صفحة 1
تقديم
رانية الجعبري إذ تكسر التابوهات بقبضة وعيها
لم تكتب رانية الجعبري قصصها القصيرة من شرفة بيتها، أو من وراء مكتبها الأثير، بل يخيّل إليّ، وربما لغيري ممن سيقرأون هذه القصص، أنها كتبتها في الشارع، حيث الناس وهمومهم الشخصية والوطنية، وكأن رانية أرادت بوعي مسبق توثيق لحظات وأحداث مهمة ستترك أثرها على مستقبل الوطن وأبنائه·
في هذه المجموعة القصصية تذهب رانية إلى التحرش بكثير من القضايا السياسية، التي يبدو بعضها حساسا أو مسكوتا عنه، سواء فيما يتعلق بالحراك الشعبي في الأردن والأقطار العربية الأخرى، أو فيما يتعلق بالفساد والإصلاح، مدينة النهج المضلل الذي يحاول بعض المسؤولين الترويج له، لتتحدث أيضا عن العلاقة الفلسطينية الأردنية، وتأثير انهيار الاتحاد السوفييتي واحتلال بغداد، على المجتمع الأردني بشكل عام، وعلى نخبته السياسية والثقافية بشكل خاص، ويبدو واضحا وعيها السياسي في معالجة الأحداث والتعامل معها، فنراها تدين بقسوة بعض شخوص قصصها الذين أداروا ظهورهم للمبادئ، في وقت تدفع بشخوص آخرين إلى قلب الحدث السياسي، كي تقدم لنا الصورة الأخرى لجيل عربي نجح في إعادة الاعتبار لمنظومات كنا اعتقدنا أنها انتهت·
اللافت للنظر في هذه المجموعة أن القاصة اختارت الصحافة مهنة لبعض بطلات قصصها، فيما حرصت أن تكون معظم بطلاتها مثقفات أو كاتبات، وهذا في رأيي يعود إلى أكثر من سبب، فرانية نفسها صحفية وكاتبة، وقد تركت الصحافة والكتابة تأثيرا مهما في حياتها، ثم إنها أرادت أن تسقط بعض سماتها على بطلات قصصها، وتمنحهن مساحة واسعة من التعبير عن آرائهن، بسبب إطلالتهن على الأحداث السياسية، وقدرة الكاتب الصحفي على قراءة المشهد بعيون مختلفة·
في قصص المجموعة نشعر بألفة المكان أيضا، فالمكان كان بطلا، دوار الداخلية، السفارتان التونسية والمصرية، وزارة التنمية السياسية، جبل اللويبدة وجبل عمان وشارع الرينبو وغيرها من الأماكن التي نعرفها، ربما لتقول لنا إن هذه قصصكم أنتم فاقرأوها، وما أنا إلا واحدة منكم، من جيل قرر أن لا يظل صامتا·
هنا تقدم لنا القاصة وجبة كاملة الوعي والمهارة، قطفتها من يومياتنا، وجبة مبللة بالمطر في معظم محطاتها، ليكون هذا المطر قادرا على إنبات ربيعنا الذي ننتظره، ربيعنا نحن الذي نصنعه بأيدينا بعد أن خابت كل ظنوننا بربيع لا يحمل سمات أهلنا، ربيع سرقه منا الغزاة قبل أن يثمر حرية انتظرناها أجيالا·
يحدث تحت سماء تشرين، بل يحدث تحت سماء الشهور كلها، مجموعة قصصية تنتمي لأدب الرفض والمقاومة، أدب الحراك الشعبي، ورانية ابنة هذا الحراك الذي كسر كل الحواجز والتابوهات التي حاصرتنا من قبل، هي الأقدر على تصوير الواقع وقراءته، وسيجد القارئ لهذه المجموعة أن الكاتبة تنظر بعين واحدة لجميع قضايا الأمة، في الأردن وفلسطين والعراق ومصر وتونس، باعتبارها قضية واحدة متداخلة، أساسها الحرية والديمقراطية وكرامة الانسان·
ولا بد من الإشارة هنا إلى أن رانية الجعبري كانت تطل بشخصيتها بين فترة وأخرى من بين سطور قصصها، تطل بغضبها ونزعتها الاستقلالية وتمردها وخيباتها أيضا، لتقول لنا إن هذا الجيل قادر على بناء مستقبل يليق به·
هشام عودة
كانون الثاني 2013
صفحة 2
قبضة إمينة
كان برد تلك الليلة من شهر آذار يغريه بالدفء، لكنه لم يستسلم، فاستمر متجولاً بين الشباب، الذين أعلنوا اعتصامهم المفتوح، ظهيرة هذا اليوم في ميدان جمال عبد الناصر·
أخذ يقلب نظراته بين الشباب - الذين بدءوا يُعدون أماكن النوم على الدوار - منتظراً الساعة كي تدق الحادية عشرة ليلا، ليعود لبيته·
وقف قبالة مجموعة من الشباب والفتيات، وأخذ يتجاذب أطراف الحديث مع زميله:
- بدهمش يخلصونا؟
- انت ضايلك ساعة مراقبة وحدة وبتروح لبيتك، شو بدي أحكي أنا؟
- من وين إجت هالثورات؟
- انا عارف؟
عادا لإكمال تجولهما بين الشباب، كان عليه حفظ كل كلمة تقال، وإحصاء كل شهيق وزفير، لذا توقف على مسافة تمكنه من سماع حديث شاب وفتاة يقفان بعيدا:
- بردانة؟
- لأ·· من دون أن تغادر بسمة خجل شفتيها اللتين ترتجفان
- واضح··
قال ذلك ممازحا، وتخلص من بطانية يدفئ بها نفسه وأحاط بها كتفيها·
- معي وحدة·
- ولو·· اتدفي بهاي كمان·
- وإنت؟
صفحة 3
شعرت بأنفاسه وهي تقترب منها، وبيده التي انتهت من وضع البطانية على كتفيها وتسللت لكفها بهدوء، لتحيط كفها - التي يحتلها البرد - بحنان، وهمس:
- مش مهم أنا·
جمد في مكانه، للحظات نسي عمله، وتعلقت أنظاره على كف الشاب التي تحيط كف حبيبته بحنان، شعر بحرارة نبض يحتل أرجاء جسده، وبقيت أنظاره غارقة في المشهد، تيقظ في اللحظة الأخيرة لنفسه، فأخذ نفسا عميقا، هرب بأنظاره من الحبيبين، ووزعها على المعتصمين، وكأنه يستيقظ من إغماءة، والتفت لصوت من خلفه:
- شو مالك؟··· إلي ساعة بحاول أغمزك، إجا دوري؟
- خليني اليوم أكمل عنك·
- يازلمة إنت متجوز روح لأولادك·· إجا دوري·
- لأ أنا باقي·
بقي مصراً أمام استغراب زميله، وعندما بدأ البلطجية يهتفون بهتافات مسيئة للمعتصمين، وأثناء قطع الكهرباء عن الدوار مرات عديدة، كان منشغلا بمتابعة الحبيبين، إذ حرص الشاب على تأمين فتاته بين النساء المعتصمات، وتصدر هو لحماية المعتصمين من الحجارة التي يلقيها البلطجية·
تابعهما في الساعات التي يسود فيها الهدوء، مقتفيا أثر تشابك أنظارهما من بعيد، كانت تجلس إلى حلقة النساء اللواتي أشعلن نارا، ويتجاذبن أطراف الحديث بقلق، بينما كان حبيبها يتناوب مع الشباب لحماية الدوار والمعتصمين·
أمام هذه الأجواء، نسي البرد واستسلم لأفكاره، هدأ إلى نفسه وهو يستعين بسيجارة تؤنسه في غربته التي اكتشفها اليوم، كان يتأمل كفه الغليظة وكأنه يراها للمرة الاولى في حياته·
نفض أنظاره عن كفه كمن استيقظ من كابوس؛ فألقى السيجارة وأطفأها بقدمه وحدج الفتاة بنظرة وكأن بينهما ثأر ما، تنبهت لنظراته، ومن واقع خبرتها ومعرفتها بالمشاركين في الاعتصام؛ كانت تعلم جيدا انه رجل أمن في زي مدني، ولم تدرك سر تلك النظرات وما وراءها، فتبسمت بسخرية، وانتشلت أنظارها من عينيه، وعادت لتكمل حديثها مع رفيقاتها·
صفحة 4
نظرتها هذه جعلته يرى الأمتار التي تفصله عنها أميالا، ومن دون أن يشعر، وجه أنظاره للشاب المنشغل بالحديث مع رفاقه، منتهزين فرصة هدوء البلطجية، في تلك اللحظة كانت عيونه تصرخ وتنادي، بقي معلقا بين حبائل اكتشافه الجديد وحيدا في هذا البرد·
انصاع لرغبة المسؤول عنه في الوحدة؛ فعاد لبيته في ساعات الفجر الأولى، كانت زوجته وأبناؤه نيام، وقف أمام زوجته النائمة تأمل ذيل قميص النوم، الذي ترتديه في أيام الخميس تحديداً·
تمنى لو كان في الإمكان أن يخبرها أن في الحياة مشاعر أكبر وأكثر دفئا من قميص النوم، هذا الذي تتخذه وسيلة لإغرائه، اقترب منها تأمل وجنتيها الهادئتين وكفه الغليظة، تمنى لو أمكنه المرور بأصابعه على وجنتيها·
هدأ لسريره، ولم يشعر بالنوم وهو يسرقه من أفكاره إلا في ظهيرة يوم الجمعة، فنهض سريعا وعاد إلى ميدان جمال عبد الناصر، حال وصوله كان يراقب الشباب باحثاً عن الحبيبين، وكأنه يبحث عن شيء يخصه، وحالما وجدهما هدأ باله، وحامت بسمة هادئة على شفتيه·
أخذ يتجول بين الشباب، وقبل أن يزوده المسؤول بمعلومات، أدرك أن ثمة إجراءات أمنية تتخذ لفض الاعتصام، تملكته الخيبة وشده الحنين لتلك الساعات الجميلة، فركن إلى أحد الجدران·
كان الوضع يتأزم أكثر؛ فقام الشباب بحماية الفتيات عبر جمعهن قرب المستشفى الميداني - الذي لم يكن سوى خيمة صغيرة تضم معدات إسعاف أولية - وبينما كان الشباب يناشدون الأمن بإحضار الإسعاف لحالة خطيرة، كان هو يتابع الفتاة التي تقف قلقة بين الفتيات، مطلقة أنظارها بين الجموع، باحثة عن حبيبها·
قرر أن يبحث عنه، فتجول بين الشباب؛ ليجده مع الشباب يجعلون من أجسادهم جداراً لحماية الميدان في الجهة الأخرى، جمد للحظة، تمنى لو أمكنه إخبارها أنه بخير·
وقف قبالتها، حانت منها التفاتة للدرك الذين بدءوا التأهب للمداهمة في مواجهة الشباب، الذين تماسكوا مرددين سلمية سلمية.
حولت أنظارها نحوه، وهي تردد مع الشباب الشعارات، وكأنها تسأله ألم تأتك إشارة بأن وقت المداهمة حل؟ لم لا تهرب·
فهم نظراتها، وبقي جامدا في مكانه، وكأنه مرغم على توديع حبيب له، إلا أن تدافع الشباب، وإشارة المسؤول عنه أجبراه على التحول لناحية أخرى في الميدان·
كان يشعر بيديه التي تمسك الشباب الناشطين وتعتقلهم، وكأنها تحارب ذلك الإحساس الذي ولد قبل ساعات في أعماقه، كان صمته يصرخ بكفه التي لا تجيد إلا إلقاء القبض، وللحظة؛ وهو يلقي القبض على أحد المعتصمين، جمد أمام هول ما اكتشفه، ففي هذه اللحظة مرت بخاطره صورته وهو يحضن زوجته، تأمل ذراعيه بمقت، إنهما تعاملان زوجته بالقسوة ذاتها، وكأنهما تسعيان نحوها بناء على أوامر أمنية·
في تلك الليلة، وبينما كان ممداً على سريره وانظاره مشدودة إلى السقف، سمع صوت صراخ زوجته وهي تحث أبناءَها على النوم كي تتفرغ له، نام جميعهم إلا أصغرهم، أخذت تهوي بيديها بعصبية من دون أن تؤلمه على ظهره كي ينام، مفتعلة المحبة والحنان، مرددة لطفلها أغنية ألحانها غابت في غمرة استعجالها·
في تلك الاثناء كان يسافر بخياله بعيداً، ولم يستفق إلا على أنفاس زوجته وهي تقترب منه:
- الأولاد بيهدوا الحيل·
- أنا تعبان الليلة· قالها برجاء، وأبعد أنظاره كي لا يرى خيبتها
انتظرها حتى أسلمت عينيها للنوم، وأخذ يحملق بكفها الملقاة من دون اكتراث على الوسادة، تمنى لو كان بالإمكان أن يتحسسها برفق وحنان من دون أن يخجل.
3 أيار 2011
صفحة 5
معاً على جبهة الحب والأمل
أبقت عينيها مغمضتين - رغم استيقاظها - مستسلمة لنسائم العطر التي دغدغت روحها، هدأ رأسها على وسادتها، أخذت تلهو بخصال شعرها المتناثرة على الوسادة، من دون أن تفتح عينيها·
كانت نسائم العطر تهب على ذاكرتها، وكأنها لا تستحضر خياله وحسب، بل بدا وكأنه يجلس إلى جانبها·
- القهوة·
كان على هذه اللحظات الجميلة أن ترحل سريعاً، بمقدم شقيقتها وهي تحمل قهوة الصباح، أفاقت بكسل وأخذت ترشف القهوة، والسلام يخيم على ملامحها·
فكرت؛جميل أن يستخدم هو وشقيقي نوع العطر ذاته، ومن دون أن تتنبه لردود فعلها، كانت تبادر فكرتها هذه ببسمة هادئة، فسألتها والدتها:
- ما بك؟
- ممنوع أن أفرح؟ أجابت بدلال
- ستأتين اليوم على حفل زفاف سحر؟
أجابت والابتسامة لا تفارقها:
- إذا لم يتنح حسني مبارك؛ سآتي معكم؟
- يبدو أنه لن يتنح·· مسكينة سحر·
غابت ملامح السلام من محياها، ولولا أنها تنبهت لملامحها مبكراً لأفلتت منها نظرات عتب لوالدتها، لكنها أجابت بهدوء، وهي تسند ظهرها على وسادتها، واستمرت في ارتشاف القهوة:
- لماذا؟
- خطيبها أردني؟
صفحة 6
- أليس عربيا؟
- على الإنسان أن يقترن بمن ينتمون لبيئته، إنهم يختلفون عنا كثيرا، أظن أنها ستعاني كثيراً·
وأخذت الأم تردد مثلامن طين بلادك، قاطعت والدتها بحدية قائلة:
- لط خدادك·· لكن اذا أردنا الحديث عن البيئة، فثمة فلسطينيين لا يجب ان نتزوج منهم·
ولم تبادر لجدال والدتها أكثر، رغبة منها في أن لا يتنبهوا عبر انفعالها، إلى أن ثمة ما يمسها في الموضوع، لكنها قالت وهي تعبث بفنجان القهوة:
- ليس من الضروري أن نتبنى مبادئكم·
- ماذا تقصدين؟
- أقصد أننا عرب·
بينما كانت على شفا خلاف مع أمها حول نظرتهم للأردنيين، كان هو يقابل تعليق والده على أحد زملائه بالعمل بابتسامة غير آبهة:
- هو فلسطيني لكنه جيد·
اكتفى بأن احتفظ بابتسامته، من دون أن يناقش والده·
أتـاح له وقوفه عن قيادة السيارة بسبب الإشارة الحمراء، أن يسرح في خياله قليلاً، كان يشعر بسلام وهدوء هذا اليوم، وهو يحمل روحه إليها، وبينما كان عليه أن يكمل دربه إلى الأمام، تلفت إلى طريق تؤدي لبيتها، وكأن روحه تشده إلى هنـــاك·
أوصل والده إلى المسجد لأداء صلاة الجمعة، وانتهز الفرصة ليحادثها:
- اشتقت لك·
- وأنا·
- نلتقي اليوم؟
- التزمت مع أهلي بموعد·
- ألا يمكن تأجيله؟
صفحة 7
أجابته بمرح :
- نعم ممكن، في حال حدوث معجزة·
لامت نفسها كثيراً عندما أنهت المكالمة، >لماذا لا أحاول التملص من العائلة لأجله؟<، تأملت الهاتف طويلاً لكنها فكرت سأترك الدنيا تقرر موعدنا اليوم، اليوم تحديداً لن أعبث بالقدر·
وتكلم القدر··
تنحى حسني مبارك عند غروب شمس ذلك اليوم، وقفت أمام التلفاز للحظات، وكأنها تكذب نفسها·
- هيا أسرعوا كي لا نتأخر·
كانت والدتها تستنفر الجميع، ليتمكنوا من الالتحاق بعرس أقاربهم، فأجابت من دون أن تحرك عينيها عن التلفاز، الذي يبث فرحة المصريين بقرار التنحي:
- أنا سأذهب إلى السفارة المصرية·
حاولوا ثنيها عن قرارها، لكنها ما كانت لتتصدى لهذه المعجزة، لقد وعدت حبيبها أن لا تتخلف عنه في حال حدثت معجزة، وها هي ذي تحدث·
أرادت أن تطلبه على الهاتف، لكنها توقفت قليلاً وهمست لنفسها:
- سأترك للدنيا أمر تحديد موعدنا حتى النهاية·
وقفت تتأمل العشرات المتواجدين قبالة السفارة المصرية، لم يكن بينهم، أخذت توزع خطواتها وتفكر >هل حقاً ستتغير أيامنا<، حدقت في الشباب الذين يهتفون أمام السفارة، وكأنها تنهل الفرح من أعينهم·
- يكفي أن المعجزة حصلت، لكنني الآن، وبعد إذنك أيتها الدنيا، سأتدخل·
بذلك همست لنفسها، وهي تبحث عن هاتفها في حقيبة اليد، لكن الدنيا أبت إلا أن تكون معهما حتى النهاية، فبينما كانت تبحث عن هاتفها في دهاليز الحقيبة، بدأ الهاتف يرن لتستدل عليه بسهولة، وكان هو:
- ألا يعد تنحي مبارك معجزة؟
برقت عيناها وهمست له:
- أحبك·
- نلتقي عند السفارة المصرية؟
- أنا أقف قبالتها·
ساد الصمت بينهما للحظة، وجاءت نبرته الهادئة تجلو الصمت:
- لن أتأخر·
صفحة 8
هل هدها تعب الانتظار؟
كان عليها أن تنتظره عشرين دقيقة فقط، لكنها بدت وكأنها دهر، فكرت طويلاً >كيف سنلتقي في مثل هذه اللحظة، ماذا علينا أن نقول؟<·
بدأ المئات يحتشدون أمام السفارة، ومع ذلك كانت على يقين بأنهما لن يتوها وسط الزحام، فالدنيا لن تتركهما بعد اليوم·
تسللت يده وخطفت يدها التي تجتاحها البرودة، التفتت نحوه بشوق، وهمست:
- كأننا لم نلتق منذ زمن؟
- صحيح، أن آخر لقاء كان قبل يومين، لكننا سافرنا اليوم مراحل للأمام·
شعرت بأنفاسه وهي تقترب منها أكثر، وهمس:
- اشتقت لك·
كانت تنظر إليه، وهو يردد شعارات النصر مع الشباب، وتفكر >وكأني أخشى أن تفترق يدي عن يده؟<·· وابتسمت عندما تنبهت أنها كانت دائما هي التي تهرب من كفيه كلما رغب بضم كفيها، ثمة شيء كبير تغير اليوم، إنها تتشبث به ولا تخشى الناس·
في هذه الأثناء، دفعها مرور شاب - يحمل العلم المصري من جانبها بسرعة متجها نحو عمارة مقابلة لهم - لأن تقترب منه، نظر لها بود وأتاح المجال كي تقترب منه أكثر، كانت تشعر بإحساس مختلف ينمو بينهما اليوم، غرقا في هذه اللحظة، بينما كان يشكل صخب الناس وفرحهم بنصر المصريين على النظام خلفية لشغفهما·
لم ينتشلهما من هذه اللحظة، إلا ارتفاع وتيرة الصخب أكثر، عندما صفق الناس لعلم مصر وهو يرفرف من شرفة الطابق الثالث، فما كان منها إلا أن اتكأت برأسها على ذراعه·
التفت نحوها بسرعة، أراد أن يحذرها؛ فهما ليسا بمفردهما، لكن نبض قلبه ألزمه الصمت، فبقي ثابتاً محافظاً على ثبات ذراعه، حتى لا تُقلق حركته رأسها المنهك·
14 آذار 2011