eKtab
EN ع
يهود الدونمة
اقرأ عينة مجانية

يهود الدونمة

بقلم د. أحمد نوري النعيمي

صفحة 1

المقدمة

كّتَّاب كثيرون ينتمون إلى جنسيات ومذاهب متعددة تقصوا موضوعات تتعلق باليهود وبالقضية الفلسطينية، وإذا ما توقفنا عند الكتابات الغربية المتعلقة بتلك الموضوعات فسنرى أن هناك محاولات من لدن أولئك الكتاب من خلال تنسيق التعاون مع كتاب يهود وباحثي آثار مرتشين يتعلق بتبرئة اليهود من سفك مزعوم لدم سيدنا عيسى عله السلام. ومعظم تلك المحاولات جاءت من كتَّاب ينتمون إلى العقيدة المسيحية، وكانت غايتهم من ورائها إيجاد نوع من التقريب بين ما جاء في العهد القديم [التوراة] وما ورد في العهد الجديد [الإنجيل] كي يتسنى لليهود استمالة مسيحيي العالم إلى جانبهم ليعينوهم على إقامة دولة لهم في فلسطين العربية، لذلك نجد أن معظم الكتابات الغربية تتسم بطابع يهودي ماسوني. ومن جانب آخر نجد هذه الدراسات تبتعد عن التعرض لبعض جماعات الضغط في العالم الإسلامي، ومن هؤلاء يهود الدونمة في تركيا المعاصرة. هذه الأسباب مجتمعة، فضلا عن أسباب أخرى دينية وسياسية دفعتني إلى إيلاء اهتمامي لهذا الموضوع الخطير فألفت كتابي "يهود الدونمة دراسة في الأصول والعقائد والمواقف". ووجد الكتاب صدى واسعا في الوطن العربي فنفذت نسخه خلال أسابيع قليلة من الأسواق العربية مما حفزني إلى الكتابة لا في مجال الأصول والعقائد والمواقف وإنما عن دور اليهود في المجال الاجتماعي والسياسي في الحقبة السياسية الأخيرة لدولة الخلافة العثمانية، وفي حقبة النظام العلماني المعادي للإسلام الذي حل محل الدولة العثمانية.
عند تناولي لهذه الجزئية من الدراسة وجدت صعوبات معيقة نابعة من عدة أسباب لعل أشدها تعويقا كان ندرة المصادر، ولا أعني المصادر الإنجليزية والعربية فحسب، بل وندرة حتى المصادر المكتوبة بلغة تركية، فالإطار العام للنظام السياسي في تركيا لم يكن يسمح عبر نصوص الدساتير الثلاثة الصادرة في السنين(1924 و1961و1982) بإثارة هذا الموضوع استجابة لما تفرضه علمانية تلك الدساتير من ناحية،
ولإخفاء يهود الدونمة يهوديتهم بما تَسَمََّّوا به من أسماء إسلامية مكنت معظم المتظاهرين منهم بالإسلام علنا، اليهود سراْْ- بكل ما تفرضه على كل منهم يهوديته من عبادات وفق مبادئ شبتاي زيفي الثمانية عشر-من الذوبان في المجتمع التركي ذوبانا تاما جعل من الصعوبة بمكان تمييزهم بين مجموع الأتراك المسلم منهم بالوراثة ودخيلهم من اليهود المتظاهر بالإسلام، المحافظ سرا على عقيدته اليهودية. وإمعانا منهم في ذلك التظاهر يؤدي بعضهم العبادات الإسلامية المنظورة بما في ذلك الحج إلى مكة المكرمة والصوم الظاهري نهارا وذبح الأضاحي في عيد الأضحى. ومن العدل أن نقول أن قلة منهم أسلموا إسلاما حقيقيا وبرهنوا على ذلك في عدة مواقف.
ومن أخطر ما نجح فيه يهود الدونمة المتظاهرون بالإسلام تغلغلهم في وسائل الإعلام التركية من خلال تملكهم لبعض الصحف الرئيسة الذي لا يفوقه خطرا إلا تغلغلهم في "المجلس الوطني التركي الكبير"[البرلمان] وإسهاماتهم في السنوات الأخيرة في عمليات صنع القرار المؤثر في السياستين التركيتين الداخلية والخارجية كونهم جماعات ضغط على وحدات اتخاذ القرار التركي. وخير دليل على ذلك تجربة إسقاط حكومة أربكان عام1997.
ولقد عاهدت نفسي-على الرغم من كل تلك الصعوبات- أن أكتب في هذا الموضوع مستغلا مصادر اليهود ووثائقهم، خدمة مني لقضايا المسلمين، ولتقديم مادة علمية جديدة للقارئ العربي تصله حيثما كان، تضاف إلى مادة الحركات الهدامة في العالم الإسلامي مثل القاديانية والبهائية والفرق الباطنية الأخرى التي مافتئ الغرب يعتمد على المؤمنين بها عند تخطيطه لتفتيت المجتمعات الإسلامية وتشويهه لمعالم فكرها الإسلامي، خدمة منه للمخططات اليهودية العالمية الساعية بتحرض من القوى الغربية والشرقية للهيمنة على الدول الإسلامية والعربية لسلب إرادتها مجتمعة ومتفرقة.
اتبعنا اكثر من منهج واحد في كتابة هذه الدراسة، في مقدمتها المنهج التاريخي، فدرسنا معظم النصوص التاريخية عن يهود الدونمة منذ أن ادعى شبتاي زيفي والذي يعد الأب الروحي لطائفة الدونمة بأنه المسيح المنتظر، ثم الى الانتقال الى حقبة جديدة من حياته والتي تتركز في اعتناقه الاسلام، ونفيه الى البانيا، وتقسيم طائفة الدونمة الى مجاميع بعد وفاته.
وأعتمدنا ايضاً في الدراسة على المنهج القانوني، إذ أن دراستنا لم تقتصر على ذكر الحقائق كما هي، بل تعني بدراسة النصوص عن طريق تحليل عقائدهم واصولهم وفي اطار القانون والشريعة. فضلاً عن إتباع المنهج التحليلي المقارن والذي انصب اساسا على تحليل الجوانب التاريخية والقانونية ليهود الدونمة بالمقارنة عن سلوكهم ومواقفهم في حقبة الدولة العثمانية وتركيا الحديثة.
وللإحاطة بالموضوع من جوانبه كافة، قسمنا هذه الدراسة الى خمسة فصول، تناولنا في الاول منه، عن وضع اليهود في اوروبا، وتركز الثاني في اعتناق يهود اسبانيا، الاسلام، اما الثالث فيه، فقد خصصناه عن يهود الدونمة بعد وفاة شبتاي زيفي، في حين، تناولنا في الفصل الرابع عن يهود الدونمة والنظام السياسي العثماني، أما الفصل الخامس، فقد تم معالجته من خلال دراسة يهود الدونمة والمحافل الماسونية. مع خاتمة، تمت الاشارة فيها الى مجموعة من الاستنتاجات.
إن لي لكبير الأمل في أن يكون جهدي المتواضع هذا مشجعا لباحثين جددا قادرين على الإحاطة بمختلف قوى الضغط على الدول الإسلامية من الجوانب كافة، وحافزا على دراسات جديدة جادة عن اليهود بعامة والدونمة منهم بخاصة. مع الابتعاد عن الدراسات التقليدية المتكررة.
وفي النهاية، لا ادعي بان هذه الدراسة وصلت الى مرحلة الكمال، لإن الكمال لله وحده. يقول الأمام الشافعي رحمه الله: "مذهبي صواب يحتمل الخطا، ومذهب غيري خطأ يحتمل الصواب".
وأختتم هذه الدراسة، بقوله سبحانه وتعالى: "يا أيها الذين امنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً يصلح لكم اعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً": الاحزاب: 70-71.
صفحة 2

الوضع العام لليهود في العالم والدولة العثمانية

ان اليهود في شتى انحاء العالم لم يندمجوا في المجتمعات الاصلية، بل حاولوا خلال التاريخ البشري الطويل، التكتل فيما بينهم، وقد ادى هذا التكتل الى انحصارهم في مناطق معينة من العالم، وقد انطلقوا من نظريات معينة، حيث عدوا انفسهم "شعب الله المختار". وكان هذا يعني بالنتيجة عدم اختلاطهم وتزاوجهم مع العنصر غير اليهودي، بغية المحافظة على النقاوة العنصرية المزعومة، ولكن هذا لا يعني انهم لم يخلقوا معضلات ومشاكل في البلدان التي وجدوا فيها، حيث قامت حملات كثيرة ضدهم، نتيجة لسلوكهم السياسي ومخططاتهم العالمية.

المبحث الأول :هجرة يهود أسبانياإلى أراضي الدولة العثمانية

كتب المؤرخ البريطاني "آرثور كستلور" في كتابه الموسوم "القبيلة الثالثة عشر": "أن معظم يهود اليوم ليسوا من أصل سامي. فعرقيا، يهود اليوم ينقسمون إلى قسمين رئيسين، القسم الأول والأكبر هم الغربيون أو كما يسمون بالعبرية "أشكنازيم، والقسم الثاني والأصغر هم الشرقيون أوكما يدعون بالعبرية "سيفارديم".
فيما يخص "السفارديم، إستقر بهم الحال في الأندلس على عهد الحكم الإسلامي في العصور الوسطى، وكانت لغتهم معروفة وقتئذ بإسم "لادينو" وهي مكونة من العبرية والعربية والإسبانية ، وأن جلهم من أتباع التلمود البابلي.
في القرن السادس عشر الميلادي كانت أوربا تعيش ظاهرة عدم الاستقرار بعد أن عايشت محاكم التفتيش التي فرضتها الكنيسة عليها حتى أصبحت حريات المواطنين الأوربيين مكبوتة فيها. ومنذ الثلث الأخير من القرن الخامس عشر كان يحكم اسبانيا الملكين الكاثوليكيين فيرديناند ملك أراغون وزوجه الملكة ايزابيلا ملكة قشتاله اللذان وحّد تزوجهما لبعضهما شبه جزيرة إيبيريا، وأنهيا الحكم الإسلامي في الأندلس باحتلالهما غرناطة سنة 1492. وبزوال الحكم العربي الإسلامي فقد اليهود بقية ما كانوا يحضون به من حماية. أما الملكان فكانا شديدي التعصب لعقيدتهما، كما كان لديهما نظرة غير ودية نحو اليهود لاعتقادهما بأن اليهود قد غدروا بسيدنا عيسى ابن مريم. وفضلاً عما يضمرانه من كره لجميع غير المسيحيين فقد وجدا أن اليهود يحاولون– كعادتهم في كل بلد يستوطنونه- التسرب إلى صميم هياكل اقتصاد الشعب الذي يعايشونه للسيطرة على جميع منابع موارده الاقتصادية وطرق استثمارها ليتمكنوا من تخريب المشاريع التي لا يعود شيء منها بالفائدة على اليهود، وطبقوا ذلك الأسلوب المعتاد عندهم على الشعب الاسباني أيضا. لذلك زادت محاولاتهم تلك من غيظ الملك والملكة. أما ما زاد في حرج موقف اليهود في اسبانيا والبرتغال فكان إعلان كبير ربيي يهودهما تفسيره الشخصي للفلسفة اليونانية وادعاؤه الباطل بأن تلك الفلسفة ما هي إلا قطعة مختارة متكاملة من الشريعة اليهودية. وكان وزملاؤه من الحاخامات يرومون من وراء ذلك نشر أحكام التوراة بمهارة تحت هذا الشعار في شبه جزيرة إيبيريا لينتشر منها في بقية أوربا. وفي الشأن نفسه قال حاخام يهود اسبانيا وفيلسوفهم الأكبر: "إن النظريات اليونانية هي نفس ما جاء في صلب الدين اليهودي تماماً.أما حقيقة الفلسفة التي سادت مدنية الغرب وملوكه وشعوبه فهي التي غذَّت الحركات المعادية للدين والقومية والتاريخ الحق لأنها ليست من شريعة التوراة.
ولما أدرك الملكان فيرديناند وإيزابيلا الحقائق التي يستهدفها اليهود من وراء تصريح كبير ربييهم المؤيد من قبل حاخاماتهم، ألحَّا بشدة على تنصٌّر اليهود بغية وضع نهاية لحركاتهم الهدامة ضد المسيحية تحت قناع العلم والفلسفة. وحيال إلحاح الملكين تنصر بعض اليهود ظاهرياً، فلما تكشَّف للملكين خداعهم طردا في الثاني من آب من سنة 1492 أكثر من ثلاثمائة ألف يهودي من اسبانيا. كما طردا عددا كبيرا من يهود البرتغال.
في تلك السنة بالذات كان يتربع على عرش السلطنة العثمانية السلطان مراد الثاني، أشد سلاطين آل عثمان جهلا بسياسات الشعوب، فلما تقدمت إليه مجموعة من ربيي يهود أوربا بطلب يلتمسون فيه أن يسمح للمشردين من اليهود بالهجرة إلى الأراضي العثمانية لبى-في غفلة سياسية عظمى- طلبهم دون أن يشترط عليهم أي شرط أو يقيدهم بأي قيد، إذ لم يخطر بباله أن شعبه العثماني المسلم سيدفع بعد أربعمائة سنة من سماحه هو لليهود بأن يلجأوا إلى الأراضي العثمانية فادح الأثمان، تدفعها أجيال عثمانية مسلمة قدر لها أن تعيش في القرنين التاسع عشر والعشرين وما بعدهما، معتقدا- فيما يقول المعتذرون عن القرار الساذج الذي اتخذه السلطان مراد الثاني دون روية الدبلوماسي وحذر السياسي- بأن موافقته تلك إنما استمدها من التقاليد الإسلامية التي تحث على العطف على المشردين المساكين بقطع النظر عن لونهم وعرقهم ودينهم.
اغتنم اليهود سنوح تلك الفرصة الذهبية النادرة بالنسبة لليهود المطاردين في كل بقاع العالم بسبب سوء معاشرتهم للشعوب التي تسمح لهم بدخول أراضيها والإقامة بين ظهراني بنيها. فهاجرت أعداد كثيرة من اليهود إلى أراضي الدولة العثمانية، وأراضي الشعوب التي تخضع لدولة العثمانيين، بلغت كثرتها حدا جعل بعض المصادر التاريخية تبالغ في الثناء على مراد الثاني لعطفه عليهم، ملقبة إياه بالرجل الإنساني الكبير.
وما أن وصل اليهود إلى أراضي الدولة العثمانية حتى امبثوا في جميع مرافقها التجارية والصناعية كحشرة السوس التي تنخر كل شيء. ولما كوّنوا شيئا من الثروات شرعوا في تملك ما استطاعوا شراءه من العقارات صغيرها وكبيرها في كل بقعة في الدولة العثمانية وما يخضع لها من أقاليم وبخاصة في سلانيك وأدرنه وإزمير,بل وفي القسطنطينية نفسها التي كان يطلق عليها أحيانا دار الخلافة أو دار السعادة. وفي القرن التاسع عشر يرد ذكر تسميتها "بالاستانة" في كثير من الفرمانات السلطانية. وحيث أن القسطنطينية هي مقر الحكام العثمانيين الدينيين والزمنيين، وتصعب فيها سكنى الأجانب من غير الممثلين الرسميين لدولهم لدي السلطات العثمانية، أو كبار التجار ورجال المال والأعمال. وبما أن اليهود لا يتقاعسون في سبيل-أن يكون لهم نفوذ-عن استعمال كل وسيلة مهما بدت حقيرة، فقد تسللوا بالتدريج في حذر ماكر إلى عاصمة الدولة واستوطنوها ليكونوا قريبا من بؤرة السلطة. وبالفعل بدأ تنامي نفوذهم في العاصمة على أيام السلطان محمد الفاتح مع أنهم كانوا عينا عليه للدول الأوربية.
 
صفحة 3
ومن المعروف تاريخيا أن السلطان محمد الفاتح كان قد غزا مملكة نابولي عام 1480 وفتح مدينة أوترانتو، غارزاً العلم الإسلامي العثماني في قمة أعلى مباني تلك المدينة الواقعة في قَدم شبه الجزيرة الإيطالية، تمهيدا لمحاولته إتمام فتوحات أتيلا. وعندما تبين ساسة دول أوربا اعتزام الفاتح اتخاذ ميناء أوترانتو قاعدة يزحف منها شمالاً حتى يصل إلى روما عاصمة الكثلكة غشى شعوب تلك الدول فزع شديد. وليقين ساسة تلك الدول وقادة جيوشها من أنهم لا طاقة لهم بمقاتلة جيش محمد الفاتح لجأوا-تحت ضغط فزعهم وفزع شعوبهم- إلى مكر الجبناء. وعمل أولئك الساسة بنصيحة يهود الدونمة اللاجئين إلى الدولة العثمانية واتصلوا بالطبيب اليهودي الدونمي موباسترو جاكوب ليتآمروا معه على حياة السلطان محمد الفاتح الذي وافق على اغتيال سيده السلطان، بالسم مقابل مائة ألف دوقيً ذهبا. وهكذا استشهد ذلك السلطان المجاهد على يدي من إئتمنه نفس السلطان على صحته.حدثت هذه الخيانة الدنيئة من اليهود مع أن سلاطين آل عثمان كانوا يحسنون الظن باليهود، ويهود الدونمة منهم بخاصة، فقربوهم وأدخلوهم قصورهم وأسندوا إليهم بعض الوظائف المهمة. ولم ينبِّه مصرع السلطان محمد الفاتح الثاني بقية آل عثمان إلى مكر اليهود وخستهم، إذ نجد السلطان سليم الأول يختار في عام 1515 اليهودي موسى هامون Muses Hamon طبيباً خاصاً به، وأولاه مكانة عالية بين حاشيته.
واستولى السلطان سليم الأول على معظم بلاد الشام ثم قضى على دولة المماليك في مصر، ونقل منها الخلافة إلى استنبول ليصبح هو أول خليفة عثماني للمسلمين.وتوفي السلطان سليم الأول فخلفه السلطان سليمان القانوني وأبقى موسى هامون طبيبا له. وفي عام 1552 استغل هامون مكانته عند السلطان في الحصول منه على رسالة معنونة إلى دوق مدينة البندقية ، طالبا منه السماح لقريبتين لهامون هما الأرملة اقريشيا نازي GreciaNasi وابنتها ريئينا Reyna بالسفر إلى الأستانة. وتكللتجهود هامون بالنجاح إذ وصلتا إلى الدولة العثمانية في عام 1553 ولحق بهما قريب آخر لهامون يدعى يوسف نازي سرعان ما ألحقه هامون بخدمة السلطان سليم. وينتمي يوسف نازي إلى اسرة نازي التي ينتمي إليها موسى هامون ذي الحظوة لدى السلطان .
واهتبل يوسف نازي الفرصة وتمكن في مدة قصيرة من أن يحوز ثقة السلطان سليم لعمق خبرته في السياسة الدولية وفي الشؤون المالية. فكافأه السلطان في عام 1566على"المفيد جدا"من خدماته بمنحه لقب دوق ناكسوس، ومكَّنه ذلك اللقب الرفيع من أن يكتسب سلطة أوسع في البلاط السلطاني وسما به إلى درجة حتمت-أدبيا-على ممثلي الحكام المسيحيين لدى السلطان أن يتجهوا إلى مقابلة نازي ابتداء، حفاظا منهم على بقائهم في مناصبهم وعلى نجاحهم في إدارة بعثاتهم الدبلوماسية قبل أن يسعوا إلى مقابلة أي مسئول آخر في الدولة العثمانية
يوسف نازي هذا يهودي سفاردائي*برتغالي الأصل مصرفي ومموِِِّل ثري كان مُُعتََمَدا ماليا لكلي البلاطين الاسباني والفرنسي، ينحدر من أسرة يهودية من مواطني مدينة آنفيرس. إلا أنه هجرها ليستوطن البندقية ويتخذ منها مركزا لنشاطه التمويلي، ولاتصالاته بالجاليات اليهودية التي يقدم لها العون المالي والأدبي. وعندما أصبح قريبا ممن يملكون سلطة إصدار القرار في البندقية، كلفه المجلس الأعلى لليهود بالإشراف على الجاليات اليهودية في وسط إيطاليا. ولم تقتصر جهود نازي على مساعدة تلك الجاليات والإشراف على شؤونها بل انصبت تلك الجهودعلى إقامة دولة يهودية في إحدى جزر البحر المتوسط، الأمر الذي أدى بحكومة البندقية إلى وضع نازي تحت المراقبة، حفاظا منها على حسن علاقاتها بالبلاد الإسلامية التي يمر الجزء الأخير من طريق الحرير التي تقطعها قوافل منتجات الشرق الأقصى ذهابا وإيابا من الصين حتى سواحل البحر المتوسط حاملة منتجات الصين والشرق الأقصى إلى أوربا، ومنتجات أوربا إلى بلدان شرق آسيا وجميع المدن القائمة على طريق الحرير.
تضايق نازي من تلك المراقبة ففر من البندقية ليستجير منها بحماية آنفيرس، وتمكن خلال إقامته في قلب أنفرس من التقرب من الملكة ماري الهنغارية، وتوثقت بينهما الصلات بفضل أمواله الطائلة حتى اتخذته تلك الملكة أمينا لأسرارها المالية والسياسية، وفوضته في عقد اتفاقات تجارية باسمها مع الملكين شرلكان وهينري الثاني مما جعل شهرة كفاءته في إدارة الشؤون المالية تطبق الآفاق، فاستنجد به الملوك من أمثال سيجيسون البولوني وهينري الثاني الفرنسي واقترضوا منه الأموال الطائلة مقابل فوائد عالية، فتعاظم شأنه بين رؤساء الدول.
وقبل أن يدخل في خدمة الدولة العثمانية كان يعرف باسم "دون خوان ميغويز"، أما بعد وصوله إلى القسطنطينية في عام 1544 واطمئنانه على حياته وأمواله فقدرجعإلى التسمي باسم يوسف نازي المعروف به منذ ولادته.
أصبح يوسف نازي على عهد السلطان سليمان القانوني مصرفي استنبول ومسئول الضرائب الزراعية في الإدارة العثمانية، وله أثر يذكر في تطوير تلك الإدارة. ونظرا لصلاته الشخصية بالسلطان سليم الأول، وهي صلات أكسبها قوة زواج ولي العهد الأمير سليم بـ"نور بانو Nur Banu"شقيقة يوسف نازي. فعن طريق تلك الشقيقة استطاع نازي التأثير فى الأمور الاقتصادية والمالية للدولة العثمانية. وبعد تولي سليم الأول السلطنة وكان يوسف نازي مقربا منه أقطعه جزيرة ناكسوس بعد أن فتحها الجيش العثماني. ثم منحه رتبة دوق لناكسوس وسائكليديس بدرجة سنجق بك. ويعد مؤرخو تلك الحقبة كلا من يوسف نازي وموسى هامون بمثابة حلقة الوصل بين الدولة العثمانية واليهود، ويعود الفضل فيما حصل عليه يهود ولاية السلانيك من امتيازات إلى اليهوديين المذكورين : يوسف نازي وموسى هامون.ولما عيَّن السلطان سليمان القانوني يوسف نازي واليا على جزيرة قبرص التي كان الجيش العثماني المسلم قد أعاد فتحها في عام 1535م شعر نازي بسعادة كبرى بتولي الولاية على تلك الجزيرة لقربها الشديد من فلسطين التي يشترك جميع اليهود معه في تمني العودة إليها والتي يعملون خفية لكي يعودوا إليها كل ما أتيحت لهم فرصة العودة. ومن بين أعمال نازي في ذلك السبيل ترميمه ما بقي من خرائب مباني طبرية الفلسطينية. ولمكانة نازي عند ذلك السلطان استطاع الحصول منه على فرمان بإسكان خمسة آلاف يهودي بالقرب من بحيرة طبرية. كما نتج عن إلتماساته المٌٌلحة من السلطان وصول ما بين 10–20 ألف يهودي إلى منطقة طبرية، يعود الكثير منهم إلى مواطنهم التي جاءوا منها لصعوبة كسب أرزاقهم في فلسطين الجرداء. ومن جانب آخر، نشر يوسف نازي الثقافة اليهودية في تركيا. وأوجد فيها عام 1565 مكتبات يهودية عديدة.
ومما مكن اليهود من التسرب إلى المراكز العثمانية القادرة على إتخاذ القرار توسلهم بجميلات الجواري أيضا، فقد زاد نفوذهم عندما تزوج السلطان سليمان القانوني في القرن الخامس عشر الفتاة اليهودية الروسية روكسيلانا Roxelana" أسماها "خوريم “Kourrem وهي من اللاتي استفاد اليهود فوائد كبرى من نفوذها الكبير في القصر السلطاني، نفس النفوذ الذي مكنها أيضا من تزويج ابنتها"مهرماه"المسمى باسمها قصر في استنبول ما يزال يحمل اسمها حتى اليوم من الكرواتي رستم باشا، ومن استطاعتها أيضا أن تغتال الصدر الأعظم (رئيس مجلس الوزراء) وأن تنصب زوج ابنتها رستم باشا مكانه، وأن تدبر خنق ولي العهد مصطفى بن سليمان القانوني من امرأته الأولى، لتنصب مكانه ابنها سليماً ولياً للعهد. وعلى منوال روكسيلانا سارت الجارية الخزرية اليهودية المعروفة تاريخيا باسم "صفية السلطان" التي كان قد أسرها قائد بحري تركي في أواسط القرن السادس عشر وباعها للبنادقة الذين ما أن اكتشفوا فرط ذكائها النادر حتى اعتزموا استغلال قدراتها العقلية الفائقة على خدمتهم في القصر السلطاني، فاستمالوها إلى جانبهم بحسن معاملتهم لها، وبتحويل أموال إلى والديها. وتولوا إعدادهاعلميا لما يريدونه منها، فعلموها تاريخ الدول ودربوها تدريبا حكيما على متابعة حل الغامض من تعقيدات السياسة الدولية، كما أكسبوها خبرة عملية في التعرف على الغايات الخفية من تحركات الجيوش والأساطيل البحرية وفق ما تستشفه من خفي الغايات في أثناء تحليلها للسياسات الدولية، ثم أغروا وكيل السلطان في سوق الرقيق بشرائها منهم، وبذلك تمكن البنادقة الدهاة من الاحتيال على إدخالها إلى "الحرملك" أي جانب قصر السلطان المخصص لسكنى نسائه. وما أن علم السلطان من قهرماناته بعمق ثقافة"صفية السلطان" الجارية الجديدة حتى اسطفاها لنفسه واتخذها مستشارا سياسيا، وكانت عند حسن ظن من أهَّلها علميا، ودربها سياسيا ولمن أكسبها في قصره المكانة السامية، واسند إليها دورا كبيرا في القيام بأعباء تزويد السلطان بالمشورة في كل ما يتعلق بالسياستين العثمانيتين الداخلية والخارجية، واستمرت في أداء ذلك الدور طيلة نصف قرن، وبلغ من نفوذها في القصر أن أصبحت مسئولة عن جمرك الأستانة بإرادة سلطانية أصدرها سليمان القانوني في عام 1549. واستمرت في شغل هذه الوظيفة طيلة بقية عهد السلطانسليمان القانوني وعهود خلفائه السلاطين سليم الأصغر ومراد الثالث ومدة قصيرة في أول عهد السلطان محمد الثالث.
صفحة 4
كتب عن هذه اليهودية في عهد الحكم الجمهوري التركي الصحفي اليهودي يوسف كوهين، أحد محرري جرائد الدونمة يصفها في إحدى مقالاته بقوله: "وجدت في السراية الهمايونية يهودية من مدينة البندقية من أسرة بافسو النبيلة، عرفت تاريخيا باسم "صفية السلطان" وكانت– لمكانتها في القصر- تعد المرجع الأوحد لأولئك الذين يرومون شغل وظائف حكومية، كما أنها الأقدر على إقناع جباة الرسوم المالية والديون المستحقة للخزانة بقبول عملة مزيفة عوضا عن النقود الصحيحة، ممن عليه واجب دفع رسوم جمركية أو ضرائب أو حتى أقساط ديون للخزانة العامة، وبذلك تخسر خزاين الدولة سنويا مبالغ كبيرة تذهب إلى جيوب صفية السلطان وجيوب الفاسدين ممن يعينونها على جعل الخزانة العامة تقبل عملة زائفة، وفي مقدمة أعوان صفية السلطان أََمَتَها اليهودية استير كيرا أكبر حام لمرويجي النقود المزيفة بحكم قربها من أقوى نساء القصر نفوذا، فهي الوسيطة بين مروجي العملة الزائفة وبين سيدتها، كما أن استير كيرا هذه كانت إحدى وسائل صفية السلطان في تخابرها مع بني وطنها سفراء البندقية، زيادة على أنها كانت تستخدمها جاسوسة لها ضمن جهاز مخابراتها. واستمرت استفادتها من خدمات تلك الأمة مقابل حمايتها حتى المدة الأولى من عهد السلطان محمد الثالث. وكان لتلك اليهودية الخطرة أستير ولدان، هما إيليا ويوسف، شارك الأول والدته في الاستحصال على الوظائف لطالبيها من خلال رشوة القادرين على منح الوظائف المرغوبة. ومع أن الدفتردار (كبير مسئولي مالية الدولة) على علم بما تخسره خزائن الدولة سنويا من مبالغ كبيرة بسبب تدخلات المحتمين بهيبة الخزرية صفية السلطان المفسدة لأمانة موظفي جباية حقوق الخزانة العامة من ديون ورسوم وضرائب، إلا أن الدفتردار كان يغض نظره عن ذلك كله خوفاً من دسائس صفية السلطان وتهديداتها. وعلى الرغم من علمه بزيف بعض ما يجبيه محصلو الدولة الرسميون من عملة فقد كان يخلط النقود الصحيحة بجانب من تلك النقود الزائفة التي كانت قدرتها الشرائية الحقيقية ضعيفة للغاية إن لم تكن معدومة ليدفعها مرتبات للجنود. لذلك، لاغرو أن يتمرد الجنود على رؤسائهم بسبب قبضهم لمرتباتهم المدفوع لهم بعضها بنقود زائفة. ومع الزمن زاد تذمرهم حدة إلى درجة أدت إلى حدوث حركات في الجيش عولجت بمعاقبة عدد ممن ثبتت صلتهم بترويج الزائف من النقود المتداولة.
ولما تولىمحمد الثالث السلطنة، أرادت أمه صفية السلطان أن تستمر في لعب الدور نفسه بما في ذلك حماية أمتها أستير وأعوانها، إلا أنها باءت بالفشل، إذ شكا السباهيون إلى شيخ الإسلام صنع الله أفندي ما لحقهم من ضرر جراء قبضهم لجانب من مرتباتهم نقودا زائفة وطالبوه بإصدار فتوى شرعية بتمكينهم من قبض مرتباتهم كاملة نقودا صحيحة. فأصدر شيخ الإسلام فتوى بإعدام وسيطة مروجي النقود الزائفة استير كيرا وولديها قطعا لدابر مروجي الزائف من النقود. ونظرا لما تتمتع به استير من حماية وارفة فقد رفعت الفتوى إلى خليل باشا قائمقام الركاب الهمايوني الذي ما أن عرض الفتوى وحيثياتها على السلطان حتى أمر بإنفاذها فورا كما هي.
ساعد السباهيون السلطة في إلقاء القبض على استير ثم في تنفيذ عقوبة الإعدام فيها وفي ولدها الأكبر إيليا، أما ابنها الأصغر يوسف فقد نجا من القتل بإعلان اعتناقه الإسلام.
وما أن تسنم ولد "صفية السلطان" عرش السلطنة باسم السلطان محمد الثالث حتى حاولت أمه أن تغريه ببعض مباهج الحياة من جميلات الجواري اللائي تعج بهن قصور السلطان، ووسائل اللهو المعروفة من صيد وقنص وألعاب فروسية التي جرت عادة أمثاله أن ينشغلوا بها، وبالغت في إلهاء ولدها عن التفكير في قضايا الدولة المتعلقة بالسياسة الخارجية التي ترى أنها هي وحدها المختصة بها بعد أن زاولتها ما يقارب الخمسة عقود.
وعندما لم يعد حلم السلطان محمد الثالث يتسع لما يحاك في قصوره من مؤامرات، وما يجري فيها من فساد سياسي ومالي أصدر أمرا إلى أهل ثقته من جنوده بتطهيرها ممن يزاولون فيها فسادا اقتصاديا وسياسيا. وكانت "صفية السلطان" هي أول من أخذ ممن في قصرها بذنوبها فخنقها في أثناء نومها خصيان نساء أخريات من نساء القصر.
وإبتداء من عام 1830 بدت خطط يهود الدونمة لإضعاف الدولة العثمانية-التي قبلت لجوءهم إليها وهم خائفون جياعا مشردون- تتضح للعيان عندما افتعلوا مشكلات بين السلاطين العثمانيين والدول الراغبة في استعمار أراضي شعوب إسلامية تابعة للسلطنة العثمانية: كافتعالهم مشكلات أدت إلى انسلاخ الجزائر من الدولة العثمانية وسقوطها في قبضة الفرنسيين ليستمر استعمارهم التنصيري لها ما ينوف عن 130 سنة. أعقبها إفتعالهم حوادث الإسكندرية المنبعثة في بدايتها من غضب الأوربيين من صنائع بريطانيا في مصر لمقتل مالطي صنيعة بريطانية مثلهم، مستغلين إنشغال السلطة المصرية بتهدئة ثورة الضباط المصريين في الجيش المصري التي قادها أحمدعرابي باشا سنة1881 وسهلت على بريطانيا التدخل بحجة تلبية حكومتهم لدعوة الخديوي توفيق ابن الخديوي اسماعيل لحمايته مما يطالب به العسكريون الثائرون من عزله عن عرش مصر. وهو تدخل سبقه الوعد التمويهي المعتاد من بريطانيا بأن تسحب جيشها من مصر فور استباب الأمن في القطر المصري. إلا أن الأمن المنشود لم يستتب في مصر-في نظر حكومة بريطانيا- إلا بعد ثورة 23 يوليه من سنة 1952 التي اضطرت الجيش الإنكليزي إلى الجلاء مرغما عن مصر سنة 1956.
وفي سنة 1882 افتعل اليهود مشكلة بين السلطان العثماني وحكومة فرنسا أدت إلى سلخ تونس نهائياعن الدولة العثمانية، وتحويلها إلى محمية فرنسية. ويبدو أن الحكومة العثمانية لم تربط بين المشاكل الحادثة بينها وبين الدول الأوربية وبين تصرفات غالبية يهود الدونمة ومؤيديهم من يهود العالم،فنراها تمنح الجنسية العثمانية الكاملة لليهود المقيمين في الدولة العثمانية من أسلم منه فعلا ومن أعلن منهم تظاهره بالإسلام ومن بقي على يهوديته، مع إعفائهم جميعاً من الخدمة العسكرية. وكمواطنين عثمانيين متمتعين بالحقوق الكاملة للمواطن العثماني-بعد أن كانوا مجرد لاجئين- انتشر اليهود في جميع أنحاء الدولة العثمانية والأقاليم التابعة لها، غربا وشرقا وشمالا وجنوبا مستفيدين من الامتيازات التي تتيحها لهم المواطنة الكاملة، فأثروا وظهر بينهم الأغنياء في استنبول وسلانيك وبلاد الروم والأناضول وعاشوا حياة مترفة. وأسسوا لأبنائهم مدارس خاصة بهم، وقدموا مساعدات مالية للجمعيات السرية، ومنها ما هو معاد للدولة العثمانية. ولما أحب اليهود حياتهم المرفهة في الدولة العثمانية وتخلوا عن حذرهم المعتاد منهم ، خشى المجلس الأعلى لليهود أن ينتبه الأتراك إلى حقيقة سلوك أولئك المستغلين لكرم ضيافة الدولة العثمانية، فأوعز ذلك المجلس إلى بعض أتباعه بأن يتظاهروا باعتناق الإسلام ليتمكنوا من الاستمرار في التغرير بالعثمانيين وفي كسب ثقتهم ، فيتسنى لهم التغلغل إلى مراكز الجاه العام. وبالفعل تظاهر بعض الأفراد البارزين من اليهود باعتناق الإسلام متخذين هم أيضا أسماء إسلامية، فلما برز بينهم شبتاي زيفي الذي ادعى أنه مسيح اليهود المنتظر انساق يهود السلانيك وراءه فأطلق شبتاي على المتظاهرين منهم بالإسلام لقب الدونمة وشاع ذلك اللقب حتى اشتهروا به، واتخذوا هم أسماء إسلامية سهلت اندماجهم في صفوف الشعب وراحوا يعملون خفية لتحقيق أغراضهم. وعندما دبّ الضعف في هياكل مؤسسات الدولة العثمانية في أواخر القرن السابع عشر بدأ من في الدولة العثمانية من اليهود العمل على زيادة تسارع اضمحلال تماسك نظم الدولة العثمانية إنتقاما من سلاطينها الذين رفضت غالبيتهم العظمى في حزم مطالبة اليهود بالسماح لهم بالهجرة إلى فلسطين، وهو رفض أدى إلى فساد العلاقة التي كانت حميمة بين الدولة العثمانية ومن في الأراضي العثمانية وخارجها من يهود، وكان هذا واضحاً في مقولة السلطان مراد الثالث: "ما الذي سيحصل فيما لو قطعت رؤوس جميع هؤلاءاليهود ؟.
وحق لمراد الثالث أن يغضب على من في بلاده من يهود، سمح سميه السلطان مراد الثاني لهم بالإقامة في الدولة العثمانية لاجئين فقراء لا موطن لهم، ويسر لهم مقاما آمنا وعيشا رخيا، فكفروا بأنعم الله تعالى وبجميل العثمانيين، وأرادوا فرض سياسة معينة على ولي نعمتهم السلطان مراد الثالث تخدم الخفي من أغراضهم التي لم تكن خافية على الدولة العثمانبة وإن تجاهلتها.
صفحة 5

المبحث الثاني: شبتاي زيفي والعهد القديم

مؤسس فرقة الدونمة هو شبتاي زيفي المدعي في القرن السابع عشر بأنه المسيح اليهودي المنتظر. وكلمة مسيح ينطقها بعض اليهود مشيح أو ماشيح لتفادي اللبس عند النطق بها بين مسيح اليهود المنتظر ومسيح النصرانية المنتظر أيضا. أما المعنى الخاص للكلمة هو: النبي أو المخلص الذي يرسله يهوة، لإنقاذ بني إسرائيل . وفي العبرية يستخدم مصطلح (هاميليخ هامشيح) بمعنى الملك الممسوح للإشارة على المسيح ، وأنه من سلالة داود عليه السلام. وراجت بين اليهود شائعة في تلك الأيام مفادها أن المشيح المنتظر سيظهر في عام 1648 كي يقود اليهود بصورته المشيحية، وسيجعل القدس عاصمة لدولتهم المنتظرة التي سينشئها لهم حسب ظنهم. وأنه سوف يحكم العالم من فلسطين .
ولد شبتاي زيفي في عام 1626 ويسمى أيضا سبتاي زيفي من أب يدعى مردخاي زيفي من إزميرنا Smirna كان يعمل في التجارة في إزمير منتقلاإليهامنالمورةفي اليونان،اسباني الأصل وعرف بين العثمانيين الأتراك بلقب "المفتش الأسود .Kara Mentes
كان والد شبتاي رجلا فقيرا، فلما نجح في أن يكون وكيلا في إزميرنا لبيت مالي إنجليزي منجزا العمليات المالية لذلك البيت بجدية وإخلاص أدت به إلى كسب ثقة البيت المذكور. وهي ثقة ازدادت قوة بحصوله على ثقة المديرين المسيرين لذلك البيت فغدا رجلا غنيا .وفي الوقت نفسه أصبح مندوبا عن شركة هولندية.  وشبتاي هو الابن الأصفر لمردخاي من ثلاثة إخوة، وقد تأثر ببعض الأفكار الدينية عندما كان يتلقى دروس الحاخامية.
أرسله والده إلى مدارس دينية، فدرس التلمود في قاعة محاضرات الحاخام يوسف أيسكافا المعدود حاخاما متشددا في إزميرنا. ولم يتحصل شبتاي من تلك الدراسة على أي مؤهل علمي، إلا أن تعاليم الكبالا قد اجتذبت الطالب المجد شبتاي إليها فدرس الزهد مهتديا في دراسته بتفسير"لورياLuria، مؤيدا الرأي الذي ساد في ذلك الوقتوالقائل بأن الكابالا لا يمكن اكتسابها فقط عن طريق الزهد.
واضب شبتاي على حضور دروس الحاخام إسحاق آلبا وهو لم يبلغ من العمر سوى خمس عشرة سنة.
وأثَّر إسحاق آلبا في أدبيات شبتاي بتعليمه التوراة والتلمود من خلال استنباط المعاني المجازية والتصوفية وكيفية تخريجها من الكتب الدينية التي خلفها علماء بني إسرائيل على مر العصور.
واستغل شبتاي ذكاءه في تفسير الدلالات الرمزية التي يستنبطها من الأسفار اليهودية القديمة كما استغل ما يتردد على ألسنة الحاخامات منذ أزمنة بعيدة بأن لكل حرف من الأبجدية العبرية رقما رمزيا مقابلا. وأن لمجموع الأرقام الرمزية للكلمة أو الجملة دلالة على أمور ستحدث مستقبلا.
وعندما أرسل الله النبي عيسى عليه السلام آمنت به فئة من بني إسرائيل(النصارى الأول) وبقي الآخرون ينتظرون مشيحهم. قال الله تعالى:
"يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله كما قال عيسى ابن مريم للحواريين من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين."(سورة الصف الآية 14)
وخلال الصراع المذهبي في أوربا في القرن السابع عشر ساد بين اليهود إعتقاد بأن أملهم في ظهور المشيح لإنقاذهم من محاكم التفتيش التي شكلتها الكنيسة الكاثوليكية سيتحقق. أما الكهنة فقالوا: إن المشيح سيظهرعام 1648، بل إن من النصارى من بات يؤمن دون أي بينة مقنعة بأن عام 1666 هو عام المسيح المنتظر.
وكانت هناك محاولات من قبل اليهود لمعرفة الحقبة أو السنة التي سيظهر فيها المشيح المخلِّص لاسيما بعد أن هدم الامبراطور تيتوس معبد سليمان في القدس عام70م .
ولم يعترف اليهود بعيسى ( مسيحا، وواصلوا إنتظارهم للمشيح اليهودي المنقذ -كما يعتقدون- كي يعيد إليهم دولتهم ومن ثمَ يفرضون هم سيطرتهم على العالم. وذلك بعد أن شاع بينهم إعتقاد بأن المشيح المنتظر سوف يساعدهم على إقامة دولة يهودية كبرى, ويرغم العالم كله على اعتناق الدين اليهودي."
وعلق الدكتور مارتن لوثر ساخرا على مسيح اليهود بقوله: إنه دجال، وأن اليهود لا يريدون شيئا من المشيح الذي ينتظرونه إلا أن يأتي بسيف مصلت، ثائرا كما ثار بيراخيا على الرومان، ويكون ملكا زمنيا دنيويا محاربا، يقتل المسيحيين ويستولي على العالم ويقسمه على اليهود ويجعلهم أصحاب السيادة والسطوة والثراء، ثم يموت ميتة الملوك الدنويين فيخلفه من بعده من يكون على غراره، فهم يريدون مسيحا دنيويا يسوق إليهم الحطام والطعام فيشبعهم كما تشبع البقرة أو الكلب.ويضيف لوثر قوله :
فأي خير ينالني من مشيح اليهود، إذا كان لا يقدر أن يعينني أنا الإنسان المخلوق المسكين، أو أن ينقذني من وحدتي الروحية، ويجعلني عشر معشار الخنزير صلاحا؟ وأقول يا إلهي: إحفظ "مسيحك"هذا لك أو اعطه لمن تشاء من البشر غيري، أما أنا فامسخني يا إلهي خنزيرا قبل أن تعطيني مسيح اليهود، إذ أنه من الخير لي أن أكون خنزيرا حيا من أن أكون إنسانا نهايته الهلاك الأبدي. أما المسيح فليت ذلك الرجل لم يولد."
بدأ شبتاي زيفي بدراسة كتابي التوراة والتلمود.إذ أن الديانة اليهودية ترتكز على هاتين الركيزتين الرئيسيتين: فالتوراة، وتعرف أيضاً بالعهد القديم أو العتيق تمييزا لها عن العهد الجديد الذي يُراد به الإنجيل. الأولى مقدسة عند اليهود والمسيحيين على حد سواء، بينما الإنجيل الذي لا يعترف به اليهود يعد كتاب الديانة النصرانية الأساسي، ومجموع أسفار التوراة والإنجيل يسميه النصارى بالكتاب المقدس. فالعهد القديم وهو ما أسماه القرآن الكريم بالتوراة، وبالعبرية"توراه" التي تعني "الهدى والإرشاد"، يتكون من تسعة وثلاثين سفراً، ويقسم إلى ثلاثة أقسام : القسم الأول مكون من خمسة أسفار هي : سفر التكوين وسفر الخروج وسفر اللاويين وسفر العدد وسفر التثنية. وقد أطلق على هذه الأسفار الخمسة اسم "كتب موسى الخمسة"، وتسمى باليونانية Pentatichus "بينتاتيكوس“ أي الكتاب ذو الأسفار الخمسة، وقدانتقلت هذه اللفظة اليونانية إلى معظم اللغات المعاصرة  ليس من بينها اللغة العربية.
أما القسم الثاني "نبييم" أي الأنبياء فيشتمل على مجموعتين : الأولى خاصة بالأنبياء الأوائل، وتختص بتاريخ بني إسرائيل من دخول يشوع فلسطين حتى تاريخ هدم هيكل [معبد سليمان] بمدينة القدس.
وتختص المجموعة الثانية بالأنبياء الأواخر وتتألف من أربعة عشر سفراً هي سفر: أشعيا وأرميا ويوئيل وعاموس وعوبيديا ويونان ومتي وناحوم وصيقوف وصفنيا وحجي وزكريا وملاخي.
ويسمى القسم الثالث "كتوبيم" ويشتمل على الكتابات والأشعار ويتكون من اثني عشر سفراً هي: مزامير داود وأمثال سليمان وأيوب ونشيد الأناشيد وراعوث وهوتسع ومرائي ارميا والجامعة واستير ودانيال وعزرا ونحميا.
وتشتمل التوراة على تاريخ اليهود حتى سنة 240 قبل الميلاد. كما تشتمل على جميع شرائعهم وشعائرهم ومعاملاتهم، وهي الكتاب الذي يتمسكون بتعاليمه وأقواله. وتعد الديانة اليهودية دياتة كهنوتية، فالكهنة أي الحاخامات والربيون هم الذين يحتكرون تفسير التوراة، والحاخامات هم الوسطاء بين اليهود وإلههم "يهوه" وهم الذين ينفذون الشريعة ويوجهون الشعب اليهودي من خلال مناهج مدارسهم الدينية. والتوراة الحقيقية هي الصحف التي أنزلت على موسى عليه السلام وقد ضاعت في ثنايا التوراة المحرفة التي بين أيدي اليهود منذ قٌبيل عودتهم من بابل, أما ما جاء قبل صحف موسى وما جاء بعدها من رسالات رسل بني إسرائيل وأنبيائهم فليست من التوراة في شيء.
صفحة 6
في القرن السادس قبل الميلاد عندما كان اليهود يعيشون أذلاء مكبوتين في مختلف منافي بابل ويطحنهم الأسر البابلي حتى بلغ منهم اليأس من التحرر منه حدا خطيرا يهدد بانهيار معنوياتهم قبل أبدانهم، تظافر حاخاماتهم على إنقاذهم من نتائج اليأس الذي تردوا فيه، وعملوا على رفع أرواح اليهود معنويا بالتحدث عما ابتكروه من "فكرة الوعد الإلهي لجدهم إبراهيم".فلما تأكدوا من أن أمل اليهود في التحرر من الأسر لم يمت كله شرعوا في حقبة ما قبل القرن السادس قبل الميلاد في تدوين التوراة بصورة متصلة جادة جامعين ما لا يزال عالقا منه بذاكرات الأفراد من يهود الأسر.وواصلوا تدوينه طيلة الأزمنة التالية.
وبتدوين التوراة حاول أحبارهم وحاخاماتهم إنعاش روح المقاومة والحمية اللتين ذبلتا فيهم إلى درجة الاستسلام لليأس. وفي الحقبة نفسها بدأ تدوين الحاخامات لكتاب التلمود المعد جزءاً من أحكام الديانة اليهودية، وأصل كلمة تلمود في العبرية هو"لاماد" أي يعلِّم. وينقسم التلمود إلى قسمين: "المشنا" أي النص أو المتن و"الجمارا" أي التفسير والشرح ، والتلمود اسم جامع للمشنا والجمارة معاً، والمشنا عبارة عن مجموعة من ضوابط تقاليد اليهود المنظِِّمة لمختلف مجالات حياتهم مع آيات من التوراة.أما الجمارا فهي مجموع المناظرات والتعاليم والتفاسير التي وضعت في المدارس الدينية العالية بعد الانتهاء من وضع المشنا.
ويزعم اليهود أن هذه التقاليد والتعاليم ألقاها النبي موسى عليه السلام مشافهة على شعبه بعد أن أعطيت له حين كان على الجبل، ثم تداولها هارون واليعازر ويشوع وسلموها للأنبياء، ثم انتقلت من الآنبياء إلى أعضاء المجمع العلمي الأعلى الـ(سنهدرين) وخلفائهم حتى القرن الثاني بعد المسيح عيسى (، وأكثر اليهود يعدون التلمود كتاباً منزلاً من الله وينزلونه منزلة التوراة.
كان داوود ابن ثلاثين سنة عندما غدا ملكا،ومكث في الملك أربعين سنة.
ولابد من معرفة تطور الصراع السياسي بين طوائف اليهود قبل تولي داود الحكم، فهم قد إنقسموا بعد وفاة شاؤول إلى فرقتين، الأولى ناصرت داود، في حين ناصرت الأخرى أشبوشيت، ابن شاؤول، وأدى ذلك الانقسام في نهاية الأمر إلى انتصار فرقة داود على الفرقة المنافسة لها مما دفع يهودا وكالب إلى مبايعة داود ( وتنصيبه ملكاعلى حبرون بدلا من أشبوشت الوريث الشرعي لشاؤول.
فر اشبوشت إلى المنطقة الشرقية معلنا الانفصال عن مملكة حبرون، وغدا ملكا عليها واتخذ من قرية محنائيم عاصمة لها. وتزعم الأسفار أن داود بعد أن قتل اشبوشت في نهاية صراع دام سبع سنوات، وحََّد الدولتين،ثم عمل على التخلص من الفلسطينيين معلنا عليهم الحرب. وبدأ بتصفية القواعد الكنعانية. وانتهى باحتلال مدينة يبوس(القدس).
كانت القدس يومئذ تحت حكم الخوريين (اليبوسيين)، فغير داود اسمها العموري القدس أرشليم وأسماها مدينة داود.
يروي الحاخامات أن الله أعطى موسى التوراة على طورسيناء مدونة بينما أعطاه التلمود مشافهة. ويشتمل التلمودعلى مجموعة تفاسير وشروح وأخبار وأحكام وضعها حكماؤهم المجتهدون، ودونوها فيما يزيد عن عشرين مجلداً وضعت في أزمان مختلفة وأحوال متباينة.
ويتكون التلمود من المشنا التي هي خلاصة الشريعة الشفاهية أي غير المكتوبة وتمثل مجموعة تشريعات اليهود الدينية والقانونية والمدنية والسياسية، كما انها عبارة عن نص الشريعة اليهودية المكتوبة وتفسيرها، وأكثرها مبني على تقاليد قديمة وحديثة، وجلها مكتوب بالعبرية القديمة.أما الجمارا فهي عبارة عن تفسير للمشنا وضعها علماء فلسطين وبابل. لذلك يوجد تلمودان، الأول يعرف بالتلمود الفلسطيني ويسميه اليهود بالأورشليمي، ويعرف الآخر بالتلمود البابلي. الأول بالآرامية الغربية، أما الآخر فلهجته آرامية شرقية. وحجم التلمود البابلي يوازي حجم التلمود الفلسطيني أربع مرات، إذ يقع في 5894 صفحة. ومن المرجح أن عملية تدوين التلمود قد بدأت مع بداية عملية تدوين التوراة في بابل في القرن السادس قبل الميلاد، وظلت مستمرة بعد رجوع اليهود من الأسر البابلي سنة 539 ق.م. ويقال أن أول من جمعالتلمود في كتاب واحد هو الحاخام يوخاس وأنه سماه المشنائم، زيدت عليه في القرون اللاحقة متون وحواشي وشروح كثيرة وصار يعرف بالجمارا.
برع شبتاي زيفي في التفسير الإشاري. وما أن بلغ من العمر ثمانية عشر عاماً حتى أصبح حاخاماً مؤهلاً وحصل على مرتبة الأستاذية. وفي تلك الحقبة بالذات تميز باللباقة والذكاء وبالنظافة والورع نتيجة كثرة اغتساله وصومه حتى في غير أوقات الصيام، وبذلك استطاع أن يجمع حوله عدداً كبيراً من المؤيدين له. وكان أصدقاؤه من الشباب يعرفونه برائحته الزكية. وكانت تظهر عليه حالة ما يسمى في علم النفس بالسيكلوثاميا، وهي حالة نشاط وهيجان بالغين يعقبهما انقباض وقنوط، وقد صاحبته هذه الحالة حتى الأيام الأخيرة من حياته. أما في حالة سكينته نفسيا فكان كثيراً ما يتغنى في نشاط واستمتاع. وينشد المزامير وترنم بالأشعار بصوت رخيم. وكان يأسر بصوته الجميل أتباعه ولا سيما الصغار منهم.أما عندما يرتل التراتيل الدينية فيكون لترتيله تأثير سحري في الكبار والصغار. وبفضل معرفته العميقة للمسائل الدينية كان يتغلب على مجادليه ويخدع المقربين إليه. بل ويسعى مستغلا الحسابات الأبجدية إلى تحريف النصوص الدينية لاستخدامها في دعوته حتى أنه حرّف بيتاً من الشعر نص مصراعه الأول :
حبيبي يشبه الغزال وجعله: ربي يشبه شبتاي، تنطق "دوم دود ليسفي"، وكلمة دود بمعنى الحبيب تعني مجازا الله. وكلمة سفي الموجودة في نهاية الجملة تشبه (زفي) فيقول إن معناها "إن الله يشبه ساباتاي سفي".
صفحة 7
ومن أمثلة خداعه: تلاعبه بأية جملة تحمل معنى عبارة "جاء عام تخليصي لكم" فهي في أصلها تقابل بحساب الجمل الرقم 814، وحسابالجمللعبارةشبتايزيفيتحمل أيضا الرقم 814. وإن من صفات الله في اللغة العبرية صفة (قدير) ومجموع رقمها يعادل ايضا بحساب الجمل الرقم 814. ولا يزال أنصار شبتاى زيفي في سلانيك يقومون بإحياء ذكراه، ولا تزال تدور بين أولئك الأنصار من الدونمة وغير الدونمة من اليهود مجادلات حول صحة دعواه.
تزوج شبتاي زيفي فتاة وهو في الثانية والعشرين من عمره، ولكنه لم يقربها وطلقها بطلب منها للطلاق منه بعد بضعة أشهر من زواجه. وبعد إنقضاء مدة من الزمن، عقد قرانه على امرأة أخــرى ولم يقربها أيضاً. وفسر اتباع سبتاي حضوره* ذاك على أنه نــوع من الطهر والتبتـل. أما هو فكان يقول بأن روح القدس قد أوحى إليه بأن زواجـه من المرأة المناسبة لم يحن بعد. وتزوج سبتاي فتاة بولونية اسمها سارة كانــت تعرف بـالليدي اكوين ريبيكه TheLady QueenRabekah، اسمها الحقيقي كما يظهر في كل المصادر كان سارة.  وكانت قد تربت سارة في منزل أحد النبلاء البولنديين، إذ يبدو أن أباها كان من يهود الأَرَندا أي وكيلا مالياً لنبيل في منطقة أوكرانيا، وفقدت أبويها عندما شبت إنتفاضة شميلنكي. وهي الانتفاضة التي اكتسحت وكلاء النبلاء الإقطاعيين فأخذت سارة إلى أحد الأديرة ونصِّرت ولكنها فرت منه وجاءت إلى فلسطين.
كانت سارة تسكن في منزل أخيها صموئيل في أمستردام عندما طرق سمعها لأول مرة اسم شبتاي زيفي وادعاءاته، فاختلقت رؤيا نشرت خبرها على أوسع نطاق بين اليهود، زاعمة أن نوراً سيسطع عليها عام 1666. وفسرت رؤياها بأنها بشارة بزواجها من المشيح المنتظر الذي سيظهر في ذلك العام. وسرعان ما بلغت شبتاي زيفي أنباء عنها وعن رؤياها، فاختلق هو الآخر بدوره رؤيا تبشره بالزواج بفتاة بولونية. وأرسل لها خبراً أكد فيه رغبته العارمة في الزواج منها. فوافقت على التزوج به دون تردد. وعّد اليهود رؤيا شبتاي المزعومة تلك معجزة من معجزاته. ويقال بأنه كان يعرف سلوكها الغريب وأنها لا ترد يد لامس، ولهذا السبب يقال بأنه كان قد تزوجها تقليداً للنبي يوشع الذي جاء عنه في العهد القديم ما نصه: "أول ما كلم الرب يوشع : "قال الرب ليوشع اذهب خذ لنفسك امرأة زانية وأولاد زنى لأن الأرض قد زنت تاركة الرب"، وجاء في هذا السفر أيضاً : "وقال لي ربي اذهب وأحبب امرأة حبيبة رجل آخر وزانية".
ومن جانب آخر، ذكر مؤرخو حياة شبتاي زيفي : "أنه كان يسلك أحياناً سلوكاً مختلفاً عن سلوكه عندما كان في العشرين من عمره.فهناك رواية تقول : "إنه لم يكن يعرف الاعتدال الجنسي في حياته حتى أنه زنى بامرأة صديقه ومضيفه في مصر الصيرفي رافائيل يوسف Raphael Joseph. كما كان يعيش طيلة إقامته فيمصر حياة خليعة عندما ذهب إليها منفياً بأمر الصدر الأعظم أحمد فاضل باشا".
ومما استدل به القائلون بتبذله أنه بعد ما أجريت له مراسم إلباس التاج صار يستقبل زواره بمواعيد ومراسيم معينة. وكان شغوفا باستقبال النساء.على وجه الخصوص.
بعد سنتين تقريباً من تاريخ وصول سبتاي زيفي إلى القاهرة جلب روفائيل جوزيف إلى مجلس شبتاي أحد القباليين من ذوي الشهرة الواسعة يدعى صامويل فيتال SamuelVital ابن حاييم فيتال HayyimVital الحواري الرئيس لإسحاق لوريا المولود سنة 1598. عمل محامياً عن كتابات والده التي شرحت عقيدة لوريا غير الحرفية ولسنين طويلة عاش صاموئيل فيتال في دمشق يعد أوراق والده رافضاً بإصرار السماح لأحد باستنساخها.
انتهزت سارة الفرصة التي سنحت لها عبر تنقلاتها غير المخطط لها للحضور إلى مصر. أما إدعاؤها بأن شبتاي واعدها على اللقاء في مصر فقول يحتاج إلي بينة والمعتقد أن ما ادعته من دعوة شبتاي لها للقائه بالقاهرة إن هو إلا إضافة لإكساب قصة رؤياها مصداقية. أما زواج سارة بسبتاي في31 آذار عام1664فالأغلبأنهتم في بيت صديقه رافائيل جوزيف.واتبعت سارة طريقة زوجها في الحياة ، إذ قامت بإرسال الرسائل إلى أصدقائها بعد توقيعها باسم"امرأة المشيح" الاسم الرمزي الذي منحه ناثان غَزِّي لها.ولم يكن هناك في القاهرة كلها أحد مسرورْا سرور رافائيل جوزيف ففي بيته قدمت سارة للمشيح ليتعارفا وفيه تزوجا.
ويؤكد مؤيدو شبتاي أن رحلته إلى مصر كانت البداية لقوََّة إعجازه ، فضلاً عن أنهم يدَّعون بأنه حقق كثيراً من المعجزات.
صفحة 8

المبحث الثالث :القابالا وشبتاي زيفي

كان شبتاي مؤمناً بالتصوف اليهودي القبالي ولا سيما القبالة اللوريانية بنزوعها الغنوصي. ويرجع الأصل المعنوي الروحي للقبالا إلى كلمات في سفر دانيال الذي كان من رجال سبي(القرن الخامس والرابع ق.م) وكان معروفاً بتفسيره للهواجس النفسية والأحلام والرؤى وقراءة المستقبل السياسي، مطلاً على ذلك المستقبل الغيبي الغامض من خلال تفسيره لكبريات الحوادث الواقعة في دول الشرق الأوسط وقتئذ ، أي دول مادي وفارس والكلدان أو الدولة البابلية الثانية ودول الإغريق والفراعنة .
كان دانيال منجماً فلكياً وسياسياً طموحاً، يعمل في سبيل العودة إلى أورشليم مع قومه ، وسفره مؤلف من اثني عشر فصلاً في نحو 25 صفحة لا أكثر.
أما معنى القبالة في العربية فيعني القبول أو تلقي الرواية الشفوية. وفي سنة 1902عرَّف القبالة (لويس جنزبرج) أستاذ التلمود في المدرسة اللاهوتية في نيويورك بأنها "مصطلح يراد به التعليم الباطني المتعلق بالله والكائنات ، وأن الله أنزل في الزمن القديم وحياً على أكرم القديسين، فاحتفظ به عدد قليل منهم. وكانت القبالة في مراحلها الأولى تدعى"الحكمة المستورة" وأطلق على دارسيها لقب "طلاب النعمة".
وقال هـ هـ. فيلمان في كتابه: "تاريخ اليهود من أقدم الأزمنة إلى العصر الحديث : إن "القبالة فوق الأسرار. فهي ربيبة القدم والوحي والرواية عن الأوائل . وكانت القبالة قائمة على التنجيم السحري الذي تعاطاه كثير من الربيين القباليين فسّموا "الحكماء" وجعلوا هذا الاسم يتضمن المعنى الباطني لتفسير"القاموس للأنبياء". درس أولئك الحكماء التلمود ثم اجتازوه إلى تعاليم هي أعلى مكانة وأبعد مدى . وكان كتابهم"الإشراق" "الزوهار" دستورهم المقدس . إلا أن القبالة السرية تبدو بمرور الزمن أنها أخذت تكشف عن أسرارها للعالم الخارجي".
أوضح كتاب الزوهار أن عصر الإنقاذ سيبزغ فجره في العالم على وجه التقريب سنة 5410 وفق التقويم اليهودي ، المزامن لسنة 1648 م. ففي تلك السنة على وجهالتدقيق أعلم شبتاي زيفي مجموعة من مرافقيه الشباب بأنه المنقذ المخلِّص للشعب اليهودي المقدرعليه أن يضع نهاية لمعاناة اليهود التاريخية وأن يعيد الشعب اليهودي المضطهد إلى أرض أجداده.
وفيما يلي تعريف هـ هـ. فيلمان لمعنى القبالة فهو يقول: إن "كلمة قبالا يٌعنى بهاعادة الطرق الفلسفية الشرقية والغريبة التي أدخلت في وقت غير معلوم التاريخ إلى المذاهب اليهودية وبعبارة أوضح يريد أن يقول : "إن القبالة تشتمل على جميع آراء الربيين في الشؤون الدينية والدنيوية. ومعناها الخاص يعني على وجه الخصوص تلك المعرفة التي رَشَحَت تقاليدها من الأسرار الخفية الموجودة في حروف الشريعة وكلماتها وعدد مرات ورودها ومواضع ذلك. وحتى موسى بن ميمون كان يستعمل كلمة القبالا كمرادف للتفسير الشفوي (المنقول بالرواية عن النبي موسى (. فالقبالة تعلّم جميع المعاني الرمزية لتجسيم الله" تعليماً مفصلاً.  وجاء في الموسوعة اليهودية الجديدة: "أن الكابالا هي مصطلح عبري يعني التسلم والتقليد.أي أن الكابالا هي تعاليم محددة متناقلَة من جيل إلى آخر عن طريق التسلم طبق مجموعة شائكة مهمة من الفلسفات والممارسات الصوفية اليهودية وغير اليهودية".
ويدعي القباليون أن كتاب "التكوين"عندهم مستمد من موسى(، وموسى استمده من إبراهيم (، إن لم يكن قد استمده من آدم (أو ممن هو أقدم من آدم ، وأما كتاب "الإشراق" الزوهار عندهم ومعناه الضياء أو النور فيرجع إلى عصر أحدث". وبتعبير آخر: فالقبالا تعني القضايا الصوفية والتأويلات الباطنية المبنية على المعتقدات اليهودية. وقد تطور هذا العلم كثيراً بعد القرن الميلادي الثاني عشر، وبعد ظهور كتاب الزوهار بخاصةً. والقباليون يعدون كتاب الزوهار من الكتب الرئيسة عندهم، ومن أكثر الكتب تأثيراً فيهم. وأهميته وقدسيته تضارع لديهم أهمية العهد القديم وقدسيته. وغير القباليين لا يعدون كتاب الزوهار كتاباً بالمعنى المعروف، حيث يفتقد إلى وحدة الموضوع، فهو خليط من موضوعات شتى متعددة: يضم شروحاً على فقرات من التوراة وعظات دينية وقصصً شعبية وأشياء عن الملائكة والأولياء، وإشارة إلى أقوال الحاخام سيمون بن يوحاي وأتباعه والمقربين منه. ويٌٌنسَب كتاب الزوهار إلى الحاخام موشي دي ليون الذي عاش في القرن الثالث عشر الميلادي.
أما معنى القبالا في المعاجم الأوربية فيشير إلى الطغمة التي تتشح بالظلام لتدبر المؤامرات الخفية وتحيك الدسائس.وتعد طائفة "الفرانكيين" المعرَّّفين أيضاً "بالزوهاريين"من أشهر الجمعيات الكابالية أو إخوان الشعلة لانتمائهم إلى الزوهار (كتاب الضوء) بزعامة يعقوب فرانك الذي يعد من أبرز دعاة الكابالا، بعد أن استطاع في منتصف القرن الثامن عشر أن يجمع حوله في بودوليا مجموعة من الاتباع. ولم تمنع فرانك يهوديته المتطرفة من أن يعتنق النصرانية مع مجموعة من الزوهاريين . ومن ناحية أخرى أذاع فرانك في أوساط اتباعه في الدولة العثمانية أنه اعتنق الإسلام ، ونتج عن ادعائه ذاك إلقاء القبض عليه في وارسو بتهمة الارتداد عن اليهودية ونشر الإلحاد والكفر بموسى وعيسى . وبعد إطلاق سراحه تجول في أواسط أوربا مع ابنته حواء التي استطاعت أن تؤثر على الإمبراطورة ماريا تريزيا، إلا أنه أخرج من النمسا بسبب اتهامه بالزندقة، وأستقر في ألمانيا في مدينة اوفنباخ بالقرب من فرانكفورت وتسمى بالبارون فون اوفينباخ حتى توفي في سنة 1791.
ومن الدعاة للكابالا حاييم صموئيل يعقوب فوك المعروف بالدكتور فوك أو دي فوك. ولدفي بودوليا في مطلع القرن الثامن عشر، واتصل بالزوهاريين، وتوفي في نيسان 1782.
صفحة 9

المبحث الرابع :المسيح المنتظر

دعاة النبوة يذهبون إلى أن الأحاديث النبوية تشير إلى مجيء "المسيح الموعود" وبما أنه كان نبيا ً، فلا يقدح مجيئه في ختم النبوة، وهذا يعني من وجهة نظرهم أن ختم النبوة حق ولكن من الحق كذلك مجيء "المسيح الموعود". ويؤكد القرآن الكريم أن محمداً ( هو خاتم الأنبياء، وفق ما جاء في الآية 40 من سورة الأحزاب : "ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين وكان الله بكل شيء عليما". وفي هذا المعنى أورد البخاري حديثا نصه، قال الرسول ( : "كان بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي جاء نبي ، وإنه لا نبي بعدي وسيكون خلفاء فيكثرون ، قالوا فما تأمرنا قال ( أوفوا ببيعتهم الأول فالأول، أعطوهم حقهم فإن الله سائلهم عما استرعاهم. وفي حديث آخر عن أبي هريرة ( أن رسول الله( قال إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتاً فأحسنه وأجمله إلاّ موضع لبنة من زاوية فجعل الناس يطوفون به ويعجبون منه ويقولون هلا وضعت اللبنة، فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين".
وحديث جابر بن عبد الله ( قال:قال رسول الله ("أعطيت خمسا لم يعطين أحد قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ، وأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل ، وأحلت لي الغنائم ، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس كافة، وأعطيت الشفاعة".
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله عنه " ألا ترضى بأن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه ليس نبي بعدي".
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لانبي بعدي ولا أُمَّة بعدي ، فإني آخر الأنبياء وإن مسجدي آخر المساجد". وقد أقر إنجيل برنابا بختم النبوة إذ جاء فيه : "حينئذ قال يسوع عليه السلام قد جاء الأنبياء كلهم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي سيأتي بعدي لأن الله يريد ذلك حتى أهيئ طريقه . بعثني الله تعالى لأصدقه وأخبر الناس بجيئته".
ويقول إنجيل برنابا : "تضرع آدم عليه السلام إلى الله تعالى قائلاً: يارب هبني هذه الكتابة [التي رآها على العرش] على أظفار أصابع يدي فنسخ الله أولا من تلك الكتابة على ظفر إبهام اليد اليمنى لآدم ( ما نصه: لا إله إلا الله"، وعلى ظفر إبهام يده اليسرى ما نصه: "محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ". فقبَّل الإنسان الأول بحنو أبوي هذه الكلمات ومسح عينيه وقال: بورك ذلك اليوم الذي ستأتي فيه إلى العالم".
يقول الأب عبد الأحد داود في كتابه الموسوم بـ "كتاب الإنجيل والصليب" "إنني بعد تسليمي بحقيقة الآية (15:7من إنجيل متي) أقول: إن كانت هذه الآية هي ما يعتمد عليه النصارى في نفي احتمال ظهور رسول حقيقي بعد المسيح ( فإنها هي نفسها مع الأربع آيات التالية لها تصرح بأنه سيأتي أنبياء صادقون وأنبياء كذبة. وبيَّن علامة التمييز بينهما. وحذر من الكذبة وهذا نص الآيات الخمس: احترزوا من الأنبياء الكذبة الذين يأتون بثياب الحملان" إي دون الصادقين منهم.  أما القرآن الكريم فأشار إلى عودة سيدنا عيسى عليه السلام ، فجاء في الآية 159 من سورة النساء: "وإنََّ من أهل الكتاب إلاَّ ليؤمنن به قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم شهيداً".
قال الشوكاني في رسالته التوضيح في تواتر ما جاء في الأحاديث:"وقد ورد في نزول عيسى ( تسعة وعشرون حديثاُ تم سردها وقال بعد ذلك: ما سقناه بالغ حد التواتر كما لا يخفى على من يتمتع بفضل إطلاع فيقرر أن جميع ما سنذكره من أحاديث في نزول سيدنا عيسى( هي أحاديث متواترة": فعن أبي هريرة ( قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "والذي نفسي بيده ليوشكن فيكم أبن مريم حكماً عدلاً فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الحرب ، وفي رواية يضع الجزية ويفيض المال حتى لا يقبله أحد حتى تكون السجدة الواحدة خيراً من الدنيا وما فيها".
وأما وقت خروجه فسيكون عند الفجر ، وسينزل سيدنا عيسى عليه السلام " عند صلاة الصبح فيقول أميرهم يا روح الله تقدم صلّ فيقول:"هذه الأمة أمراء بعضهم على بعض".
وفي كتاب الفتن لأبي نعيم: "ينزل ابن مريم فيجد خليفتهم يصلي بهم فيتأخر فيقول للخليفة صلّ فقد رضي الله عنك فإني إنما بعثت وزيراً ولم أبعث أميراً". فسيدنا عيسى عليه السلام لا ينزل بشريعة متجددة بل ينزل على شريعة نبينا محمد (ويكون من أتباعه".
وفي هذا الشأن يقول الشيخ عبد الحق الدهلوي:قد ثبت بالتحقيق من الأحاديث الصحيحة أن عيسى عليه السلام سينزل ويكون تابعاً لدين محمد صلى الله عليه وسلم ويحكم بشريعته.
ويقول القاضي محمد بن علي الشوكاني : "وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة أن عيسى عليه السلام حين ينزل باق على نبوته السابقة لم يعزل عنها بحال لكنه لا يتعبد بها لنسخها في حقه وحق غيره وتكليفه بأحكام هذه الشريعة أصلاً وفرعاً فلا يكون إليه وحي ولا نصب أحكام، بل يكون خليفة لرسول الله وحاكماً من حكام ملته بين أمته".
صفحة 10
إن أكثر الروايات وأقواها إسناداً وهي المرقمة بالأرقام:3 و7 و9 و15 و16 توضح أن المسيح عليه السلام يرفض أن يأم المسلمين ويقدم إمام المسلمين آنذاك ويصليخلفه. وهذا مما أتفق عليه جميع المحدثين والمفسرين رحمهم الله تعالى.
روى أبو هريرة رضي الله عنه قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :"كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وامامكم منكم". وعن جابر ابن عبد الله رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول في نزول سيدنا عيسى عليه السلام :"لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة فينزل عيسى ابن مريم عليه السلام فيقول أميرهم تعال صل لنا فيقول ، بعضكم على بعض أمراء ، تكرمة الله لهذه الأمة".
وتدل هذه الأحاديث على انتصار الإسلام وإبطال غيره من الديانات والدليل على ذلك كسر سيدناعيسى عليه السلام للصليب وقتله للخنزير وعدم قبوله للجزية فإما الإسلام وإما القتل. "فيقاتل المسيح عليه السلام الناس على الإسلام فيدق الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ويبطل الله في زمانه الملل كلها إلا الإسلام". وسيسلط الله المسلمين على اليهود فيقاتلونهم حتى أن الشجر والحجر لينادي يا عبد الله يا عبد الرحمن، يا مسلم، هذا يهودي فاقتله، فيفنيهم الله تعالى ويظهر المسلمون". وكل هذه الأحاديث النبوية الشريفة تشير إلى ظهور المسيخ الدجال الذي يقتله سيدنا المسيح عليه السلام ولها إشارات في القرآن الكريم، منها قوله تعالى: "يوم تأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفساً إيمانها". وقد استشهد ابن كثير في تفسيره لهذه الآية بأبي هريرة رضي الله عنه الذي روى عن الرسول صلى الله عليه وسلم قوله : "ثلاثة إذا خرجن لم ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل: الدجال والدابة وطلوع الشمس من مغربها".ويقول البغوي في تفسيره: إن الدجال مذكور في قوله تعالى: "لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس". وقد أشار الرسول صلى الله عليه وسلم إلى ظهور الدجال. فعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان يكون بينهما مقتلة عظيمة دعوتهما واحدة وحتى يبعث دجالون كذابون قريب من ثلاثين كلهم يزعم أنه رسول الله، وحتى يقبض العلم وتكثر الزلازل، ويقارب الزمان وتظهر الفتن، ويكثر الهرج وهو القتل، وحتى يكثر فيكم المال فيفيض حتى يهم رب المال من يقبل صدقته وحتى يعرضونه فيقول الذي يعرض عليه لا أرب لي فيه، وحتى يتطاول الناس في البنيان، وحتى يمر الرجل بقبر الرجل فيقول يا ليتني مكانه، وحتى تطلع الشمس من مغربها فإذا طلعت ورآها الناس-يعني آمنوا أجمعون- فذلك حين لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا ً، ولتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما فلا يتبايعانه ولا يطويانه، ولتقومن الساعة وقد انصرف الرجل بلين لقمته فلا يطعمه، ولتقومن الساعة وهو يليط حوضه فلا يسقي فيه، ولتقومن الساعة وقد رفع أكلته إلى فيه فلا يطعمها".
وصف الرسول ( المسيح الدجال بالصفات الآتية:ما بعث نبي إلاّ أنذر أمته الأعور الكذاب، ألا إنه أعور، وإن ربكم ليس بأعور، وأن بين عينه مكتوب كافر". أما مكان خروجه ، فعن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يخرج الدجال من أرض بالمشرق يقال لها خراسان يتبعه أقوام كأن وجوههم المجان المطرقة". وثبت في أحاديث صحيحة أن الدجال لن يدخل مكة والمدينة ، وأنه سيحاصر بيت المقدس ولا يدخله. فعن البخاري:حدثنا أبو اليمان ، أخبرنا شعيب عن الزهري أخبرني عن أبي سعيد قال ، حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال يأتي الدجال وهو محرَّم عليه أن يدخل نقاب المدينة. وعندما يأتيها الدجال يجد الملائكة يحرسونها فلا يقربها".
وسيقاتل اليهود في صف الدجال، فلا يتوارى منهم يهودي وراء شيء إلاّ أنطق الله ذلك الشيء فيقول:"يا عبد الله المسلم، هذا يهودي فتعال أقتله. بهذا يقضى على أكبر فتنة من الفتن التي تحدث في الأرض، ثم يأخذ عيسى في العمل على محو المسيحية كما ذكرنا.
وعن ذلك يقول الشيخ رشيد رضا: "ويدل القدر المشترك من هذه الأحاديث على أن النبي صلى الله عليه وسلم كُشف عن بصره، وتمثل له ظهور دجال في آخر الزمان يظهر للناس خوارق كثيرة ، وغرائب يفتتن بها كثيرون ، وأنه من اليهود ، وأن المسلمين يقاتلونه ويقاتلون اليهود في هذه البلاد المقدسة ، وينتصرون عليهم ، وقد كشف له صلى الله عليه وسلم ذلك مجملاً غير مفصل ، ولا يوحي به عن الله كما كشف له صلى الله عليه وسلم غير ذلك من الفتن فذكره ، فتناقله الرواة بالمعنى ، فأخطأ كثيرمنهم، وتعمد الذين يبثون الإسرائيليات الدس في رواياته".
أشار بعض من كتبوا عن المستشرق الإيطالي الدوق ليوني كائتاني أنه أعدَّ دراسة لم تنشر بعد عن التشابه بين فكرة مسيح الزراديشتيين، ومشيح اليهود ومسيح النصارى الذين استمدوا لهم من لقبه اسم المسيحيين ، ومهدي المسلمين . ويقول أن اللاحق يقتبس ما يروقه من أفكار السابق، وما من دليل يقبله العقل استطاع أي من علماء الديانات الأربع المذكورة أن يقدمه إثباتا لصحة إدعائه. والدراسة محفوظة-كما يقول قره صو- في مخلفات ورثة الدوق .