صفحة 1
لعبة شطرنج
سُرق تمثال الملك· سُرق ذات ليلة غريبة من ليالي آذار (مارس)، حين هبت عاصفة هوجاء لم تُبقِ شيئاً على حاله· انهارت بيوت الفقراء الطينية، وطارت أكواخ الصفيح، واقتلعت الأشجار واندلعت الحرائق في الغابات الكثيفة الواسعة·
وفي الحال صدر بيان ملكي بغلق الحدود مدةً لا تتجاوز ثلاثين يوماً، بغية التحري عن التمثال المسروق واكتشاف فاعلي هذه الجريمة البشعة، التي لا يمكن أن تمر من دون قصاص عادل·
أُغلق المجال الجوي، واضطرت شركات الطيران إلى تغيير مسار رحلاتها الجوية، كما أُعطيت تعليمات صارمة إلى خفراء السواحل لمراقبة البواخر والزوارق ومنعها من اجتياز المياه الإقليمية، خشية تهريب التمثال إلى الخارج·
وُضعت مقرات الجيش والشرطة في حالة إنذار شديد، وتأهبت أجهزة سرية أخرى لا يعرف اسمها إلا الله لخوض المعارك الدامية دفاعاً عن الملك·
كنت في الثالثة من عمري، حين أخذتني أمي إلى حفل إزاحة الستار عن أول جدارية للملك في مدينتنا (الملك، للعلم، كان يكره التماثيل في البداية)· كان حشداً جماهيرياً هائلاً، أُطلقت فيه العيارات النارية، رفرفتْ فيه الأعلام الحمر والزرق والخضر، وتعالت فيه زغاريد النسوة·· وحين أُزيح الستار عن الصورة الكبيرة الملونة في الساحة الرئيسة للمدينة، شرعت الفرق الموسيقية تعزف موسيقاها الصاخبة، وانطلق الفتيان والفتيات يرقصون مرحين نشوانين على أنغام الطبول والأبواق والدفوف·
وذات يوم حين كنت ذاهباً إلى دار السينما، قادني فضولي للاقتراب من الساحة التي تنتصب فيها جدارية الملك، وإذا بشرطي ضخم البدن، ذي وجه أحمر منمش، يشدني من أذني اليمنى ويهتف بي مزمجراً: إلى أين يا ابن العاهرة؟!
ما الذي كنت أروم معاينته، يومذاك، عن كثب· لا أدري· كنت صبياً مغفلاً، مهمل الشعر، تشققتْ أثوابه جراء تسلق نخلات الجيران، مغرماً بالأفلام السينمائية· أجمع قطع النقد التي يهبني إياها والدي كي أوفر تذكرة السينما·
كان البلاط الملكي يضمر حقداً شديداً للفنانين، رسامين كانوا أم نحاتين، لأنهم رفضوا مرات كثيرة صنع تمثال للملك أو رسم صورة زيتية له ولعائلته، على غرار ما فعله ملوك أوربا، تظهر فيها زوجته صاحبة أغلى حذاءين ماسيين في العالم، وابنته التي تقضي نصف وقتها في باريس مرتديةً معطفها المنك الشهير، ونجله القزم الذي يهوى صيد الغزلان·
صفحة 2
وهكذا صدر قرار بإلقاء القبض على فناني بلادنا كلهم، رسامين ونحاتين، فمن سواهم يجرؤ على سرقة تمثال صاحب الجلالة··· وعقب صدور المرسوم الملكي شرع رجال الشرطة يطاردون كل شاب أو شيخ ملتح، رث الثياب ممن يشك بكونه من هذه الزمرة الخبيثة، التي درس أغلب أفرادها، وأنا واحد منهم، في عواصم أوربية، وعدنا من هناك بأزياء وتسريحات شعر وقلائد وأساور لا تمت بصلة لتراث بلدنا المعروف بالعباءة والعقال··
كانت هيئتنا اللامبالية، الساخرة، الناقمة، الداعرة غالباً، تثير حفيظة الشرطة الملكية فيلجأون إلى مضايقتنا، وقطع القلائد المعلقة في أعناقنا، وإزاحة القبعات عن رؤوسنا (كم كانت رؤوسنا تغص بالأفكار والأخيلة والأحلام !)، كما يقومون بصبغ سيقان زميلاتنا الفنانات العارية البضة؛ الفنانات المشاكسات اللواتي كن يسرحن هنا وهناك، بتنورات قصيرة، وأحذية ذوات كعوب عالية؛ فنانات جريئات، متعطشات للحياة، بنهود متمردة تخلت عن حمالات الصدر كونها رمزاً من رموز العبودية·
كان سلوك البلاط الملكي منطقياً تماماً، فما معنى أن يرفض فنانو بلد بأكمله صنع تمثال أو رسم صورة شخصية لحادي ركبهم، غير كونهم عصاة متمردين· ولم يكن أمام السلطات الملكية سوى خيار واحد، وهو صناعة التمثال في الخارج·
الواقع، رفض الفنانون أن يتحولوا إلى مرتزقة، وراحوا يقيمون معارضهم البسيطة في المقاهي وفي الساحات العامة والمتنزهات·· كنا نبيع لوحاتنا المرسومة بالألوان المائية والزيت، كنا نضحك ونثرثر وندخن بشراهة، ونتقاذف علب البيرة الفارغة· فتفاقم الحقد علينا، وتحين البلاط الملكي الفرص للإيقاع بنا، وها قد جاءت فرصته، ويا لها من فرصة ذهبية !
اقتادونا إلى سجن واسع آيل للسقوط، ذي غرفات رطبة محتبسة الهواء· لم نرَ هناك نور الشمس أبداً·· يقع السجن في أطراف المدينة بين غابات النخيل؛ ثمة طريق ترابية تؤدي إليه من الشارع الإسفلتي، وُضعتْ في بدايته علامة مرورية بارزة كُتب عليها بخط أحمر واضح: طريق خاص· وثمة نقطة حراسة في ملتقى الشارعين، يتناوب فيها عسكريون أشداء ذوو نظرات صقرية· كان هدف تلك العلامة المرورية هو تضليل مواطنينا أو الأجانب الذين ربما يأتون للاطلاع على أحوال السجناء ورفع تقارير عنهم إلى منظمات حقوق الإنسان·· خاصة أن هؤلاء السجناء تربطهم علاقات صداقة وطيدة مع فنانين وأدباء ومثقفين من خارج البلاد قد يلجأون للمطالبة بإطلاق سراحنا، ويقيمون الدنيا ولا يقعدونها، من أجل حريتنا وكرامتنا·
صفحة 3
امتلأت زنزانات ذلك السجن الواسع، الكئيب، بالفنانين من الصنوف كلها ومن الأجيال كلها: انطباعيين، تعبيريين، واقعيين، سرياليين، تكعيبيين، تجريديين، طليعيين· كنا نرسم بعضنا بعضاً بأقلام الفحم على جدران الغرف الرطبة، ونتبادل الشتائم التي حفظناها من أبناء بلدنا أو من أصدقائنا الأوربيين·
في الأسابيع الأولى كانوا يعصبون عيوننا ويأخذوننا إلى عنابر التعذيب، وليكن الله في عوننا· هناك سمعنا موسيقى الجاز الصاخبة لسياط الجلادين، موسيقى وحشية تختلط بصرخاتنا الطويلة الحادة·· هناك، في ذلك السرداب الكائن في غرب السجن، على ما أظن، سمعنا موسيقى الجاز··· سمعناها، أول مرة· كانوا يوثقون أيدينا وسيقاننا بحبال غليظة، وأحيانا بسلاسل حديد·· كي يتمكنوا من عزف موسيقاهم، بحسب النوتة الموسيقية، فوق جلودنا التي تنز عرقاً ودماً·
كنا ننزل مجموعة من السلالم، ثم ننعطف يساراً، وقبل وصولنا إلى المسلخ، تصدم أنوفنا تلك الرائحة النتنة المقززة، الرائحة التي لم نشم مثيلاً لها أبداً· يهمس كل منا في سريرته: إنه المسلخ البشري·· كان يخيل لي وأنا معصوب العينين، وجهي إلى الجدار، قبل أن يخلعوا عني ملابسي، أنهم سيحولونني إلى كومة عظام ويرفعونني في نقالة كي ينظموا لي شهادة وفاة·
كان المسلخ يعبق بروائح عرق الأجساد، الأجساد التي تتعذب وتئن تحت السياط·· يعبق بروائح الدم·· وروائح القيء الذي قذفته الأفواه خلال حفلات السمر والعربدة·· وهكذا فقد تلطخت الجدران والأرض الأسمنتية بالدماء وبسوائل القيء وعصارات المعدة والدموع وعرق الأجساد·
كنا نعود بعد تلك الحفلات الموسيقية الراقصة، التي غالباً ما تستغرق ساعات طويلةً من الليل، محمومين، منهكين حتى الإعياء· لا نقوى على الوقوف· لا نقوى على الجلوس· لا نقوى على الاستلقاء·· نشعر بلهيب يستعر في كل خلية من خلايا أجسادنا· نلعن تلك اللحظات التي أتينا فيها إلى العالم· ونأسف على ضياع حياتنا ومواهبنا في بلد يحكمه ملك غير عادل·· نلعن حظنا العاثر لأن أحداً لا يجرؤ على تذكرنا، أو ذكر أسمائنا·
صفحة 4
في تلك الليالي الرهيبة، كان الأنين يتواصل وقتاً طويلاً، بعد أن يحلوا وثاقنا، ويقودوننا كالسكارى إلى زنزاناتنا الرطبة الخانقة· كنا نتعثر بدرجات السلم، ونتشبث بالحيطان، وهم يركلوننا في مؤخراتنا ويلكزوننا في ظهورنا· ما أن يكف أحدنا عن الأنين حتى يبدأ آخر بالنواح المُر· وما عليك سوى أن تسمع أنينه ونواحه، وأن ترهف السمع إلى همهماته ولعناته وأنفاسه·· ما عليك سوى أن تسفح دموعك مع دموعه، وأن تتلمس جراحه وكدماته، أن تلمس خطوط وألوان تلك اللوحة الرهيبة المرسومة على جسده· تلمسها بأصابعٍ راعشةٍ، ذاوية لم تعد قادرةً على حمل فرشاة مغموسة باللون· تتمنى لو أوتيتَ قدرةً عجائبيةً على مداواته أو أن ترش قروحه بسائل خرافي فيتماثل للشفاء فوراً·
في ذلك المسلخ، كرهنا الحياة، كرهنا البطون التي حملتنا، كرهنا المواهب التي وهبنا إياها الباري، كرهنا معلمي الرسم الذين ورطونا في خوض حياة قاسية مليئة بالعذاب·
قضينا هناك سنواتٍ طويلةً، لا ندري كم على وجه الدقة· تعذر علينا أن نعدها· بدأت سحناتنا تتغير، وشرع الشيب يغزو رؤوسنا، واحدودبت ظهورنا، وآلمتنا مفاصلنا· وشرعت الغضون والتجاعيد تبرز في وجوهنا الكالحة وتغدو أعمق فأعمق·· أُصبنا بأمراض اللثة والأسنان، وبدأنا نفقد أسناننا تباعاً·· كانت آلام الأسنان فظيعة لا تطاق، آلام نابضة تصيبنا بالذهول، فنلجأ إلى ضرب جدران السجن برؤوسنا··
هناك، في ذلك السجن الواسع، بين غابات النخيل، بدأنا بإقامة حفلات قلع الأسنان·· نجتمع خمسة أو ستة أفراد، ويقوم الرابع والخامس بسحب الخيط المتين الملتف حول الضرس المنخور·· نركز أقدامنا الحافية في أرض السجن الإسمنتية، نضغط بقوة، بكل ما أوتينا من قوة، القوة التي بقيت في أجسادنا، ونسحب، نسحب·· كان يخيل لنا أننا نجتث الأعشاب السامة من أرض بلادنا، ننتزع جمرة حريتنا من رماد العبودية·· غالباً حين كنا ننتزع الضرس من الفك نرتد إلى الخلف ونرتطم بالباب الحديد، فيشج الرأس منا ونصاب بكدمات ورضوض في أضلاعنا أو أذرعنا·
كنا نشد الضرس إلى الباب، باب الزنزانة الحديد·· لا أعرف لم كنا نفعل ذلك دوماً·· لابد أننا كنا نعتقد أن الحرية تأتي من ذلك الباب الحديدي الصدئ الذي يحرسه عسكريان غليظان·
كانت تلك الحفلات تبدأ في الهزيع الأخير من الليل، حين ينام الحراس بعد أن يهدهم التعب والإعياء· ومع أن المصاب كان يطلق، عادةً، حين ننتزع سنه، صرخاتٍ ملتاعةً ومأساوية، توقظ حتى الحجر، إلا أن الحراس كانوا يواصلون إعَفاءاتهم ويتعالى شخيرهم، بعد أن عرفوا منهاجنا، منهاجنا اليومي المألوف·
صفحة 5
كنا نتبادل الأدوار دوماً، هذه المرة يقوم فلان بدور الرجل الأول، وعلان بدور الرجل الثاني·· وهكذا فقد مارس كل واحد منا الأدوار كلها، وكان كل واحد منا المريض والطبيب معاً·
كنا ننام سويعات قلائل بعد حفلات قلع الأسنان، بعد أن ينال منا التعب، وتهدأ أعصابنا ويخف توتر عضلاتنا، ويخيم سكون غريب على حجرات السجن كنا نسميه صمت القبور·
كانت الحفلات تجري في وقت واحد، تقريباً، في الغرف الأخرى·· وكانت الصرخات الحادة الطويلة تختلط ببعضها وتتداخل وتتشابك، بحيث يمكننا أن نطلق عليها مجازاً: كونشيرتو الآلام·· كنت أرى المصاب نائماً، ينز من زاوية فمه دم أحمر قان·· في تلك الليالي تمنيت أن أكون في شقة تطل على النهر، نهر مدينتنا، النسيم العليل يداعب ستارة النافذة المشرعة، وأنا أعزف على قيثاري، بعينين دامعتين···
وذات يوم خطرت لأحد الرسامين ممن يهوى الاحتفاظ بالأسنان المقلوعة فكرة غريبة· فاجأنا بتلك الفكرة ذات ليلة شتائية باردة·· أفرغ علبةً معدنيةً صدئةً فوق أرض الزنزانة الإسمنتية·· وراح يرتب الأسنان والأضراس المقلوعة وكأنه يصف أحجار الشطرنج·· أشار إلى ضرس كبير ذي ثلاثة جذور استطاع أن يجعله يقف عمودياً ويهتف كالمنتصر: أنظروا يا جماعة !! هذا هو الملك !! هيا نلعب الشطرنج·· البرد قاس وليل الشتاء طويل·· هلموا·· هلموا··
عقدت الدهشة ألسنتنا، ما هذا الذي يقوله زميلنا الرسام التكعيبي؟ هل أصابه الخرف؟ هل هو خرف الشيخوخة أم نزوة الفنان وفنتازيته؟
شرع يشرح لنا لعبته·· هذه السن بمنزلة الجندي، وهذا الناب بمنزلة القلعة، الضرس ذو الجذرين هو الوزير·· وهلم جراً·
شرعنا نلعب الشطرنج بأسناننا وأضراسنا، بعد أَن حُرمنا من زيارة أطباء الأسنان، لتخليصنا من أوجاعنا التي لا حدّ لها·
تحولت زنزانات السجن إلى قاعات للعب الشطرنج·· كانت المباريات تتواصل في كل ساعات النهار وبعد الظهيرة·· وحين يضيع أحد الأحجار، نبدأ بانتقاء السن أو الضرس المناسب ليحل محل الحجر المفقود·· ننتقي من فم أحدنا سناً تالفةً·· ونتفق على موعد الحفلة الليلية·
صفحة 6
نغرس الأسنان عمودياً في مادة صمغية تستخدم لصيد الفئران·· نتابع اللعب·· بعضنا يتفرج على المباريات ويصفق ويضحك·· كنا نتابع المباريات واقفين أو مقرفصين، من يرانا يحسبنا مجانين جيء بهم إلى هذا المكان بطريق الخطأ·
إبان تلك السنوات الرهيبة بدأنا نعرف ماذا يعني أن تأكل حساءً بارداً مثيراً للغثيان تعافه حتى الكلاب·· بدأنا نعرف ماذا يعني أن تصاب بالجرب وتبدأ بحك رأسك وجلدك ليل نهار من دون أن تجد دواءً شافياً·· كان الطبيب العسكري يزورنا مرة كل أسبوعين، ويعطي كل عشرين مصاباً عصارة واحدة كي يمسحوا بها جلودهم·· كان يطلب منا أن نغسل أجسامنا وثيابنا·· يا له من رجل أحمق ! أي نظافة تلك التي يخرف بها؟ الأولى بهم أن يقدموا لنا طعاماً لائقاً قبل أن يطالبونا بأن نكون نظيفين··
كنا نتبول في دلو واحد ونتبرز في دلو آخر·· نتناوب رمي البول والبراز·· أحياناً إذا كان الدلوان غير مملوءين يقوم أحدنا بمزج محتويات الدلوين في دلو واحد يحمله بحذر إلى الخارج، فيسأله الحارس باستغراب: أين زميلك الآخر؟ يجيبه صاحبنا بحزن: في الداخل· ولماذا لم يأتِ؟ يناكده السجين بسخرية: رفض المجيء·· وحين تظهر علامات الانفعال على الحارس يستدرك الرسام قائلاً: لا عليك، أنا قمت مقامه· ملأت الدلوين معاً·· يرد الحارس بارتياح: هي ذي إذاً·· الويل لكم إن تبرزتم على الأرض أو لطختم الحيطان· يعض الرسام على نواجذه ويتمتم في سره: إذا نُصب تمثال ثان للملك سنلطخه بالبراز·· سنفرغ أمعاءنا فوق رأسه· نشرب البيرة المثلجة ونغرقه ببولنا··
وفي شتاء إحدى تلك السنوات البغيضة بدأنا ننفث دماً·· كان شتاءً شديد البرودة، لم نر له مثيلاً في حياتنا كلها··· أسناننا تصطك وأوصالنا ترتعد، لم نكن نملك ما ندثر به أجسادنا وندفئ به عظامنا·· وازدادت آلام المفاصل وبدأت تقض مضاجعنا·· كلما يأتي شتاء جديد نعرف أن سنةً جديدةً حلت علينا··
في ذلك الشتاء أُصبنا بذلك المرض اللعين·· شرعنا نسعل ونسعل ونسعل·· ومع أننا كنا نواصل لعب الشطرنج بشوق يتناقص رويداً رويداً ونتفرج على الدسوت بحماسة تتضاءل شيئاً فشيئاً، إلا أننا كنا في الواقع نعاني من مرض خطير أخذ ينهش رئاتنا المتعطشة لهواء نقي عليل· وأمسى الشحوب والهزال صفتين بارزتين لكل واحد منا، بدأت حيويتنا تتبخر يوماً إثر آخر، وشرع حزن ثقيل يهيمن على أفئدتنا الكسيرة، ومع أننا كنا نضحك ويضايق أحدنا الآخر بحسن نية إلا أننا كنا نكتم أوجاعنا ونسيطر على اليأس الذي شرع ينهش أرواحنا··
صفحة 7
كانت تنتابنا نوبات سعال شديد، تحتقن وجوهنا ، تحمر عيوننا، وتضيق أنفاسنا·· يقترب أحدنا من دلو القشع، يجثو على ركبتيه، يمسك بكتفيه اثنان من زملائه·· نعم·· هكذا·· أبصق·· أبصق أكثر·· لا تبقِ شيئاً في صدرك·
يبدو أن حياتنا في ذلك السجن الرهيب لم تكن سوى نوبات فظيعة متلاحقة، ما أن تنتهي نوبة حتى تبدأ نوبة أخرى·· بدأنا حياتنا هناك بنوبة الرسم على الحيطان، ثم أعقبتها حفلات موسيقى الجاز أو كونشيرتو الآلام، وتلتها نوبة آلام المفاصل، وتوالت بعدها نوبة قلع الأسنان، نوبة الشطرنج، ومن ثم نوبة الجرب، وجاءت أخيراً نوبة السعال الدموي·· غالباً ما كانت تتداخل النوبات، فتجد البعض يعاني من مرضين في آن واحد·· أو يرسم على الحيطان على الرغم من الحكة الشديدة التي سببها له الجرب·
لم نكن ندري ماذا ينتظرنا من نوبات·· لا أدري أية نوبات فظيعة خبرها زملائي بعدما فررتُ من السجن فجر يوم من أيام الصيف·
في ذلك الشتاء، شتاء السعال الدموي، قررنا أنا وصديق طفولتي الرسام السريالي أن نهرب معاً·· ورحنا نعد العدة ونرسم خطتنا بشكل مدروس· بدأنا نمازح الحراس ونتبادل معهم الأحاديث، نأخذ دلوي البراز والبول إلى الخارج، (على فكرة في الشتاء أصبح عندنا دلو ثالث للقشع)·· نتبادل معهم أحاديث قصيرةً كي نكسب ثقتهم·· ما الذي جال في خواطر الحراس حين كنا نحمل تلك الدلاء القذرة، الكريهة، المثيرة للغثيان·· حتماً، قالوا في سرائرهم: كيف يمكن لهذه العظام الناحلة أن ترسم أو تنحت أو تتخيل منظراً بعد مغادرتها السجن·· كيف يمكنهم أن يعيشوا هنا في هذه الحجرات الخانقة بعدما عاشوا في أجمل مدن الدنيا·
وفي فجر ذلك اليوم، قبيل موعد رمي الفضلات، طلبنا من الحارسين أن يسمحا لنا برمي الفضلات، لأن الدلوين يكادان يطفحان·· خرجنا أنا وصديق طفولتي السريالي ونفذنا خطتنا ببراعة فائقة·· دلقت دلو البراز فوق رأس الحارس الأول، بل أدخلت الدلو في رأسه، وجردته من سلاحه ومثلي فعل صديقي·· دخلنا سرداباً سرياً، دخلنا حذرين، مخافة أن يكون أحد هناك·· كانت تلك مغامرة، لا ريب، ويالها من مغامرة·· قررنا أن نغامر بحياتينا من أجل الحرية·· ألا تستحق الحرية ذلك فعلاً؟
وبعد معرفتنا أن السرداب خال من أي فرد، رحنا نسلك طريق الهرب·· خرجنا من باب خلفي للسجن·· توقعنا أسوأ الاحتمالات·· لكن الجميع كانوا نياماً على ما يبدو، وشاءت الأقدار أن يحالفنا الحظ، هذه المرة·
صفحة 8
في ذلك الفجر التموزي، تنشقنا بعد سنوات طويلة ثقيلة الوطأة هواء الحرية·· وأخيراً هواء الحرية، هواء الحرية يا صديقي السريالي !! هذا ما همست به لصديق طفولتي·· فيما كن نحث الخطى بين أشجار النخيل·· المدينة نائمة، الحرية وحدها التي بكرت في النهوض فجر هذا اليوم··
ناولتنا عجوز موشومة الوجه رغيفين حارين·· كانت تخبز أرغفة الصباح في تنورها الطين·· رحنا نغذ السير ونأكل الخبز بنهم·· آه ما أطيب خبز أهلينا الحار·· وداعاً يا حساء الكلاب·· مرحباً بك أيتها الحرية·· مرحباً بكَ يا خبز أهلينا··
اختبأنا في منزل ريفي نحو أسبوعين، ريثما تهدأ موجة المطاردات والتفتيشات في البلدة·· كان الفلاح ذو الوجه المجدور يقدم لنا التمر ويسقينا اللبن في طاسات النحاس الأصفر· بدأنا نستعيد بعض عافيتنا التي فقدناها في السجن·· كان ذلك أمراً ضرورياً جداً، فمرحلة البحث عن الحرية طويلةٌ جداً وشاقة جداً· لم نكشف للقروي عن هويتينا بل قلنا له إننا سجينان هاربان من قبضة الملك·· وكان هذا أمراً كافياً كي يضيفنا في بيته الطين·
وفي غروب يوم من أيام آب (أغسطس) انطلقنا جنوباً، إلى قرية صغيرة غافية في الهور·· كان صديقي قد قضى مدةً من سنوات صباه هناك، مع خاله صانع الزوارق الخشبية·· هناك يمكننا أن نسترخي ونأكل السمك المملح والجبن المجدول كالضفائر· يمكننا أن نعمل معه، سيما أننا نملك مهارات يدوية وذائقة فنية قد تنفعه في بعض تفاصيل عمله··
اختلقنا أكاذيب جمةً للهرب من أيدي السلطات·· كنا نترجل من المركبات قبل وصولنا نقاط التفتيش، ثم نقطع الأميال مشياً على الأقدام، بين الأشواك والعاقول، ونعاود الركوب في السيارات العمومية·· وحين وصلنا إلى تلك القرية فجر اليوم التالي فتحنا أزرار أثوابنا ورحنا نتنفس الصعداء·· وراودتنا رغبة عارمة في الرقص·· رغبة مفاجئة لم نحسب لها حساباً·· كدنا نرقص طرباً لولا خشيتنا من أن يتهمنا أهل القرية بالجنون·
لم يتعرفْ الخال على ابن أخته بيسر·· استغرق في التفكير لحظات قلائل وهو يتأمل وجه صديقي، أهو حقاً ابن شقيقته، ذلك الصبي النزق الذي كان يقضي عطلته الصيفية هنا يعابث بنات القرية ويرميهن بالسهام·· كيف وصل هذا الصبي الذي صار رساماً ـ كما سمع ـ إلى هنا؟ عرف أنه يقبع في أحد السجون؛ ترى كيف وصل إلى هذه القرية الجنوبية المليئة بالحشرات الضارة الطائرة؟
كان خال صديقي قد بدأ يشيخ، على ما يبدو، ضعفتْ ذاكرته وكلَّ بصره·· صافحنا ورحب بنا بطريقة أهل الأهوار·· مس كتفه المحدودب قليلاً بكتف كل منا، ونادى على صبي صغير ذي دشداشة طويلة مخططة ووسخة أن يأتينا بقدحين من الشاي·
صفحة 9
وبعد أسبوع صرنا نعمل معه ومع ولده في صنع الزوارق·· كان قد أسلم مهمة صنع الزوارق إلى ابنه وهو شاب ضخم البدن عريض المنكبين، ذو كفين خشنتين متقرنتي الجلد وكأنهما ظهرا سلحفاتين، يحركهما حين يمشي كالمجذافين· حين سمعنا نقول لوالده إننا نروم العمل معه ضحك ضحكةً عاليةً مجلجلةً، من دون مراعاة لمشاعرنا·· كانت أيدينا ناعمة، وقد استغرب الشاب أن نلجأ إلى مهنة شاقة كهذه··
كنا أنا وصديقي، نتذكر أيام السجن الرهيبة·· نتذكرها حين تسقط المسامير من أفواهنا التي كثرت فيها الفجوات·· وكان ذلك الشاب الضخم ذو اليدين المجذافيتين ينظر إلينا ضاحكاً من دون أن يتفوه بشيء على الإطلاق· نتذكر حفلات موسيقى الجاز·· نتذكر حفلات قلع الأسنان ومباريات الشطرنج·
وذات يوم صيفي قائظ، بعد أن شربتُ طاسةً كبيرةً من اللبن البارد في وجبة الغداء، رأيت في منامي حلماً غريباً·
كنت أملك مصهراً، وكان معي فريق من الرسامين والنحاتين·· كنا نصهر تمثال الملك·· ونحوله إلى طاسات مدورة مكتوب على ظهرها كش ملك نوزع تلك الطاسات اللامعة الصقيلة على المتسولين والمعوقين في شوارع العاصمة القريبة من الساحة التي كان ينتصب فيها التمثال البرونزي للملك·· رجال الشرطة الشرسون الأشداء يتعقبوننا، ويضربوننا بالعصي الغليظة·· يركلون تلك الطاسات بأحذيتهم الثقيلة·· يركلونها من أمام المتسولين والمعاقين الذين يعرضون عاهاتهم وتشوهاتهم أمام السابلة والسياح الذين يعتمرون قبعات الفيلور والقش، ويخفون عيونهم وراء نظارات شمسية داكنة الألوان·· وأخيراً لحق بي شرطي ذو وجه أحمر منمش وطعنني بحربته في خاصرتي·· فأفقتُ فوراً من نومي·
إني، الآن، أعمل في صنع الزوارق، وأنام القيلولة على حصير من الخوص أيام الصيف·· أصيد السمك ليلاً على ضوء الفانوس·· وأرسم على الحيطان أو الورق الأبيض صورة الملك ثم ألطخها بالقار·· القار الأسود الذي نطلي به الزوارق··
مازلت أذكر أصدقائي الرسامين والنحاتين·· هم ما يزالون يقبعون هناك في السجن الآيل للسقوط·· لا أدري كم أصبح عدد الدلاء التي يأخذونها إلى الخارج·· حتما هم الآن يتقيئون من كل شيء، يتقيئون من مرارة العيش، من الظلم، من الإهمال، من النسيان·· حتماً أصبح لديهم دلو رابع للقيء·· أو ربما خامس للقيح·· قيح الجراح الملتهبة، قيح الدمامل المزعجة·· قيح ممزوج بالدم، يلطخ الخرق البالية التي انتزعوها من قمصانهم وسراويلهم·
يخيل لي، الآن، أن أصدقائي ما زالوا يرسمون أحلامهم، مازالوا يكتبون أمانيهم، فوق جدران الزنزانات الرطبة، على الرغم من اليأس والألم والحزن·· لم يعودوا يملكون شيئاً يرسمون به، لم يعودوا يرسمون بالفحم بالزيت بالألوان المائية·· صاروا يرسمون بالدموع، بالعرق، بالدم، بالقيح، بالقشع· أما أنا فما زلتُ أرسم وجه الملك، وجه الملك الناعم الجميل، وألطخه بالقار·· بالقار الأسود·