eKtab
EN ع
طيور الرغبة
اقرأ عينة مجانية

طيور الرغبة

بقلم محمد الحجيري

صفحة 1

1

كل شيء محض استعارة

غوته

كنت الصبـي الوحيد لأمي

الحياة سلسلة انكسارات فحسب...

مرّت أسابيع على إصابة أبـي بالألزهايمر، وأصبحت عرضة لتوتر الأعصاب أكثر مما كنت في السابق. التوتر يمزق أفكاري، أشرد لساعات خلال جلوسي بمفردي، أضع يدي على خدي وأذهب في تأمل بعيد. كنت أحتاج إلى مقاطع قليلة لأنهي روايتي الأولى حين سمعت أزيز الرصاص ودويّ القذائف في منطقة الحمرا - رأس بيروت في ذلك اليوم من أيار 2008. رصاصات قليلة كانت كافية لأنسف الرواية التي بدأت بكتابتها منذ سنوات. إن اللحظات اللاواقعية التي تشكلت من الحرب ومن تخلخل ذاكرة أبـي، قلبت الأمور رأساً على عقب، وما كتبته أصبح مثل جثة متحلّلة كحياتي نفسها. صرت أمام سلسلة انكسارات واحتلالات لا أقدر على تخطيها أو هزيمتها. الرواية ليست جثة لكن الكلمات والعبارات تتحلّل، والمعاني تقتل بالحبر أيضاً. اكتشفت في لحظة أن ما أكتبه غير قابل للحياة، وأن الحرب أطلقت رصاصة الرحمة على نصّي الطويل الذي بقيت لسنوات أدوّنه وانتظر بشغف أن يرى النور. قلت ماذا تعني الذكريات حين يصاب أبـي بالألزهايمر، هل تبقى للأشياء معانيها؟! ماتت الرواية في ذلك اليوم، ربما لأن الحرب قادرة على تغيير المزاج وقتل الأفكار. جلست طوال ليلة الحرب في منـزلي الصغير، قبالة التلفزيون الصغير، لم أكن أسمع الأخبار، كنت أشاهد الكليبات المصورة وأسمع أزيز الرصاص، أتخيّل المسلحين يخلعون باب شقتي في لحظة، ربما يضعون كيس الخيش في رأسي ويلجأون إلى تعذيبـي والتنكيل بـي، أو يثقبون جسمي بالرصاص ويلقون بجثتي قرب مستوعب سوكلين. الأجساد المهشمة في الحرب تتشابه في التشوّهات، هذا هو صوت المنطق. ماتت روايتي قبل أن تولد، وأنا أفكر في قول خورخي لويس بورخيس إن مشكلة الكتّاب الشباب أنهم يفكرون وهم يكتبون في النجاح والفشل، في حين لم يفكر بورخيس في بداياته إلا بالكتابة لنفسه: "في البداية كنت أكتب لنفسي ولكن منذ أن تحولت الكتابة مهنة أصبت بمائة وسواس".

من المجحف أن يبقى المرء يكتب رواية على مدى أشهر أو سنوات، مهلوساً بنهايات أبطالها المتخيّلة، يسردها حرفاً حرفاً وجملة جملة، لكنه في الوقت نفسه يشعر أنه يعيش رواية طويلة في ليلة واحدة. فهل من الضروري أن نكتب رواية؟! أو أن تصبح نوازع الحياة منسوخة على الورق؟! هل من الضروري أن تصبح الرواية مثل احتلال في الحياة؟! كان اطلاق الرصاص قد بدأ يقترب من شارع الحمرا حين حذفت نص الرواية من على شاشة الكومبيوتر، قلت إن روايةً لم تعجبني لن يكون لها حظ في الحياة. تركت ذاكرتي تروي لنفسها من دون عناء السرد الروائي ومشقّته، بل تركت الأحداث تروي نفسها، لم يكن أزيز الرصاص في ليل بيروت يحتاج إلى كتابة ليكون تعبيراً عن مأزق الوجود والحياة معا، ولم تكن إصابة أبـي بالألزهايمر تحتاج إلى كتابة ليظهر معناها على الملأ. فأبـي الذي كابد الشقاء العاري والعادي ثمانين عاماً، كتب ذاكرته بالنسيان والممحاة. وهو قبل أن يصاب بالألزهايمر صدمته سيارة على رصيف بولفار شمعون في سقي الحدث، صدمة كانت كافية لتخلخل دماغه وتصيب جسمه بالرضوض المختلفة وتهشمه كأنه أصيب في الحرب أيضاً. على مدى سنوات كنت أشعر بالإثم لأني لا أهتم بأبـي، وزاد جفائي له أني سكنت بمفردي وانغمست في ملذات الويسكي في حانة كافكا. لم أعد أزوره إلا نادراً. كأني كنت أحاول التجرد من أقرب المقربين إليّ، أعيش وهم الفردية والانشقاق عن الهالة الأسرية ورمزية العائلة، ودفعني هذا الوهم التمردي لأن أكتب: "لن أقتل أبـي لأنه غير موجود".

لم أتوقع أن الحرب ستصل إلى شارع الحمرا. كنا تناقشنا كثيراً في حانة كافكا واستنتجنا أن الحرب لن تقع من جديد، وحده رضوان الأشقر يقول لنا، نحن الجالسين، في الحانة: "يا أغبيا ما دام السلاح في البيوت والمستودعات فهذا يعني أننا في حالة حرب". برغم الويسكي الحنون، بقي رضوان متشائماً من أبسط الأمور في لبنان. يجد في كل شاب يزور الحانة مشروع حرب أهلية، وأن الشبّان يرضعون العنف من حليب أمهاتهم، ومشروعهم الوحيد كيف يحضّرون للحرب. يقاوم رضوان الفراغ من خلال احتساء الويسكي والتواصل مع المومسات العابرات. لم يكن يحمل سيجارة، منذ أصيب بأزمة قلبية، بدأ يخاف على صحته وتوقف عن التدخين ولكنه بقي مواظباً على تناول ويسكي من نوع "ريدليبل"، ولم يجد عملاً منذ صُرف من الجريدة التي عمل فيها. لا يجد ملاذه إلا في النوم والسهر. حين توفي الفنان جوزف صقر، شعر رضوان بنقزة مع مجموعة الشبان الذين كانوا يجتمعون في حانة كافكا. لا أعرف إن كان رضوان زار حانة كافكا في ليلة السابع من أيار 2008. فالرصاص، في تلك الليلة، مزق الليل في نواحي العاصمة. القطة المرقطة دخلت غرفة مطبخي للمرة الأولى. حاولت تناول ما تبقى من علبة التونا. القطة تلحس علبة التونا كأنها تلحس الدماغ. لم أنهرها لتخرج من المطبخ، لا أجيد الكلام معها. لحظات من الحرب، شعرت أن أربعاً وعشرين ساعة في البيت تساوي دهراً، لا شيء أفعله سوى اللجوء إلى السرير أو الكتب المكدسة في الزوايا.

صفحة 2

ماذا يفعل المرء في الحرب؟ هل يحرق أصابعه بأعقاب السجائر أم يفكر في جمع مظاريف الرصاصات الفارغة؟ منطقة الحمرا أصبحت في ليلة حرب واحدة كوجه إنسان تلقى لكمة على عينيه. أضاع الشارع بوصلته. رائحة الحشيش تنسرب من غرفة الناطور إلى شقتي في الطابق الأول، هدير المكيف القديم يضرب الرأس أيضاً.

مدرعات الجيش تقطع الطرق المؤدية إلى قصر قريطم، بعض المواطنين ينتظر أن تفتح الدكاكين أبوابها وعلى وجوههم علامات الذعر، أحد حراس القصر يهمس في أذن بائع القطع الإلكترونية قبل أن يغادر مكان عمله، لا حراس في الشوارع المؤدية إلى القصر. كنت أجهل ما يحصل في الشوارع القريبة من بيتي، قلق خفيف يسيطر عليّ. في يوم واحد ازدادت الشعارات الحزبية على الجدران، كأن الاحزاب أول ما تنتقم منه هو الجدران العارية إذ تروح تطلي رموزها بطريقة وحشية من خلال "الستنسل" و"الغرافيتي". الموت شبح يطل من فوهات البنادق، الرجل العجوز مزق صور السياسي الذي يحبه عن واجهة دكانه، جلس يبكي على رومنطيقية الرصيف الزائلة، بقي باب دكانه نصف مقفل، شعر بالتيه بعد ليل الرصاص الطويل.

غلاة البنادق "أبدعوا" في صناعة الخوف، كانوا يدكّون الليل بالقذائف والرصاص كأنهم يشاهدون عانة فرج للمرة الأولى في حياتهم. أشعلوا سجائرهم من لهيب الطوائف، صفعوا شوارع المدينة بالرصاص والبارود. في الصباح، توزعوا عند زوايا المباني، يحملون عتادهم الحربـي. أمي كانت قلقة أيضاً، تتصل تنبهني من النـزول إلى الشارع، أسألها عن أحوال أبـي، تقول "الله يساعد، يا حسرتي على بني آدم"، وتحذرني من النـزول إلى الشارع أيضاً. منذ أصيب أبـي بالألزهايمر فقد بيت أهلي الرواق والهدوء، وانشغلت أمي وأختي الكبرى بتداعيات أزمة لم تكن في الحسبان. أبـي يمضي وقته بين المسجد والساحة والدكاكين، لا أحد يعرف ماذا يريد، ومنذ بدأ يهتم بالجنازات والمآتم، أصيبت ذاكرته بالخلل. بدا الضجر والقلق من علاماته اليومية. كل شيء يزعجه، وأحياناً يشعر بالرضى من كلمة، لكن الموت كشبح فوق أيامه.

ابن ستالين

لم أحلق لحيتي، لم أحدق إلى المرآة، لم أغسل وجهي، لم أرتب السرير. مشيت بحذر حتى شارع بلس المحاذي للجامعة الأميركية. مجموعة من عناصر حزبيّة تسير في دورية راجلة تحمل بنادق قناصة... ماذا يفعلون هنا، من أين أتوا؟! هل خرجوا من تحت الأرض وعلى وجوههم وحل وأغصان أشجار؟! نراهم ولا نرى وجوههم، هل أتوا من الغابات البعيدة؟ بعض عناصر مخفر حبيش قرب سناك فيصل، الضابط يأمرهم بالدخول إلى مركزهم. ماذا يجري؟ لا أعرف!! كأني في خروجي من البيت، أتحدى الحرب وأكتب، أو كأني أعيش في العالم السفلي. الكتابة ليست صلاة كما يقول كافكا، الكتابة إلحاد وشكل من أشكال التعذيب. الكتابة جعلتني في العالم السفلي برغم أني أعيش في المدينة وبين الناس وفي المقاهي. الكتابة سرقتني من حيث لا أدري، والكتب غيّرت حياتي من حيث لا أدري أيضاً!! تتصل أمي من جديد مولولة: "انتبه يا ابني، يا رضا قلبـي عليك انتبه من المشاكل، واذا فيك تعا على الضيعة"...

تصل تاكسي من نوع مرسيدس "لف" خضراء اللون... يتأملني السائق كأنه يسألني: "لوين؟"

- "أشرفية، ساسين، عشرة آلاف".

يشير إليّ بالصعود، أجلس على المقعد الأمامي، على التابلوه صورة لحسن نصرالله. السائق يسمع إذاعة حزبية، طلبت منه أن يخفف صوت الراديو قليلاً، بدت على وجهه علامات الامتعاض، قال: "بدنا نعرف شو في بالدني"، أقول في قرارة نفسي: "أخت التاكسيات واللي بيطلع فيها، متى أشتري سيارتي الخاصة"... لأتفادى الصدام مع السائق بدأت أقرأ رواية "خفة الكائن المحالة الاحتمال" لميلان كونديرا، وصادفت قراءتي مقطعاً عن براز ابن جوزف ستالين يقول"لم يتسن لنا أن نعرف الظروف التي مات فيها ابن ستالين إلا من خلال مقال نشرته مجلة "الصانداي تايمز" عام 1980. فبعد أن أسره الألمان خلال الحرب العالمية، أدخل في معسكر الاعتقال نفسه مع ضباط إنكليز أسرى. كانت مراحيضهم مشتركة في المعسكر وكان ابن ستالين يتركها دائما متّسخة. والإنكليز، لم يكونوا يحبون رؤية مراحيضهم ملطخة بالبراز، حتى ولو كان ذلك البراز يخص ابن الرجل الأكثر نفوذاً في العالم آنذاك. كانوا يلومونه على ذلك فاستاء منهم. ثم عاودوا تأنيبه وأجبروه على تنظيف المراحيض. فغضب ثم تخاصم وتعارك وإياهم، وطلب في النهاية مقابلة آمر المعسكر. كان يريده أن يحكم في نـزاعهم ولكن الألماني كان أكثر اعتزازاً بنفسه من أن يتجادل بخصوص البراز. فأطلق ابن ستالين شتائم روسية شنيعة ثم انقض باتجاه الأسلاك الشائكة المحيطة بالمعسكر والمزودة بتيار من التوتر العالي. ترك نفسه يتهاوى فوق الأسلاك. وجسده الذي لن يلوث المراحيض البريطانية بعد الآن، وبقى معلقاً هناك.

لم تكن حياة ابن ستالين سهلة. فلقد أنجبه والده من امرأة كان كل شيء يؤكد بأنه سيقتلها يوماً. كان ستالين الابن إذاً ابناً للإله وملعوناً في الوقت نفسه من الإله. كان الناس يهابونه لسببين: الأول، لأنه كان بإمكانه أن يؤذيهم بسلطته (فهو على كل حال ابن ستالين) وبصداقته (لأن الأب كان يمكنه معاقبة الصديق بدلاً من الابن المنبوذ).

ابن ستالين قضى في البراز. ولكن الموت في سبيل البراز ليس موتاً مجرداً من المعنى. فالألمان الذين ضحوا بحياتهم من أجل توسيع إمبراطوريتهم أكثر فأكثر باتجاه الشرق، والروس الذين ماتوا لكي تمتد سلطة بلادهم صوب الغرب. أجل، كل هؤلاء ماتوا من أجل بلاهة، وموتهم مجرد من أي معنى ومن أي مغزى عام. أما موت ابن ستالين فكان بالمقابل، الموت الفيزيقي الوحيد وسط البلاهة العالمية للحرب".

في مخليتي مليون فكرة حول موت اللبنانيين والعرب في سبيل البراز والبلاهة. كل حرب هي في سبيل البراز والبلاهة. لا أعتقد أن السائق يدرك ذلك، بدا منـزعجاً مني لأني أحاول القراءة، كأنه يريد الكلام معي بالقوة، يريد أن يقول شيئاً ولا أنتبه له. يئس من محاولته في فتح حديث عمّا جرى ويجري في ليلة الحرب الطويلة.

لا أحد على الكورنيش البحريّ، كأن المواطنين هربوا من الشمس والبلاهة و"اليوم المجيد". في عين المريسة مجموعة من المسلحين يتنافسون في القنص لإسقاط صورة كبيرة لسياسيّ معلقة على مبنى قديم قرب ميناء الصيادين... هل نحن في حرب الصور؟! رصاص يثير الهلع في وضح النهار، الجيش أين هو؟! لا أعرف! القوى الأمنية اختفت من الشارع، السائق يمشي بسرعة، يريد أن يصل بسرعة إلى حيث طلبت منه ويتحدث بسرعة، يتجه من "الصيفي فيلدج" نحو شارع التباريس، كأنه ينتقل من بلد إلى آخر. البلد ما زال في حالة انقسام سيكولوجي وسوسيولوجي. إنه بلد البلاهة.

معظم الطرقات مقطوعة بالسواتر الترابية والحجارة ومستوعبات النفايات، أتت شاحنات ضخمة قلبت حمولتها في وسط الطريق، أقفلته ولا أحد يجرؤ على فتحه. بعض المسلحين ينفث دخان النراجيل على جسر الرينغ، الدخان يتصاعد كغصن شجرة، المسلحون ينتظرون فعل شيء، يراقبون القاصي والداني. كأن الحرب بالنسبة لهم "بك نك على خطوط التماس". لماذا يحبّون الحرب، لماذا يطلقون الرصاص، لماذا يقاتلون، ومن أجل ماذا؟! لا أعرف!! مرّت الحرب الطويلة كلها ولم نعرف. وقتل مئة وخمسون ألف شخص، لا نعرف من أجل ماذا!؟ هناك سبعة عشر ألف مخطوف ومفقود لم نعرف أين هم؟! مبنى سينما سيتي الباقي من زمن الحرب في وسط بيروت يروي الحكاية، حكاية الحرب التي لم تنته بعد، مبنى الهوليداي آن أيضاً يروي الحكايات، مبنى بركات الأصفر في السوديكو مات صاحبه وبقي يروي. ستموت هذه المباني وتبقى تروي.

هل نتذكر البراز في المباني المهجورة؟

صفحة 3

رائحة الاطارات المطاطية المشتعلة تنتشر في كل مكان. كل شيء يوحي أن الحرب بدأت من جديد، الحرب لم تنته بعد. كل شيء يوحي أن الجماعات اللبنانية لم تتعلم من سنوات الحرب المريرة إلا الحماقات ولغة الإطارات المشتعلة وإدمان الحشيشة. أتخيل كيف ستكون صورة بيروت في الحرب الجديدة، من سيكون في الشارع من هم "القبضايات الجدد"؟ التخيّل شكل من أشكال الضرب بالمندل. صورة بيروت في الحرب الأولى لم تذهب من مخيلتي، صورة السيارة تسحل مواطناً مثل رمح في العين، صورة القناص تعود إليّ كما رأيتها في منامي، القناص يقف هناك في الطبقة الأخيرة من مبنى "الهوليداي إن" ويطلق النار على العابرين، يتخيل روح القتيل في دخان لفافته يتصاعد في الفضاء، كان يطلق النار على العابرين ولا يرى إلا أرواحهم تتصاعد مثل سحب دخان وتطير في الهواء.

الحرب شريط صور لا ينتهي، تلتصق بيومياتنا كأنها السرطان أو هي احتلال غاشم للذاكرة. لم أشارك في الحرب لكن أخبارها أشد فتكاً من حمل السلاح وبتر اللسان. أمي لم تشارك في الحرب لكن الحرب احتلت مناماتها اليومية، كانت ترى الحرب في المنامات وترويها كل يوم، مناماتها مثل نشرة أخبار مضمخة بالرعب والسكاكين. ترى الأشجار كأنها تأخذ شكل المنام. مرة رأت الشجرة مزينة بالوجوه البشرية بدل الأوراق. رأت الدم يسيل من الغصون، ومرة أخرى رأت الأشجار ترقص فوق الجثث المثقوبة بالرصاص...

بعد عناءٍ نفسيّ وصلت التاكسي إلى ساحة ساسين، شعرت براحة البال، لقد تجاوزت قطاع الحرب والبلاهة قليلاً، وتخلّصت أخيراً من تاكسي كانت كأصفاد حول العنق. لكن الأمور لا تبشر بخير في تلك الساحة. بعض رواد شارع الحمرا أتوا هرباً من بلاهة 7 آيار. قلّة من الشبان يجلسون في مقهى ستاربكس يقرأون الصحف اليومية، أحدهم يقول إن الذي يقرأ الأخبار في الصباح كما لو أنه يدوس في الخراء ويبقى طوال النهار يعيش حالة القرف. في وسط الساحة ينتصب نصب بشير الجميل، لماذا الأنصاب هنا؟ لبنان غابة انصاب! مع كل حرب تزداد النصب المقدسة... هل تروي الأنصاب ماذا فعل أصحابها؟ أنصار الأنصاب من أين أتوا؟ الناس لديهم عيون لكنهم لا يشاهدون شيئاً، الأنصاب استعارت منهم عيونهم وأصواتهم وحواسهم حتى صاروا يشبهونها!! منذ أن راجت الأنصاب أصيب الناس بالعمى وصاروا مثل قطعان غريبة... الجيش السوري غادر لبنان وترك مسلّة السفارة الكويتية، المسلّة مثل خازوق في وسط الأوتوستراد، هكذا يقول الذاهب إلى الجنوب.

لم أبق طويلاً في المقهى. شعرت بالانـزعاج الشديد وليس لديّ مزاج في الكلام مع أحد. في كل لحظة أفكر بمآل الأمور إلى أين؟ أمسح عرقي المتصبب على جبيني، أضع الجريدة تحت إبطي وأمشي باتجاه مكتب الجريدة في نـزلة مستشفى "أوتيل ديو" قرب الجامعة الأميركية للتكنولوجيا، شارع الفرد نقاش. أمي تتصل من جديد: "الله يخليك يا ابني ما تروح على المطارح اللي فيها مشاكل، الله يخليك يا ابني".

أتخيل من يأتي إلى العمل اليوم في خضم التوتر والقتل. في المكتب كنا أربعة موظفين، أنا وطوني رعد وفادي سواح ومديرة المكتب يمنى شهاب. تسألني يمنى: "كيف قدرت توصل، شو بلا مخ جاي تحت الرصاص؟" وتتأمل على محطة فضائية مشاهد القصف والمناوشات والفلتان في بيروت.

فادي سواح يدوّن مقابلة على الحاسوب وكأن شيئاً لم يحصل في الشارع. طوني رعد يقول لي "أنت هون"؟ كان طوني يحب بشير الجميل إلى حد الهوس. لا أتفوه بكلمة عنه أمامه، وحين أقول بشير!! تبدو على وجهه علامات الخشوع كأنه يصلي ويتخيّل صورة البطل أمامه. لماذا يحب طوني بشير الجميل؟ لا أعرف. أحب أن أعرف كل الأمور وأجهل كل شيء...

الشغل في أيام الحرب كالجلوس على لوح مسامير. الحرب تصبح حكاية الوجود. كيف تنتهي الحرب، هل تبدأ الحرب الكبرى. هل من منتصر؟ أين الرجال؟ إلى أين يذهب لبنان؟ صور غزوة بيروت انتشرت كفيديو على الهواتف النقالة. الحرب أصبحت مجرد فرجة، ننسى القتلى والخراب ونستسلم للمشهد.

طوني رعد يسألني: "شو رأيك، رح تعلق الحرب"؟

أجيبه بشيء من السخرية:

- "ما هي علقانه، ليش أي متى وقفت"؟

يردف:

- "قولك بيفوت "حزب الله" على الشرقية"؟

لم أجد جواباً...

ساعات قليلة في الجريدة، الكافيين يضرب الرأس، أكتب وأتنقل من موقع إلكتروني إلى آخر، شاشة الحاسوب تضرب العيون، المكيف يضرب الأكتاف، الأخبار العاجلة تضرب الروح. بين لحظة وأخرى أقلب في صفحات رواية "الاحتلال" لآني أرنو، وهي حين بلغت التعاسة بها حداً لا يطاق، اعترفت بأنها بدأت تتعذب لفراقها زوجها، هي التي اختارت هذا الفراق رغبة منها في الراحة ليس أكثر، فقد قررت بعد 18 سنة من الزواج أن تترك زوجها بسبب التعب، كما قالت في أولى صفحات الرواية، وليس بسبب عدم قدرتها على التمتع بحريتها، كما تدعي بقية النساء اللواتي يفكرن في الانفصال، إلا أنها بعد سنوات من هذا الحادث، عادت لتقول "بدأت أتعذب بعد فراقي له"، إلى درجة الشعور بالاضطراب، مثل الذين حوّلهم المرض أو الانهيار كائنات هشّة، وفجأة تذكرت وهي على رصيف المحطة بطلة رواية آنّا كارنينا التي ألقت بنفسها تحت القطار خلاصاً من عذاباتها التي كانت تتخبط فيها إثر خيانة كبرى ارتكبتها.

صفحة 4

هل نتماثل مع آنّا كارنينا؟ وكيف نقاوم الاحتلالات في الحياة، من احتلال الأبوة إلى احتلال العمل والكتابة والرغبة والحزن والموت والحب والكراهية والكآبة؟

كل شيء في الحياة اسمه احتلال.

في المساء، تمنيت لو أعود إلى الفراش وأنام طوال يوم كامل، لكن أموراً تافهة تعاكس الواحد في حياته. لم أعد إلى البيت في الحمرا، ولم أستطع العودة. طوني رعد سخر مني وقال لي "شو ناوي تموت"؟! دعاني للذهاب معه إلى الشاليه الذي استأجره في منطقة جبيل. إتصل بصديقه جان وطلب منه أن يلاقينا. انطلقنا من قرب مكتب الجريدة في سيارة فادي سواح. إنها المرة الأولى التي أذهب فيها إلى شاليه. فكرة الشاليه تدغدغ مخيلتي. أظنّه من صنف القصور، وربما فيه حوريات بحر وحور عين، في لحظة "طار الخيال وغط الواقع"، الشاليه استديو يطل على البحر، أمامه شاطئ يخلو من الرمل، شاطئ تغلب عليه الحصى والحجارة. في الشاليه المحاذي لشاليه طوني رعد شبان يسمعون الموسيقى الصاخبة ويرقصون تحت أضواء الديسكو. يقول لي طوني: "غاي، عم ينبسطو"...

قلت: "أحلى شي، مش فارقة معهم".

فادي سواح بدا حائراً، منذ علم أن الشاليه الآخر يؤوي مجموعة من المثليين، لم يشرب البيرة، ذهب بمفرده تحت العتمة، جلس على حافة في الباحة الخارجية للمبنى، حين طلب منه طوني رعد أن يأتي لتناول البيرة، قال: "مش عم بقدر شيل عيني"... لم نكن نسأل فادي عن خياراته الخاصة والشخصية وعلاقاته وغرامياته، لكن في الكواليس كنا نتهامس بكلمات حول أسباب مثليته. طوني رعد يصرّ على أن سيطرة الأم وقوتها في البيت في مقابل ضعف الأب وحنانه عوامل أنتجت ميل الابن إلى الرجال...

فادي يمضي معظم أوقات فراغه في تمريناته الرياضية في النادي، يحب أن يكون جسمه مثل أبطال كمال الأجسام، ويتناول الفيتامين يومياً ويذهب إلى نادي السولاريوم لتسمير بشرته ويحلق شعر جسمه. كان يحب أن يكون مثل النجمة العالمية بيونسي. طوني رعد لم يكن يتقبل أن يكون فادي مثلياً، لكنه لا يظهر له نفوره منه.

في الشالية، جلست أشرب البيرة الباردة مع الحامض والملح، طعمها يوقظني من كآبة الحرب ولغة الحمقى على شاشة التلفزيون، أتأمل وأفكر ماذا أكتب بعد يوم من الحرب، لا أعرف إن كنت قادراً على كتابة رواية جديدة بعدما أتلفت روايتي الأولى! ما أعرفه هو أن مهمة الروائي أن يقول ما يراه في "الماوراء"، وإن كانت الكتابة مجبولة بالخيال والكذب. لم أقدر على الكذب لأن الواقع المحيط بـي يفوق الكذب والخيال معاً. ولا أقدر على التخيّل لأن التوراة وقصص الأنبياء والخرافات والأساطير القديمة تفوق كل خيال، وصور تفجير 11 أيلول/ سبتمبر في نيويورك أقوى من أي كلمة وأي فيلم سينمائي. سأسمي هذا الكتاب، سيرة في الكتب، وقد لا يكون كتاباً على الإطلاق، ربما يكون مجرد أحلام أو منامات أو مجرد كلمات في متاهة المرايا، أو مجرد حماقات عن العالم السفلي في مدينة اسمها بيروت. منذ ليلة الشالية، قلت سأكتب مجرد كلمات، تجمع خربشات من الذكريات أو الذاكرة، وخليطاً من الحكايات المتناثرة التي أجمعها في اللقاءات القليلة مع بعض الصحب والعابرين. بعض الأشخاص كانوا رواية من دون كتابة، هم يحبون رواية الحكايات لأنهم يخافون الموت، لديهم ولع في السرد، وبعضهم كانت حياتهم رواية، لا يروون الحكاية لكن حياتهم المتعسفة ترويها. دائماً أبحث عن ذريعة للكتابة وفي كل مرة أجد الكلمات في مواجهة الموت والغياب. الغريب أني لا أطيق عادة حمل السجائر أثناء الكتابة، ولا أضع بصلة على الطاولة، ولا أغطس قدميّ في الماء، لكن الأسوأ من ذلك أني أكتب على الصفحة البيضاء، وبين يديّ كتاب مفتوح على مصراعيه. كأن الكتب وجدت لتكون بوابة الذاكرة أو هي متحف الذاكرة. حين تصير الحكاية مكتوبة تقبض على الزمن والوقائع لا أحد يستطيع الهروب منها.

الشقاء العاري

منذ ليلة الحرب الطويلة، كلما جلست لأكتب رواية فقدت صور الأحلام. أكتشف أني أكتب عن نفسي وهويتي، فأنا أشعر بأني ضائع بلا هوية أو وطن والكتابة هي أسلوب حياتي. أتخيّل أني أحلم بالكثير من الأشياء لكن لا أعرف ما هي أحلامي، أشعر أني مذنب في الكثير من القضايا إنما لم أقترف أي ذنب... تلك هي المعضلة! كأن لا شيء أشكو منه في الحياة سوى علاقتي مع ذاتي. أعجز عن الهروب من الواقع، أشعر بتعب شديد، أجبر نفسي على الاسترخاء، أفكر في نـزع كتفي من مكانه، أحتسي بعض القهوة والشاي، أهرب من سماع فيروز وقراءة جبران وتمجيد الأرز والتبغ وأغرق في الماضي السحيق، في كتاب أحبه، في لحظة أترك أفكاري تجول في الكتب المكدسة فوق رفوف المكتبة، كأنها اجتمعت في تظاهرة ضخمة يمشي فيها الصالح إلى جانب الطالح، اذ يتساوى الجميع في التظاهرة، لا شيء يميز من بعيد بين عناوينها. كل ما أعلمه أن الكتب أنقذتني من أحزاني وأحياناً هي سبب أحزاني، وسرقت أجزاء من ملامح وجهي.

أحتاج إلى أن أكتب لأتخلص من غبار الكتب والزمن الذي تراكم على ذاكرتي، ربما لأنجو من براثن الماضي الكالح وأرى وجهي في الحلم خارج المرايا، ربما لأن الكتابة هي مجموع نكبات الإنسان التي هي الحرب وربما الحب. ما أقوله عن ذاكرتي لم يكن حلماً، الذاكرة تعني التعاسة، هذا لا يعني أنه لم يتخللها بعض السعادة. لكن الذاكرة ستكون مخلخلة بسبب بعض الأمور التافهة التي أخجل من ذكرها. الكتابة تجعلنا نقاوم مسلّة حافظ الأسد عند السفارة الكويتية في بيروت بالمزحة، بل نقاوم عقوداً من الاحتلالات والاغتيالات والخطف بالمزحة برغم المآسي.

في الشاليه، كتبت الرواية بمخيلتي، بلمحة عابرة يمر شريط الذكريات القاسية، ذكريات ولدتها الحروب المتكررة والشقاء العاري الذي ورثته عن أبـي وعرش ايل وكارل ماركس والأرض القاسية التي طالما تغنينا بحبها. هل الاعتراف وسيلة للنجاة من طوق الحنين؟ تتلخص أطروحة مارسيا إلياد في أن الحنين إلى الفردوس استمرار للأصل الديني، لفكرة الجنة، وآدم المطرود منه، وبالتالي فإن استحضار الماضي هو نوع من العودة إلى الفردوس المتوهم، والذكر هو التوازي مع عودة آدم الى الجنة الاصلية. وفي فصل من رواية "الجهل" يذكر كونديرا كلمة نوستالجيا فيشرحها ويحلل جذورها وأصولها اللغوية فهي في الأصل كلمة يونانية Nostos أي العودة و Algos أي العذاب نوستالجيا أو الحنين هي إذن العذاب نتيجة الرغبة المجهضة وغير المشبعة في العودة. وفي بريطانيا يقولون Homesichness أو البعد عن الوطن أما باللاتينية فهي Ignarare بمعنى الجهل أو البعد وعدم معرفة كيف تكون، فوطني بعيد لا أعرف ماذا يجري هناك؟ هل أحد يدري ما يجري حوله أو داخله؟ هنا أو هناك؟ يومه أو غده؟ فالاقتراب قد يدمّر، يشوّه، يفضح، والبعد قد يخدع إذ يسيطر عليه الحلم والوهم. ويبدو كونديرا حاملاً فأساً وليس قلماً فيكشف لنا فداحة المأساة، سخرية وغرابة الوجود، الجهل بأهم وأبسط الأشياء.

الاعتراف كذب عصري، والكتابة مجرد فكرة للنجاة من القنوط، مع ذلك أكره لعبة التفاؤل في الكتابة. وطالما فضّلت العبث على السعادة لأنه الصدق الحقيقي في الحياة. العبث محاكاة للذات والوجود وكل الأمور البديهية. قلت إن الأفكار التي تدهمني، وتشغل مركز تخيلاتي، هي يوم رحلت عن الواقع الذي كنت فيه، وخرجت من الحارة التي وعيت فيها، إلى حياة هي أقرب إلى المستنقع الآن، إلى البلاهة.

صفحة 5

2

لقد ثرثرت بما فيه الكفاية على مدى صفحات، لأبرر أسباب اندفاعي للكتابة.

إن رواية هذه القصة ستكون بلساني مع أني مجرد شاهد فيها، مجرد صبـي وحيد لأمي. سأترك هامش البطولة إلى الأماكن التي زرتها منذ غادرت عرش ايل في شرق بعلبك. هل تقدر الكتابة أن تواكب التذكر والبلاهة والحقيقة؟ لا أعرف! وما الذي ينبغي أن يتذكره المرء؟ لا أعرف... دائماً لدي فضول يشبه الحماقة أن أعرف لماذا أتيت إلى بيروت، لماذا أنا هنا؟ ولكن حتى الآن لا أعرف. ما أتذكره وما أريد أن أكتبه هو ما أعجز عن نسيانه. أعتقد أن الرغبة الجامحة مسألة غير مؤكدة من أسباب هروبـي من عرش ايل. نمت بعد منتصف الليل، واستيقظت عند الخامسة فجراً. لم يكن شريط الضوء قد وصل من ثقوب باب غرفتي، عندما استيقظت في ذلك الصباح على صوت الديك الملائكي، لم أقدر على محو المنام الذي رأيته في الليل من مخيلتي والتحرر منه. وقعت في قبضته كما لو أنه يحدث فعلاً، كأنه الطوق الذي حاصر رقبتي كامرأة أحبها. رأيت أنّ والدي خاطر محمد الدلباني من مواليد بلدة عرش ايل الحي الشمالي 4 نيسان 1930، رقم السجل 99، اسم الوالدة ياسمين... توفي تحت شجرة تين يابسة في منطقة سقي الحدث في ضواحي بيروت، دون أن يعلم أحدٌ بموته إلا بعد وقت متأخر. كان عارياً وجسده أزرق وعيناه مفتوحتين، ويظهر فيهما سرب غربان سود تستقر على زيتونة وارفة، وغيوم بيضاء طويلة تنسل في فضاء أزرق مع نسيم عابر. بدا أبـي كأنه "خرمش" التراب بأظافره قبل رحيله، كأنه قال كلمات قليلة قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة، كأنه قال وصيته للفراغ.

لا أحد يربح مع الموت، ومن العبث أن نقف في مواجهته، هكذا تقول الذاكرة.

مشهد الغربان في المنام كان كافياً للاعتراف بسلطة الموت والتشاؤم. يقال "لا يرجع فلان حتى يرجع غراب نوح"، ذلك لأن نوحاً، أرسل الغُراب من السفينة ليكشف له عن منسوب المياه، فوقع على جيفة شغلته عن مهمته ولم يرجع. قيل إن نوحاً لعنه ودعا عليه أن لا يأكل، إلى الأبد، غير فضلات المزابل والجيف المنتنة. وفي قصص القرآن تقول الحكاية لما قتل قابيل هابيل تركه في العراء، ولم يدْرِ ما يصنع به، لأنه أول ميت من بني آدم على وجه الأرض، فقصدته السِّباع لتأكله، فحمله قابيل على ظهره في جرابٍ أربعين يوماً، وقال ابن عباس سنة، حتى أرْوَح وأنْتَن. فأراد الله أن يُري قابيل سُنّته في موتى بني آدم في الدفن، فبعث غرابين فاقتتلا، فقتل أحدهما الآخر فحفر له بمنقاره ورجليه حفيرة ثم ألقاه فيها وواراه في التراب، وقابيل ينظر. فهذا معنى قوله "فبعث الله غراباً" (ابن كثير تفسير "المائدة").

جلستُ تحت السروة العالية أمام باب البيت للحظات، النسيم يحرك غصونها بهدوء كأنها تغني لنفسها، سرب ذباب يدور حول نفسه، عصفور يطير من السروة، يصير خيطاً في الفضاء. تذكرت منام الموت في ذلك الصباح البليد، فكرت بحلم الهجرة، شتمت المنام مع أني غالباً ما أمحو كل المنامات من ذاكرتي أو لا أذكر منها إلا المشهد الأخير. كنت أخاف المنامات، أقرأ البسملة لأنجو منها في الليل. كأن المرء يواجه في لحظة النوم مصيراً غائباً، والمنامات ليست إلا ترويضاً على الوحشة. قد يكون المرء سعيداً حين لا يتذكر المنامات أو لا يراها في المطلق.

المنام

تخيّلت أبـي ميتاً حقيقةً في غرفته في منطقة سقي الحدث. تخيلته على سريره وقد تحلّلت جثته وعمّت رائحته المكان وغطى الجدران ذباب أزرق، واستولت الخفافيش على الغرفة. الخفافيش كانت تتكلم في الخيال عن روح الإنسان التي تخرج من تحت أظافره، تدور وتطلق صفيراً تخطف الظلمة وتختفي تحت رموشي. ليس لديّ القدرة على محادثة الخفافيش، الكتابة وحدها هي القادرة على ذلك. الكتابة وحدها قادرة على الكذب الجميل. طالما فكرت بالنبـي سليمان الذي كلّم الهدهد والنملة، تذكرت كيف اجتاز الواقع في المنامات. في لحظة نفضت رأسي من كل هذا التخيّل الكابوسي!! هكذا تتغير ذهنية الفرد عندما يفكر في الموت كأنه يواجه اللعنة الأبديّة، تنقلب موازين العلاقة بينه وبين الزمن، يروح يفكر بكل عضو في جسمه، لأن الموت مثل رماح تطعن في العيون. في أحيان كثيرة أتخيّل ما هو شعور الميت محمولاً في التابوت، أسمع النساء يقلن في جلساتهن الريفية أن الميت "يزعل" من الذين يبكون عليه، وسمعت امرأة تقول نقلاً عن الحديث الشريف: "إن الميت يعذب في قبره ببكاء أهله عليه"...

صفحة 6

الحياة طويلة وتختصرها لحظة الموت، الحياة مجرد فقاعة في بحر الموت، هذا ما يقوله القدر وحتى صخرة سيزيف.

تذكرت وأنا أكتب عن حياة أبـي وحيداً في غرفته، شيرين جلول الفتاة اللبنانية المقيمة في باريس تروي مأزق العجائز الباريسيين والفرنسيين، فهم بسبب نمط الحياة الفردية، إما يموتون في بيوتهم من دون أن يدري أحد بهم، وتفوح روائحهم، أو يتم نقلهم إلى المأوى لتمضية بقيّة أيامهم تحت رعاية الجمعيات الاجتماعية. أمضى أبـي أكثر من نصف عمره في غرفته عند أطراف بيروت، أمضى طوال الحرب في تلك الغرفة، وأمي لم تفكر كيف يمضي أبـي حياته، بل كان يأخذها التوجس والقلق من أن يموت وحيداً في غرفته ولا أحد ينتبه له.

أمي دائماً تقول: "الله يعينا على آخرتنا".

لم أتوقع رؤية مثل ذلك المنام الكئيب عن أبـي في ذلك الليل. لقد اعتدّت في عمر المراهقة أن أحلم بالنساء العاريات الغاويات. استغربت كيف أرى الموت في المنام. من يمكنه أن يرى الموت، كيف شكله؟ من أين يأتي؟ إلى أين يأخذ الأرواح؟ هل له إخوة؟ لم أر الموت، رأيت والدي ميتاً وهو قلّما رأيته في أيامي العادية.

قلت: "إنّ الرغبة والموت كثيراً ما يجتمعان"...

لم أنتبه أنّي نمت بطريقة سيئة في ذلك الليل، ودون التفكير في ارتداء بيجاما مريحة. استيقظت وقد أصابني تشنّج في كتفيّ ورقبتي وأصابع قدميّ وعضلات ظهري وعيني اليسرى، والنمش كثيفٌ على رموشي، فسّرت ذلك أنه مجرّد "وتّاب" يومي يأتي من الشّمس ومن البرد معاً.

والدتي نومها ثقيلٌ، لكنها تقوم مع صياح الديكة، تصلي صلاة الصبح وتشرّب المتّة مع شقيقتي وتذهب أحياناً في زيارات إلى الجيران والأقارب أو تضع العلف والحبوب لدجاجات القن. والدتي نومها ثقيل لكنها لا تنام من ألم السعال. الحديث الأخير الذي أجريته معها قبل مغادرتي البلدة، حصل عندما أيقظتها بينما كنت أفتش عن عقاقير مسكنة لوجع الرأس في خزانة الأدوية الصغيرة، الموجودة في غرفة نومها. لم أخبرها عن منام الموت الذي رأيته وهي التي اعتادت الاهتمام بتفسير الأحلام والمنامات والتبصير وقراءة الفنجان ورواية سير الأولياء الصالحين ورجال الأربعين وليلة القدر. أمي نومها ثقيل لكنها لا تنام من شدة القلق على أخي غير الشقيق وأبـي. تطلب مني أن أعلّمها قراءة القرآن وأنا أتهرب متذرعاً بانشغالي بدروسي أو عدم إجادّتي التجويد القرآني. تريد قراءة القرآن لتنقذ أبـي من الحرب، وأنا أكره الغوص في الأمور الدينية. أسأل في قرارة نفسي "كيف خلق الكون"؟ ولا أجرؤ على طرح السؤال على الآخرين. كيف طرد آدم من الجنة؟ وهل يحتاج الرب إلى صلاة البشر؟ وكيف يتنفس الإنسان؟! في الليل من تلقاء نفسي أقرأ البسملة عشرات المرات لأطرد الكوابيس، أتخيّل الكون محمولاً على ظهر عصفور صغير.

استغربت والدتي في ذلك الصباح كيف أني لم أذهب إلى البراري المجاورة، وهي التي اعتادت أن تراقبني في الشاردة والواردة، خصوصاً بعد سفر شقيقي الأكبر من أبـي، رافع خاطر الدلباني الملقب بـ"الدوشكا"، إلى رومانيا بداعي العلم، وبقاء والدي في بيروت طوال فترة الحرب، حتى بات الناس يظنون أنّ أمي أرملة. لم أرو لأمي تفاصيل ذلك المنام. فهي من دون مقدمات ستقول: "الله يسترنا، من هيدا المنام". وهي تحفظ منامات كل العائلة وتذهب كل أسبوعين أو ثلاثة إلى الشيخ المصري ليقدم تفسيراً لها مقابل علبة حلوى.

صفحة 7

3

الإنسان ربّ حين يحلم، وشحاذ حين يفكر.

هولدرلين

أنا لا أعرف شيئاً عن ذاتي، بلدتي تروي الحكاية.

اللامبالاة تأكل الروح، ولا بد من التخلص من مخالب الذاكرة التي تشغلنا ونرميها على الورق. أغلب الظنّ أن أول ما يرغب الآخرون معرفته عني هو المكان الذي ولدتُ فيه وأمضيت طفولتي التعسة، وماذا كان يعمل والدايّ قبل أن ينجباني في يوم من أيام آذار في بداية الحرب، وكل هذا اللغو البائس الذي تعودناه، لكني لا أشعر برغبة في فتح هذه الموضوعات، فهي تُضجرني، كما أني سأتعرّض للقتل إذا تحدّثت عن قريتي وأهلي، فهم شديدو الحساسية تجاه المواضيع الخاصة، ولا أريد أن أروي سيرتي الخبيثة اللعينة فذلك ضرب من الجنون، ولا القول إنّ ولادتي ترافقت مع بدء الحرب اللبنانية في شوارع بيروت وضواحيها، وإن أمي ولدتني في البراري وقطعت حبل سرّتي بحجر مسنون. سأكتب عن علاقتي بالكتب، عن حياتي من غير أن يعلم الآخرون شيئاً عنها، سأتحدث وأقنّع كلامي بمزاح الأولاد وأدوّن الألفاظ الأليفة وربّما النابية، ولا شيء آخر سوى أنّي فكرت بالرحيل بحثاً عن معنى الحياة فوصلت إلى السأم، ولا شيء آخر سوى أن الحياة سلسلة انكسارات، أو سلسلة احتلالات لا تنتهي...

أحسب أني انتبهت فجأة أني لم أغادر عرش ايل من قبل، خطر لي ذلك فجأة، حين استيقظت في ذلك اليوم ورأيت في المنام أبـي ميتاً تحت شجرة التين. لم أنثر الماء على وجهي ولم أحدق إلى مرآة الحائط، حين نغيب عن المرايا نفقد وجوهنا أو نتحول مجرد أحلام ضبابية. لم أخطط للرحيل لكني مشيت متهادياً متأملاً من دون أن أحمل حقيبة ثيابـي. لم أكن أملك حقيبة ثياب في الأساس، لم يكن معي المال الكثير في جيبـي، لم أخبر أمي إلى أين أنا ذاهب!! لا أذكر من ذلك النهار سوى أني مشيت بثياب مترهلة باليه وحذاء رياضي صيني، باحثاً عن متاهة جديدة. كأني رجل أعمى أفتش عن الطريق بعصاي. وكأن الماضي شريط ذكريات طويل. أتذكر كما يتذكر الموتى قبل رحيلهم. ملايين الصور راودت مخيلتي، ولم أركز على صورة واحدة. كأني أفكر في حرق ذاكرتي، وأفكر سائلاً نفسي أي حبّ ينتظرني في المدينة!؟

عرش ايل بلدة متخيلة، احتلت طفولتي ولم تبرح النصوص التي أكتبها. وبرغم أنها متخيلة فهي تلاحقني بظلالها الثقيلة، ومصيبتي أني أعيش في كنفها، مثل رجل يعيش في قلعة محاصرة.

نصف بيوت عرش ايل من زمن قديم، مبنيّة بالحجارة والطين ومسقوفة بأغصان الأشجار وفوقها التراب والمحدلة وفي باحتها البئر وجرن الكبة والصند والنورج والبردعة والخرج والشليف، بيوت قديمة تهز مشاعرنا وتستحوذ علينا توحي بجمالية وتضجّ بالكنايات لمن يحب التصوير.

الطريق من بيتنا إلى مرأب سيارات الأجرة في وسط البلدة كأنها مدخل لبيت واحد ولحارة واحدة. لا أحب العبور في شوارع البلدّة، خصوصاً خلال النهار. فكل شيء في الشارع تحت عيون الناس. النساء يجلسن على أبواب الدور، يتحدثن ويثرثرن أو يكنسن الممرات أو يرمقن العابرين بنظراتهن الخبيثة، يردن معرفة كل شيء عن أي شخص عابر، يصنعن من أحلامهن حكايات أسطورية وخرافات واقعية. النساء كأنّهن يجمعن الأخبار اليومية في الأكياس ويتداولنها كما لو أنّهن يسبقن شاشات التلفزة. الأطفال في الشارع، كأنهم طفل واحد في ملامحهم الخبيثة، يلعبون ويتصايحون ويشتم بعضهم بعضاً بعبارات نابية وكثيراً ما تنتهي تجمعاتهم بشجارات ورؤوس مدمّاة. الرجال بكوفيات عتيقة مرقطة يعبرون إلى أعمالهم الصعبة في المناطق الجرداء. سائق سيارة يحاول الهروب من دجاجة بلدية حمراء تعبر الشارع، ولد يقود قطيع ماعز أسود نحو البراري المجاورة. إن حماقات الطفولة هي الأكثر انتشاراً في عرش ايل، حماقات الأطفال تفرض نفسها على كل ما يفعلونه، إلى حد لا يتورعون عن حرق رقبة حمار بالنار، كانوا يستلذون بموته أمامهم كما يستلذ الطيار الحربـي في أهدافه التي يصيبها أثناء القصف.

لا أستطيع أن أقول الكثير عن عرش ايل، ساحتها أكثر صلافة في ظل روادها. الشبان يجلسون على النواصي ويراقبون الآتي والذاهب، والفتيات القليلات اذ يعبرن في المكان عيونهن في الأرض. شبّان يقودون سيارات قديمة أميركية الصنع تصل إلى المنعطفات وتغزل دواليبها في استعراض دائم حارقة كل الأحلام والأفكار الممكنة. كأن لا شيء يشغل الشبان سوى البحث عن استعراض في فراغ دامس، وكثيراً ما ينتهي غزل الدواليب بمعركة ضرب "بوكس" بين الشبان. على الجدران عبارات "لينين حبيب الملايين"، "لا للعميل وليد..."، "لو كان... كتائبيّاً لقطعته". وتحت الشرفات ملصقات حزبية لشبان قتلوا في عمر المراهقة أثناء المواجهات أو على المحاور. صور تقول إن الأحزاب اللبنانية تصنعها قوافل الموتى، صور مرفقة بعبارة "الشهيد البطل". من الممكن القول إن الفتيان في عرش ايل كانوا أكثر صدقاً مني، يلقون بحماقاتهم في الشارع أو في القمامة ويخرجونها من أعماقهم السحيقة. أنا كنت أتعذب من تلك الحماقات الرابضة في عروقي وأحاول بطرق ما، غالباً ما تكون فاشلة، التخلص منها عبر الكلمات.

صفحة 8

أثناء الحرب، كانت الحماقات مثل غيوم ماطرة فوق عرش ايل. البؤس الريفي جعل الميليشيات تخطف البلدة بسهولة، بل دفع بعض "عشاق" الكتابة في الصحف أو خطباء المنابر إلى وصفها بأنها "خزّان المقاتلين" و"أم الشهداء". الحماقة والسياسة وجهان لعملة واحدة. أبناء البلدة لم يلفظوا كلمة "شهيد". كانوا يقولون "قتيل"، لكن الأحزاب كانت تسعى إلى توظيف الموت في كل مناسبة، تريد تحويل المآتم إلى "أفراح" للأُمَّهات. مشهد دموع الأُمهات الثكالى كان قاسياً في البَلْدة، ولم ينتبه الجمهور أن الفنان الثوري مارسيل خليفة يمجد الأمُّ الثَّكْلَى في قصيدة "أجمل الأُمَّهات التي انتظرت ابْنها، أجمل الأمهات التي انتظرته وعاد مستشهداً". لسنوات فكرت في هذه العبارة المرعبة، وسألت كيف لفنان أن يمجّد القَسْوَة والموت؟ وكيف لشاعر أن يكتب هذه العبارة؟ من الواضح أن ليس لدى الشاعر أي مبرر لكي يستلذّ لغوياً في وصف دموع الأمهات الثكالى. وليس عليه أن يجعل من مأساتهن جمالاً.

ما المشاعر التي يحسها المرء حين يرى مخالب الحماقات تغرز في عنقه...

يوم قتل ابن عمّي بلال حسين الدلباني عند سفوح جبل حرمون على يد القوات الإسرائيلية، لم يأتوا بجثمانه إلى البلدة، حملوا الخبر إلى أمه الأرملة، قالوا "إنه الشهيد"!! وحملوا منه وصية صغيرة إلى شقيقه الأكبر تقول: "انتبهوا إلى أختي الصغيرة!"... قالوا لقد قتل، زينوا الجدران بصوره، شربوا القهوة المرّة. قالوا "قتل دفاعاً عن الوطن"!

الشهادة احتلال للوعي، وهزيمة للطمأنينة.

قتل ابن عمّي، لا أعرف كيف ولماذا. ربما كان الهدف إلقاء خطبة سياسية في بلدتي بالذات. القتلى هم بسملة الخطب للأحزاب التي تهوى تجميل أرشيف الموتى. وصل (ج.ح) في موكب حزبيّ إلى الضيعة، انتشرت العناصر المسلحة على الأسطح وفي الشوارع، دخل (ج.ح) إلى منـزل أم الشهيد، الأرملة والثكلى. كانت ترتدي الأسود وتبكي، جلس إلى جانبها، التقط صورة، قال إنه كان في الخندق مع الشهيد، قبل أن يصعد إلى المنبر على شرفة منـزل قديم، قبل أن يرفع قبضته وسبابته يهدد إسرائيل ويقدم التحيات لـ"سوريا الأسد" وإيران والمقاومة الاسلامية والوطنية ويغادر في سيارة بـي أم دبليو مصفحة وهو يقرأ جريدة "السفير" إلى جانب سائقه ومرافقيه. مقتل الشاب في "القاموس الوطني" يساوي خطبة وصورة في جريدة...(ج. ح) يفتخر بتقديم القتلى على المذبح السوري، أخي رافع يصفه بأنه "بزنس دم" لكن كل ما يفعله محكوم بالفشل.

هل ننجو من ذاكرة الماضي والحماقات الكبرى؟ لا أحد يتذكر إلا حين يريد توظيف الذاكرة!! الموتى يحدقون إلينا جيداً، نحن لا نراهم لأننا لا نرى أنفسنا.(ج. ح) هو نفسه قتل، وما زال يحدق في وجه قاتله لكنه لا يراه.

"ما بنشوف مصيبة الاشيا الا لما نبعد عنا"، هذه من الكلمات القليلة التي كانت تقولها أمي حين كانت تنصح أخي البكر بالابتعاد عن الأحزاب، لكنها تستدرك:

- "ما حدا بياكل إلا نصيبو"...

سرقني التخيل. وفي مخيّلتي كنت أصارع ملايين الحماقات، انتظر سيارة مسافرة إلى بعلبك، وقفت نحو نصف ساعة تحت الشمس عند طرف كرم عنب، حين وصلت سيارة الأجرة ونظر السائق إليّ ابتسم كأنه يسألني إلى أين أنت ذاهب؟!

- "ع بعلبك؟" قلت له.

- "اذ الله يسّر"... وأشار إليّ بالصعود.

كل شيء مسلّم للإرادة الإلهية في تلك الديار، من الحياة إلى الموت والسفر والحب والثراء والجمال.

لم أكن في حالة تشجعني على السفر. ومع ذلك مشيت في طريق لا أعرفه كأني في سفرتي الأولى أخرج من تحت الأرض.

لم أكن غلقت الباب حين انطلقت السيارة، إلى جانبـي شخص صاحب كرش ضخمة، ينفث دخان سيجارته كأنه يشخّر، كدت أتقيأ من فرط قرفي. السيارة تسير ببطء على طريق ضيقة متعرجة وجبلية وكثيرة المطبّات كطفولة ريفية، نـزولاً نحو سهل البقاع القابع بين سلسلتين من الجبال. مشهد فيه شيء من جغرافيا الروح، بين اليباس والخضرة مسافة أمتار قليلة.

لم أفكر لحظة أني سأصعد سيارة أجرة، من نوع مرسيدس “قطش” بيضاء، يقودها رجل في الأربعين من العمر، تذهب في طريق لا أعرفه من قبل ولا أعرف إلى أين يصل!! طوال سنوات طفولتي تجنّبت صعود السيارات، إذ أصاب بالغثيان وأبدأ بالتقيؤ، أتهرب من الحياة المعدنية وأجد شغفي في حمل بندقية الصيد وتسلّق الجبال الوعرة، ورمي الحجارة لمسافات طويلة، أو دحرجة الصخور الكبيرة في الوديان السحيقة، أو سرقة العنب والتين من الكروم التي أهملها أصحابها.

صفحة 9

4

أشد أنواع الذنوب، ذنب كون المرء بريئاً

فرانـز كافكا

سيارات الأجرة قليلة في مدينة الشمس، السيارات مركونة قرب سوق الخضر في كراج تحت ألواح التوتياء. السائق يصيح: "بيروت بيروت، واحد بيروت...". الزحمة في السوق لم اعتدها من قبل. المانيكان كبيرة في واجهة محال الألبسة، المانيكان جامدة لا تتحرك، كنت أسميها "لعبة كبيرة". لم أفهم أنّها واجهة لخداع الزائرين وغوايتهم. كنت أظنّها لعبة وما زلت حتى الآن أتخيلها لعبة لم أقتنِ منها. في السوق، الأرض يكتنفها السواد وبقايا الخضر والمياه المبتذلة، نساء يتجولن بتشادورات قاتمة ووجوه خالية من الإغواء والتبرج. أتذكر للحظة خبراً يقول إنهن يتقاضين مئة دولار عن هذا اللباس من "حزب الله". شبح الخميني يطل فوق رأسي، المانيكان فتاة موضة لم تكن "مشودرة". رائحة الصفيحة البعلبكية في كل مكان، باعة اللحم البلدي يعلقون البقدونس في مؤخرات الحملان والنعاج المذبوحة، تلك العادة التي لم أفهمها حتى الآن. لم أحب أزقة بعلبك ولا قلعتها الرومانية، شممت منها رائحة الموت والاستعباد. كنت أخمّن وأنا أقرأ التاريخ والجغرافيا في المدرسة، أنّ بعلبك ستكون جنّة، لكنها في زيارتي العابرة لها، أصبت بخيبة أمل، وجدت مدينة الشمس أكذوبة.

أبو أحمد السائق البعلبكي ذو اللحية الخفيفة والملامح القاسية، الذي أقلّني في سيارته مرسيدس موديل 1977 من بعلبك إلى منطقة خلدة، كان حذراً وقلقاً طوال الطريق من تداعيات حواجز الميليشيات والخطف وقطاع الطرق. يسمع الراديو ويقلب الإبرة ويسأل: "مدري كيف الوضع اليوم، سالكة أم مقطوعة"؟... وقد بدت على وجهه علامات التعب وهو ينفث لفافات تبغه "العربـي" بشكل متواصل، ولا يتوقف عن شتم السائقين الآخرين وإطلاق الأحاديث. وحين يتحدث أحدهم عن السوريين يقول "دخيلكن بعيد عن الشر وغنيلو، خلينا نوصل على بيروت". ربما أكثر ما أذكره من ثرثرات السائق كلامه عن أن أحد قطاع الطرق ويدعى (م. ح) يعيش في سهول بعلبك. يوم قتل في اشتباك على يد مجموعة من الميليشيات الناصرية من عرش ايل، كان في بيته نحو مئة بندقية صيد من مختلف الأنواع، قرصنها بالقوة من الصيادين والغرباء الذين زاروا منطقة البقاع الشمالي في رحلات صيد لم تكتمل. "الطير الطاير ما بيمر فوق ضيعتو"... قال السائق: "(م.ح) كان حرامي وعامل "تشليح" الناس مهنة وما بيوفر حتى قرايبينه". أشعرني كلام السائق بالاكتئاب وأنا أتأمل المشاهد العابرة من النافذة. أحياناً أغمض عينيّ كأني أحاول أن أنام من دون مقدرة على ذلك.

المناظر تتبدّل خارج زجاج السيارة، والحقول مزروعة بحشيشة الكيف، على جانب الطريق جوقة كلاب تدور حول جيفة متحلّلة، طيور قليلة عابرة في السماء، وبلدات بعيدة عند سفح جبل لبنان الغربـي. حتى اليوم ما زلت حين أتأمل البلدات البعيدة على جانبيّ طريق بعلبك - حمص، وبين جبال لبنان، أشعر أنها لم تتغيّر، كأنها موقوفة في زمن غابر ويطغى عليها مشهد القفر والخواء. إن لم يحب المرء بعلبك فلأن الحياة لم تصل إلى هناك إلا مغمورة بالوحل. وجدت نفسي في لحظة أخرج من الشرنقة وأقفز من البلدة إلى الساحل، وأفكر في "ما بعد الرحيل". قرأت على شاحنة عسكرية سورية عبارة "قاهرة الجبال" وعلى الجدران عبارات "إلى الأبد يا حافظ الأسد". كلمات "الأبد" و"حافظ الأسد" نخرت جمجمتي وعظامي وشراييني من خلال التلفزيون السوري الذي كان الوحيد المتوفر في عرش ايل. التلفزيون السوري كان مزحة ثقيلة بثقل الطغيان، كنا نسميه "قناة غص منعنك"، ومن ينعم بمشاهدة محطة أخرى يكون كمن خرج من السجن الكبير وشاهد جزءاً من العالم المرح والرحب! كانت هذه المرحلة القاسية كافية لأشعر بخطر شعارات "سورية الأسد" و"سورية الحديثة" و"سورية الحركة التصحيحية" التي ما برح قادتها يردّدون عبارات "سورية قلب العروبة النابض"، و"قلعة الصمود والتصدي". لم يكن التلفزيون السوري سوى بوق يردد لفظة واحدة على مدار الساعة وهي: "قائدنا إلى الأبد... حافظ الأسد"، و"أمة عربية واحد ذات رسالة خالدة"، "بالروح بالدم" و"قائد الأمة العربية… حافظ الأسد". كانت نشرت الأخبار السورية من موسيقى المقدمة إلى نشرة الطقس تتضمن كلمات حافظ الأسد، في أوقات الفراغ تُستحضر قصيدة الشاعر العراقي محمد مهدي الجواهري وهي "سلاماً أيّها الأسد…"، وإذا نجح أحدهم في الغناء يفرض عليه أن يقول إن السبب في نجاحه يعود إلى رعاية "الرئيس القائد". إذا صعد رجل سوري إلى الفضاء من العاصمة موسكو لا بد من أن يتصل بالرئيس القائد ويثني على دوره في تطوير طموحات رواد الفضاء، وربما إذا تزوج رجل وأنجب عشرة أولاد فسيُعيد السبب إلى دور "السيد الرئيس".

ماذا يمكن أن أقول عن "السيد الرئيس"؟ وهو الذي كان يعاقبنا حتى على الأحلام. كان لدينا من الحماقات ما يكفي ليسمح للسيد الرئيس أن يبقى جاثماً فوق حياتنا على مدى عقود...

سيارة الأجرة التي أقلّتني من بعلبك نحو بيروت، كانت تزخر بالزينة والآيّات القرآنية وأيضاً بصورة حافظ الأسد وعلم البعث. على زجاجها الخلفي عبارة "لا تسرع الموت أسرع" بخط أنيق. والسائق لم يتوقف عن سماع إذاعة "مونتي كارلو" الفرنسية و"صوت لبنان" التابعة لـ"حزب الكتائب" وينفث سيجارة لف على طريقته. على المقعد الأمامي، تجلس امرأة خمسينية ذات نهدين كبيرين، سألت كثيراً عن أعمال الحرب "أيمتين رح تنحل مشاكل لبنان، الله ينجينا، يا ربّي دخلكن، رح نقضي حياتنا في الملاجئ ولادي خلقوا بالملاجئ...". إلى جانبـي على المقعد الخلفي رجل تجاوز الخمسين من العمر يرتدي بذلة افرّنجية وربطة عنق فاقعة اللون وينفث دخان سيجارته من النافذة. السيارة تمشي والطريق تمشي أمامها أو هكذا تبدو لي. الطريق طويلة تقطّع أوصالها حواجز الجيش السوري، وجوه عسكرية قاتمة وكالحة يشبه بعضها بعضاً تنظر إلى العابرين بسيارتهم نظرة واحدة، العسكري يتأمل السائق: "من وين الشباب، لوين رايحين، شو معكن بالطابون(صندوق السيارة)؟"

السائق: "ما في شي".

العسكري: "متأكد"...؟

- "إذا بدك"...

- "إيه روح"... يحرك يده كأنه يشتم.

صفحة 10

طوال الطريق، يروي أبو أحمد سيرته في الحرب اللبنانية، سيرته أشبه بحكايات لا تنتهي. يروي الحكاية ليقول إن الأعمار بيد الله. وفي لحظة قال: "الله الشهيد أنا انكتب لي عمر جديد يوم "السبت الأسود". كان بيتي في منطقة الطريق الجديدة في بيروت وأعمل سائقاً في شركة في منطقة ساحة ساسين الأشرفية، لرجل من حزب الكتائب اسمه جورج خوند. لم أكن أعلم ما يجري في شوارع المنطقة الشرقية حين كنت أقود سيارة مرسيدس 190 في إنطلياس في مشوار عمل. وفي طريق العودة صادفت راهبة تنتظر سيارة تاكسي. بعدما قطعت عنها عشرات الأمتار، عدت وطلبتُ منها أن تصعد لأوصلها في طريقي وأكون فاعل خير، وكان لي أن شاهدت حواجز الذبح على الهوية. عشرات الجثث على الأرض، وعشرات يقفون وجوههم إلى الجدران... لم يوقفني المسلحون، كانوا يظنون أني مسيحي لأن الراهبة إلى جانبـي في السيارة، لقد كُتب لي عمر جديد. حين طلبت مني الراهبة التوقف قبل منطقة الدورة، رحت اتوسل إليها أن تبقى حتى أصل إلى الأشرفية. قالت لي: "الدنيا بألف خير ليش أنت خايف؟" هنا صرّحت عن هويتي، قلت: "يا ماسير أنا من المنطقة الغربية. أرجو أن تبقي معي حتى أصل إلى مكان عملي، وأؤمن لك سيارة تعيدك إلى بيتك"... بعد رجاء ورجاء بقيت معي، وصلت إلى ساسين وجدت مسيو جورج صاحب الشركة، ينتظرني ويضرب على رأسه خوفاً. ظنّ أني قتلت كما الآخرين، وطلب من أحد الموظفين أن يأتي لي ببطاقة من حزب الكتائب تؤمن لي التنقل في المنطقة الشرقية من بيروت، هكذا كنت مسلماً وأحمل بطاقة كتائبيّ"...

هل روى أبو أحمد سيرة الحرب أم روي لأنه يحب الحكايات، كان يروي لأنه يريد أن يصل؟ اذ توقف عن الكلام يضجر ويشعر بالنعاس. السبت الأسود رواية أخرى، هكذا تقول الوثائق، أبو أحمد كان يكذب لأنه يحب أن يروي...

الطريق طويلة إلى بيروت، رائحة "الكوليه" تنبعث من العجلات، تمرّ السيارة في طريق متعرجة في منطقة جبل لبنان، الأشجار الغضة، والجبال كصورة فوتوغرافية، عدا صورة الخراب التي خلفتها القذائف. لا أنظر طويلاً إلى الخارج، أصاب بالدوار. عند حاجز لميليشيا الحزب التقدمي الاشتراكي تقف السيارة، يتقدم الحارس حاملاً بندقية كلاشين، وقبل أن ينظر السائق إليه يسأله:

- "قاطع بطاقة مرور؟!"

يمد السائق يده إلى التابلوه، يظهر البطاقة.

يوميء له الحارس بالرحيل.

تمشي السيارة ببطء، السائق يقفل التابلوه. ثم يمضي قائلاً:

- "كل شهر بدهم ألف ليرة".

لم أفهم ماذا يجري، لم اسأله!!

كنت في عالم آخر، كل ما يجري حولي أجهله، أو لا أعرف أسراره، من الجبال إلى الناس والطرقات...

صفعة المساعد جميل

تملكني الخوف حين انعطفت سيارة الأجرة عند مستديرة خلدة باتجاه بيروت، ربما حكايات السائق مع الحرب جعلتني أشعر بالقلق، لم أعتد التاكسي كمنبر، تحت الجسر قال السائق:

- "إنـزل هنا، وطلاع بسيارة رايحة ع صيدا".

شعرت أني أمام امتحان في عالم أجهله، مشيت خطوات قليلة، شعرت بعصافير بطني تزقزق، فكرت في تناول سندوتش، لم أجد مطعماً. ماذا سآكل اليوم خارج المنـزل العائلي؟ لم أتناول وجبات المطاعم من قبل! في خلدة كل شيء يبدو غريباً وموحشاً. أسمع صوت الموج ولا أرى البحر. تحت الجسر عناصر من الجيش السوري من ذوي القسمات القاسية، يقفون داخل دشمة كالحة، وزعوا صور حافظ الأسد على الزوايا وطرشوا البراميل بعلم البعث والعلم السوري، وكتبوا على الجدران عبارة "إلى الأبد...". المشهد هذا يتكرر في كل الحواجز ومقار المخابرات. كأن لا شيء يفعله عناصر الاستخبارات سوى تمجيد القائد بكل الوسائل. ثمة عنصر يحمل "الكلاشين" ويشير بيده بعد التدقيق بوجوه السائقين. مشهد شبحيّ في خلدة، شيء من ذاكرة بلا ملامح، باعة خضر وسيارات أجرة وناس يذهبون في كل الاتجاهات.

حواجز القوات السورية من عرش ايل إلى خلدة نخرت مخيّلتي، باتت كغشاوة سوداء على عينيّ. مشهدها يتكرّر كانبعاث الكربون من السيارات، عند كل منعطف ضيعة وعند كل مفترق أو ساحة، إذ أتذكر الإطارات المطاطية على جوانب الطرق، والوجوه الكالحة الخالية من الابتسامات ينتابني الصمت وأشتاق إلى غابة ألجأ إليها. لا يحضر شبح الجيش السوري في ذاكرتي لأنّه كان يسيطر على لبنان، بل لأني تلقيت صفعة على خدي الأيسر من المساعد جميل. لقد أوقفني عناصر من حاجز للقوات السورية في خرّاج بلدتي عندما كنت عائداً وابن عمي وليد من الكرم وبحوزتنا سلّة عنب أبيض. العسكري الذي يحمل البندقية الروسية، أمرنا بالسير أمامه من كرم العنب إلى الحاجز عن طرف الضيعة... التهمة مراقبة الطريق لمرور المهربين إلى سوريا. تجمّع الجنود حولنا كما لو أنهم أسروا قائداً أو عميلاً نوعياً. يرتسم الخوف على وجهي. أفكر في الذنب الذي اقترفته، لا أجد جواباً. أتخيل الدولاب، الدولاب رديف "الفلقة" لدى حواجز الجيش السوري، أتذكر عبارة "عزموه المخابرات على فنجان قهوة، من العزيمة يعود بقدمين متورمتين"، بعض الذين زاروا مراكز المخابرات عادوا موتى.

يقول الجنود:

"هلق بيجي المساعد جميل تنشوف شو بنعمل فيكن"...

من لحظة وصوله يقول بصوت فاجر:

- "مع مين عم تهربو ولااااه"؟

"منا عم نهرب شيء، كنا نحوش عنب؟!" نجيب بشيء من الحيرة، قبل أن أكمل كلامي تلقيت صفعة على خدي ما تزال تطن أذني حتى الآن، صفعني بحقده على خدي الأيسر.

- "اسكت ولااااه.... حيوان، عم تكذب كمان"...

لم أفتح فمي، وضعت يدي على خدي وكادت دموعي أن تكرج.

وقال عسكري:

- "بدكن تنامو بالقاووش، من حظكن أنو معكن سلة عنب للعشا".

حتى وليد ابن عمي كان يتهيأ للضحك في لحظة الصفعة، انتبه إلى أنه قد يتلقى مثلها... الخوف تملّكني...

- "دقيقة ما بدي شوف خلقتكن، نقلعو"... قال المساعد جميل...