أو غرام.. وكانت قد كسرت مزهريّة الورد قبل خروجها.
صفحة 6
"بنات هالأيّام"
 
مولودة جاءت الى هذه الدّنيا تحمل معها الجمال والذكاء والقبول.. أحبّها الأب والأم.. وميّزاها 
 
عن باقي الأخوة والأخوات.. لها المحبّة والدّلال.. والطّلب لا يؤخّر.. فوراً يجاب.
 
كيف لا وقد كانت الأولى في جميع مراحل دراستها.. علما ونشاطا وحضورا.
 
 كانت الطالبة المثالية تفخر بها المدرسة.. أساتذة ومديرة وطلابا.. كرّموها وقدّموا لها هدايا التقدير والإحترام.. أنهت الدّراسة الثانوية.. وحصلت على أعلى الدّرجات.
 
فكّر الأب وكان فقيرا مستور الحال.. الرّزق يوم بيوم.. والقناعة كنز.. مثل يداوي به النّفس عندما يضيق به الحال.. وتتعثّر الأحوال. 
 
تحمّست الأم وخلعت من عنقها عقدا ذهبيا عزيزا على قلبها.. كان هديّة عرسها.. جاء مع 
 
ثورة المراهقة والأحلام.. حيث أنها كانت في العمر صغيرة.. تتباهى به أمام الأصدقاء والخلّان
 
وخلعت من يديها أربعة أساور ذهبية أيضا وقدّمتها للأب فرحة: تصرف بهذا الذهب..وادعمه بما تقدر عليه من مال.. نرسل البنيّة الى أمريكا.. تكمل تعليمها.. وتعود لنا بإذن الله عالمة نفخر ونكبر بها وبعلمها.. فيصبح لنا في أوساط المدينة شأن ومكان.
 
اجتهد الأب .. وطرق أبواب الأهل والأصحاب.. حتى جمع لها المال الكافي.. وأمّن لها تذكرة السفر.
 
كان الوداع صعبا.. دموع وأمنيات ودعاء.
 
سافرت البنيّة الى أمريكا.. وكان النّجاح حليفها.
 
عادت الفتاة ومعها العلم أعلى الدرجات.. وبالمقابل عادت ومعها درجات الغطرسة والكبر والإنحلال.. اشمأزت وأنكرت على أمها الجهل والتّخلف.. وتكبّرت تنظر لأبيها نظرات الرجعيّة والتأخر.. نسيت الأصول.. وعادت تتأبط ذراع الصديق.. والإنطلاق والحرية خزيّ وعار يخجل منه مجتمع محافظ عريق.
 
نهاها الأب وخجلت من تصرفاتها الأم.. واشتكت منها العائلة.. ولكنها كانت تنظر الى الجميع نظرة العالم المغرور الى المتأخّر الجاهل.
 
ضاق بها العيش في مدينتها.. وتكرّرت نصائح الأب.. وتوجيهات الأم.. وانتقاد الأهل وتعليقات أهل الحيّ.. فضاقت ذرعا بالجميع.. لا سهر ولا حرية ولا انطلاق.. الكلمة لها وزن.. والضّحكة يحسب لها ألف حساب.. كفرت بالأهل والأسرة والجار.. والتقاليد والعادات التي تتدخّل في حياتها.. وتراقب خطواتها.. وأعلنتها صراحة.. "الحياة معكم صعبة لا تطاق".. وعادت الى أمريكا.. حيث اعتادت السّهر والإنفلات والإنطلاق,
 
مضت السنوات.. غبّت البنيّة من السهر واللهو والإنفلات والإستهتار.. ما أصابها بمرض الإيدز.. عندها أخذت تسأل عن حضن الأم وجناح الأب.. ومسئولية الأسرة.. أين الصّديق؟ أين الرفيق؟ أين من كان يدّعي أنه حبيب؟؟  تلفتت حولها.. نادت وما سمعت سوى صوت صدى ندائها.. أمسكت بقلم وورقة:
 
- أبي أمي أخوتي أخواتي.. أنا مريضة.. إذا عدت هل أجد لنفسي مكانا بين الأسرة..؟؟  
صفحة 7
"باع نفسه بدولار"
 
وقف أمام الباب عجوزا يلهث.. متقطّع الأنفاس.. طرق الباب بعصاه عدة طرقات.. ردّ صوت منهك تعب أخذ الزّمان منه قواه.. وليس سوى همس متقطّع الكلمات:
 
- من.. من..؟؟
 
-  جار قديم يا وردة.
 
أخذت تحدّث نفسها وفي الصّوت عجب واستغراب.. والخطوات أرجل سلحفاة.
 
من هذا الذي جاء من وراء الزمان.. يقول أنه جاراً.. والجيران هجروا الدّيار منذ أعوام وأعوام. كان في الصوت خوف.. والحديث من خلف الباب:
 
كيف تكون لي جاراً.. وقد هاجر جميع الجيران والأهل والخلاّن.. - 
 
 وقد عشنا أنا والزمان السّنين الطّوال.. الزّمان يئن من ثقل السّنين.. وأنا هيكل تعشّش فيه الرّوح.. لا تعرف طريقا تصل بها الى السّماء.
 
قال العجوز منزعجا يعرّف على نفسه:
 
أنا راكان .. رجعت من أمريكا.. ما تعرّف عليّ أحد .. حتى ولا المختار..
 
أنا خطيبك يا وردة.. افتحي الباب.. تأكّدي.. علّ الذّاكرة تعود بك الى تلك الأيّام..
 
فتحت وردة الباب قرّبت وجهها من وجهه تتأكد.. ثم أقفلت الباب.
 
قالت: انتظر حتى أستعين بنظارتي فالوجه خيال.
 
وضعت النّظارة على عينيها.. وعادت تفتح الباب.. تنظر الى الوجه بإمعان..
 
تنهدت.. ياه يا هالزّمان كيف تعبث بالوجوه وتغيّر الأشكال..
 
ثم واصلت الحديث وفي صوتها شك:
 
ما الذي يؤكد لي أنّك راكان ولست محتال.. فالزمن غدّار ليس له أمان.. -
 
اذهب في طريقك يا أخي.. اندمل الجرح.. وما عاد في الشّرايين دم ينزف.. 
 
ولا في العين دمعة بعد أن هاجر الأهل والأحباب والخلاّن.
 
قال وفي الصوت رجاء:
 
- مهلا يا وردة معي الدّليل.
 
دخل القلب فرحة.. وطمأنينة وراحة بال:
 
- هات دليلك يا راكان.
صفحة 8
خلع الخاتم من اصبعه:
 
أنظري الى داخله.. تقرئين (وردة راكان).
 
أخذت الخاتم وعادت تقفل الباب:
 
- انتظر يا ضيف الرّحمن.
 
ذهبت تعبث وتقلّب التاريخ في صفحات زمان..
 
صندوق قديم يحوي ذكريات عمرها الطويل المديد..
 
غاصت يدها بالصندوق.. وخرجت بخاتم آخر.. 
 
محفور عليه نفس النقش.. (وردة وراكان).
 
فتحت الباب:
 
-  صدقت أنت راكان.. لكن ماذا تريد الآن ..؟؟
 
- عندما ضاق بي الحال.. سحبت يدي من يد مدينتي وأمسكت بيد الدّنيا..
 
جابت بي الكون.. جبالا ووهادا وسهولا.. دخلت بي بحاراً تحملني على ظهر موج بحر.. وتحطّني على موج محيط.. وصعدت بي الى أعلى سماء.. تحطّني على قمر.. وتنقلني الى نجم.. ثم تتنقل بي بين المجرّات.
 
رأيت من الدّنيا الكثير.. وعدت ومعي المال الكثير.. ما وجدت مثل مدينتي..
 
وأرض وطني مثيلاً.
 
وردة.. أريد أن أعمّر أرضي.. أريد أن أرى لشجر الزيتون ظلالاً كبيرة.. وأقطف عنه غلّة وفيرة.. أريد أن تكون أرضي مثل أرضك.. وشجر زيتوني مثل شجر زيتونك.. أريد عندما أموت أن أحضن عظام أبي وأجدادي.. فتراب أرضنا حنون.
 
ضحكت ملء شدقيها.. وما ظهر في فمها أسنان:
 
بخلت على أرضك بشبابك.. وجئت اليوم تثقل عليها بعقوقك.. وثقل وزنك وخطواتك.
 
ما زلت تعيش الأحلام يا راكان.. في شبابك حلمت وطمعت تجمع المال.. وتعيش مباهج الحياة..
 
واليوم تحلم أن تعود شابا تعمّر الأرض والديار.."قل للزّمان ارجع يا زمان".
 
ردّت له الخاتم..وأقفلت الباب.. وقالت تهزّ رأسها حسرة:
 
- عد من حيث أتيت راكان..
 
إن غفر لك قلبي.. فلن تغفر لك الأرض هذا العقوق والنّكران.
صفحة 9
"للحب.. دمعة قهر"
 
ابنة عمه تصغره بأيام.. يعيشان في بيت واحد.. فالأخوان شقيقان.. لها جديلة شقراء
 
وغرة تتباهى بها.. وتزيد من جمالها جمالاً.. وأربعة أسنان حادّات.. اثنان في الفك العلوي..
 
والآخران في الفك السّفلي.. يخافهما ابن العم.. ودائما يشتكي من عضّ يؤذيه .. ويترك على جسده بقعا زرقاء في كل مكان.
 
هذه الأسنان الأربعة.. وعصبيّة الصغيرة.. وعلوّ صوتها.. وسرعة غضبها.. يدعمها جمالها
 
ومحبة الجميع لها.. أدخلت الرعب في قلب ابن العم الصغير.. تأمره فيطيع.. وتصرخ في وجهه.. فيذرف الدّمع غزيراً.
 
كانت تحرّم عليه متعة لعبة يلعب بها.. مجرد أن تقبل عليه.. وتقترب منه.. وترميه بنظرة شرّ.. وتفتر شفتاها عن أسنان تلمع.. فهذا كفيل أن تنهي مقاومته.. ويقدم لها ألعابه هدية.. هي تلعب.. وعين المسكين تتحسّر.. وكلما اقترب يحاول أن يشاركها اللعب.. كانت تصرخ في وجهه.. فيهرب ليحتمي بصدر أمه.. ودموع القهر تنساب على خدّه.
 
ألف حياة الرّعب مع ابنة عمّه مستسلما.. ملبيا جميع طلباتها.. المشكلة أنّه يحبّها ولا 
 
يستطيع الإبتعاد عنها.
 
كبر الاثنان معا وذهبا الى الروضة.. فكانت الحامي والحرامي.. تحميه من زملاء العنف والشقاوة.. ولكنها بالمقابل كانت تستولي على طعامه.. وما تحويه حقيبته من حلوى.. وما في جيبه من قروش.. تشتري من ماله ما تشتهيه نفسها.. ويقف المسكين مع الحسرة.. والعين مليئة بالإشتهاء.
 
كبرا سنينا ودخلا سن المراهقة.. وما تغير الحال.. القيادة والقرار لها.
 
دخلا الجامعة.. فكان لنشاطها.. وقوة شخصيّتها.. وإقدامها على ميادين العمل الجامعي
 
كل تقدير واحترام.
 
تخرّجا من الجامعة.. تقدم الشاب لخطبة ابن عمه.. فرفضته بحجّة عدم الكفاءة وضعف الشخصية.. وتزوجت من قبطان يجوب البحار على مركب.
 
ضاقت الدنيا في وجه ابن العم.. هاجر الى أمريكا يكمل دراسته.. أبدع وفاز بالنّجاح.
 
أما القبطان.. فبعد سنتين من زواجه.. تآمر عليه البحر.. رفع موجه.. وأوغر صدر العاصفة عليه.. فهبّت العاصفة إعصارا.. مزّقت الشراع.. وقصفت الصّاري.. وأصبح المركب عاريا.. حملت الزوبعة المركبة حدّ السماء.. وهوت به الى قعر البحر.. فاستشهد القبطان.. 
 
وكل من رافقه على ظهر المركب.
 
أما ابن العم.. فعاد الى البلاد.. وقد أخذ من الغربة الخبرة والتجربة.. وشخصية المسئول
 
والرأي الموزون.. ليحتل منصبا مرموقا في أحدى أجهزة الدولة.
 
وعاد يلبي لهفة قلبه.. ويطلب يد ابنة عمّه.
صفحة 10
اتفقا وتم الزواج.. إلا أن الرجل تغيّر.. وسبحان مغيّر الأحوال.
 
نظرت الى عينيه.. فكان فيهما جبروت الرجال.. سمعت حديثه.. 
 
فكان لمنطقه أوزان وأثقال.. نظرت الى الوجه.. عبوس وشدة يُحسب لها حساب.
 
مرت الأيام.. إذا بها أمام زوج.. لّه شدة وهيبة.. وتسلط وكأنه الحقد والإنتقام.
 
أذعنت للأمر حرصا على سلامة البيت.. وأملا قي مستقبل تتغيّر فيه الأحوال..
 
إلا أن الأمور تطورت.. حيث طالت اليد.. الضرب مبرّح.. والغريب أن الضرب لم يكن ليشفي غلّه.. فكان يتبع الضرب بالعضّ.. يدمي جسدها بحاد الأسنان.
 
ضاق صدرها بحياة الذل والمهانة..فطلبت الطلاق وحازت عليه..
 
استيقظ الرجل من غفوته.. اشتدت عليه الوحدة.. تسلطت عليه عقدة الطفولة.. هو دونها
 
الضعيف الضائع التائه.. حَمَلٌ تأكله الذئاب.. فعاد إليها يتوسل.. حتى عادت الى بيت الزوجية
 
ولكن كان في الصدر انتقام حرّة.. تسلط عليها ظالم جبّار.
 
منذ اليوم الأول عادت الى بيتها ومعها شخصيتها التي كانت تسيطر فيها عليه فترة طفولتها..
 
أما هو فقد استعذب السلطة والضرب والعضّ والسيطرة.. وقد حاول أن يجعلها نهج حياة
 
إلا أنها تصدّت له.. وعلا صوتها.. صوت واثق قادر جبار.. ردّت له الإهانة.. وعادت تهجم عليه..تضرب وتنشب أسنانها في لحمه.
 
فتأوه واستسلم.. وانتهى الخصام.. هدأ.. وخفت صوته.. وذهبت نظرة الشراسة من عينيه
 
وتبدّلت الخشونة بالنعومة.. وساد البيت هدوء وسلام.