صفحة 1
حكاية الحكاية
الموضوع لا يؤرق محمود عباس، على ما يبدو، ولا يقض مضجع النمر، الذي دوخ فرقة المستعربين في الانتفاضة الأولى، ولم تستطع إلقاء القبض عليه· ثقة الأستاذ أديب لا يهزها شيء، وكذلك حماسة جارتنا أم محمد للحق المغتصب
أما أنا فلم أعد أحس أنني أقف على أرض صلبة، ليس فيما يتعلق بقناعتي الشخصية، بل بقدرتنا على ايصال الحقيقة للآخرين بقناعتنا وحدها·
وما يعنينا من الأخرين؟ يستنكر الكثير من أبناء الوطن الطيبين، بحماسة لم تساعدنا كثيراً حتى الآن·
فضلا عن ذلك فموقفنا متذبذب: حين يتمكن بعض الأوروبيين، بمجهودهم الخاص، من الوصول إلى حقيقة ما يجري في بلادنا، يواجهون بحفاوة وترحاب من أولئك الذين يتبجحون بأن رأي الآخرين لا يهمهم·
أما حين يتعلق الأمر بأعمال تحرج أولئك الذين يتظاهرون في ليالي كانون القارسة البرد في ميدان الطرف الأغر تضامنا مع غزة، فتجد جماعتنا يحتدون ويتبرأون من الأجانب الذين لا يفهمون قضايانا ولا يحسون بمعاناتنا
بالنسبة لي الآخرون ليسوا أداة دعائية أستلها حين تخدمني، وألقي بها في أقرب مصب للعنات حين تحرجني أخلاقيا·
الآخرون بالنسبة لي متطلب لتعزيز إحساسي بأننا جزء من هذا الكل البشري· لا نستطيع أن نقاوم صقيع هذا العالم بحرارة دمنا وحدها، جرعة من الدفء الإنساني القائم على الإحساس بالانتماء قادرة على تخفيف شعورنا المؤلم بالعزلة·
من الصعب ان تقنع أولئك الذين اعتادوا على رؤية العالم، من خلال تلك المسلمات التي نشأوا عليها، أن هناك الكثير من البقع المظلمة في وضعنا تحتاج للإضاءة، وأن الكثيرين في هذا العالم الواسع ليسوا شريرين بالضرورة، بل هم بحاجة إلى كشافات قوية تبدد تلك البقع المظلمة·
أستعيد المرارة التي كانت تتحدث بها صديقتي البريطانية كيتي، أثناء انتظارنا في مطار القاهرة موعد إقلاع طائرتنا إلى لندن·
لا تفهم كيتي لماذا يتحول أي فلسطيني وديع إلى صقر جارح إذا اكتشف أن محدثته الاجنبية لا تعرف ما يكفي عن قضيته؟ لماذا يبدأ بالزعيق ويتحول إلى كتلة من العدوانية؟ وهل يدرك أنه بذلك يقتل كل رغبة عند الطرف الآخر بالاستماع إليه؟
ولكن من أين نبدأ؟ كيف نحدد موقع الفصل الأول في روايتنا، ونحن نرغم في كثير من الأحيان على البدء في المنتصف؟ ويتدحرج الفصل الأول مع مرور الزمن، فيوما ما كانت بداية الحكاية بالنسبة للعالم خطف الطائرات، أما الآن فيصر على فتح الستارة على مشهد التفجيرات الانتحارية· ونحن نسمح له بجرنا إلى اللعبة، ونبدأ بالمرافعة الإيديولوجية في منتصف القضية، نحتد ونوزع الاتهامات ونشتم القريب والبعيد، أما الطرف الآخر فيفاجؤنا وسط الزعيق بأن يقول بهدوء كش ملك، وتنتهي جولة أخرى من السجال الذي استخدمنا فيه سلاحا وحيدا: عواطفنا البائسة، بتسجيل هزيمة أخرى·
ماذا لو حاولنا التعامل مع الأسئلة المشروعة لذوي النوايا الطيبة حول مسلماتنا؟
هناك الرواية الأخرى، رواية الطرف الآخر، التي طالما تجاهلناها بإباء وشمم لم يساعدنا في الوصول إلى ضمير العالم، بل جعل الطريق سالكة أمام الطرف الآخر·
صفحة 2
فلسطين بلادنا يرددها أطفالنا، ربما دون وعي لكنهها، بل باندفاع عاطفي هو آفة الكبير قبل الصغير، ينقله الآباء للأبناء· ثم ماذا؟ ما هي فلسطين ومن نحن؟ عدا تلك الخرائط الصماء التي تزين أعناق الصبايا، والتي يتفنن الحرفيون في سكها تارة من ذهب وأخرى من فضة، وحينا من معادن أقل غلاء، مكتفين بسحر الرمز وألوان العلم الأربعة· عدا ذلك لم نفلح في تقديم الكثير للتعبير عن هويتنا·
من نحن؟ من يستطيع أن يمدني بأي معلومة تساعدني في رسم ملامح تلك المجموعة البشرية، التي قطنت تلك البقعة الصغيرة من الأرض المسماة فلسطين، قبل أن يجري ما جرى وتختلط الألوان بشكل لم تجد معه لا أغانينا الوطنية السطحية ولا محاولات الأشاوس في المؤسسات الثقافية لمنظمة التحرير؛ لإعادة إحياء التراث الفلسطيني، من خلال إقحام الكلاشنيكوف على كلمات الأغاني التراثية والبذلات العسكرية المرقطة على الزي الشعبي·
أذكر كيف كدت أتعرض للضرب مرة، حين وصلت إلى بودابست، حيث كنت أقيم، فرقة شعبية فلسطينية من بيروت، مدربها مصري تقدمي شديد الإيمان بالقضية، لكن لم تطأ قدمه فلسطين في حياته، ولا شهد دبكة في عرس، ولا سمع أهازيج حقيقية·
لم يكن أعضاء فريق الدبكة يرتدون زيا شعبيا (قنبازا وكوفية وعقالا) بل زي الثورة (البذلة العسكرية المرقطة إياها)·
كان واضحا أن الدبيكة لم يروا في حياتهم دبكة·
أما كلمات الأهازيج والأغاني الشعبية فكانت مصطنعة وبعيدة تماما عن الشعبية
كلمات إحداها تقول ياللي بتتحرك بنية صافية، الك مننا تحية وافية
شعرت بالغثيان حين سمعتها، وما كان مني إلا أن رددت عليها بعفوية، وعلى الوزن والقافية والنغم نفسها، وبصوت عال سمعه الجالسون في آخر صف في القاعة طيزك بردانة والعالم دافية، وما حدا قال لك يعطيك العافية وكنت مقتنعا أن هذه الأبيات، على فجاجتها، هي أقرب إلى جو التراث الفلسطيني من تلك الكلمات المتفذلكة المزيفة·
صدم الجميع، وتحلق البعض حولي، وبدأوا يدفعونني بمناكبهم، ولم ينقذني إلا اندفاع بعض الاصدقاء لحمايتي·
إذن حفيت قدماي بحثا عن أي مصدر متاح مهما كان، بحثا تاريخيا، ذكريات بعيدة، وثائق، أعمال أدبية·
وصلت إلي عبر السنين نتف وشراذم صغيرة من المعلومات من مصادر باهتة ومتفرقة، تشير إلى أن سكان حيفا ويافا والمدن الأخرى والقرى المحيطة بها كانوا يشكلون مجتمعا راسخا ذا ملامح واضحة، ونسيجا عضويا متجانسا· لكن أين هم الآن؟ جزء كبير منهم يقطن مخيمات الأردن وسوريا ولبنان، بملامح هجينة ومرارة قاتلة، وذكريات لم تفلح السنون ومحاولات ذوي القربى المستميتة في محوها· هؤلاء سيكونون ملاذي· لست معنيا بمن تمكنوا من إيجاد موطئ قدم لهم في أوروبا وأمريكا الشمالية، فأولئك اكتسبوا ملامح أثرت على نقاء ذاكرنهم· إذاً، فليس لي إلا الوصول إلى العدد الأكبر من اللاجئين في الدول العربية، علني أقترب من ذلك العالم الذي أرغب في إعادته إلى الحياة في روايتي القادمة· نعم، مشروعي هو رواية، أي لا قوة موضوعية له، لكني، وبعد مشاهدة فيلم عازف الكمان على السطح اقتنعت بأن الفن المتميز قادر على بعث التاريخ الميت وإعطائه صوتا·
إذاً، همتكم معي أيها الشباب والصبايا· لنبدأ بإنشاء صفحة خاصة على فيسبوك، نتمكن من خلالها من الوصول إلى من يستطيع المساعدة· أريد الوصول لأشخاص عاشوا في فلسطين في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي·
صفحة 3
ملوك هذا الزمن
هذا زمن آخر بلا شك، زمن اختصر فيه الزمن، وتداعت الكثير من الجدران·
لكل زمن ملوكه، وملوك هذا الزمن هم شبان وفتيات بعمر الورود، قفزوا فوق الحواجز وخلقوا فضاءاتهم الخاصة·
هدموا القلاع ودكوا جدران قصور ملوك الزمن الغابر، ليشيدوا مكانها فضاءات رحبة مفتوحة، التنقل فيها سلس وسريع، وغيروا قوانين الفضاء أيضا، ففي كوكبهم النجوم لم تعد بعيدة المنال· بإمكان أي منهم أن يصبح نجما في زمن قياسي، وكلمة السر: Social Media·
فضاء رحب ويرحب بالجميع، للتواصل والتسلية، بل وإقامة المشاريع الناجحة·
الملوك الجدد ذوو خيال خصب، حدوده المدى، وقد قطع بعضهم سنوات ضوئية في سنين قليلة: يكفي التأمل في السنوات الأخيرة من حياةMarc Zuckerberg ، مؤسس فيسبوك: فكرة بسيطة ومضت في رأسه كانت قادرة على بناء أكبر مملكة في العالم، من حيث حدودها وعدد رعاياها·
أنا أنتمي إلى جيل آخر وزمن آخر· حين كنت في سن هؤلاء كان إرسال رسالة إلى أهلي من دولة أوروبية وتلقي الإجابة عنها يتطلب شهرا كاملا· وكان سماع صوت والدتي عبر الهاتف لدقائق معدودة لا تشفي الغليل ولا تروي الظمأ يضطرني للانتظار في مكتب البريد ساعات طويلة، حتى يتمكن العاملون على البذالات، في أكثر من دولة، من إقامة الاتصال بشكل يدوي، بيني وبين عائلتي في الطرف الآخر من العالم، فيستمع إلى كلماتنا العسس على امتداد الخطوط، فضلا عن الجماهير الغفيرة التي تحتشد في مكتب البريد بانتظار مكالماتها هي الأخرى، وتقاوم ملل الانتظار بالاستماع إلى مقتطفات من حياة الآخرين، الذين يضطرون للصراخ حتى يصل صوتهم إلى أذن شخص عزيز يشد السماعة إلى أذنه بلهفة، على بعد آلاف الأميال·
مع ذلك أحاول جاهدا أن أبقى على اتصال حثيث مع الواقع الجديد، فأنا روائي ولا بد أن أكون قريبا من عوالم شخصيات رواياتي· نعم، لدي حساب على فيسبوك أستخدمه للتواصل مع أصدقائي وقرائي، لأغراض شخصية ومهنية، منها الوصول إلى نماذج لشخصيات روايتي المقبلة· وها أنا أضع قدمي على بداية الطريق، فقد تلقيت الكثير من الرسائل، بعضها يبدو واعدا· إحدى الرسائل وردتني من شاب يقول إنني تأخرت قليلا، فقد توفي جده قبل بضعة شهور، ولكنه وجد بين أوراقه الخاصة شيئا قد يكون مفيدا لي في مشروعي·
بهاء يقيم في حي الشميساني في عمان، ويسألني إن كنت معنيا بلقاء شخصي، فهو يريد أن يريني كنزه وليس مستعدا لإرساله بالبريد·، خوفا من ضياعه· أتفهم حرصه·
عثر بهاء على ما يبدو على يوميات كان جده يكتبها في السنوات الأخيرة من إقامته في يافا، قبل اندلاع الحرب ورحيل العائلة إلى الضفة الغربية، ومن ثم إلى الأردن·
سأتصل ببهاء وأرتب معه موعدا في عمان خلال إجازتي الصيفية في الشهر القادم·
صفحة 4
لقاء
وصلت إلى عمان للقاء بهاء، عسى أن توصلني يوميات جده إلى خيوط أستطيع أن أنسج منها حكاية·لم أنم جيدا ليلة البارحة، بالرغم من السرير المريح في الفندق الذي أقيم فيه في حي الشميساني تحديدا·كنت أحس بنوع مختلف من الإثارة عما كان ينتابني في الشهور الماضية، التي قضيتها في التخطيط لمشروعي ومحاولة اقتفاء أثر شخصياتي المفترضة·
الساعة تقترب من التاسعة صباحا، وأنا أجلس في صالة الاستقبال في فندق مريديان، أرتشف فنجان القهوة الثالث خلال أقل من ساعتين·
لم يبق على موعدي مع بهاء سوى نصف ساعة، وأنا لا أحس بملل على أي حال·
أتأمل الحياة تدب في صالة الاستقبال من حولي: نزلاء يصلون يتقدمهم عاملو الفندق يجرون حقائب ملابسهم، وآخرون يدفعون حسابهم استعدادا للمغادرة· نزلاء آخرون يعمرون مع ضيوفهم الموائد المحيطة بي، يحتسون قهوتهم ويتجاذبون أطراف الحديث، بعضهم ينفثون دخان سجائرهم دون أن يلفت هذا اهتمام أحد غيري على ما يبدو، فقد نسيت أن التدخين في الأماكن العامة مسموح به في الأردن، بخلاف أوروبا التي أقيم فيها منذ سنين طويلة، والتي حظرت التدخين في الأماكن العامة بشكل تدريجي·
النادل الشاب يحوم حولي بسترته الخمرية، وابتسامته المصطنعة· يا أبو الشباب لست مضطرا للابتسام، أنا أعرف أنك توشحت بهذه الابتسامة فور اجتيازك الباب الدوار لهذا الفندق، الذي يؤمن لك العمل فيه ما يسد رمق إخوتك السبعة في جبل النظيف، وأنه لولا تدينك التقليدي لكنت كفرت قبل ساعات فقط حين طويت الحشية التي قضيت عليها ليلتك، ومعها أحلام لا يكفي لتحقيقها الراتب البائس الذي تتقاضاه هنا، حتى مع البقشيش السخي الذي ينفحك إياه بعض الزبائن الموسرين·
لا أريد قهوة أخرى، ضغط دمي على ما يرام، ولا داعي لاستعجال ارتفاعه· أشرب ثلاثة فناجين قهوة يوميا: واحدا مع وجبة الإفطار وآخر بعدها، أما الثالث قأتمزمز عليه، إما أن أتناوله مباشرة بعد الغداء أو أؤجله إلى ما بعد القيلولة إن أتيحت·
واليوم استننفدت الكوتا والساعة لم تبلغ التاسعةـ فلا تراودني يا صديقي عن حرصي على صحتي·
- أستاذ منير ؟
وقفت لأحيي بهاء الذي وصل مبكرا عن موعده بضع دقائق· دعوته للجلوس ولوحت للنادل·
قال وابتسامة مهذبة على شفتيه: ·
- معلش، المرة الجاية، اليوم خلينا نشرب قهوة عندنا في البيت·
لم أضغط عليه، وتوجهنا سويا إلى سيارته التي كانت تنتظر أمام الفندق·
- أهلا وسهلا·
- أهلا بيك بهاء إحكيلي شوي عن جدك·
أدار محرك السيارة وانطلق بها·
- البيت مش بعيد، بنحكي على راحتنا لما نوصل·
ابتسمت وهززت رأسي موافقا·
صفحة 5
- شو بتشتغل بهاء ؟
- أنا صحفي·
قال، ثم تابع مبتسما: مثلك·
- مع أي مؤسسة ؟
- Free lance أعد تقارير لأكثر من فضائية، وبتعاون مع بعض الصحف اليومية·
- وصلنا البيت· تفضل·
نزلنا من السيارة وتوجهنا إلى فيلا حديثة، في منطقة لا تبعد عن الفندق أكثر من كيلومتر واحد، اجتزنا حديقة منسقة بشكل أنيق، العشب أخضر يانع بفضل العناية والري الكافي، والأزهار مشذبة· لا بد أن بستانيا متخصصا يعتني به· فاجأني وجود أشجار سرو في الحديقة·
- هذا مش مألوف في عمان·
قلت لبهاء·
- صحيح، أشجار السرو هاي كانت حصة جدي، كانت بتذكره بحديقة بيتهم في يافا· أنت بتعرف أنو حدائق يافا مشهورة بأشجار السرو·
ضغط بهاء الجرس ففتحت الباب خادمة فلبينية، تقدمني إلى غرفة استقبال واسعة· الثراء يشع من كل بقعة في هذا المنزل: جدران الحجر الإيطالي، الأثاث الفاخر في صالة الاستقبال، واللوحات الزيتية المعلقة على الجدران·
- ماريا إعملي قهوة·
- حاضر بابا·
ضحكت لمخاطبة الخادمة بهاء بـبابا وهو ربما أصغر منها سنا، لكنه شرح لي أن كل رجال العائلة هم بابا بالنسبة لها·
- جبت معي عبوة من مية البحر من برايتون زي ما طلبت، لكن ما شرحت لي السبب·
ابتسم بهاء وقال: لأني محضر لك مفاجأة·
مفاجأة أخرى؟ لا بأس، أنا بحاجة للمزيد منها، فقد قضيت شهورا في بحث شبه عقيم عن مصادر أيا كان نوعها، هات مفاجآتك إذن يا بهاء، وارفع معنوياتي·
- أنا قرأت مذكرات جدي، بتتضمن قصة حب مثيرة·
- يا سلام، أنت كنز يا بهاء·
ابتسم مرة أخرى·
- والمفاجأة الأخرى: وصلت لصاحبته·
صفحة 6
لا، هذا كثير·
- أنت بتمزح أكيد !
- ابدا، ما كان سهل، وظفت كل مهارات الصحافة الاستقصائية اللي تدربت عليها في الجامعة، ووصلت لعجوز اسمها بهية·
- هون في الأردن؟
- نعم، بتسكن مع عائلة ابنها في الشونة الشمالية، ورح نزورها بكرا، عملت ترتيب مع عائلتها، إذا بتحب·
قلت بحماسة: طبعا بحب، حتى لو اضطررت أروح الها مشي·
ضحك بهاء: ما فيه داعي، سيارتي تحت تصرفك، وأنا كمان·
تأملت بهاء، تلك المعجزة التي وضعتها في طريقي الصدف، أو ربما فيسبوك ؟
أنا مدين لمارك زوكربيرغ، ولك أيضا يا صديقي·
شربنا القهوة في غرفة الجلوس، قهوتي الرابعة ! ثم قادني بهاء إلى غرفة أخرى· حين فتح الباب أحسست أنني ادخل عالما آخر: الأثاث، الجدران، محتويات الغرفة بأكملها مختلفة تماما عن بقية المنزل· انتابني شعور وكأنني داخل متحف، فكل محتويات الغرفة تذكر بزمن آخر: هناك عدد كبير من الصور بالأبيض والأسود على الجدران، صور لخيول وبيارات برتقال وأشجار سرو، وتجمعات عائلية على شاطئ البحر· لفتت انتباهي صورة لمنزل كبير، الصورة ملتقطة من الخارج، ويبدو المنزل وكأنه مؤلف من أجزاء غير متجانسة، ربما بنيت في فترات زمنية مختلفة· أمامه حديقة كبيرة استطعت أن أتعرف فيها على بضع أشجار برتقال، وثلاث شجرات سرو عملاقة·
قطع الأثاث في الغرفة تعود إلى عقود عدة، هياكلها من خشب الجوز وبطانتها من القطيفة، أما السرير فلا بد أن عمره يتجاوز الأعوام الستين·
- هاي غرفة جدي·
- كان ساكن معكم إذاً·
- زوجته توفيت من أكثر من عشر سنين، وأصر والدي على أنو يجيبه يسكن معنا· ما وافق بسهولة، هو بيحب الخصوصية وإله عالمه الخاص زي ما انتي شايف· وعدناه إنه بإمكانه ينقل عالمه بالكامل لهون، ويحتفظ بخصوصيته، وزي ما أنت شايف خصصنا له أكبر غرفة في المنزل، إلها حمامها الخاص، وملحق فيها غرفة جلوس لاستقبال ضيوفه فيها·
نقلت عيني مرة أخرى بين محتويات الغرفة، وتوقفت عند خزانة ضخمة للكتب·
- شو كان بشتغل جدك؟
- طبيب، تخرج من الجامعة الأمريكية في بيروت بعد النكبة بسنة· ظل يمارس المهنة حتى قبل وفاته بسنوات· رح تلاقي كل هذا في يومياته·
وقف بهاء وتوجه إلى خزانة قديمة وأخرج منها ملفا بغلاف باهت اللون·
- تفضل· هذه هي يومياته· حوالي ميتين صفحة، لو قدرت تصورها في الفندق وترجع لي الأصل بكون ممنون· يمكن تحتاج تتصفحها قبل ما نزور بهية·
- طبعا، تأكد أنو فضولي ما رح يسمح لي بالنوم قبل ما أخلصها·
صفحة 7
رسائل للزمن الآتي
لا أدري متى ستقع بيدك هذه الأوراق، أنت يا ابن الزمن الآخر، الذي سبقته أو تخلف عني أو شاء لنا العبث أن نمر ببعضنا في مدارين متوازيين، لينسج مأساتي على هواه
هل وقعت بيدك أخيرا؟ أنا سعيد بذلك·
ذهلت وأنا أقرا الكلمات، هذا الرجل كانه يخاطبني، كأنه كان يكتب هذه اليوميات وهو يدرك أنها ستقع في يدي، ليس في يدي أنا تحديدا، ولكن في يد شخص من زمن قادم يتلهف لقراءتها·· إنه يرسل لنا رسائل عبر السنين، غريب عن زمنه، يبحث عن التواصل مع زمن آخر· شيء مذهل·
ذهبت إلى صالة الاستقبال في الفندق وطلبت منهم أن يصوروا لي الأوراق· نفحت الشاب دينارين وأوصيته أن يحاول تصويرها بأكبر قدر ممكن من الوضوح؛ لأن الأوراق قديمة والحبر باهت· قال لي إن في مركز الأعمال في الفندق ماكنة تصوير حديثة، وبإمكاني أن أطمئن إلى أن الخط سيكون بدرجة وضوحه على الورق الأصلي·
جلست إلى إحدى الطاولات وطلبت كأس مارتيني بانتظار تصوير الأوراق· الذهول لم يزاولني· يبدو وكأننا، أنا وفؤاد، يبحث أحدنا عن الآخر عبر فارق زمني يتجاوز العقود الستة· هو يرنو إلى المستقبل، يريد التواصل معه، وأنا أنقب في الماضي الذي يكاد يندثر، لإعادة إحيائه بروايتي·
جاء الشاب مبتسما، ووضع الأوراق على الطاولة، وقال بفخر إن الصور أوضح من الأصل· نظرت فيها ورأيت أن ذلك صحيح، فنفحته دينارا آخر، ووقعت فاتورة المشروب، ثم صعدت إلى غرفتي أستعجل الوصول· أريد أن أدفن نفسي في هذه الأوراق حتى الصباح، يجب أن أقرأها حتى آخر كلمة، وسأعود إليها مرة ثانية، وثالثة إذا تطلب الأمر·
أين أخطأ القدر؟ ربما حين زار شعور نادر بالذنب والدي في إحدى الأمسيات، وقرر أن يستدعي والدتي إلى غرفة نومها الأخرى في الدار الجديدة التي لا تنام فيها إلا نادرا، وتحديدا حين يكون والدي قد تذكر، وسط لياليه الماجنة داخل البيت وخارجه، أن له زوجة، وأن لها جسدا بدورها، وربما كان لجسدها، هي أيضا، متطلبات، من الضروري التفكير بها بين فترة وأخرى· ·
لا اظن أنه يفكر بهذا المنطق، فهو لا بد يظن أن الرغبة حكر على أجساد الرجال، لذلك فأنا أستبعد أنه حين ينام مع والدتي يفعل ذلك انطلاقا من شعوره بأن لها جسدا ورغبات، بل ربما فعل ذلك بدافع التغيير، بعد أن يكون شبع من أجساد خليلاته اليافاويات والبيروتيات، وأجساد الفلاحات اللواتي يجلبن له عنوة، كلما لمح إحداهن أثناء مروره من إحدى القرى المجاورة وراقه جسدها·
ربما احتاج أحيانا إلى تجربة مختلفة نوعا ما مع امرأة مختلفة، لا يمارس معها المجون بلا حدود كما مع خليلاته، ولا يلمس في جسدها استكانة مذعورة لا تشي بأي درجة من التفاعل كما هي حال الفلاحات· والدتي زوجته بالحلال كما يقولون، يمارس معها الجنس باسترخاء وإحساس بنوع من الامتنان من ناحيتها، خاصة حين تثمر تلك الليالي القليلة حملا يجلب البهجة للوالدة، التي تحس عندها بتعويض عن اللذة المفقودة·
إذاً؛ لا بد أنني كنت إحدى تلك الثمرات لفعل أدخل البهجة إلى قلب الوالدة، وجلب شعورا بالرضى للوالد؛ لإحساسه بأنه أدى واجبا عائليا· أما الثمن فسوف أدفعه طوال حياتي
عن ماذا يتحدث يا ترى؟ أي ثمن هذا الذي دفعه طوال حياته؟ يبدو أنني لن أنام هذه الليلة، مع أن برنامج الغد حافل ولا يفتقر للإثارة·
غدا سنلتقي بهية لا بد أن أتابع قراءة المذكرات حتى أكون فكرة عن شخصيتها قبل لقائها·
صحيح إنها الآن عجوز تقترب من الثمانين، والمذكرات كتبت حين كانت دون العشرين، إلا أن فضولي لا حدود له، وسأقابل بهية وأنا مسلح بما يكفي من المعلومات عن سني صباها·
صفحة 8
بهية يا مجنونة
تناولت عبوة المياه التي احضرتها خصيصا من بحر برايتون وتوجهت إلى مطعم الفندق· موعدي مع بهاء في الثامنة والنصف، حيث سنتوجه إلى الشونة الشمالية لزيارة بهية· ·
تولد لدي حدس، من خلال قراءة المذكرات عن دور مياه البحر في لقائنا، ولكني سأسال بهاء حين أراه·
اكتفيت بفنجان دوبل اسبريسو وبعض الفطائر، ليست بي شهية للطعام هذا الصباح فأنا متعجل للقاء بهاء· نظرت في ساعتي، بقي على موعدنا ربع ساعة· غادرت صالة المطعم إلى البهو، وجلست قليلا، ثم لم أطق الجلوس فخرجت، وانتظرت بهاء أمام الفندق·
وصل مبكرا كعادته·
- صباح الخير، شايفك ما نسيت عبوة المي·
قال بهاء مبتسما·
- كيف أنساه والموضوع شاغلني من امبارح ؟ نسيت أسألك عن موضوع مية البحر· ليش طلبت مني أجيبها؟
تناول بهاء العبوة ووضعها في صندوق السيارة·
- بهية مغرمة بالبحر، وهو الشيء الوحيد اللي بيثيرها في هالسن· هي بتحكيش مع حدا، حتى أفراد عائلتها، لكن عشقها للبحر بكسر الحواجز معها·
زاد شوقي لمقابلة هذه المرأة، وتعجلت الوصول إلى منزلها· لا أدري ان كانت ستتحدث إلينا، وماذا يمكن أن تقول لنا أو نقول لها، لكني أريد أن أراها· أصبحت شخصيتها بالنسبة لي تماثل الأسطورة، وبدأت أرسم ملامحها في مخيلتي· هي عجوز فلسطينية كالعشرات اللواتي عرفتهن، لكنها شخصية فريدة، كما لمست من قراءتي لليوميات· لم تكن تشبه أيا من فتيات جيلها· عاشت في يافا ولكن عائلتها أصلا من قرية باقا قرب طولكرم· أعادتها يوميات فؤاد إلى الحياة في مخيلتي، فهل أستطيع أن أعيدها إلى الحياة بدوري في روايتي؟
- قديش بعيدة الشونة الشمالية عن عمان يا بهاء؟
- بين ساعة إلى ساعتين بالسيارة، حسب ظروف الطريق· المسافة لا تتجاوز 70 كم·
وظروف الطريق لم تكن مثالية في التاسعة صباحا، بدا لي وكأن كل أهل عمان يستقلون سيارات تزحم شوارع المدينة، وتجعل خروجنا منها باتجاه الأغوار في غاية البطء· اللعنة !
- يمكن كان لازم نطلع في وقت متأخر·
أقول لبهاء·
- ما بظن الوضع بختلف بعد ساعة أو ساعتين·
فعلا، أنا أعرف أن ثقافة استخدام السيارات في عمان تختلف عنها في لندن· هنا، في عمان، كل من يملك سيارة يعتمد عليها في التنقل، حتى لقضاء أبسط المشاوير·
- على مهلك بهاء، أرجوك، الموضوع مهم بس ما بستحق إنا نتسبب بحادث سير عشانه·
ابتسم بهاء ولم يعلق·
بمرور الوقت اتضح أن المسألة لا علاقة لها بتهور بهاء في القيادة ومخالفته لقوانين السير، بل، كما أوضح لي، لا أحد يلتزم بتلك القوانين، وبالتالي فان التزامه بها دون الآخرين سيجعله عرضة للحوادث·
- هون قيادة السيارة تشبيح، على الطريق لازم توخذ حقك بشطارتك مش بقوة قوانين السير·
صفحة 9
- وشرطة السير؟
- طبعا إذا خالفنا إشارة المرور أو السرعة القصوى في بعض الأماكن بنتعرض لمخالفة، لكن ما عدا ذلك ما بحكمه قانون· انت وشطارتك·
أعجبني ذوق بهاء في الموسيقى، واضح أنه نشأ في بيئة مثقفة·
- ما كنت عارف إنه سيبيليوس معروف في العالم العربي·
أقول له ونحن نستمع إلى السيمفونية التي أطلق عليها المؤلف اسم فنلانديا تصدح عبر السماعات الموزعة في أنحاء السيارة·
- مش معروف كثير، ما بظن بتلاقي أي من أعماله في محلات بيع الاسطوانات في عمان، بتلاقي بيتهوفن وموزارت في أحسن الأحوال·
- إنت كيف وصلت إله؟
ابتسم بهاء وهو لا بد يخمن أثر ما سيقوله:
- تعرفت عليه من خلال جدي· كان مغرماً بالموسيقى الكلاسيكية، وترك لي مجموعة ثرية من الاسطوانات كلفني إعادة تسجيلها بنوعية ديجيتال مبلغاً ضخماً·
طبعا هناك أكثر من إشارة في يوميات فؤاد للموسيقى الكلاسيكية، ولكني لا أذكر أنه أشار إلى سيبيليوس تحديدا· لا يكف عن الإغداق علي بالمفاجآت، الواحدة تلو الأخرى، وعند كل مفاجأة جديدة يتفاقم شعوري بالأسف؛ لانني لم أتعرف إليه وهو على قيد الحياة· كم مرة مررت بعمان، وكم مرة أقمت في هذا الفندق، على بعد مئات الأمتار من منزل عائلته في الشميساني ! كنا نبحث عن بعض طوال الوقت، أنا منذ سكنتني فكرة التنقيب في حياة الفلسطينيين قبل النكبة، وهو منذ كان شابا، يبحث عن فضاء آخر، زمن آخر لأفكاره ومشاعره التي سبقت عصرها، وجعلته غريبا في زمنه، راغبا في التواصل مع المستقبل·
- بتعرف إني مغرم بموسيقى هذا المؤلف، لدرجة أنني استعرت واحدة من مقطوعاته لإحدى رواياتي·
- صحيح؟ أي وحدة؟
سأل بهاء بشغف·
- عندي رواية عنوانها·
Valse Triste·
- كتبتها بالفرنسي؟
- لا، استعرت العنوان زي ما هو· انتبه بهااااااااء·
- اهدأ أستاذ منير، الموضوع إنك مش متعود على ظروف السواقة هون، ما فيه أي مشكلة، اطمئن·
حاولت أن أهدأ لكن أعصابي بقيت مشدودة طوال الرحلة، لدرجة أنني توقفت عن الحديث وبقيت أراقب الطريق بقلق·
- وصلنا تقريبا، الحمد لله على السلامة·
- بتعرف العنوان؟
- بعرفه، جيت هون قبل·
بعد أقل من خمس دقائق أوقف بهاء السيارة·
صفحة 10
- تفضل·
مشينا في طريق ترابي لاحت في نهايته مزرعة يتوسطها منزل اسمنتي من طابقين·
حين اقتربنا سمعت جلبة، ورأيت حشدا من الصغار يتراكضون حول المنزل، يتضاحكون ويرددون ما يشبه الأغنية· حين اقتربنا أكثر سمعنا الكلمات بوضوح بهية يا مجنونة، فش بحر في الشونة، يكررونها وهم يتضاحكون·
- ولا انتي واياه، روحوا من هون·
صرخ بهم بهاء·
- يلعن أبوكم، غوروا من هون·
وانحنى على الأرض يريد التقاط حجر·
- اتركهم، شو قصتهم ؟
- أولاد الكلب، بسببهم بتطلعش أم فؤاد من بيتها، كل ما تطلع بيزفوها ·
- أم فؤاد ؟
أذهلني أن تكون بهية قد أطلقت اسم فؤاد على ابنها البكر·
- أسمها أم فؤاد، كانت جريئة أكثر مما بتتصور·
قرع بهاء الجرس فأطل شاب في حوالي العشرين قال لي بهاء إنه حفيدها· فتح لنا الباب الخارجي وقادنا عبر قطعة أرض هي خليط من المزرعة والبستان، تقتسم مساحتها المحدودة بضع أشجار فاكهة: ثلاث أشجار برتقال وشجرة ليمون، وشجرة تين، كذلك خصصت مساحة للخضار: بندورة، خيار، فلفل أخضر· عند مدخل المنزل تناثرت بعفوية بضع شجيرات الجوري وأحواض المنثور والزينة· أما في الناحية الخلفية من المنزل فكان هناك إسطبل، حسب ما خمنت من الرائحة المنبعثة من تلك الناحية·
- تفضلوا·
قادنا الشاب عبر باب المنزل إلى غرفة واسعة بدا أنها غرفة جلوس عربية، فرشت على امتداد جدرانها حشيات إسفنجية عليها وسائد بأغطية مطرزة·
كنت أحس بالارتباك قليلا وأنا أحمل عبوة بلاستيكية مليئة بمياه البحر أحضرتها من برايتون، واستطعت الحصول على إذن استثتائي من شركة الطيران لكي أحملها معي على متن الطائرة· لم أكن أعرف ماذا أعمل بها، هل أضعها على أرضية الغرفة بهدوء وأتناسى وجودها، كما أفعل عادة حين أزور أصدقاء وآخذ لهم زجاجة نبيذ ؟ أم أنتظر دخول بهية وأسلمها لها باليد في طقس خاص ؟
- أهلا وسهلا·
رحب بنا الشاب مرة أخرى·
- ستي في غرفتها، أظن حكى لك بهاء انها ما بتغادر الغرفة·
أصبت بخيبة أمل، كيف سأقابلها إذن؟ لا أظن أن هناك إمكانية للاعتداء على خصوصية امرأة عجوز ودخول غرفتها، لكن سامر فاجأني:
- إذا حبيت بتقدر تدخل الها رح تفرح بهديتك·
وأشار إلى عبوة المياه مبتسما·
- إيمتى ممكن ندخل؟
- بعد ما نشرب الشاي ·
- شايهم ما ذقتش مثله·