صفحة 1
المقدمة
الكتابة والحياة عن «سردية» فيصل فرحات
حسناً فعل الكاتب المسرحي الصديق فيصل فرحات عندما أطلق على عمله القصصي تسمية «سردية من سيرة ذاتية»، ولم يحشره في جنس أدبي من الأجناس القصصية العديدة والمتنوعة، والتي لا حصر لها، وعدم حصريتها نابع من أن القدرات البشرية والإبداع الانساني والأشكال الفنية التي يبدعها الفكر الجمالي الانساني أكبر من أن تحشر في معطيات أكاديمية باردة، تخضع للصراع الايديولوجي، وللتصنيفات النظرية النابعة من الأجواء الفكرية العامة السائدة، التي تفرض معاييرها وتعمِّم رؤيتها الخاصة للعلم والأدب ولتصنيفات الفكر بشكل عام. صحيح أنَّ هناك بعض السمات العامة التي تتشارك فيها بعض النتاجات القصصية، أو المسرحية أو الغنائية، إلَّا أنَّ ما يفرِّق هذه الابداعات هو أكثر بكثير مما يجمعها. فالإبداع الأدبي والفني هو إبداع ذاتي بامتياز، يكتسب سمات صاحبه الشخصية أكثر مما يكتسب السمات العامة التي تخص الجنس الأدبي المعين. «أليس الأسلوب هو الرجل».
إن سردية فيصل فرحات لا تشبه أحداً سواه، ففوضاها فوضاه وسردها سرده الشخصي الحياتي، صحيح أنَّها تشبهه، لكنها ليست سيرة ذاتية وهي ليست كل ما مرَّ على طفولة هذا الكاتب من أحداث وآلام وتجارب حياتية. وهذا الاختيار للأحداث في حقيقة الأمر، ليس فعلاً إرادياً، إنما هي الذاكرة تفرض قوانينها، فهي التي تختار الأبرز والأوضح تعبيراً والأكثر ملائمة لوعي الكاتب في زمن السرد وزمن الكتابة، وليس في زمن الأحداث. وإن كان شعورنا، أن ما يكتبه كاتب السيرة الذاتية هو ما هو في ذلك الزمن زمن حصول الأحداث. فالوعي الراهن في حركتيه الواعية واللاواعية يختار ما يناسب زمنه الراهن. وهكذا فالقرَّاء يستقبلون العمل الأدبي بالوعي الراهن مع محاولة استرجاعية لتلك المرحلة السابقة، والسمة الأساسية لهذا التلقي الجمالي هي شغف القراءة والمتعة الجمالية والمتابعة الشيِّقة، التي لا تفارقنا عند القراءة.
تسجل هذه «السردية» فنياً مرحلة من أشد مراحل تاريخ لبنان الاجتماعي والسياسي توتراً، إنها مرحلة الستينيات التي أسست لحرب السبعينيات من القرن الماضي وما زالت تجر آثارها حتى يومنا هذا، إنها مرحلة تمدين لبنان، بما هو ازدهار للمدينة وإفقار للريف. يصوِّر الكاتب هذه الحقبة الاجتماعية من تاريخ لبنان عبر تأكيده على حقيقة أساسية أخرى، هي وظيفة الكتابة والإبداع الفني. فالكاتب عندما كان طفلاً أخذ حقه بالكتابة عبر الاحتيال على الحياة وعلى الوالد. وأكّد أن الكتابة هي تسجيل لهموم الكاتب وهواجسه وإن كانت ذاتية إلَّا أنها عامة وتخص البشر وعالج فرحات قيمة الكتابة عبر علاقته الشخصية بوالده على مستويات عدة. المستوى الأول هو سعي الوالد المحموم لجمع المال، فهو يعمل في عدة أعمال متواضعة بهدف جمع الثروة. فالوالد يعمل صباحاً جامع نفايات في مصلحة التنظيف في البلدية، وبعدها ماسح أحذية، وبين الفينة والأخرى بائعاً يشتري السكر والأرز رخيصاً من سوريا، ويجعلها في أكياس صغيرة ويبيعها بالمفرق للأهل والجيران، والوالد الذي يمتاز ببخل لافت في منزله وعلاقاته بعائلته يصر على ذهاب أولاده الى المدرسة، لأنها برأيه الوسيلة الفضلى لجمع المال في ذلك الزمن وليست وسيلة للترقي الفكري والعقلي والاجتماعي.
والوالد أيضاً هو ذاته يجبر إبنه على بيع العلكة في أيام العطل، ولم يسمح له بأن يعمل ولد منجد بالمستقبل الواعد والأموال القليلة فيختار لابنه بيع العلكة بالمال الكثير والمستقبل الضائع.
يبدو أن علاقة الوالد بابنه وكأنها عقدة أوديب مقلوبة. فأوديب هو الذي يصارع والده لاحتكار المرأة-الأم، بينما هنا نجد أن الوالد هو الذي يكره ابنه بسبب المرأة-الأم. فهذه المرأة ترفض زوجها وترفض العلاقة الجنسية معه إلَّا فيما ندر ونتج عنها تلك العائلة التي ليست كبيرة، وعندما يقترب زوجها منها ليلاً لأخذ حقه الشرعي المشروع نراها تأخذ أحد أبنائها وتضعه في حضنها، ليحول بينها وبين زوجها. وبهذه الطريقة كانت تمنعه منها. فهذا الرجل لم يجد لحظة هانئة واحدة في حياته. فحتى «أرخص ليالي» يوسف إدريس لم تكن متوفرة لديه. وعوضاً عن أن تتجاوب زوجته معه، نراها في الليل تطالبه على مسمع من أطفاله بأن يجلب الأغراض والمأكولات لها ولأطفالها. وهكذا كانت تنتهي غالبية تلك الليالي بالسباب والشتائم لها ولأطفالها ولعائلتها جميعاً. هنا يطرح سؤالٌ في السوسيولوجيا؛ هل الفقر هو حالة الانسان السوي الذي ينقصه المال، أم أن الفقر هو أساس كل المشكلات الأخلاقية والعاهات النفسية والشرور الاجتماعية حتى نقول إن الفقر هو أم الرذائل.
الكتابة والحياة عن «سردية» فيصل فرحات
حسناً فعل الكاتب المسرحي الصديق فيصل فرحات عندما أطلق على عمله القصصي تسمية «سردية من سيرة ذاتية»، ولم يحشره في جنس أدبي من الأجناس القصصية العديدة والمتنوعة، والتي لا حصر لها، وعدم حصريتها نابع من أن القدرات البشرية والإبداع الانساني والأشكال الفنية التي يبدعها الفكر الجمالي الانساني أكبر من أن تحشر في معطيات أكاديمية باردة، تخضع للصراع الايديولوجي، وللتصنيفات النظرية النابعة من الأجواء الفكرية العامة السائدة، التي تفرض معاييرها وتعمِّم رؤيتها الخاصة للعلم والأدب ولتصنيفات الفكر بشكل عام. صحيح أنَّ هناك بعض السمات العامة التي تتشارك فيها بعض النتاجات القصصية، أو المسرحية أو الغنائية، إلَّا أنَّ ما يفرِّق هذه الابداعات هو أكثر بكثير مما يجمعها. فالإبداع الأدبي والفني هو إبداع ذاتي بامتياز، يكتسب سمات صاحبه الشخصية أكثر مما يكتسب السمات العامة التي تخص الجنس الأدبي المعين. «أليس الأسلوب هو الرجل».
إن سردية فيصل فرحات لا تشبه أحداً سواه، ففوضاها فوضاه وسردها سرده الشخصي الحياتي، صحيح أنَّها تشبهه، لكنها ليست سيرة ذاتية وهي ليست كل ما مرَّ على طفولة هذا الكاتب من أحداث وآلام وتجارب حياتية. وهذا الاختيار للأحداث في حقيقة الأمر، ليس فعلاً إرادياً، إنما هي الذاكرة تفرض قوانينها، فهي التي تختار الأبرز والأوضح تعبيراً والأكثر ملائمة لوعي الكاتب في زمن السرد وزمن الكتابة، وليس في زمن الأحداث. وإن كان شعورنا، أن ما يكتبه كاتب السيرة الذاتية هو ما هو في ذلك الزمن زمن حصول الأحداث. فالوعي الراهن في حركتيه الواعية واللاواعية يختار ما يناسب زمنه الراهن. وهكذا فالقرَّاء يستقبلون العمل الأدبي بالوعي الراهن مع محاولة استرجاعية لتلك المرحلة السابقة، والسمة الأساسية لهذا التلقي الجمالي هي شغف القراءة والمتعة الجمالية والمتابعة الشيِّقة، التي لا تفارقنا عند القراءة.
تسجل هذه «السردية» فنياً مرحلة من أشد مراحل تاريخ لبنان الاجتماعي والسياسي توتراً، إنها مرحلة الستينيات التي أسست لحرب السبعينيات من القرن الماضي وما زالت تجر آثارها حتى يومنا هذا، إنها مرحلة تمدين لبنان، بما هو ازدهار للمدينة وإفقار للريف. يصوِّر الكاتب هذه الحقبة الاجتماعية من تاريخ لبنان عبر تأكيده على حقيقة أساسية أخرى، هي وظيفة الكتابة والإبداع الفني. فالكاتب عندما كان طفلاً أخذ حقه بالكتابة عبر الاحتيال على الحياة وعلى الوالد. وأكّد أن الكتابة هي تسجيل لهموم الكاتب وهواجسه وإن كانت ذاتية إلَّا أنها عامة وتخص البشر وعالج فرحات قيمة الكتابة عبر علاقته الشخصية بوالده على مستويات عدة. المستوى الأول هو سعي الوالد المحموم لجمع المال، فهو يعمل في عدة أعمال متواضعة بهدف جمع الثروة. فالوالد يعمل صباحاً جامع نفايات في مصلحة التنظيف في البلدية، وبعدها ماسح أحذية، وبين الفينة والأخرى بائعاً يشتري السكر والأرز رخيصاً من سوريا، ويجعلها في أكياس صغيرة ويبيعها بالمفرق للأهل والجيران، والوالد الذي يمتاز ببخل لافت في منزله وعلاقاته بعائلته يصر على ذهاب أولاده الى المدرسة، لأنها برأيه الوسيلة الفضلى لجمع المال في ذلك الزمن وليست وسيلة للترقي الفكري والعقلي والاجتماعي.
والوالد أيضاً هو ذاته يجبر إبنه على بيع العلكة في أيام العطل، ولم يسمح له بأن يعمل ولد منجد بالمستقبل الواعد والأموال القليلة فيختار لابنه بيع العلكة بالمال الكثير والمستقبل الضائع.
يبدو أن علاقة الوالد بابنه وكأنها عقدة أوديب مقلوبة. فأوديب هو الذي يصارع والده لاحتكار المرأة-الأم، بينما هنا نجد أن الوالد هو الذي يكره ابنه بسبب المرأة-الأم. فهذه المرأة ترفض زوجها وترفض العلاقة الجنسية معه إلَّا فيما ندر ونتج عنها تلك العائلة التي ليست كبيرة، وعندما يقترب زوجها منها ليلاً لأخذ حقه الشرعي المشروع نراها تأخذ أحد أبنائها وتضعه في حضنها، ليحول بينها وبين زوجها. وبهذه الطريقة كانت تمنعه منها. فهذا الرجل لم يجد لحظة هانئة واحدة في حياته. فحتى «أرخص ليالي» يوسف إدريس لم تكن متوفرة لديه. وعوضاً عن أن تتجاوب زوجته معه، نراها في الليل تطالبه على مسمع من أطفاله بأن يجلب الأغراض والمأكولات لها ولأطفالها. وهكذا كانت تنتهي غالبية تلك الليالي بالسباب والشتائم لها ولأطفالها ولعائلتها جميعاً. هنا يطرح سؤالٌ في السوسيولوجيا؛ هل الفقر هو حالة الانسان السوي الذي ينقصه المال، أم أن الفقر هو أساس كل المشكلات الأخلاقية والعاهات النفسية والشرور الاجتماعية حتى نقول إن الفقر هو أم الرذائل.
صفحة 2
أن تصوير قعر المجتمع والشرور الاجتماعية ليس جديداً، لا في الأدب العالمي ولا في الأدب العربي. لقد ظهر هذا الأدب أولاً، لحد علمنا، في الأدب الفرنسي مع فيكتور هيغو في روايته «أحدب نوتردام» و «البؤساء»، وفي الأدب الروسي تناول هذا الموضوع مكسيم غوركي وخاصة في مسرحيته «في القعر» وليس «في القاع» كما ترجمت خطأً أو «في الحضيض» بحسب ترجمات أخرى. وغيرهما مارسوا هذا النوع من الكتابة كيوسف إدريس في مصر ومحمد عيتاني في لبنان ومن المعاصرين المغربي محمد شكري. الكتابة في هذه الموضوعة جميلة ومشوقة تجذب القارىء وتشده إلى معرفة مصير البطل الفقير. فصاحب هذه الكتابة غالباً ما يكون هو نفسه من عاش هذه الحياة واختبرها ببؤسها وشقائها وعانى سيئاتها وشرورها. فهو لا يلجأ الى الخيال ولا يذهب الى تركيب الحوادث، ليقدم عملاً فنياً من إبداع الخيال، لكنه يعطي عملاً تسجيلياً نكاد نقول وثائقياً. وكاتب هذه الأعمال عادة لم يدخل المدرسة، أو تكون مدرسته بسيطة بدائية، وتكون الحياة هي مدرسته الأولى والأخيرة. فقد صرح مكسيم غوركي مرة، إنه هو الذي يعرف الاقتصاد السياسي أكثر من غيره، لأنه درسه على ظهره. عندما كان يعمل حمَّالاً في المرافىء. من جراء ذلك نجد أن لغة نتاجاتهم واضحة بسيطة غير معقدة تحمل أكبر قدر من الانفعال والإبلاغية. والكتَّاب القدماء كانوا يتكلمون بضمير الغائب أو آل هم، أما كاتبنا، كما محمد شكري، فيكتبون بضمير الأنا، ويسردون أحداثاً جرت معهم شخصياً وهم أبطالها.
من أهم الظواهر التي يسجلها فرحات في هذه السردية علاقة الكاتب الحميمة بالمدينة. فهو بعكس والده، وُلد في المدينة والمدينة «ملكٌ» له. فعندما يطرده والده من المنزل يتشرد ليلاً في المدينة، ويعتبر نفسه إبن المدينة، ينام أين يشاء يأخذ من الصناديق الخشبية ما يريد، ليجعلها سريراً له. عبر فتحاتها ينظر الى القمر والسماء والحياة بمجملها، يأخذ من علب الكرتون ما يحتاج لكي ينام عليها، لذا تتحول الأمكنة المدينية مسرحاً له. لذا نجد وصف المدينة يغيب عن هذه السردية، فهو عندما يتكلم عن الأحداث يتكلم عن الزمان ولا يتكلم عن الأماكن التي جرت فيها تلك الأحداث. وهذا بنظري عائد لسببين؛ الأول، أن الوصف يعني الكشف بقصد المعرفة التي هي في نهاية المطاف محاولة لامتلاك الموصوف، والكاتب لا يسعى لمعرفة هذه إلى بيروت، لأنه يمتلكها، فشارع ساسين بالنسبة له هو أكبر شوارع بيروت، ويعرف أيضاً أن شارع الحمراء هو أكبر من شارع ساسين. السبب الثاني أن كاتب هذه السردية، هو في الأساس، كاتب مسرحي، وفي المسرح لا وصف للأماكن لأن الديكور يتكفل بهذه المهمة. الموقع الأول في المسرح هو للأبطال. وهمُّ الكاتب الأول هو حركات الشخصيات وتصرفاتهم وعلامات وجوههم ودلالاتها وحركات أجسادهم وما تنتجه من معنى، لذا نجد الوصف الأول في هذه السردية. هو للشخصيات. وعلى السلبيين منهم يصب جام غضبه، لأنه يقسم الناس قسمين أخياراً وأشراراً. إضافة الى الخصائص الكتابية المستمدة من المسرح، فالكاتب، مدفوعاً بنظرته الانسانية، يسعى لرؤية الجانب الخيِّر لدى البشر بالرغم من شظف العيش الذي يعانيه والشرور التي يتعرض لها منهم، وتصوير هذه العلاقة السلبية بالوالد ليس لأنه يسيء إليه، بل لأن الوالد يشكل بنظره «كاره البشر».
ما يؤكد هذا الكلام، أن الذي منع الطفل ـ الكاتب من الانتحار هو رؤيته تحول الزبد الى ما كانه، الى ماء. فالموج عندما كان يدفع مياه البحر ويحركها ينتج زبداً يطفو على سطح الماء، لكنه يعود ماءً مجدداً، والشرور وقسوة العيش في هذه الحياة لا بد أن تتغير وتعود صافيةً مجدداً، خاصة وأن القدرة الإلهية هي الى جانبه، وجانب جميع المعذبين في الأرض. تقول له الوالدة؛ إن الله سيوفقك في حياتك لأن أباك عذبك كثيراً.
العامل الثاني الذي منع الطفل من الانتحار هو رؤيته لعابر السبيل، الذي نظر اليه، فأحس بتعاطف متبادل معه، مما دفعه الى الاعتقاد بأن هناك وجهاً آخر للحياة غير الذي يحياه، وهناك أسرار كثيرة في الحياة واكتشافات عديدة هي التي ستغير هذا الواقع الأليم. مثل رؤيته لتلك المرأة في الحانة ليلاً، ومداعبة الرجل لها ووضع يده بين فخذيها. لقد أثارت لديه الفضول الطفولي مما دفعه للعودة إليها مجدداً، لكي يبيعها العلكة، مع قناعته الأكيدة أنها ستشتري منه. لكن بواب الحانة طرده ومنعه من الدخول.
إن هذه المرحلة الطفولية بأحداثها المميزة، أراد فرحات تسجيلها كما هي، محاولاً استعادة تلك المرحلة بحذافيرها وأجوائها الخاصة بها، مع علمنا أن هذا صعب جداً، فالكاتب هنا يحاول أن يروي بوعي الطفل الذي كان، وليس بوعي الحاضر الذي هو عليه الآن. كما أنه كان موفقاً بتسجيل هذه الأحداث بلغة ذلك الطفل وليس بلغة هذا الرجل، وهنا أيضاً لعبت الوظيفة المسرحية دورها في السرد فأتت لغة الكاتب أقرب إلى العامية المفصحنة، فكانت لغته أقرب إلى لغة الحياة التي يتشبث بها.
هذه هي السردية صراع بين البشر الخيرين والأشرار، مع اعتقاد البطل أن الخيِّرين هم الذين سيرثون الأرض.
أخيراً يبقى هذا العمل أكبر من أن تحيط به مجموعة ملاحظات عابرة، هي أضعف من أن تصف كل أبعاده الجمالية والقيم الأدبية التي يبقها الكاتب في هذا العمل. وتبقى المتعة الأساسية التي يجنيها القارىء هي متعة متابعة هذا العمل الى نهايته السعيدة، واكتشاف قعر المدينة وزمن تحولها في ستينيات القرن الماضي.
د. نسيم عون
بيروت
من أهم الظواهر التي يسجلها فرحات في هذه السردية علاقة الكاتب الحميمة بالمدينة. فهو بعكس والده، وُلد في المدينة والمدينة «ملكٌ» له. فعندما يطرده والده من المنزل يتشرد ليلاً في المدينة، ويعتبر نفسه إبن المدينة، ينام أين يشاء يأخذ من الصناديق الخشبية ما يريد، ليجعلها سريراً له. عبر فتحاتها ينظر الى القمر والسماء والحياة بمجملها، يأخذ من علب الكرتون ما يحتاج لكي ينام عليها، لذا تتحول الأمكنة المدينية مسرحاً له. لذا نجد وصف المدينة يغيب عن هذه السردية، فهو عندما يتكلم عن الأحداث يتكلم عن الزمان ولا يتكلم عن الأماكن التي جرت فيها تلك الأحداث. وهذا بنظري عائد لسببين؛ الأول، أن الوصف يعني الكشف بقصد المعرفة التي هي في نهاية المطاف محاولة لامتلاك الموصوف، والكاتب لا يسعى لمعرفة هذه إلى بيروت، لأنه يمتلكها، فشارع ساسين بالنسبة له هو أكبر شوارع بيروت، ويعرف أيضاً أن شارع الحمراء هو أكبر من شارع ساسين. السبب الثاني أن كاتب هذه السردية، هو في الأساس، كاتب مسرحي، وفي المسرح لا وصف للأماكن لأن الديكور يتكفل بهذه المهمة. الموقع الأول في المسرح هو للأبطال. وهمُّ الكاتب الأول هو حركات الشخصيات وتصرفاتهم وعلامات وجوههم ودلالاتها وحركات أجسادهم وما تنتجه من معنى، لذا نجد الوصف الأول في هذه السردية. هو للشخصيات. وعلى السلبيين منهم يصب جام غضبه، لأنه يقسم الناس قسمين أخياراً وأشراراً. إضافة الى الخصائص الكتابية المستمدة من المسرح، فالكاتب، مدفوعاً بنظرته الانسانية، يسعى لرؤية الجانب الخيِّر لدى البشر بالرغم من شظف العيش الذي يعانيه والشرور التي يتعرض لها منهم، وتصوير هذه العلاقة السلبية بالوالد ليس لأنه يسيء إليه، بل لأن الوالد يشكل بنظره «كاره البشر».
ما يؤكد هذا الكلام، أن الذي منع الطفل ـ الكاتب من الانتحار هو رؤيته تحول الزبد الى ما كانه، الى ماء. فالموج عندما كان يدفع مياه البحر ويحركها ينتج زبداً يطفو على سطح الماء، لكنه يعود ماءً مجدداً، والشرور وقسوة العيش في هذه الحياة لا بد أن تتغير وتعود صافيةً مجدداً، خاصة وأن القدرة الإلهية هي الى جانبه، وجانب جميع المعذبين في الأرض. تقول له الوالدة؛ إن الله سيوفقك في حياتك لأن أباك عذبك كثيراً.
العامل الثاني الذي منع الطفل من الانتحار هو رؤيته لعابر السبيل، الذي نظر اليه، فأحس بتعاطف متبادل معه، مما دفعه الى الاعتقاد بأن هناك وجهاً آخر للحياة غير الذي يحياه، وهناك أسرار كثيرة في الحياة واكتشافات عديدة هي التي ستغير هذا الواقع الأليم. مثل رؤيته لتلك المرأة في الحانة ليلاً، ومداعبة الرجل لها ووضع يده بين فخذيها. لقد أثارت لديه الفضول الطفولي مما دفعه للعودة إليها مجدداً، لكي يبيعها العلكة، مع قناعته الأكيدة أنها ستشتري منه. لكن بواب الحانة طرده ومنعه من الدخول.
إن هذه المرحلة الطفولية بأحداثها المميزة، أراد فرحات تسجيلها كما هي، محاولاً استعادة تلك المرحلة بحذافيرها وأجوائها الخاصة بها، مع علمنا أن هذا صعب جداً، فالكاتب هنا يحاول أن يروي بوعي الطفل الذي كان، وليس بوعي الحاضر الذي هو عليه الآن. كما أنه كان موفقاً بتسجيل هذه الأحداث بلغة ذلك الطفل وليس بلغة هذا الرجل، وهنا أيضاً لعبت الوظيفة المسرحية دورها في السرد فأتت لغة الكاتب أقرب إلى العامية المفصحنة، فكانت لغته أقرب إلى لغة الحياة التي يتشبث بها.
هذه هي السردية صراع بين البشر الخيرين والأشرار، مع اعتقاد البطل أن الخيِّرين هم الذين سيرثون الأرض.
أخيراً يبقى هذا العمل أكبر من أن تحيط به مجموعة ملاحظات عابرة، هي أضعف من أن تصف كل أبعاده الجمالية والقيم الأدبية التي يبقها الكاتب في هذا العمل. وتبقى المتعة الأساسية التي يجنيها القارىء هي متعة متابعة هذا العمل الى نهايته السعيدة، واكتشاف قعر المدينة وزمن تحولها في ستينيات القرن الماضي.
د. نسيم عون
بيروت
صفحة 3
حين نظرت في رغوة الموج، جذبني المشهد، فشردت لبضع ثوان، ونظري ما زال يراقب تحول الرغوة الى ماء. وفكرت هل أقفز وأنا واقف، أو أرجع الى الوراء وأركض قافزاً فوق الدرابزين، كي لا أقع على الصخور حيث تتحول الرغوة الى ماء، بل أقفز الى الماء العميق حيث أغرق ويأكلني البحر وأموت، وما إن استدرت لأخطو خطوة واحدة، حتى رأيت رجلاً آتياً نحوي، فمشيت نحوه، لكن على مسافة، وحاولت أن لا أنظر الى وجهه مسرعَ الخطى، كي أمر بجانبه وبعكسه، وما إن ابتعدت عنه حتى كان هو أيضاً ينظر نحوي متمهلاً في خطواته، يحاول متابعة تحديقه فيَّ، أسرعت أكثر بقليل وفي الوقت نفسه، رغبت في النظر نحوه، أي خلفي، فأبطأت خطواتي واستدرت قليلاً مع توقفي عن الحركة، فإذا بي أراه واقفاً ينظر باتجاهي، فاستدرت وتابعت المشي.
كان الوقت ما بعد منتصف الليل. في الشارع (مقابل أوتيل «مونرو» اليوم) تمر بعض السيارات وقليل من الناس. مشيت نحو بارات الزيتونة، والرجل تابع سيره نحو أوتيل السان جورج. وما إن وصلت الى الرصيف الثاني وخطوت بضع خطوات، حتى توقفت أمام محل تنيره أضواء خافتة، فوقع نظري على رجلٍ جالسٍ على كرسي عالٍ مقابل امرأة ويتكئ بيده على طرف طاولة، ويده الثانية تتحرك ما بين فخذي تلك المرأة، وهي تحاول بيديها الاثنتين إبعاد يده عنها، فيما هو يحني رأسه نحو صدرها، فيضكحها كثيراً!
كانا خلف لوح زجاج كبير، وأنا كنت واقفاً على الرصيف، أدرت وجهي نحو الشارع وعدت واستدرت ثانية نحوهما، وإذ بي أرى فمها مفتوحاً، وتحدق بيَّ وللحظة ركزت عينيها في عينيّ، فخفتُ كثيراً. فحولت نظري الى الرجل، كي لا أرى عينيها المفتوحتين، فإذ به يضحك متابعاً حشر يده ما بين فخذيها، وهي تحاول منعه قليلاً، مشدوهة تحدق بيَّ، وحين عدت ونظرت في عينيها المفتوحتين خفت، وتابعت سيري مسرعاً، بعد بضع خطوات أسرعت أكثر، ومررت ما بين السيارات المتوقفة بجانب الرصيف، وقبل أن أبتعد أكثر توقفت قليلاً، ونظرت نحو الضوء الذي كان علامة ذلك المحل، ثم تابعت السير نحو سوق الخضار (خلف سينما الريفولي) ماراً من أمام محالٍّ بعضها أبوابه مقفلة والبعض الآخر مضاءٌ، يخرج منها ويدخل إليها بضعة رجال، ينزلون من السيارات أو يمشون على الرصيف مثلي.
بدت لي تلك اللحظات وكأنها جديدة وغريبة عني رغم معرفتي بتفاصيل معينة عنها كالأرصفة ومداخل الأبنية والمحال، حتى ولو كان البعض منها مقفلاً في الليل، وذلك لأن ما رأيته منذ قليل لم أفهمه. لا بل أخافني كثيراً بعد أن حيّرني!
في الوقت نفسه، بدا لي ذلك المشهد كأنه حياة ثانية، لا تجري في النهار، أو أني رأيت في الليل نوعاً آخر من الناس على شكل امرأة ورجل يفعلان شيئاً عجيباً غريباً؛ سرعان ما أخذتني صرخة عينيها مُبعدة عني فكرة الانتحار في البحر والنعاس في آن معاً، ما جعلني أمشي من دون هدف، وبدا لي النوم كأنه شيء لا ضرورة له بعد الذي حصل. لذا سرت عدة مرات حول بضعة أماكن في سوق الخضار، الى أن رأيت رجلاً يستعد للخروج من أمام دكانه و«صحاحيره» فخطوت بضع خطوات وعدت فدخلت ما بين «الصحاحير» المجمعة فوق بعضها، ويدخل بعضها في البعض الآخر وحنوت نحو « الصحاحير » الملاصقة للحائط. جلست لأرتاح، ثم دخلت كعادتي ما بين «صحارتين» من الحجم الكبير كانتا مخصصتين للبندورة الجبلية ذات الحبة الكبيرة، واضعاً رأسي في «إحداهما» وسحبت الثانية بيديَّ ليلتصق طرفاهما جنباً الى جنب، فنمت على جنبي ويدي تحت خدي، وشردت.
لم أنم تلك الليلة كما كنت أنام في الليالي السابقة. تقلّبت كثيراً، وأغمضت عينيَّ لحظات طويلة، وسرعان ما كانت صرخة عينيها تمنع عينيّ من الإغماض، وتأخذني الى ضحكتها والى تحديقها فيَّ والى صرختها التي لم أسمعها لكنني رأيتها، وكانت الصرخة أقوى من دون صوت، وهكذا منعت عينيَّ من متابعة رؤية يد ذلك الرجل، وما كان يفعله. صحوت من النوم فتقلبت على ظهري مراراً وعلى جانبي الأيمن فالأيسر، وما إن توقفت عن الحركة حتى وقع نظري على ضوء القمر، فرأيته بشكل مستطيل بحجم الفسحة أو الشقوق ما بين خشبتي «الصحارة» ، فتركت عينيَّ مفتوحتين ناظراً في ضوء القمر الذي أشعرني في تلك اللحظة وكأني على اتصال جاذبي به، وأنني لست وحيداً في هذا العالم، وفي هذه الحياة الثانية التي أعيشها منذ هذه الساعة، بعد أن كنت سأنتحر في البحر، وأبقاني ذلك الرجل حياً؛ ثم أبعدت عني تلك المرأة فكرة الموت نهائياً. فأمعنت النظر في القمر الى أن تبسمت قليلاً، ثم غفوت بعد أن لحست دمعتي ببطء.
كان الوقت ما بعد منتصف الليل. في الشارع (مقابل أوتيل «مونرو» اليوم) تمر بعض السيارات وقليل من الناس. مشيت نحو بارات الزيتونة، والرجل تابع سيره نحو أوتيل السان جورج. وما إن وصلت الى الرصيف الثاني وخطوت بضع خطوات، حتى توقفت أمام محل تنيره أضواء خافتة، فوقع نظري على رجلٍ جالسٍ على كرسي عالٍ مقابل امرأة ويتكئ بيده على طرف طاولة، ويده الثانية تتحرك ما بين فخذي تلك المرأة، وهي تحاول بيديها الاثنتين إبعاد يده عنها، فيما هو يحني رأسه نحو صدرها، فيضكحها كثيراً!
كانا خلف لوح زجاج كبير، وأنا كنت واقفاً على الرصيف، أدرت وجهي نحو الشارع وعدت واستدرت ثانية نحوهما، وإذ بي أرى فمها مفتوحاً، وتحدق بيَّ وللحظة ركزت عينيها في عينيّ، فخفتُ كثيراً. فحولت نظري الى الرجل، كي لا أرى عينيها المفتوحتين، فإذ به يضحك متابعاً حشر يده ما بين فخذيها، وهي تحاول منعه قليلاً، مشدوهة تحدق بيَّ، وحين عدت ونظرت في عينيها المفتوحتين خفت، وتابعت سيري مسرعاً، بعد بضع خطوات أسرعت أكثر، ومررت ما بين السيارات المتوقفة بجانب الرصيف، وقبل أن أبتعد أكثر توقفت قليلاً، ونظرت نحو الضوء الذي كان علامة ذلك المحل، ثم تابعت السير نحو سوق الخضار (خلف سينما الريفولي) ماراً من أمام محالٍّ بعضها أبوابه مقفلة والبعض الآخر مضاءٌ، يخرج منها ويدخل إليها بضعة رجال، ينزلون من السيارات أو يمشون على الرصيف مثلي.
بدت لي تلك اللحظات وكأنها جديدة وغريبة عني رغم معرفتي بتفاصيل معينة عنها كالأرصفة ومداخل الأبنية والمحال، حتى ولو كان البعض منها مقفلاً في الليل، وذلك لأن ما رأيته منذ قليل لم أفهمه. لا بل أخافني كثيراً بعد أن حيّرني!
في الوقت نفسه، بدا لي ذلك المشهد كأنه حياة ثانية، لا تجري في النهار، أو أني رأيت في الليل نوعاً آخر من الناس على شكل امرأة ورجل يفعلان شيئاً عجيباً غريباً؛ سرعان ما أخذتني صرخة عينيها مُبعدة عني فكرة الانتحار في البحر والنعاس في آن معاً، ما جعلني أمشي من دون هدف، وبدا لي النوم كأنه شيء لا ضرورة له بعد الذي حصل. لذا سرت عدة مرات حول بضعة أماكن في سوق الخضار، الى أن رأيت رجلاً يستعد للخروج من أمام دكانه و«صحاحيره» فخطوت بضع خطوات وعدت فدخلت ما بين «الصحاحير» المجمعة فوق بعضها، ويدخل بعضها في البعض الآخر وحنوت نحو « الصحاحير » الملاصقة للحائط. جلست لأرتاح، ثم دخلت كعادتي ما بين «صحارتين» من الحجم الكبير كانتا مخصصتين للبندورة الجبلية ذات الحبة الكبيرة، واضعاً رأسي في «إحداهما» وسحبت الثانية بيديَّ ليلتصق طرفاهما جنباً الى جنب، فنمت على جنبي ويدي تحت خدي، وشردت.
لم أنم تلك الليلة كما كنت أنام في الليالي السابقة. تقلّبت كثيراً، وأغمضت عينيَّ لحظات طويلة، وسرعان ما كانت صرخة عينيها تمنع عينيّ من الإغماض، وتأخذني الى ضحكتها والى تحديقها فيَّ والى صرختها التي لم أسمعها لكنني رأيتها، وكانت الصرخة أقوى من دون صوت، وهكذا منعت عينيَّ من متابعة رؤية يد ذلك الرجل، وما كان يفعله. صحوت من النوم فتقلبت على ظهري مراراً وعلى جانبي الأيمن فالأيسر، وما إن توقفت عن الحركة حتى وقع نظري على ضوء القمر، فرأيته بشكل مستطيل بحجم الفسحة أو الشقوق ما بين خشبتي «الصحارة» ، فتركت عينيَّ مفتوحتين ناظراً في ضوء القمر الذي أشعرني في تلك اللحظة وكأني على اتصال جاذبي به، وأنني لست وحيداً في هذا العالم، وفي هذه الحياة الثانية التي أعيشها منذ هذه الساعة، بعد أن كنت سأنتحر في البحر، وأبقاني ذلك الرجل حياً؛ ثم أبعدت عني تلك المرأة فكرة الموت نهائياً. فأمعنت النظر في القمر الى أن تبسمت قليلاً، ثم غفوت بعد أن لحست دمعتي ببطء.
صفحة 4
إستيقظت شبه مذعور على أصوات «قرقعة» وقوع «الصحاحير» وصراخ أصحاب الدكاكين والبسطات، فسحبت جسدي الصغير من بين «الصحارتين» ونهضت فمشيت. وإذ برجل يسألني ماذا كنت أفعل هنا، فلم أرد عليه، وتابعت سيري عل بقايا الخضار التالفة في وسط الطريق قاصداً الطرف المقابل، مفتشاً علن «كرتونة» فارغة من أمام المحلات التي بدأ البعض منها يفتح أبوابه وبخاصة بائعو القهوة والشاي في مبنى سينما الري؟ولي وأمامه. فأخذت كعادتي «كرتونة» ومشيت نحو تمثال الشهداء، فتحتها وفرشتها على الأرض، وأكملت نومي من بزوغ الفجر حتى الصباح الباكر، حيث بدأت أصوات زمامير «البوسطات» والسيارات والمارة، مضافاً إليها شعاع الشمس. فتحت عينيَّ وجلست قليلاً، ثم نهضت حاملاً «الكرتونة» ، ومشيت وسط ضجيج متنوع الأصوات من الناس والعربات والسيارات. أخفيت «الكرتونة» ما بين أشجار صغيرة كانت مزروعة حول ساعة الزهور في ساحة الشهداء، وتوجهت الى البيت في الأشرفية، حيث وصلت مع بدء التحضير للذهاب الى المدرسة بعد خروج والدي الى الشغل. وكالعادة سألتني أمي أين نمت؟ وفيما كنت أحاول إجابتها، قاطعتني وطلبت مني أن أسرع في ارتداء مريول المدرسة، فيما كان أخوتي يتصارخون، ولأنني لم أتروق وضعت عروسة الزعتر في شنطة الكتب وخرجنا من البيت الى المدرسة. أخي علي وأنا الى مدرسة الناصرة الرسمية للصبيان، وأختاي مريم (صالحة بالتذكرة) وزينب الى مدرسة سلمى الصائغ الرسمية للبنات.
في ذلك الصباح شعرت بمعنى الصمت وعدم الكلام سارحاً مفكراً بما حصل معي في الليل، وتولدت لديّ رغبة حميمة بعدم التحدث الى أيِّ كان عمّا رأيت ليلة البارحة، لا الى رفاقي في الصف والمدرسة أو في الحي، وبالطبع الى أيِّ كان من الأقارب والجيران، وذلك لأني اعتبرت أن هذا اليوم هو يوم جديد في حياتي الثانية.
في طريقنا الى المدرسة، لا أذكر أني تكلمت مع أخي، وكلمة صباح الخير لم أقلها أو أردّدها لبعض المعارف والجيران كعادتي، لكني صبَّحت العم أبو محمد حلاوي بائع النمورة وغزل البنات، وتابعنا الخطى على عجل الى أن وصلنا الى المدرسة، ودخلنا الى الملعب؛ أخي علي ذهب الى رفاقه، وأنا تقدمت نحو رفاقي ببطء ملحوظ، كونهم كانوا يتحادثون ويضحكون.
لقد تملّكني شعور غريب وجديد تماماً، بدا كأنه آتٍ من حُلم في المنام، وأنا سائرٌ نحوهم. بدت الأمتار القليلة التي تفصلني عنهم وكأنها مسافة طويلة. وما إن وصلت إليهم حتى سألني ميلاد: أين كنت مساء البارحة؟ وهل كنت مطروداً من البيت؟ فأجبته بنعم؛ فساد صمت قليل، أحزن جورج وحسين ونبيل، وأغضب ميلاد وزكريا، فيما تبسم عبد وضحك محمود قليلاً، أما عماد فلزم الصمت.
في الصف دخل الجميع في الدرس، إلا أنا. فتحت الصفحة على الدرس، لكني رأيت في خيالي صرخة عينيها، فسرحت في استعادة ما حصل، ثم نظرت الى المعلمة وهي تشرح الدرس، ورويداً رويداً بدأت أُنزل نظري نحو وسط جسدها، ومن ثم نظرت الى ذلك المكان الذي تغطيه ملابسها، وهو ما بين فخذيها، وسرحت مفكراً، هل سيأتي يوم يضع المدير أو الناظر أو الاستاذ يده ما بين فخذي المعلمة؟ ثم تابعت التلصص والنظر إلى ذلك المكان المغطى بالفستان، ونظرت أيضاً في الكتاب. في فرصة الساعة العاشرة، أكلت عروسة الزعتر وأنا أحدق بالمعلّمات والأساتذة الذين كانوا واقفين على درج الإدارة يتحادثون ويضحكون قليلاً، وأنا قاعدٌ على حافة الدرجة الأولى، أمضغ ما في فمي، ومحاولاً ملاحظة حركات أيادي الأساتذة الرجال، مثل فرك الأصابع، أو ضرب المسطرة على جانبي أرجلهم، منتظراً أن يفعل أستاذ ما مع احدى المعلمات ما كان يفعله ذاك الرجل مع تلك المرأة. لكن ذلك لم يحصل مما زاد في حيرتي؛ لكنني عدت وفكرت بأن وضع اليد ما بين الفخذين لا يحصل الا في الليل وليس في النهار.
ما أتذكره جيداً، لأنه أبكاني ببطء ملحوظ، هو استيقاظي من النوم في الليل على صوت أمي، ومن بعده صوت أبي الذي كان أقرب الى «الوشوشة» ، فيما هي كانت ترفع من صوتها وتهدد بالصراخ، وأخوتي الصغار (جمال ونوال وعامر) يبكون بعد أن حاولت أمي وضع أحدهم في حضنها، لتمنع أبي من الاقتراب منها والنوم على تختها. كنت قد نمت فور أن أطفأ أبي ضوء الكهرباء، لأني لم أنم ليلة البارحة لأكثر من ساعتين أو ثلاث، ومشيت كثيراً لدرجة التعب، لكني غفوت ونمت على ومضة من صرخة عيني تلك المرأة، ثم فتحت عينيَّ على صوت أمي، وهي تقول لأبي بأن يرجع الى فرشته في الدار، حيث أنام أنا على الصوفة، وأسمع كلَّ ما يجري، وأخي علي ينام على الصوفة الثانية وهو غافٍ.
رجع أبي الى فرشته وهو يسب ويشتم أمي وأولادها، فيما هي كانت تردد مطالبها منه، كي يشتري بعض الأغراض والطعام.
في ذلك الصباح شعرت بمعنى الصمت وعدم الكلام سارحاً مفكراً بما حصل معي في الليل، وتولدت لديّ رغبة حميمة بعدم التحدث الى أيِّ كان عمّا رأيت ليلة البارحة، لا الى رفاقي في الصف والمدرسة أو في الحي، وبالطبع الى أيِّ كان من الأقارب والجيران، وذلك لأني اعتبرت أن هذا اليوم هو يوم جديد في حياتي الثانية.
في طريقنا الى المدرسة، لا أذكر أني تكلمت مع أخي، وكلمة صباح الخير لم أقلها أو أردّدها لبعض المعارف والجيران كعادتي، لكني صبَّحت العم أبو محمد حلاوي بائع النمورة وغزل البنات، وتابعنا الخطى على عجل الى أن وصلنا الى المدرسة، ودخلنا الى الملعب؛ أخي علي ذهب الى رفاقه، وأنا تقدمت نحو رفاقي ببطء ملحوظ، كونهم كانوا يتحادثون ويضحكون.
لقد تملّكني شعور غريب وجديد تماماً، بدا كأنه آتٍ من حُلم في المنام، وأنا سائرٌ نحوهم. بدت الأمتار القليلة التي تفصلني عنهم وكأنها مسافة طويلة. وما إن وصلت إليهم حتى سألني ميلاد: أين كنت مساء البارحة؟ وهل كنت مطروداً من البيت؟ فأجبته بنعم؛ فساد صمت قليل، أحزن جورج وحسين ونبيل، وأغضب ميلاد وزكريا، فيما تبسم عبد وضحك محمود قليلاً، أما عماد فلزم الصمت.
في الصف دخل الجميع في الدرس، إلا أنا. فتحت الصفحة على الدرس، لكني رأيت في خيالي صرخة عينيها، فسرحت في استعادة ما حصل، ثم نظرت الى المعلمة وهي تشرح الدرس، ورويداً رويداً بدأت أُنزل نظري نحو وسط جسدها، ومن ثم نظرت الى ذلك المكان الذي تغطيه ملابسها، وهو ما بين فخذيها، وسرحت مفكراً، هل سيأتي يوم يضع المدير أو الناظر أو الاستاذ يده ما بين فخذي المعلمة؟ ثم تابعت التلصص والنظر إلى ذلك المكان المغطى بالفستان، ونظرت أيضاً في الكتاب. في فرصة الساعة العاشرة، أكلت عروسة الزعتر وأنا أحدق بالمعلّمات والأساتذة الذين كانوا واقفين على درج الإدارة يتحادثون ويضحكون قليلاً، وأنا قاعدٌ على حافة الدرجة الأولى، أمضغ ما في فمي، ومحاولاً ملاحظة حركات أيادي الأساتذة الرجال، مثل فرك الأصابع، أو ضرب المسطرة على جانبي أرجلهم، منتظراً أن يفعل أستاذ ما مع احدى المعلمات ما كان يفعله ذاك الرجل مع تلك المرأة. لكن ذلك لم يحصل مما زاد في حيرتي؛ لكنني عدت وفكرت بأن وضع اليد ما بين الفخذين لا يحصل الا في الليل وليس في النهار.
ما أتذكره جيداً، لأنه أبكاني ببطء ملحوظ، هو استيقاظي من النوم في الليل على صوت أمي، ومن بعده صوت أبي الذي كان أقرب الى «الوشوشة» ، فيما هي كانت ترفع من صوتها وتهدد بالصراخ، وأخوتي الصغار (جمال ونوال وعامر) يبكون بعد أن حاولت أمي وضع أحدهم في حضنها، لتمنع أبي من الاقتراب منها والنوم على تختها. كنت قد نمت فور أن أطفأ أبي ضوء الكهرباء، لأني لم أنم ليلة البارحة لأكثر من ساعتين أو ثلاث، ومشيت كثيراً لدرجة التعب، لكني غفوت ونمت على ومضة من صرخة عيني تلك المرأة، ثم فتحت عينيَّ على صوت أمي، وهي تقول لأبي بأن يرجع الى فرشته في الدار، حيث أنام أنا على الصوفة، وأسمع كلَّ ما يجري، وأخي علي ينام على الصوفة الثانية وهو غافٍ.
رجع أبي الى فرشته وهو يسب ويشتم أمي وأولادها، فيما هي كانت تردد مطالبها منه، كي يشتري بعض الأغراض والطعام.