eKtab
EN ع
تصميم انموذج لتقويم الكليات التقنية في البلاد العربية
اقرأ عينة مجانية

تصميم انموذج لتقويم الكليات التقنية في البلاد العربية

بقلم د. عبد الهادي حشمت عبد القادر المفتي

صفحة 1
المقدمة
 
تصميم أنموذج للتقويم المؤسسي لقياس جودة
 
الكليات التقنية في السودان
 
يمثل التقويم منهجا بحثيا ثالثاً مع منهجي البحث الأساسي والتطبيقي إلا انه يمتاز عنهما في انه منهجا نفعيا يخدم اتخاذ القرار. ورغم انه يمتاز بتعقيده وكلفه العالية والحاجة الماسة للعاملين فيه للخبرة والدقة في العمل إلا انه في الوقت ذاته مهم وضروري, إذ بدونه لا يمكن التحقق من سلامة الخطط المرسومة وصحة مسيرة أي منظومة. كما يعتمد على التقويم المؤسسي في توفير البيانات التي يستند عليها في رسم الخطط المستقبلية.
 
ولد التعليم التقني من رحم ثورة التعليم العالي عام 1990، أي انه لم يكمل بعد عقده الثاني لكنه شهد تطورا كميا و نوعيا خطيرا في هذه الفترة الوجيزة، فقد توسع بصورة هائلة ليبلغ أكثر من 19 كلية تقنية يدرس فيها بحدود 6989 طالبا و يعمل فيها بحدود 1200 بين تدريسي و إداري و موظف و بمختلف التخصصات كما تتوزع رقعتها الجغرافية على مساحة السودان كله من جنوبه إلى شماله.
 
إن هذا التوسع الكمي و ما رافقه في التنوع في البرامج و التخصصات احدث نقلة نوعية في واقع الكليات التقنية، مما ألزم وجوب وقوف الهيئة وقفات علمية لتراجع برامجها و كفاءة كادرها التدريسي و الوظيفي و صحة توجهاتها مناهجها وأنشطتها و ذلك عبر أنموذج من التقويم المؤسسي هدفه قياس الجودة ووسيلته دراسة حركة الكليات عبر تقويمها ذاتيا.
 
وعليه هدف هذا البحث إلى تصميم أنموذج للتقويم المؤسسي غرضه قياس جودة أداء الكليات التقنية في السودان بعد أن يتم إخضاعه لجميع وسائل الصدق و الثبات و المواءمة.ولغرض تحقيق هذا الهدف قام الباحث بالخطوات العملية الآتية :
 
1- مسح أدبيات الجودة و الاعتماد و التقويم المؤسسي.
 
2- درس و بعناية الآليات الخاصة بالتقويم المؤسسي بجميع أنواعها و نماذجها.
 
3- انخرط بدورتين في التقويم الذاتي أقامتها هيئة التقويم و الاعتماد في وزارة التعليم العالي في السودان عامي 2006، 2007.
 
4- قام بتحليل المرجعيات و المعايير الدولية و الإقليمية و السودانية بمحاورها و عناصرها و مؤشراتها.
 
5- تم تصميم أنموذج أولي مؤلف من 18 مجال و العشرات من المؤشرات.
 
6- عرض الأنموذج على وفق أسلوب دلفاي في التحكيم على 12 خبير ساهموا عبر عدة جولات في تدقيق و تعديل الأنموذج و إبداء الرأي بأوزانه.
 
7- تم استخدام نمط القياس العالمي النصفي و الكمي و النوعي و بطرق موضوعية لا تقبل التحيز.
 
8- تم تطبيق الأنموذج تجريبيا على 3 كليات تقنية لتثبيت عوامل الصدق و الثبات و المواءمة و المواصفات الخاصة بجودة الأنموذج كمقياس للتقويم المؤسسي.
 
9- تطلب التطبيق قيام الباحث بزيارات متكررة للكليات الثلاث وفق خطط دقيقة لجمع البيانات و بأشكال مختلفة منها ملء استمارات و إجراء المقابلات و التحقق من الوثائق، كل ذلك للوصول إلى تدقيق السلامة التطبيقية للأنموذج.
 
10- بعد أن جمعت البيانات تم التعامل معها إحصائياً بجميع آليات الإحصاء الوصفي و أجريت المقارنات بين الكليات الثلاث حيث أظهرت النتائج امتلاك الأنموذج للمقياس التقويمي الجيد من حيث صلاحيته و صدقه و ثبات مؤشراته بعد التطبيق و ملائمته للكليات التقنية. أوصى الباحث بتبني الهيئة لهذا الأنموذج و استخدامه في مجال التخطيط و ضمان الجودة كما اقترح تعميم هذا الأنموذج على مؤسسات التعليم العالي السودانية خارج إطار الكليات التقنية لصلاحيته.
صفحة 2
الفصل الأول
 
المقدمة
 
شهد العالم في العقود الأخيرة تزايد مضطردا على التعليم عموما والتعليم العالي بشكل خاص. و قد رافق ذلك زيادة في عدد المؤسسات التعليمية التي تقدم البرامج التعليمية وفي أعداد هذه البرامج و أنواعها المختلفة. و قد استدعت هذه التطورات الحاجة إلى تقويم تلك البرامج التي تقدمها مؤسسات التعليم العالي من أجل التحقق من جودة نوعية التعليم المقدم و ضمان تطور هذه البرامج كذلك لغرض اعتماد تلك البرامج والتحقق من صلاحيتها. وقد تطور أسلوب الاعتماد هذا خلال السنوات الماضية ليصبح نظاما مبنيا على التنظيم الذاتي يركز على التقويم و التطوير المستمر للجودة النوعية و أصبح بذلك عملية يتم من خلالها العمل على التحسين والتطوير المستمر لمؤسسات وبرامج التعليم العالي و ذلك من خلال عمليتي التقويم الذاتي والتقويم الخارجي للمؤسسة وبرامجها التعليمية. (UNSCO2008:7)
 
لقد أدى التطور التقني الهائل واتساع حلقة الاتصال بين الأمم إلى أن يكون التعليم العالي مركز للإشعاع الفكري والوظيفي والمادي للمجتمع فهو لا يهيئ فقط مستلزمات البناء المادي للجميع بل هو مسئول أيضا عن اختيار الفلسفات وإيديولوجياتها والخبرات وأسس الاستفادة منها من خلال البحث والتطوير وخدمة المجتمع. لهذا أصبح التعليم العالي وسيلة للنمو إضافة إلى كونه جسر الانتقال للإنسان من الحالة المرئية للحالة المعرفية العامة من حيث التخصص. وإذا كانت الجامعات ومؤسسات التعليم العالي بشكل عام هي من أكثر المؤسسات الاجتماعية نمواً وتطوراً بحكم التصاقها بالمعرفة ومسؤوليتها عن جلبها واختبارها وتطويعها ونشرها مما جعلها دائماً في قمة الهرم الاجتماعي من الناحية الفكرية والثقافية. وفى عصر الانفجار المعرفي وانتشار العولمة أصبحت الجامعات المؤسسات الأكثر مسؤولية عن عملية الفرز والتبني لما ينبغي أن يستورد وما ينبغي أن يبقي وما ينبغي أن يترك من قيم ومعارف وأنماط سلوك لا تتواءم والتوجهات الاجتماعية السائدة، لهذا عانت مؤسسات التعليم العالي في الدول النامية معاناة كبيرة بين الاستجابة للجمهور وحاجاته استجابة كمية وبين متطلبات سوق العمل الطالبة للنوع والمركِّزة على مبدأ المهارة والكيف.وفى خضم ذلك تعيش مؤسسات التعليم العالي أزمة الكم والكيف والطموح والواقع والتناقض بين الرؤي وحقيقة التنفيذ. (النجار 2005، بابكر والزند2005 )
صفحة 3
أصبحت مسألة النوعية أو الجودة مسألة بارزة في النقاش خلال تناول السياسات العامة في مجال التعليم العالي، وتدفع كل الأسباب إلى الاعتقاد بأن هذا الحال سيستمر مستقبلاً نظراً لما يترتب عليه من آثار بالنسبة لتطوير التعليم العالي وإصلاحه، إذ أصبح تطبيق الجودة الشاملة في التعليم مطلبا ملحا من اجل التفاعل والتعامل بكفاءة مع متغيرات عصر يتسم بالتسارع المعرفي والتكنولوجي، وتتزايد فيه حمى الصراع والمنافسة بين الأفراد والجماعات والمؤسسات. فالنوعية موضوع يرتبط بكل الوظائف والأنشطة الرئيسة للتعليم العالي، إذ أنه يشمل نوعية التعليم والتدريب والبحوث، وهذا يعني نوعية العاملين والبرامج والطالب والخريج كما يعني نوعية البحوث وخدمة المجتمع التي تقدمها مؤسسات التعليم العالي (Marten 2008:2)
 
إن لضمان النوعية جوانب عديدة تتجاوز الفهم الضيق للدور الأكاديمي لمختلف البرامج، أي أنه ينطوي على إيلاء اهتمام لمسائل تتعلق بنوعية الطلبة والبني التحتية والبيئة الأكاديمية وكل القضايا الأخرى المتصلة بالنوعية بالإضافة إلى الاهتمام المناسب بضمان مستوي جيد من التسيير والإدارة التي تؤدي دوراً مهماً في تجويد الكيفية التي تنهض بها مؤسسة معينة بمهامها وكيفية تقييمها، و " السمعة المؤسسية " التي يمكن أن تتكون عنها سواء في الوسط الأكاديمي أو على صعيد المجتمع عموما.
 
معظم نظم التعليم الحديثة كما يرى (الربيعي 2002 : 38) قد ولدت من رحم حقبة استعمارية نسخت من خلالها نفس النظم التعليمية الغربية وفرضت على ثقافة شرقية تحمل صفات الإيمان الإلهي، والتمسك بمبادئ مستمدة من الكتب السماوية التي توازن بين الفرد ومجتمعه , بين متطلبات الدنيا ومسؤولياتها وبين الآخرة كحياة للبقاء، في ومن هذا المزيج المتكامل المتوازن استمدت التربية الإسلامية أهدافها وعناصرها وأساليبها ومناهجها، ضمن منظومة متكاملة، اتصفت بالتوازن والشمول والترابط في علاقة الإنسان بالكون والحياة، والتي نظمها الإسلام في علاقة تفاعل مستمر، ما دامت الحياة على الأرض، لهذا فإن التربية الإسلامية تشكل محصلة لعلاقات التفاعل بين الإنسان والكون والحياة، وبهذا تكون التربية عملية بناء وتوجيه للإنسان بغية الوصول به إلى مرحلة النضج والكمال.
 
لقد ربط الإسلام بين كافة جوانب العملية التربوية في سياق فريد بدءاً من اعتباره طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة مصداقاً لقول سيدنا محمد –صلى الله عليه وسلم-: " طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة" وانتهاءً بدعوته لنشره وتعميمه، وبين كذلك فضل العلم في قوله –تعالى-: " إنما يخشى الله من عباده العلماء" ( فاطر 28). وقوله –تعالى-: " يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتـوا العلــم درجات" ( المجادلة 11). إلا أن نظمنا التعليمية فشلت في الربط بين الأصالة والحداثة رغم حاجة الواحد للأخر.(الربيعي 2002 :12)
صفحة 4
حظيت الجودة الشاملة بجانب كبير من هذا الاهتمام إلى الحد الذي جعل المفكرون يطلقون على هذا العصر عصر الجودة باعتبارها إحدى الركائز الأساسية لنموذج الإدارة الجديدة الذي تولد لمسايرة المتغيرات الدولية والمحلية، ومحاولة التكيف معها فأصبح المجتمع العالمي ينظر إلى الجودة الشاملة والإصلاح التربوي باعتبارهما وجهين لعملة واحدة، بحيث يمكن القول أن الجودة الشاملة هي التحدي الحقيقي الذي ستواجهه الأمم في العقود القادمة (احمد، 2003 :9)
 
عند قيام ثورة التعليم العالي في السودان في 1990م تبنّت الدولة سياسات قصد منها مقابلة الطلب الاجتماعي للتعليم العالي وإحداث نقلة كميّة ونوعيّة في مساره وذلك بإنشاء الجامعات الجديدة وانتشارها بالولايات حتى تستفيد من إشعاعاتها التعليمية والثقافية والتنموية، واعتماد اللغة العربية لغة التدريس بالتعليم العالي، وتأصيل المناهج حتى تكون معبّرة عن بيئة المجتمع السوداني
 
من أجل ذلك عقد المؤتمر التداولي حول قضايا التعليم العالي والذي وضع مرتكزات ثورة التعليم العالي ولبنات الإستراتيجيات والخطط لتنفيذ قرارات ثورة التعليم العالي بإعلان ثورة التعليم العالي في 1990، واستشعاراً من الدولة لتلبية الطلب المتزايد للتعليم العالي من ناحية وحاجة البلاد لتأهيل الأطر المتخصصة في كافة المجالات من ناحية أخرى، اتجهت الدولة للتوسع في التعليم العالي بقرارات صدرت بدءاً منذ عام 1990م. هذا ويمكن تلخيص خريطة التعليم العالي حالياً علي النحو الآتي:-
 
31 جامعة حكومية (بما فيها المفتوحة)
 
51 جامعة وكلية أهلية (6 جامعات)
 
19 كلية تقنية
 
114 كليات المجتمع
 
كما تصاعد القبول السنوي للطلاب بمعدلات عالية. وتقدم عدة كليات ومعاهد حكومية وأهلية برامج الدبلوم التقني الذي شهد هو بدوره توسعاً كمياً كبيراً. وتلبية للرغبة المتزايدة في التعليم الجامعي بما يتناسب والظروف الاجتماعية والاقتصادية لأفراد المجتمع وتكاملاً مع دور مؤسسات التعليم التقليدية أُنشأت جامعة السودان المفتوحة عام 2002 لتقديم نمط فريد من التعلم المتنوع الوسائل الذي يختلف عن التعليم التقليدي (صف ومعلم ). إن التوسع الأفقي في مؤسسات التعليم العالي الحكومية، وزيادة أعداد الطلاب المقبولين بها، تطلب الأمر ضرورة تبني إجراءات لتعزيز النوع وضمان الجودة.أدى إلى حقائق جديدة كان من أهمها:
صفحة 5
دخول القطاع الخاص (الأهلي والأجنبي) مساهماً في توفير (إتاحة) التعليم العالي إلى الجانب الحكومي في سياق المنافسة والتعاون، مما يتطلب أيضا تنسيق وتوحيد الجهود لضمان جودة التعليم العالي.
 
وجود جهود وآليات مبعثرة لضمان الجودة (اللجان العلمية والاتحادات والمجالس المهنية وغيرها) وعلى مستويات مختلفة مؤسسية وقومية وإقليمية، مما يستدعي التنسيق لتوحيد هذه الجهود.
 
التغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي يشهدها السودان في العقود الأخيرة ومنها مرحلة ما بعد السلام، والتي تتطلب توحيد الرؤى والجهود لصياغة وتطوير تعليم عالي متوازن وشامل يضع في حسابه ضمان الجودة وتأكيد النوع.
 
الحاجة إلى أطر واتجاهات جديدة للوفاء بالجودة والنوعية في مؤسسات التعليم العالي.
 
ظهور التعليم المفتوح والتعليم عن بعد والذي يحتاج هو الأخر إلى آليات خاصة لضمان جودة مخرجاته وكفاءة أدائه.
 
الدور المتنامي للتقنية في مجالات التعليم، حيث دخلت التقنية في التدريس والبحث العلمي والإدارة، وتسخير المعلومات لخدمة المستفيدين، مما يقود إلى ضرورة مواكبة الحداثة واستخدام التقانات التعليمية الحديثة بكفاءة وفاعلية.
 
أما ما يتعلق بالتعليم التقني فقد جاء في النقطة ج في وثيقة ثورة التعليم العالي عام 1990 ما يأتي:
 
(ج) التعليم الفني والتقني
 
دعم التعليم التقني والفني والأخذ بفكرة كليات المجتمع في كل الولايات والاهتمام بالتدريب الميداني والحقلي في كل مؤسسات التعليم العالي.(الوزارة 2004 :8)
 
لهذا شهد العقدان الماضيان استحضارات مهمة فيما يتعلق بالتعليم الأوسط (دبلوم تقني ومهني)، وشهدت فترة التسعينات وقفات مراجعة متعددة كان التأكيد فيها على موضوعين مهمين أولهما ضرورة أن يرافق التوسع الكمي الاهتمام الجدي بالنوع والجودة واستحداث آليات علمية للمراجعة وضمان الجودة. والجانب الثاني ضرورة تنظيم الجهود المبعثرة في مجال الاهتمام بالتعليم المهني والتقني, وفعلا هذا ما حدث حيث تم استحداث هيئ التقويم والاعتماد لرعاية موضوع الجودة والاهتمام بالنوع ,كذلك استحداث هيئة التعليم التقني لتنظيم شؤون الكليات التقنية.
صفحة 6
إن الاهتمام بالجودة والتقويم المؤسسي موضوع يرتبط بكل الوظائف والأنشطة الرئيسة للتعليم العالي، إذ أنه يشمل نوعية التعليم والتدريب والبحوث، وهذا يعني نوعية العاملين والبرامج والطالب والخريج، كما يعني نوعية البحوث وخدمة المجتمع التي تقدمها مؤسسات التعليم العالي، وبالتالي فإن للسعي إلى ضمان النوعية جوانب عديدة تتجاوز الفهم الضيق للدور الأكاديمي لمختلف البرامج، أي أنه ينطوي على إيلاء اهتمام لمسائل تتعلق بنوعية الطلبة والبني التحتية والبيئة الأكاديمية وكل القضايا الأخرى المتصلة بالنوعية بالإضافة إلى الاهتمام المناسب بضمان مستوي جيد من التسيير والإدارة يؤدي دوراً مهماً في تجويد الكيفية التي تنهض بها مؤسسة معينة بمهامها وكيفية تقييمها، و " السمعة المؤسسية " التي يمكن أن تتكون عنها سواء في الوسط الأكاديمي أو على صعيد المجتمع عموما. كما حدد الإعلان الدولي الصادر عن الأمم المتحدة الجودة بأنها تشمل جميع أنشطة التعليم العالي : التدريس، البرامج الأكاديمية، البحث العلمي، العاملين بالمؤسسة، الطلاب، البنى التحتية، المباني الخدمات المصاحبة للعملية التعليمية والخدمات المجتمعية.(بابكر والزند 2005: 4)
 
إن الزيادة الكبيرة في أعداد الطلاب، والتوسع في عدد مؤسسات التعليم العالي، وضعف الموارد المادية أدى كل ذلك إلى تساهل نسبي في تطبيق الوسائل والإجراءات ألجامعية الرصينة، خاصة بالجامعات الجديدة التي أنشئت بالولايات خارج الخرطوم، الأمر الذي حدا بالمجلس القومي للتعليم العالي والبحث العلمي – مثلا - أن يصدر عام 2003م لائحة موحدة لترقيات أعضاء هيئة التدريس تلتزم بها كل مؤسسات التعليم العالي حكومية وأهلية. حاولت هذه اللائحة أن تضبط إجراءات الترقي وشروطه مركزيا بعد أن كان من صميم صلاحيات المؤسسات واختصاصاتهـا. كما أن معظم الجامعات اضطرت إلى التساهل النسبي في عدم التقيد بالشروط المتشددة في التعيين لأعضاء هيئة التدريس نتيجة للندرة والحاجة الماسة لأعضاء هيئة التدريس، خاصة وأن العقود الثلاثة الأخيرة شهدت هجرات مكثفة للأدمغة المتميزة من الجامعات السودانية إلى الخارج.
 
ورغم وجود شبه اتفاق في التعليم العالي حول أهمية الاهتمام بالجودة إلا أن اتفاق حول ماهية الجودة وسبلها كمفهوم وإطار فلسفي لازال طور التكوين والمناقشة سيما في الدول النامية التي لم تشهد بعد إطارا وتراثا واسعا لاستخدام هذا المفهوم، فالبعض حددها من خلال مدى تلبية المؤسسة لأهدافها المتوقعة منها، والبعض الآخر يرى بالجودة درجة التطابق مع الغرض والآخر ينظر لها من خلال القيمة المضافة، بينما المفهوم الأكثر قبولا في التعليم يرى فيها القدرة على تلبية حاجة الزبون.(UNSCO 2006:8 )
صفحة 7
إن المدخل الرئيسي لأي نظام لتحسين الأداء ولضمان الجودة يعتمد علي مفهوم التقويم لقياس كفاءة الأداء وفاعلية أجهزة النظم البديلة داخل النظام. ولتحقيق ذلك وفى إطار سعيها لتجويد التعليم العالي وتحسين أداء مؤسساته ونوعية مخرجاته، أنشئت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي بالسودان الهيئة العليا للتقويم والاعتماد بالقرار الوزاري رقم (9) لسنة 2003م بإنشاء وتنظيم هيئة التقويم والاعتماد عملاً بأحكام المادة (21) (1) (أ) من المرسوم الجمهوري رقم (12) لسنة 2001م، وأيضا بالمرسوم الجمهوري رقم (34) لسنة 2005م لتكون أحد أذرع المجلس القومي للتعليم العالي والبحث العلمي فيما يلي التقويم وضمان الجودة لمؤسسات التعليم العالي في السودان، ولتعمل ضمن برنامج الدولة نحو الجودة (الهيئة 2008 :7 )
 
يعتبر التقويم الذاتي من أهم أنواع التقويم و هو ذلك النمط الذي تمارسه المؤسسات باستحداث وحداتها للتقويم الذاتي كي تقوم بدراسة مسيرة المؤسسة وتحليل عملياتها وتحديد المشكلات وإجراء التغييرات المطلوبة. و يهتم هذا النوع من أنواع التقويم المؤسسي بدراسة وتحليل ما تقدمه المؤسسة و الوحدات التابعة لها سواء أن كانت هذه الوحدات تعليمية، بحثية، إدارية، خدمية أو غيرها من برامج وأنشطة و خدمات و يشمل ذلك ما تتبعه من سياسات و ما تخطط له و تنفذه من برامج.
 
الهدف الأساسي من عمليات التقويم الذاتي هو أن تقوم المؤسسة بنفسها بتحديث و تحسين و تطوير العمل بجميع وحداتها و ذلك بالكشف عن جوانب القوة و الضعف فيها و قياس ما تقوم به من أنشطة، كما أن التقويم الذاتي يسهم و بصورة فاعلة في إعداد و تجهيز المؤسسة للتقويم الخارجي(علاونة2005 : 8).
 
إن المطلوب من جميع مؤسسات التعليم العالي في السودان جامعات كانت أم كليات تقنية أو مهنية في أن تعد العدة لتبني نظام أو دليل مرجعي للجودة والتقويم المؤسسي سيما بعد أن هيأت الهيئة العليا للتقويم والاعتماد السودانية كل ما من شأنه أن يوفر لكل مؤسسة نموذجها الملائم وذلك بعد أن دربت لجميع المؤسسات الأطر البشرية القادرة على تطبيق نظم التقويم الذاتي المؤسسي. كما وفرت دليل شامل (غير مجرب ) للتقويم الذاتي يمكن لأي مؤسسة أو باحث الاستفادة منه(دليل 2008 ).
 
يقع البحث الحالي ضمن إطار التقويم الذاتي لمؤسسة حديثة ومهمة هي مؤسسة التعليم التقني عبر إطار تصميم نموذج للجودة والتقويم المؤسسي وتعريضه ولأول مرة في السودان (على حد علم الباحث ) لآليات الصدق والثبات وتقنيات المواءمة بتطبيقه على عينة من الكليات التقنية ذات المواصفات الخاصة. ورغم صعوبة الجانب الإجرائي والتطبيقي لهذا البحث إلا أن الجانب النظري كان هو الآخر أكثر صعوبة لتعقده وتشابك مواضيعه وتعدد تجاربه العالمية والإقليمية والمحلية.
صفحة 8
تضمن البحث خمسة فصول تناول الأول أساسيات البحث ابتداء" من المقدمة ومشكلة البحث وأهميته, ومن ثم أهداف البحث وأسئلته وحدوده وأخيراً تحديد المصطلحات. أما الفصل الثاني فقد شمل على خمسة مباحث رئيسية. الأول عن المفاهيم الرئيسية المرتبطة بالجودة والتقويم المؤسسي بأنواعهما وسبل ومكان استخدامهما.بينما ركز المبحث الثاني على المعايير والمحكات باعتبارها المجسات الأساسية للحكم على أي ظاهرة أو مؤسسة. استعرضت في المبحث الثالث نماذج التقويم بنوعيها المصغر والمكبر. بينما اختص المبحث الرابع بأسس وإجراءات إعداد وتنفيذ بحوث التقويم المؤسسي. تركز المبحث الخامس في التعليم التقني تاريخه, أساسياته علاقته بخطط التنمية.
 
اختص الفصل الثالث بالدراسات والتجارب السابقة ابتداء من البلدان المتقدمة أكاديميا كأمريكا وأوربا واستراليا والبرازيل وانتهاء" بتجارب ستة دول عربية ذات نشاط ملحوظ في مجال التقويم المؤسسي والجودة. كذلك تم استعراض بعض الدراسات ذات العلاقة لأهميتها في تصميم دليل الجودة لهذا البحث.عرض في الفصل الرابع الجانب الإجرائي من البحث في كل تفاصيله ابتداء من وصف منهج التقويم وخصائصه ثم المجتمع بأنواعه والعينة وأسس اختيارها.تم بعدها شرح أسس بناء الدليل بجميع مراحله وصولا للأوزان وطرق حسابها والمعايير المستخدمة في ذلك. وأخيرا طريقة جمع البيانات والأساليب المستخدمة في التحليل الإحصائي.تضمن الفصل الأخير عرض عام للنتائج وطرق تعديل وتكييف معايير الأنموذج لتتلاءم وواقع الكليات التقنية في السودان.كما تم اختتام البحث ببعض التوصيات والمقترحات.
 
مشكلة البحث
 
يتفق الكثيرون على أن التنافس بمعناه الواسع هو إحدى الخصائص التي تميز عالمنا المعاصر، ولا يقتصر التنافس بين الأمم والشعوب على المعنى الاقتصادي الذي يتعلق بإنتاج وتوزيع السلع والخدمات، وإنما زادت بشكل ملحوظ في إنتاج ونشر المعرفة والبحث العلمي، والأبعاد الحضارية والثقافية المتعددة. وبعد سريان اتفاقية التجارة العالمية التي وقعت عليها معظم دول العالم أصبحت مسألة تحرير البضائع والسلع يمشى بنفس القدر مع تحرير دخول الفكر والمعرفة والمعلومات بشتى أصنافها وصورها، وكذلك دخول البشر وبدون قيود.وإذا كانت المنافسة هي الهدف فإن التميز والجودة هما جناحا المنافسة وطريقها المباشر وحصانها الرابح في هذا السباق. فإن القول الشائع (لكي نستطيع الريادة لابد أن نتميز) أصبح اليوم وفى ظل المنافسة الشديدة حتى نستطيع البقاء لابد أن نتميز.
صفحة 9
لقد اكتشفت جميع دول العالم والمنظمات الدولية الممثلة لها أن التنمية المستدامة لا تسير وحدها دون تعليم جيد، والتعليم الجيد يعنى مؤسسات تعليم عالي تمتلك مواصفات الجودة ذات الطابع المحلي المفعم والمدعم بتوجيه إقليمي وعالمي.فالتعليم هو قاطرة الشعوب نحو التنمية. وهو وسيلتها لبناء قدرتها على الابتكار والإبداع والتميز، وهو العامل الأساسي في زيادة القدرة على المنافسة الدولية.
 
لقد أدركت دول العالم أهمية التميز والمنافسة فأنشئت هيئات للتأكد من هاتين الخاصيتين، وكان التقويم بمفهومه الذاتي والمؤسسي والبرامجي، أو التقويم الشامل وسيلتها لضمان الجودة والتوسع في استحداثها لبرامجها ولضمانها لجودة تلك البرامج.
 
في الوقت الذي ساهمت الأهداف التعليمية بنوعيها العام والخاص لحل مشكلة المعايير المطلوبة للحكم على جودة المخرجات التعليمية، أو ربط حركة النظام باتجاهات محسوبة. بقى التقويم وأنظمة الجودة الشاملة بكل أنواعها تعانى من مسألة إيجاد المعايير الذاتية أو المقاييس الموضوعية العالمية والتي تستطيع من خلالها أن تحكم على درجة جودة أي نظام أو مؤسسة أو منتج (جودة وآخرون 2008:23 ).
 
بعد الحرب العالمية الثانية وعندما ظهر الاتجاه النظمي في الرؤى نحو المؤسسات الإدارية والخدمية كانت الكفاءة والفاعلية تقاس أولا بأهدافها، وعند بدء شيوع استخدام معالجة النظم كأسلوب أو نموذج يوجه التقويم المؤسسي للمؤسسات الكبيرة كانت الأهداف هي الحاضرة فيه(الشنطاوي 2008 :22).
 
ركزت سياسات ثورة التعليم العالي في السودان منذ عام 1990 على إعطاء أسبقية للتعليم التقني وذلك بإنشاء الكليات والمعاهد العليا التقنية وقد تحقق منها الآتي:
 
إنشاء كليات تقنية جديدة ومستقلة في تخصصات :
 
التقنية الميكانيكية(آلات زراعية، سيارات، تبريد).
 
التقنية الكهربائية (أجهزة وآليات كهربائية، شبكات وتوصيلات كهربائية).
 
التقنية المدنية ( مباني، رسم فني، طرق وجسور).
 
التقنية الاجتماعية ( تنمية المجتمع، علوم إدارية، حاسوب وتغذية).
صفحة 10
الدراسة مجاناً إضافة إلى الإعاشة وذلك لاستقطاب الطلاب المتميزين والكليات هي:
 
كلية الشيخ عبد الله البدري – بربر
 
كلية نيالا التقنية.
 
كلية المحيريبا
 
كلية كنانة التقنية
 
كلية كسلا التقنية
 
كلية ود مدني التقنية
 
كلية القطينة التقنية
 
صدر قرار وزاري بإنشاء 6 كليات تقنية في ولايات (القضارف، جنوب كردفان، شمال كردفان، شمال بحر الغزال، أعالي النيل وبحر الجبل).(اللقاء التفاكري 1990: 16).
 
ورغم وجود شبه اتفاق في التعليم العالي حول أهمية الاهتمام بالجودة إلا أن اتفاق حول ماهية الجودة وسبلها كمفهوم وإطار فلسفي لازال طور التكوين والمناقشة سيما في الدول النامية التي لم تشهد بعد إطارا وتراثا واسعا لاستخدام هذا المفهوم، فالبعض حددها من خلال مدى تلبية المؤسسة لأهدافها المتوقعة منها، والبعض الآخر يرى بالجودة درجة التطابق مع الغرض والآخر ينظر لها من خلال القيمة المضافة، بينما المفهوم الأكثر قبولا في التعليم يرى فيها القدرة على تلبية حاجة الزبون(الهيئة 2008 ).
 
لن يكتب النجاح لأي عمل تقويمي أياً كان نوعه شامل أم جزئي إلا من خلال وجود حلقات متعددة وشاملة ومتكاملة من هيكل تنظيمي لتنفيذ إستراتجيات وخطط وأهداف العمل المؤسسي التقويمي، ورسم الصورة بدقة لآليات العمل المختلفة التي تحقق المرامي والأهداف.
 
يحاول التقويم أيضا استشراف رؤى المستقبل واقتراح سبل التطوير في إطار الإستراتيجية الربع قرنية للتعليم العالي. آخذا بعين الاعتبار ما ورد من تجارب كدليل تقويمي لرؤى المستقبل، من منطلق أن التخطيط للمستقبل الذي ينبغي أن يستند إلى مسالتين أساسيتين، أولهما:الواقع وجوانب الإشراق والإخفاق التي أفرزتها التجربة. والثانية: مستوى الطموح الذي يغمر السودان بكل شرائحه وفئاته بعد أن حل السلام وحان لمؤسسات التعليم العالي البحث عن الجودة دون خشية من صعوبات التمويل. وعليه فان وضع آلية لضبط الجودة تحتاج أولا إلى تحليل التجربة السابقة والوقوف على جوانب الإشراق والإخفاق فيها ثم تحديد الرؤى المستقبلية محددين تماما المحاور التي ستنصب حولها الجودة مستقبلا (الوزارة2005 ).