صفحة 1
يوم غابت الشمس
مع الضياء الأول لفجر أحد الأيام من صيف عام 1905 هبط شيخ في الستين من العمر منحدراً ترابياً شديد الإنحدار عند الباب الصغير(1) شمال مدينة الموصل، وهو منحدر جانبي موازٍ للنهر تماماً غير ذي سياج فتبقى حافته الخارجية المطلة على الشاطيء مبعث رعب لكل من يقترب منها. هبط ذلك الشيخ ممتطياً حماراً أبيض يجر خطواته بكل حذر والرجل يشد بيديه برذعة الدابة مخافة السقوط. وما إن وصل الشاطيء المتسع الممتد بين مرقد الشيخ يحيى بن القاسم وقره سراي(2) حتى ترجل ونزع قِرَبَ الماء الفارغة من فوق البرذعة وسار نحو الماء.وبعد بضع خطوات غاص في الماء حتى حزامه بعد أن حسر سرواله الأبيض وثناه إلى ركبتيه فكشف عن ساقين عضليّتين رفيعتين بردتا قليلاً في الماء الذي بدأ يبعث ضوضاءَ خافتة حولهما هو بالكاد كل ما أستطاع سماعه مع قرقرة الماء الداخل إلى القربة(3). وبعد هنيهة سحب تلك القربة بكل هدوء إلى الشاطيء حيث يقف حماره الهادي ثابتاً لا يتحرك وكأنه مستمر في نعاس ليلته الماضية، وقد تدلت سلسلته الحديدية من رأسه إلى الأرض فصنعت أثراً متعرجاً على الرمل الرطب.
لفّ الشيخ الذي وخَطَ الشيب لحيته وشاربه تلك السلسلة حول رقبة الحيوان ثم أمرّ يده ذهاباً وإياباً على تلك الرقبة المنتصبة كأنه راضٍ عنه ثم حمل القربة بعد أن ربط فمها وألقاها فوق برذعة الحمار، وهمَّ بربطها إليه لكنه توقف …
- من ذلك الفتى؟ واستقرّ نظره أعلى الربوة، ثمة شاب لا تستبان صورته يطل من علو، شامخ القامة، مباعداً ساقيه راسخاً في وقفته وقد اطبقت يداه على عصاً ممتدةً على عرض بطنه.
ثَبَّتَ الرجل قربته بحبل سوس(4). ثم ادار وجهة الحمار الكهل وأخذ الحيوان ينتزع خطواته إنتزاعاً تاركاً حفراً صغيرة دائرية على الأرض الرملية حتى وصل إلى المنحدر.
وحثّ الرجل حماره على الصعود بينما راحت يداه الخشنتان تسندان القِرَب(5) التي مالت بكل ثقلها إلى الوراء بينما توترت قدما الحيوان الخلفيتان وهما تدفعان الأرض.
وقبل أن يصل الرجل بحماره إلى ذروة المرتفع هبط الشاب معترضاً طريق الحمار، وقف في منتصف الطريق الذي لا يتجاوز عرضه ستة أمتار واتضحت صورته للسقاء على أتمِّها، فتى لا يتجاوز الثامنة عشر حاسر الرأس، أسمر الوجه، يطوِّق خصرَه حزام جلدي عريض فوق دشداشةٍ رثّة لا يتجاوز طولها منتصف ساقيه، وقف يلوِّح بعصاه والحمار يواصل سيره تحت تهديد وصرخات صاحبه، وعندما اقترب اكثر شقّت العصا طريقها في الهواء مُصفِرةً أمام وجه الحمار فأغمض الحيوان عينيه وأدار رأسه متجنباً العصا وتوقف مكانه ولم يَعُد بامكانه التحرك، فجُن جُنون الرجل المُسِن وصرخ بأعلى صوته:
ـ أتقِ الله … أتقِ الله.
فجاءه الجواب ضحكة مدوية.
صفحة 2
وقفز السقاء إلى الامام مغتاظاً وأطبق على رشمة(6) الحيوان يقوده بنفسه فتراجع الشاب مستخِفّاً فرمقه الرجل بنظرة إزدراء ما لبث أن صرخ بعدها:ً
- حرتيش.
- عرفتني للتو؟!
- إبتعد عن الطريق وخاف الله.
- أبتعد؟!.. أجل سأبتعد. ولكن كيف أبتعد وأنت تدعوني (حرتيش) يا عمّي السقّاء؟
ثم ما هذا؟.. وأشار إلى القِرَب بعصاه وأردف:-
- ماء عذب وبارد، لا أراك ذاهباً به لغير سوزان.. اليس كذلك؟
- اللعنة عليك وعلى سوزان إن كان بيننا شيء.
- الله… ألم أركَ بأمِّ عيني تدخل بيتها حاملاً قربة الماء مطأطيء الرأس كخادم ذليل.
- كان ذلك قبل أشهر قبل أن…
وسكت الرجل وندّت من شفتيه حسرة وزفرة حانقة.
- قبل أن ماذا…؟ ها؟… وأدرك الرجل زلّة لسانه فقال:-
- اعوذ بالله من الشيطان الرجيم… إذهب واكفني شرّك.
- وسوزان؟
- هناك ألف من يجلب الماء لها.
- وأنت أولهم.
وحمل الفتى على الحمار مرة أخرى وأخذ ينخس بطنه بعصاه بلا رحمة فجعله يتلوّى من الألم ويسير جانباً ويرفس الهواء وصاحبه يصيح:
- أتقِ الله… أتقِ الله.
وأخيراً إرتخى الحبل وتمايلت القِرَب فوق ظهر الحيوان وسقطت إحداها على الارض متدحرجة فتلوثت بالتراب الجاف وروث الحيوانات حتى اعترضتها صخرة كبيرة أسفل الطريق فأوقفتها والرجل يصيح:
- لا حول ولا قوة إلاّ بالله.
إكتفى حرتيش بإسقاط القربة وأدار ظهره وغادر الربوة مخلِّفاً وراءه سليمان السقاء وحماره يعودان أدراجهما إلى أسفل المنحدر والرجل يسبُّ ويشتم والريح الخفيفة الندية تنقل الفاظه تلك إلى حيث لا يسمعها أحد، فما تزال المدينة في سبات الدقائق ألأخيرة من ليلة صيف قصيرة والأهالي مازالوا يتململون في نومهم على أسطح المنازل العالية، والطرقات خالية من روّادها إلاّ من عباد الله المصلين ذاهبين إلى مساجدهم وجوامعهم أو آيبين منها، وباستثناء قافلة صغيرة من النساء يبكرن في الخروج من أزقة الموصل الضيقة ليعبرن الجسر الخشبي إلى الضفة الشرقية لنهر دجلة.
ويزداد عدد أفراد هذه القافلة مع ازدياد انسكاب أشعة الشمس الأولى على المعمورة. وتسير النساء فيها جماعات صغيرة متعاقبة بجلابيبهن الطويلة كاشفين الحُجُب عن وجوههن فتبرز مفاتنهن في غفلة من الرجال، ويتمايلن ويختلن في مشيتهن ثم لا تلبث أن تعلو أصواتهن كأصوات سرب من طيور مهاجرة، كيف لا والدنيا لهن في تلكم الساعات حيث لا رجال يتربصون بهنّ أو ينظرون اليهنّ أو يتعقبوهنّ حتى إذا ما وصلوا الجسر الخشبي أخذت حباله والواحه تهتز فوق الماء الهادئ الناعس.
وهؤلاء النسوة المبكرات لا يشعرن بثقل بُقَج (7) الملابس الكبيرة المحمولة فوق رؤوسهن المنتصبة أو التي يحملنها بأيديهنّ إلى جوارهن، وما أن يعبرن إلى الضفة الأخرى حتى يفترشن الأرض الحصباء على حافة الماء لغسل الملابس المتسخة غيرعابئات بأصوات الحيوانات المنطلقة من غابة قره كوز(8) خلفهن.
- حرتيش.
- عرفتني للتو؟!
- إبتعد عن الطريق وخاف الله.
- أبتعد؟!.. أجل سأبتعد. ولكن كيف أبتعد وأنت تدعوني (حرتيش) يا عمّي السقّاء؟
ثم ما هذا؟.. وأشار إلى القِرَب بعصاه وأردف:-
- ماء عذب وبارد، لا أراك ذاهباً به لغير سوزان.. اليس كذلك؟
- اللعنة عليك وعلى سوزان إن كان بيننا شيء.
- الله… ألم أركَ بأمِّ عيني تدخل بيتها حاملاً قربة الماء مطأطيء الرأس كخادم ذليل.
- كان ذلك قبل أشهر قبل أن…
وسكت الرجل وندّت من شفتيه حسرة وزفرة حانقة.
- قبل أن ماذا…؟ ها؟… وأدرك الرجل زلّة لسانه فقال:-
- اعوذ بالله من الشيطان الرجيم… إذهب واكفني شرّك.
- وسوزان؟
- هناك ألف من يجلب الماء لها.
- وأنت أولهم.
وحمل الفتى على الحمار مرة أخرى وأخذ ينخس بطنه بعصاه بلا رحمة فجعله يتلوّى من الألم ويسير جانباً ويرفس الهواء وصاحبه يصيح:
- أتقِ الله… أتقِ الله.
وأخيراً إرتخى الحبل وتمايلت القِرَب فوق ظهر الحيوان وسقطت إحداها على الارض متدحرجة فتلوثت بالتراب الجاف وروث الحيوانات حتى اعترضتها صخرة كبيرة أسفل الطريق فأوقفتها والرجل يصيح:
- لا حول ولا قوة إلاّ بالله.
إكتفى حرتيش بإسقاط القربة وأدار ظهره وغادر الربوة مخلِّفاً وراءه سليمان السقاء وحماره يعودان أدراجهما إلى أسفل المنحدر والرجل يسبُّ ويشتم والريح الخفيفة الندية تنقل الفاظه تلك إلى حيث لا يسمعها أحد، فما تزال المدينة في سبات الدقائق ألأخيرة من ليلة صيف قصيرة والأهالي مازالوا يتململون في نومهم على أسطح المنازل العالية، والطرقات خالية من روّادها إلاّ من عباد الله المصلين ذاهبين إلى مساجدهم وجوامعهم أو آيبين منها، وباستثناء قافلة صغيرة من النساء يبكرن في الخروج من أزقة الموصل الضيقة ليعبرن الجسر الخشبي إلى الضفة الشرقية لنهر دجلة.
ويزداد عدد أفراد هذه القافلة مع ازدياد انسكاب أشعة الشمس الأولى على المعمورة. وتسير النساء فيها جماعات صغيرة متعاقبة بجلابيبهن الطويلة كاشفين الحُجُب عن وجوههن فتبرز مفاتنهن في غفلة من الرجال، ويتمايلن ويختلن في مشيتهن ثم لا تلبث أن تعلو أصواتهن كأصوات سرب من طيور مهاجرة، كيف لا والدنيا لهن في تلكم الساعات حيث لا رجال يتربصون بهنّ أو ينظرون اليهنّ أو يتعقبوهنّ حتى إذا ما وصلوا الجسر الخشبي أخذت حباله والواحه تهتز فوق الماء الهادئ الناعس.
وهؤلاء النسوة المبكرات لا يشعرن بثقل بُقَج (7) الملابس الكبيرة المحمولة فوق رؤوسهن المنتصبة أو التي يحملنها بأيديهنّ إلى جوارهن، وما أن يعبرن إلى الضفة الأخرى حتى يفترشن الأرض الحصباء على حافة الماء لغسل الملابس المتسخة غيرعابئات بأصوات الحيوانات المنطلقة من غابة قره كوز(8) خلفهن.
صفحة 3
في السنوات الغابرة عندما كان سليمان السقاء فارع الطول مفتول العضلات ما كان لمخلوق أن يخيفه، لا اللصوص ولا قطاع الطرق ولا رجال الدرك وحتى هذا اليوم بقي محتفظاً بعزيمة الماضي والإعتزاز بالنفس ولكن ما كان يخافه هو الخَوَر أو الضعف الذي لابد أن ينال منه عاجلاً أم آجلاً. ويبقى هذا الخوف من الهرم والكِبَر لا يعني له شيئاً أبداً إلى جانب الخوف من أن يطعن أحدهم سمعته الطيبة وأمانته وإيمانه. وهكذا فعندما مرّ ببيت سوزان في محلة السوق الصغير حثَّ خطاه وشدّ على حماره، لكن صوتاً رقيقاً ناداه من خلف الباب:
- عم سليمان السقاء!؟
- ماذا؟!
توقف الرجل مبهوتاً واستطلع الطريق بعينين وجِلَتين.
- أدخل يا عم سليمان.
قالت المرأة بصوت هاديء:
أمسك الرجل بخطام حماره وقال - والعرق يتصبَّب من جبينه-:
-قدّري موقفي يا إمرأة!
- أدخل ياعم سليمان أرجوك.
وأمسك الرجل بلحيته وقال:
- إرحمي شيبتي وارحمي سمعتي.
فأجابته بابتسامة عريضة ماكرة، وعاد السقاء إلى القول:
- أنت إمرأة عاقلة ياسوزان.
في اللحظة الأولى كانت تدرك سبب ارتباكه وما يجول بخاطرها لا يمكن أن تحبسه بين أنفاسها فقالت على عجل:
- ما أنا بالمرأة التي يُخشى جانبها وأعلمُ ما تلوك به ألسِنة الناس.
طأطأ الرجل رأسه متجاهلاً كلامها وقاد حماره مبتعداً غير أنها صرخت به:
- توقف أرجوك.
وتوقف مكرهاً والتفت اليها وطالعها بنظرات مسترحِمة.
وعادت المرأة لتضيف:
- أتراني امرأة فاجرة؟ أدخل ناشدتك الله.
وأصابت الرجل حيرة ألمّت بكل جوارحه ولم يدرِ بماذا يجيبها فبقى صامتاً فألحّت عليه:
- ناشدتك الله أن تدخل.
- فوضت أمري الى الله.
ودخل الرجل مُبسمِلاً تاركاً حماره عند الباب يشم الأرض بمنخريه الرطبين. وقال- وهو يتخطى عتبة الدار-:
-ها قد دخلت. قولي ما لديك يا أُختاه.
صفحة 4
- لست في عجلة من أمري.
- ولكن أنا في عجلة منه.
واستدار ليخرج فأطبقت يمناها على ياقة جلبابه من الخلف وقالت مهدِّدة:
- والله لئن خرجت لأَصرخنّ صوتاً أجمع به أهل المحلّة على رأسك وأقول لهم... وستعلم ما سأقوله لهم، هيا إلى الغرفة ولكن مهلاً أدخل حمارك أيضاً فقد تطول الجلسة.
وفي الغرفة افترشا جودليةً قد تآكلت أطرافها. وفي الوقت الذي لم تكن عينا الرجل لتذهب أكثر من موضع قدميه كانت المرأة - وقد عاد إليها هدوؤها - مسترسلة في نظراتها مسترخية أنفاسها وبادرته الحديث:
- أنت الرجل الوحيد الذي تطمئن إليه نفسي. تُرى ما الذي منعك من جلب الماء لنا؟
- كبر السن لا غير، بدأت أشعر بالتعب... حتى حماري قد هرم وتعب مثل صاحبه عليَّ أن أرفق بنفسي وبه. ثمّ لستِ أنت ألوحيدة ألتي أهملتها، هناك بيوتات كثيرة غير بيتك لم أعُد أصل إليها.
- هذا قولك. أما أنا فأقول: ما منعك إلاّ كثرة القيل والقال عني، سمعتي السّيئة أليس كذلك؟. ولكن صدّقني فأنا أعرف قدر نفسي وبالتالي فإن كلاماً من هذا وآخر من تلك لا ينال مني شيئاً... أترغب في الشاي أم أغلي لك بعض الحليب؟
- لا هذا ولا ذاك أرجوكِ.
- حسن، ولكن قل لي من يحكم على سلوك المرأة أن كانت فاجرة أم لا وكيف؟
- ولكن لا أحد اتهمك بشيء من هذا.
- إذا لم تقلها السنتهم فقلوبهم.
- سوء الظن مجبول في نفوس الكثير من ضعاف الإيمان.
- عين العقل وهل التقيت بالبعض من هؤلاء ضعيفي الإيمان؟
- في الحقيقة نعم.
- إذن الصورة واضحة فلأبينها لك ولكن في البدء أسألك سؤالاً واحداً:
هل أحببت في شبابك؟
ولاذ الرجل بالصمت وقد فاجأه سؤالها وعادت المرأة لتضيف:-
- فإذا لم تكن قد وقعت في هوى فتاة فلا بد أنك قد سمعت بالحب.
قالتها على عجل ثم خرجت من الغرفة تمشي بخيلاء وعادت بعد دقيقتين وهي تحمل شربة (9) ماء باردة قدمتها للرجل وقبل أن يرفعها الى فمه أجاب:
- ما بِهِ الحب؟!
- حسن، أنا التي أحببت وليتني لم أعرف الحب واليك الحكاية:
قبل عشرين عاماً أحببت شاهين مريودة وأحبني، لا تسأل كيف ولماذا؟ وأردنا أن نختم الحب بالزواج ولمّا همَّ الفتى بخطبتي وفاتح والده بالأمر صعق الأخير وأصابه الذهول ورفض الأمر جملةً وتفصيلاً وخاب مسعى شاهين في إقناعه وكان والده - كما يعلم الكثيرون - من المتنفذين في البلدة. يشتغل بالتجارة بين حلب والموصل ويُسَيِّرُ البرخانات (10) في كل سنة ومعنى ذلك أنه ذو نعمة وذو سمعة طيبة أيضا.عاش في بحبوحة ورغد من العيش فانعكس ذلك على ابنه شاهين الذي كان يصطحبه معه إلى مجالس الطرب والغناء و زاده انغماساً فيه صوته العذب.
- ولكن أنا في عجلة منه.
واستدار ليخرج فأطبقت يمناها على ياقة جلبابه من الخلف وقالت مهدِّدة:
- والله لئن خرجت لأَصرخنّ صوتاً أجمع به أهل المحلّة على رأسك وأقول لهم... وستعلم ما سأقوله لهم، هيا إلى الغرفة ولكن مهلاً أدخل حمارك أيضاً فقد تطول الجلسة.
وفي الغرفة افترشا جودليةً قد تآكلت أطرافها. وفي الوقت الذي لم تكن عينا الرجل لتذهب أكثر من موضع قدميه كانت المرأة - وقد عاد إليها هدوؤها - مسترسلة في نظراتها مسترخية أنفاسها وبادرته الحديث:
- أنت الرجل الوحيد الذي تطمئن إليه نفسي. تُرى ما الذي منعك من جلب الماء لنا؟
- كبر السن لا غير، بدأت أشعر بالتعب... حتى حماري قد هرم وتعب مثل صاحبه عليَّ أن أرفق بنفسي وبه. ثمّ لستِ أنت ألوحيدة ألتي أهملتها، هناك بيوتات كثيرة غير بيتك لم أعُد أصل إليها.
- هذا قولك. أما أنا فأقول: ما منعك إلاّ كثرة القيل والقال عني، سمعتي السّيئة أليس كذلك؟. ولكن صدّقني فأنا أعرف قدر نفسي وبالتالي فإن كلاماً من هذا وآخر من تلك لا ينال مني شيئاً... أترغب في الشاي أم أغلي لك بعض الحليب؟
- لا هذا ولا ذاك أرجوكِ.
- حسن، ولكن قل لي من يحكم على سلوك المرأة أن كانت فاجرة أم لا وكيف؟
- ولكن لا أحد اتهمك بشيء من هذا.
- إذا لم تقلها السنتهم فقلوبهم.
- سوء الظن مجبول في نفوس الكثير من ضعاف الإيمان.
- عين العقل وهل التقيت بالبعض من هؤلاء ضعيفي الإيمان؟
- في الحقيقة نعم.
- إذن الصورة واضحة فلأبينها لك ولكن في البدء أسألك سؤالاً واحداً:
هل أحببت في شبابك؟
ولاذ الرجل بالصمت وقد فاجأه سؤالها وعادت المرأة لتضيف:-
- فإذا لم تكن قد وقعت في هوى فتاة فلا بد أنك قد سمعت بالحب.
قالتها على عجل ثم خرجت من الغرفة تمشي بخيلاء وعادت بعد دقيقتين وهي تحمل شربة (9) ماء باردة قدمتها للرجل وقبل أن يرفعها الى فمه أجاب:
- ما بِهِ الحب؟!
- حسن، أنا التي أحببت وليتني لم أعرف الحب واليك الحكاية:
قبل عشرين عاماً أحببت شاهين مريودة وأحبني، لا تسأل كيف ولماذا؟ وأردنا أن نختم الحب بالزواج ولمّا همَّ الفتى بخطبتي وفاتح والده بالأمر صعق الأخير وأصابه الذهول ورفض الأمر جملةً وتفصيلاً وخاب مسعى شاهين في إقناعه وكان والده - كما يعلم الكثيرون - من المتنفذين في البلدة. يشتغل بالتجارة بين حلب والموصل ويُسَيِّرُ البرخانات (10) في كل سنة ومعنى ذلك أنه ذو نعمة وذو سمعة طيبة أيضا.عاش في بحبوحة ورغد من العيش فانعكس ذلك على ابنه شاهين الذي كان يصطحبه معه إلى مجالس الطرب والغناء و زاده انغماساً فيه صوته العذب.
صفحة 5
وقاطعها سليمان السقاء:
- وما دخل سيرة التاجر في حبك المزعوم؟
- ليس هذا السؤال هو ما كان عليك أن تلقيه، كان عليك أن تسأل ما الذي جعله يرفض طلب إبنه؟ لا بأس دعني أكمل: كان والد شاهين – والله أعلم – يريد لإبنه فتاة تضاهيه في الثراء والجاه فيا ترى هل يروقه أن يتزوج إبنه بفتاة تبيع الصوف في سوق الغزل وأي فتاة؟ فتاة لا يعرف أصلها أو فصلها، فقيرة جاءت مهاجرة من ولاية بيروت. ولكي يقطع الطريق على ابنه سارع في تزويجه من إحدى قريباته، ثم مات الوالد بعد أعوام قلائل تاركاً ثروة يتقاذف بها الشاب الطائش شاهين الذي ما انفك يحبني. وحدث ذات مرة أن صدح بإسمي مغنياً بين زملائه فذهب بسمعتي وزاد في الطين بلَّة أن تقابلنا على غير موعد فجر أحد أيام الشتاء في طريقنا الى الكرخان (11) لجلب البْرْمَة (12) وتبادلنا كلمات الحب والله يعلم أننا لم نزد على ذلك شيئاً، ولكن القوم - وقد سرى الشيطان في دمهم - زادوا وأعادوا حتى غدوتُ تلك المرأة الساقطة التي يلفظها الجميع، ولكن لا بأس فقد قلت لك أنا أعلم قدر نفسي.
سكتت وأخذت تستعطفه بنظراتها البائسة ثم استدركت قائلة:
- ولكن الشيء الذي أتألم منه حقاً هو… أأنت مستعد… حسن.. لكن سأبوح لك بشيء، القليل من الناس يعرفه هو.. جيد المّ تسأل نفسك كيف أحصل على قوت يومي؟
وقاطعها سليمان السقاء على حين غرة، وقال مستدركاً وهو يستوقفها عن الكلام بإشارة من يده:
- أجل… أجل ولكن لحظة أرجوك.
واستجابت له مستغربة وأصغت بكل جوارحها وعاد السقاء وأردف:
ـ اليوم صباحاً، صدقيني.. ترى من يكون؟.. من يكون حرتيش هذا؟
إعترض طريقي وذكر اسمُكِ ـ لا أدري ما الذي حمله على ذلك ـ لقد حذَّرَ وهدَّدَ.
وانتفضت تريد القيام لكنها سارعت إلى الجلوس وقالت وقد شدَّت عضلات وجهها وبدت نظراتها أكثر صرامة.
- حذّرَ من وهدّد من؟!
- حذّرني وهدّدني إن أنا جلبت لك الماء.
- لا عليك منه ولكن ما معنى ذلك؟
- أجل ما معنى ذلك؟
- إنّ هذا الغصن من تلك الشجرة. إنّ حرتيش هذا هو ابن شاهين مريودة.
- يا الله وكيف ذاك! شاب شقي يسرق ويضرب ابن ذلك الرجل الهزيل الوقور!؟
- هذه قصة يطول شرحها.. وبكثير من الإيجاز أحكيها لك:
بعد أن مات والد شاهين ترك ثروة لا بأس بها لإبنه وكان الأخير شاباً متعطلاً تنبالاً أتى على كل ثروة أبيه تقريباً، صرفها على أصدقائه وأصحابه في اللعب والطرب وبعدما تزوج إبنة خالته ورُزِقا بإبنة لا يحضرني اسمها وبولد سمَّياه أحمد، كانت ثروته قد تناقصت كثيراً وبات الفقر في الطريق إليه. وتدارُكاً للأمرِ أسرع في البحث عن عمل وهل بإمكان رجل مثل شاهين مريودة العمل؟ فهذا الرجل لم تألف يداه الطريتان مسك المحراث ولا حمل الحجارة ولا الجومة (13) ولا أية صنعة أخرى دارجة في البلد، لكنه أصرَّ على العمل في مقالع الفرش(14) وهو يدرك أنها أكبر من طاقته. وكانت جميع مقالع الفرش خارج المدينة كما تعلم فكان على الرجل أن يجتاز أحد أبواب المدينة، باب سنجار أو باب العمادية أو.. أو باب الجديد ولكن ما حدث ولسوء حظ شاهين مريودة وغيره أن أحد الرجال إقترح فتح باب جديد في السور المحيط بالمدينة. عند قلعة باشطابيا حيث أكوار(15) الجص خلف السور مباشرة وبذلك يختصرون طريق الذهاب والإياب الى العمل كثيراً، فهجم بعضهم على السور وأعملوا فيه الضرب بالمعاول حتى أحدثوا فتحة كبيرة فرحوا بها كثيراً – وكل هذا أنت تعلمه أكثر مني. حسن، ثم ماذا بعد؟ فبعد أيام قلائل من فتح تلك الثغرة إجتاح المدينة وباء جرف الكثير من الرجال والنساء حتى أصاب أهل المدينة الذعر واعتقدوا أن مصدر الوباء ما هو إلا هذا الباب الجديد الذي فتحوه في السور، فسمّوه باب الوباء، وسرعان ما هُرِعوا إليه بالجص والحجارة حتى سدّوه. أتذكر ذلك؟ بالتأكيد نعم.
- وما دخل سيرة التاجر في حبك المزعوم؟
- ليس هذا السؤال هو ما كان عليك أن تلقيه، كان عليك أن تسأل ما الذي جعله يرفض طلب إبنه؟ لا بأس دعني أكمل: كان والد شاهين – والله أعلم – يريد لإبنه فتاة تضاهيه في الثراء والجاه فيا ترى هل يروقه أن يتزوج إبنه بفتاة تبيع الصوف في سوق الغزل وأي فتاة؟ فتاة لا يعرف أصلها أو فصلها، فقيرة جاءت مهاجرة من ولاية بيروت. ولكي يقطع الطريق على ابنه سارع في تزويجه من إحدى قريباته، ثم مات الوالد بعد أعوام قلائل تاركاً ثروة يتقاذف بها الشاب الطائش شاهين الذي ما انفك يحبني. وحدث ذات مرة أن صدح بإسمي مغنياً بين زملائه فذهب بسمعتي وزاد في الطين بلَّة أن تقابلنا على غير موعد فجر أحد أيام الشتاء في طريقنا الى الكرخان (11) لجلب البْرْمَة (12) وتبادلنا كلمات الحب والله يعلم أننا لم نزد على ذلك شيئاً، ولكن القوم - وقد سرى الشيطان في دمهم - زادوا وأعادوا حتى غدوتُ تلك المرأة الساقطة التي يلفظها الجميع، ولكن لا بأس فقد قلت لك أنا أعلم قدر نفسي.
سكتت وأخذت تستعطفه بنظراتها البائسة ثم استدركت قائلة:
- ولكن الشيء الذي أتألم منه حقاً هو… أأنت مستعد… حسن.. لكن سأبوح لك بشيء، القليل من الناس يعرفه هو.. جيد المّ تسأل نفسك كيف أحصل على قوت يومي؟
وقاطعها سليمان السقاء على حين غرة، وقال مستدركاً وهو يستوقفها عن الكلام بإشارة من يده:
- أجل… أجل ولكن لحظة أرجوك.
واستجابت له مستغربة وأصغت بكل جوارحها وعاد السقاء وأردف:
ـ اليوم صباحاً، صدقيني.. ترى من يكون؟.. من يكون حرتيش هذا؟
إعترض طريقي وذكر اسمُكِ ـ لا أدري ما الذي حمله على ذلك ـ لقد حذَّرَ وهدَّدَ.
وانتفضت تريد القيام لكنها سارعت إلى الجلوس وقالت وقد شدَّت عضلات وجهها وبدت نظراتها أكثر صرامة.
- حذّرَ من وهدّد من؟!
- حذّرني وهدّدني إن أنا جلبت لك الماء.
- لا عليك منه ولكن ما معنى ذلك؟
- أجل ما معنى ذلك؟
- إنّ هذا الغصن من تلك الشجرة. إنّ حرتيش هذا هو ابن شاهين مريودة.
- يا الله وكيف ذاك! شاب شقي يسرق ويضرب ابن ذلك الرجل الهزيل الوقور!؟
- هذه قصة يطول شرحها.. وبكثير من الإيجاز أحكيها لك:
بعد أن مات والد شاهين ترك ثروة لا بأس بها لإبنه وكان الأخير شاباً متعطلاً تنبالاً أتى على كل ثروة أبيه تقريباً، صرفها على أصدقائه وأصحابه في اللعب والطرب وبعدما تزوج إبنة خالته ورُزِقا بإبنة لا يحضرني اسمها وبولد سمَّياه أحمد، كانت ثروته قد تناقصت كثيراً وبات الفقر في الطريق إليه. وتدارُكاً للأمرِ أسرع في البحث عن عمل وهل بإمكان رجل مثل شاهين مريودة العمل؟ فهذا الرجل لم تألف يداه الطريتان مسك المحراث ولا حمل الحجارة ولا الجومة (13) ولا أية صنعة أخرى دارجة في البلد، لكنه أصرَّ على العمل في مقالع الفرش(14) وهو يدرك أنها أكبر من طاقته. وكانت جميع مقالع الفرش خارج المدينة كما تعلم فكان على الرجل أن يجتاز أحد أبواب المدينة، باب سنجار أو باب العمادية أو.. أو باب الجديد ولكن ما حدث ولسوء حظ شاهين مريودة وغيره أن أحد الرجال إقترح فتح باب جديد في السور المحيط بالمدينة. عند قلعة باشطابيا حيث أكوار(15) الجص خلف السور مباشرة وبذلك يختصرون طريق الذهاب والإياب الى العمل كثيراً، فهجم بعضهم على السور وأعملوا فيه الضرب بالمعاول حتى أحدثوا فتحة كبيرة فرحوا بها كثيراً – وكل هذا أنت تعلمه أكثر مني. حسن، ثم ماذا بعد؟ فبعد أيام قلائل من فتح تلك الثغرة إجتاح المدينة وباء جرف الكثير من الرجال والنساء حتى أصاب أهل المدينة الذعر واعتقدوا أن مصدر الوباء ما هو إلا هذا الباب الجديد الذي فتحوه في السور، فسمّوه باب الوباء، وسرعان ما هُرِعوا إليه بالجص والحجارة حتى سدّوه. أتذكر ذلك؟ بالتأكيد نعم.
صفحة 6
أجاب باقتضاب:
- أجل.. أجل فقد كنت من بين المشاركين في العمل.
وأمسك السقاء أسفل لحيته وهو لا يحيدُ النظر إليها وأضاف:
- ولكن ما لكِ تقُصّين حكاية الكل يعرفها؟
- بل قل ما العبرة في ذلك؟
- أجل ما العبرة في ذلك؟
- العبرة في ذلك ستدركها بعد قليل، ففي غمرة الأحداث مرضت زوجة شاهين رحمها الله ـ بمرض السل فارتعدت فرائص الرجل خوفاً وهو يرى المرض يزحف إلى بيته بعد أن أهلك بعض جيرانه، فخاف العدوى أن تنال منه أيضاً وهكذا فبدلاً من أن يقف إلى جانب زوجته المسكينة اعتزلها الجبان في غرفة مرتفعة في منزله تاركاً إيّاها تتجرع المرض وآلامه في السرداب لا يواسيها ولا يسليها. ولولا ابنها أحمد الذي أبى أن يفارقها لماتت خلال يومين!
وألقت سوزان راحتها على كتف السقاء وأضافت:
- أحمد الله ألف ألف مرة على أني لم أتزوج هكذا رجلاً نذلاً وإلاّ كان سيسفلني ككلبة جرباء إن عاجلاً أو آجلاً. لا عليك أو تدري ما حصل بعد ذلك؟ كانت الزوجة تحب إبنها حباً جماً وهو يحبها كذلك فلما مرضتْ وبانت نذالة زوجها أحدث ذلك غصّة في قلب إبنها الشاب أحمد وخلق شيئاً من الفتور بينه وبين أبيه، وفي كل يوم كانت فيه المسكينة تبصق خيوط الدم كانت تلك الخيوط خناجر تنغرس في قلب إبنها المكلوم العاجز حتى لفظت أنفاسها، وهي تدعو لإبنها بالخير والإيمان والأخير يبكي، وبعد موتها شَعَر الإبن بكراهية خفيّة لأبيه وعرف الأب تقصيره فأخذ يتحاشى الدخول بمشادة لعينة مع إبنه الذي أخذ يثور لأتفه الأسباب.
وقاطعها السقاء قائلاً بارتياب:
- أنت تتكلمين وكأنك كنت تعيشين معهم.
- بحكم كوني حبيبة وعاشقة للرجل بقيت أتتبع أخباره حتى بعد زواجه وهكذا فقد سخَّرتُ غسالة الملابس ـ ولا أريد أن أذكر أسمها لك ـ سخّرتها جاسوسة لي تأتيني بأخبارهم أولاً بأول فكانت تفعل ما آمرها.
كانت تدخل اليهم منبسطة تغسل ملابسهم وأحياناً أوانيهم فتسترق السمع والنظر لِما يجري ويدور. وخلاصة القول أن الأمر بين الأب وإبنه بين أخذٌ وَرَدٌ فقلَّت سيطرة شاهين على إبنه الذي لم يعُد يسمع نصائح أبيه أو يمتثل أوامره فقسا قلبه وتحجَّر وأخذ يستهزيء بالغادي والرائح وربما يضربهم أو يسرقهم ويتناول طعامه مجاناً في الأسواق إذا وجد من يستضعفه. هذه صورة الفتى الذي ذكرته والذي إعترض طريقك صباح اليوم، إنه حرتيش بل أحمد بن شاهين مريودة، وسوف …
وأسكتها صوت طرقات ذات وقع خاص على باب الدار الموصد وارتفع صوت سوزان مجاوباً دون أن تنهض من جلستها:
- ليس لدي ما تريدون الآن. تعالوا بعد أيام.
وعلى حين غرّة تغيرت سحنات سليمان السقاء وجحظت عيناه وانفرجت شفتاه بحركة كالمبهوت، وقال مستفهماً ويداه تقبضان الحزام عند خاصريته:
- من هؤلاء؟
- أنت تتكلم بصيغة الجمع.
بل أنت أجبتيهم بصيغة الجمع.
صفحة 7
- ربما بسبب وجودك، أنهم ليسوا بأحد يذكر.
- أنت تكذبين علي.
- قد أفعلها مع غيرك أما أنت فلا.
- من هؤلاء؟
- ليسوا بأحد صدقني.
- إذن من؟
- رجل من عامة الناس.
- من هو؟ ماذا يبغي؟
واقترب منها أكثر ورمقها بعينين قاسيتين أحسّت معهما بقوة الغضب في وجه السقاء وفي يديه المتوترتين الممتدتين نحوها، فنهضت متراجعة ترتجف خوفاً فتعثرت بشربة الماء فقلبتها، وانسكب الماء منها مُقرقراً وصرخت بتوسل:
- لا تقترب
وجمد مكانه ويداه ممدودتان وهزهما بعنف وقال:
- ماذا أفعل تجاه امرأة سا…
ولم يكمل قوله فأجابته:-
- لا تسيىء الظن بي، أنا امرأة شريفة أقسم بالله على ذلك دعني أوضح لك إن أردت …
فأجابها بصوت خافت يكاد لا يسمع:
- أظن علي أن أرحل …
وتركها وخرج إلى الحوش قاصداً حماره فركضت وراءه مهرولة حتى وقفت أمامه وقالت:
- أتوسل إليك أن تفهمني.
- من الطارق؟
- بماذا يفيدك معرفة اسمه. الم تفهم بعد لماذا دعوتك للدخول عندي. أنا امرأة بحاجة إلى أمثالك صدقني. وها أنت تخرج غاضباً.. يا لله لقد ضاعت الفرصة.
لكن الرجل الذي لم يعِ ما سمع وسار بخطوات ثابتة نحو حماره الساكن وقاده من خُطامِهِ صوب الباب فاستبقته إليه، وقالت متوسّلة:
- إفهمني ياعم سليمان زُرني غداً بل كل يوم.. أتريد معرفة الطارق؟!. حسن إنه جليمود، أتعرفه؟، لاشك… أنك تعرفه.. والآن.. زرني غداً أحكي لك … ولكن… ألا تعود؟…
وبكل برود أزاحها بيده من أمامه وفتح الباب وخرج.
وأطبقت المرأة الباب بعنف وهي تلعن جليموداً وشاهيناً وكل الناس.
صفحة 8
تقع محلة تل قليعات على أعلى ربوة في مدينة الموصل تطل على الجهة الغربية لنهر دجلة، فتنحدر بذلك بيوتها على السفح المتدرج الى مختلف الجهات وتحصر تلك البيوت المشيدة من الحجارة والجص والمدعّمة بأقواس وقطع الفرش ذات النقوش الرائعة وأبوابها الخشبية ذات الألواح السميكة من خشب الجوز والصاج والمثبتة مع بعضها بمسامير حديدية ذات رؤوس قرصية كبيرة مدورة، تحصر بينها طرقات وأزقة ملتوية ومتعرجة، وابتداءاً من الجامع الأموي (16) بمنارتهِ قليلة الإرتفاع المتآكلة النهاية والرابضة على قمة التل تقريباً، تتشعب هذه الطرقات والأزقّة فينحدر بعضها الى النهر مباشرةً حتى يجتاز أبواب السور المؤدية إليه، بينما يسير طريق آخر منحدر نحو الجنوب وموازٍ للنهر تماماً حيث يصب في ساحة الميدان وباب الجسر الخشبي المنفذ الوحيد الذي يربط المدينة بالضفة الشرقية للنهر وينحدر طريق مماثل ولكن باتجاه معاكس نحو الشمال، فيؤدي الى فسحة واسعة من الأرض عند مرقد الإمام يحيى بن القاسم وبقايا قلعة باشطابيا. أما من جهة الغرب فينحدر الطريق المؤدي الى المكاوي ومن ثَمَّ إلى باب سنجار أقصى غرب المدينة، وتتفاوت هذه الطرقات في اطوالها إلا أنها تشترك في معظم صفاتها الأخرى فهي طرقات غير منتظمة ملتوية ومتعرجة تضيق في أماكن وتتسع في أماكن أخرى مغطاة بقطع القاردرم(17) وقد تصلبت تربتها من كثرة وطء أقدام الإنسان والحيوان على السواء، وبقيت بعض الصخور ناتئة هنا وهناك تشكل عثرات طبيعية للسالكين وتؤدي جميع هذه الطرقات إلى بقية محلات ومناطق وأسواق الموصل الأوطأ مستوى وتتوغل فيها فتشكل شرايين الحياة في الموصل القديمة.
* * *
* * *
أخذت الشمس المحتضرة تتلاشى تدريجياً خلف الأفق ولم يبقَ منها سوى أشعة برتقالية شاحبة كانت آخر ما قذفته فوق تل قليعات وفوق مآذن وقباب الجوامع المرتفعة. وهبَّ نسيم رطب من جهة النهر سرعان ما تشتَّتَ بين الأزقة والبيوت العالية واستطاع هذا النسيم المتلاشي ـ رغم ضعفه ـ أن يتسرب إلى سرداب عتيق في بيت ضخم عند تل قليعات فانسَلَّ عبر جلباب حقير إلى صدر حرتيش الجالس على سرير خشبي أسفل الشباك النصف الدائري الكبير والذي لم يعد يستقبل شيئاً من ضوء النهار الآفل إلا النزر القليل وبدت الوحشة والظلمة تلفع السرداب رويداً رويداً والفتى جالس مكانه وبيده فستان امرأة مدعوك على غير انتظام تارةً يدنيه من وجهه وتارة أخرى يضمُّه إلى صدره وغابت معالم الفستان والأواني والأدوات أمام ناظري الفتى وهو يتطلع عبر النافذة إلى غرفة مرتفعة حيث يقبع رجل كهل.
- أبي… أبي.
تنهد الفتى الأسيان.
وأضاءت شمعة الغرفة المرتفعة فسكبت جزءاً من نورها الشاحب على بقعة صغيرة أسفل الحوش، وزاد هذا الدفق في الضوء اصرار حرتيش على تقبل ظلام السرداب. هنا في هذا السرداب قضت المسكينة آخر أيامها، قضتها وسط العفونة والرطوبة والظلام بعيداً عن الناس وبعيداً عن زوجها القريب. آه كم كانت عيناها الشاحبتان تبحث عنك يا أبي. كم مرة نطقت باسمك، كم مرة سألتني عنك؟ ما لأبيك يجافينا هذه الأيام؟ أذكر أن هذا آخِرُ سؤال لها عنك. إنه لا يطيق أن يراك على هذه الحال، هذا كل ما كنت أستطيع أن أجيبها به. ماذا بوسعي أن أقول؟ أأقول لها أنك رجل وسواس متضعضع تخاف حتى الدودة إن لامست ثوبك أم أقول أنك رجل جبان ربما تخشى حتى الظلام أم أقول أنك تخاف حتى ذكر الموت أو المرض أو باب الوباء، وكأنك أنت الذي فتحته. إنه لا يطيق أن يراك على هذه الحال. عسى أن يكون جوابي هذا قد أراحك يا أمي العزيزة والويل لمن يسيء اليك بعد الآن. لن أسمح لمخلوق أن يسيء اليك حتى وإن كان أبي نفسه. حذار حذار أيها الوالد أن تطمئن لعيش بعد الآن. والدتي لا أحد يأخذ مكانها. وسوزان تلك المرأة السافلة أتراها عائدة اليك؟ سأكسر رجليها إن وضعتهما على طريقك مرة ثانية، لا بل سأكسر يديها ورجليها. لتبقى تلك المرأة الساقطة في مكانها. لتبقى هناك أبد الدهر ليعشعش القمل في رأسها ولتدعكه بالوحل إن شاءت.
- أحمد.
جاءه الصوت من الغرفة المرتفعة.
وصعد حرتيش الدرج ودفع الباب فأصبح وجهاً لوجه أمام أبيه المتربع على أريكة في أحدى جوانب الغرفة ورغم ضعف ضوء الشمعة استطاع أحمد أن يستبين التجعدات العديدة وقد حفرت وجه أبيه الذي بدا أكبر عمراً بكثير مما كان عليه قبل شهرين. إعتذر لوالده عندما طلب منه الجلوس وبقي واقفاً أمامه لا يتزعزع فسأله شاهين:
- لِمَ لا تغادر السرداب ففي البيت متسع من الغرف!؟
وأجاب الفتى بعدم اكتراث:
- إذا كان الأمر كذلك فَلِمَ تركت المسكينة تقضي حياتها فيه؟!
- أنا لم أكرهها على ذلك.
- لو شئت لأسكنتها غرفتك.
صفحة 9
وضاق الرجل ذرعاً بابنه فقال بتذمر وكراهية:
- أُووه... ما نفع هذا الكلام الآن؟.. ما مضى انقضى ولنا الساعة التي نحن فيها.
- هذه الساعة بنت تلكم الساعات.
ولمّا لم يجد الرجل إلى إبنه سبيلاً في إخراجه من السرداب استدرك أمراً آخر فقال:
- لا بأس عليك، لا نريد أن نخرج عن الموضوع فسواء بقيتَ في السرداب أم خرجتَ منه فهذا عائد لك.. ولكن ألا ترى كثرة العفونة والرطوبة فيه؟
- أيّة عفونة وأيّة رطوبة؟ وسواء كانت هذه العفونة موجودة أم لا فلا يهمُّني من أمرها شيء.
- إلى متى تفهمني خطأ؟ أنا لم أقصدك بكلامي، ولكن المؤونة ستتلف، إن المكان غير صالح لخزنها.
- وأين تخزن الناس مؤونتها؟ فتّش جميع بيوتات الموصل وسترى، ثم مالك يا أبي تعترض على أمر صحيح ومألوف جرت عليه العادة منذ سنوات عديدة وفي هذا البيت بالذات، لا يا أبي لنترك كل شيء مكانه.
وفي صباح اليوم التالي افترش الإثنان الأرض تتوسطهما صينية طعام الفطور البسيطة، باطيتين(18) صغيرتين من اللبن وبعض الخبز وقليل من الشاي.
أخذ شاهين يقضم ببطءٍ وبين الفينة والأٌخرى ينظر إلى وجه إبنه كمن يهمُّ بقول شيء ما، فتوقف الفتى عن المضغ وبادر أباه بنظرة استفهام، فقال الأب:
- إسمع يا بني، لقد أصابني الكِبرُ كما ترى وعهدي بك ابناً باراً، فما ضرَّك لو أعنتني على كسب قوت غدٍ أو بعد غد، ألا ترى أن المؤونة أوشكت على الإنتهاء. أنمدُّ أيدينا إلى الآخرين أونموت جوعاً؟
- أن أشتغل شيء حسن. ولكن ألا ترى يا أبي أيّة صنعة علمتنيها؟!
- وهل كل الذين يعملون يحسنون صنعتهم؟
فأجابه الفتى بسرعة وكأنه قد أعد جواباً مسبقاً:
- بالتأكيد نعم وإلاّ سيفقدون عملهم ولن تجد أحداً يقبل عليهم.وعاد الفتى إلى الطعام يأكل بشراهة حتى أتى على نصف ما لديه من لبن بينما توقف والده عن تناول الطعام تماماً وعيناه لا تحيدان عن النظر الى ابنه اللامبالي وعاد الرجل إلى القول:
- عليك بغسل الباطيتين بعد الإنتهاء جيداً.
- هذا شأن جارتنا أم محمود فهي التي تعدُّه لنا.
- ويا ترى أيهُمُّها أمرنا؟
- لنِعْمَ الجارة هي.
- ثمة شيء آخر أريد أن ألفت نظرك إليه.
- وهو؟!
- إذا جاءتك جورة لأخذ الغسيل أعطها جميع ملابس المرحومة أمك مع أغراضها وأدواتها، ألا ترى أنها فقيرة فلتستفد منا قليلاً.
وأطبق الفتى بيمناه على بقية رغيق الخبز بقوة ومال بجذعه إلى الأمام مستنداً بيسراه على الأرض كمن يريد الوثوب. وقال والرذاذ يتطاير من زوايا فمه:
- لن يمس أحد أي شيء مِمّا ذكرت.
- أُووه... ما نفع هذا الكلام الآن؟.. ما مضى انقضى ولنا الساعة التي نحن فيها.
- هذه الساعة بنت تلكم الساعات.
ولمّا لم يجد الرجل إلى إبنه سبيلاً في إخراجه من السرداب استدرك أمراً آخر فقال:
- لا بأس عليك، لا نريد أن نخرج عن الموضوع فسواء بقيتَ في السرداب أم خرجتَ منه فهذا عائد لك.. ولكن ألا ترى كثرة العفونة والرطوبة فيه؟
- أيّة عفونة وأيّة رطوبة؟ وسواء كانت هذه العفونة موجودة أم لا فلا يهمُّني من أمرها شيء.
- إلى متى تفهمني خطأ؟ أنا لم أقصدك بكلامي، ولكن المؤونة ستتلف، إن المكان غير صالح لخزنها.
- وأين تخزن الناس مؤونتها؟ فتّش جميع بيوتات الموصل وسترى، ثم مالك يا أبي تعترض على أمر صحيح ومألوف جرت عليه العادة منذ سنوات عديدة وفي هذا البيت بالذات، لا يا أبي لنترك كل شيء مكانه.
وفي صباح اليوم التالي افترش الإثنان الأرض تتوسطهما صينية طعام الفطور البسيطة، باطيتين(18) صغيرتين من اللبن وبعض الخبز وقليل من الشاي.
أخذ شاهين يقضم ببطءٍ وبين الفينة والأٌخرى ينظر إلى وجه إبنه كمن يهمُّ بقول شيء ما، فتوقف الفتى عن المضغ وبادر أباه بنظرة استفهام، فقال الأب:
- إسمع يا بني، لقد أصابني الكِبرُ كما ترى وعهدي بك ابناً باراً، فما ضرَّك لو أعنتني على كسب قوت غدٍ أو بعد غد، ألا ترى أن المؤونة أوشكت على الإنتهاء. أنمدُّ أيدينا إلى الآخرين أونموت جوعاً؟
- أن أشتغل شيء حسن. ولكن ألا ترى يا أبي أيّة صنعة علمتنيها؟!
- وهل كل الذين يعملون يحسنون صنعتهم؟
فأجابه الفتى بسرعة وكأنه قد أعد جواباً مسبقاً:
- بالتأكيد نعم وإلاّ سيفقدون عملهم ولن تجد أحداً يقبل عليهم.وعاد الفتى إلى الطعام يأكل بشراهة حتى أتى على نصف ما لديه من لبن بينما توقف والده عن تناول الطعام تماماً وعيناه لا تحيدان عن النظر الى ابنه اللامبالي وعاد الرجل إلى القول:
- عليك بغسل الباطيتين بعد الإنتهاء جيداً.
- هذا شأن جارتنا أم محمود فهي التي تعدُّه لنا.
- ويا ترى أيهُمُّها أمرنا؟
- لنِعْمَ الجارة هي.
- ثمة شيء آخر أريد أن ألفت نظرك إليه.
- وهو؟!
- إذا جاءتك جورة لأخذ الغسيل أعطها جميع ملابس المرحومة أمك مع أغراضها وأدواتها، ألا ترى أنها فقيرة فلتستفد منا قليلاً.
وأطبق الفتى بيمناه على بقية رغيق الخبز بقوة ومال بجذعه إلى الأمام مستنداً بيسراه على الأرض كمن يريد الوثوب. وقال والرذاذ يتطاير من زوايا فمه:
- لن يمس أحد أي شيء مِمّا ذكرت.
صفحة 10
- ولكنك لا تدري أي خطر يكمن فيها.
- لا خطر ولا هُم يحزنون.
وأدرك شاهين مريودة أن انتزاع صخرة من جبل أسهل عليه من إنتزاع كلمة من فم ابنه وأخذ يقضم شفته السفلى بأطراف ثناياه العليا لكنه تمالك نفسه وأضاف:
- ألا ترى أنها تعج بالجراثيم؟! ستصيبنا العدوى لا محالة.
- لن يمس أحد أي شيء منها وإن كان ثمة عدوى فلتصبني أولا.
وصرخ الرجل متأوّهاً وأحمرَّ وجهه غضباً، ورفس بقدمه صينية الطعام فانقلبت مقرقعة وتطايرت الأواني في كل اتجاه، وأنسكب الشاي على صدر أحمد، فانتفض قائماً مدهوشاً وهو يكنس ملابسه بيديه بخفة شديدة وعندما رفع طرفه ازاء أبيه، راعه منظر الرجل الواقف أمامه وهو يزفر ويصكُّ أسنانه وقبل أن يتفوُّه أحمد بشيء قفز شاهين مريودة صوب الكندور، وتناول عصاه من فوقه وعاد بها ملوِّحاً وهو يصرخ:-
- ألا تسمع كلامي مرة واحدة؟! وإذا كنتُ لم أُحسِنْ تربيتك فستربيك هذه …
وعندما رفع عصاه ليهوي بها على ابنه كانت ساقا الفتى قد ساقتاهُ خارج المنزل فانطلق مهرولاً على غير هدىً. ولم يستعد صوابه إلا بعد دقائق ليجد نفسه منحدراً صوب الميدان، صوب أشد الأمكنة إزدحاماً بالناس وبالدكاكين وبأصحاب الحِرَفْ. فتسمَّر مكانه. ما عساه أن يفعل؟ وضع يده على بقعة الشاي وانعطف شمالاً فإذا به يسير وراء شيخ كردي وقد أسدل على ظهره المنحني صُرّة قماش كبيرة مملوءة بالتبغ ومحتضناً بيده اليسرى حزمة من الغليونات، يسير الهوينا مطأطيء الرأس. وبطرف خفي نظر أحمد اليه فصادف وجهاً ملوَّحاً مجعداً منخفض ما بين الفكين وبدا هذا الأنخفاض واضحاً رغم اللحية الخفيفة النابتة على ذلك الوجه الهزيل.
ما كان أحمد ليواكب سير الرجل فتخطاه على عجل مُيمِّماً وجهه صوب دجلة ليجد نفسه بعد دقائق جالساً على صخرة صغيرة على ضفة النهر. غسل بقعة الشاي على عجل. واستقرت عيناه على سطح الماء المنبسط أمامه وهو ينساب متهادياً فوق الأرض الحصباء المنبسطة فتلثم حافته الغربية الشاطيء الرملي الممتد أسفل السور الشامخ بقلاعه وتحصيناته ـ والتي بدأ يتآكل الكثير منها– لتتخذ بعض الطيور أعشاشاً لها هناك. ولأول مرة في حياته أحس بأسى كبير يعتصره، فتى تعيس لا أحد له، وجد نفسه وحيداً على حين غرّة على ضفة النهر التي تقادم عليها الدهر والتي تعج بحركة السقائين ينقلون الماء أو يَرِدون حيواناتهم إليه.
نظر شمالاً فإذا بكَلَك(19) عائم، هائم بمن فيه. ينحدر بهدوء في وسط النهر بدأ يلاحقه بنظراته الحزينة حتى اختفى صوب الجنوب. ماذا لو كان مستلقياً فوق الكلك وعيناه السوداوان تحتضنان الفضاء الواسع، وتتيهان في دنيا الله ثم يغفو ليستيقظ في مكان آخر حيث الراحة والأمان.
* * *
وغابت الشمس ـ بعد نهار كامل من الجوع والحيرة والضعف ـ واحْلولَكَتْ زرقة المياه وأطبق السور على المدينة محتضناً أهلها الآمنين. وهبت ريح قوية من جهة الغابة حاملة معها عواء ذئب فعصفت بأغصان شجر الطرفاء(20) جارفة مخلفات الشاطيء ولم تفلح يدا أحمد بصد نثار التربة الندية عن وجهه إلا قليلاً. وكان البرد قد هبط مع هبوط الظلام فتراجعت الحيوانات إلى جحورها محتمية بها، وعَمَّ سكون شامل الشاطيء تتخلَّله أصوات الصراصير من كل مكان. وتوارى القمر غير المكتمل خلف غيمة عابرة. وأطبقت على المكان وحشة مقيتة جعلت أحمد يمدَّ الخطى بحثاً عن مأوى له وطالت عيناه كل شيء وغدا ذلك السور المحاذي للنهر ـ والذي أظلهُ طوال النهار ـ كياناً أسود رابضاً على الأرض ومن خلفه مباشرةً برز بنيان قره سراي ومرقد يحيى بن القاسم هيكلين شامخين نابعين من وسط الظلام.
- لا خطر ولا هُم يحزنون.
وأدرك شاهين مريودة أن انتزاع صخرة من جبل أسهل عليه من إنتزاع كلمة من فم ابنه وأخذ يقضم شفته السفلى بأطراف ثناياه العليا لكنه تمالك نفسه وأضاف:
- ألا ترى أنها تعج بالجراثيم؟! ستصيبنا العدوى لا محالة.
- لن يمس أحد أي شيء منها وإن كان ثمة عدوى فلتصبني أولا.
وصرخ الرجل متأوّهاً وأحمرَّ وجهه غضباً، ورفس بقدمه صينية الطعام فانقلبت مقرقعة وتطايرت الأواني في كل اتجاه، وأنسكب الشاي على صدر أحمد، فانتفض قائماً مدهوشاً وهو يكنس ملابسه بيديه بخفة شديدة وعندما رفع طرفه ازاء أبيه، راعه منظر الرجل الواقف أمامه وهو يزفر ويصكُّ أسنانه وقبل أن يتفوُّه أحمد بشيء قفز شاهين مريودة صوب الكندور، وتناول عصاه من فوقه وعاد بها ملوِّحاً وهو يصرخ:-
- ألا تسمع كلامي مرة واحدة؟! وإذا كنتُ لم أُحسِنْ تربيتك فستربيك هذه …
وعندما رفع عصاه ليهوي بها على ابنه كانت ساقا الفتى قد ساقتاهُ خارج المنزل فانطلق مهرولاً على غير هدىً. ولم يستعد صوابه إلا بعد دقائق ليجد نفسه منحدراً صوب الميدان، صوب أشد الأمكنة إزدحاماً بالناس وبالدكاكين وبأصحاب الحِرَفْ. فتسمَّر مكانه. ما عساه أن يفعل؟ وضع يده على بقعة الشاي وانعطف شمالاً فإذا به يسير وراء شيخ كردي وقد أسدل على ظهره المنحني صُرّة قماش كبيرة مملوءة بالتبغ ومحتضناً بيده اليسرى حزمة من الغليونات، يسير الهوينا مطأطيء الرأس. وبطرف خفي نظر أحمد اليه فصادف وجهاً ملوَّحاً مجعداً منخفض ما بين الفكين وبدا هذا الأنخفاض واضحاً رغم اللحية الخفيفة النابتة على ذلك الوجه الهزيل.
ما كان أحمد ليواكب سير الرجل فتخطاه على عجل مُيمِّماً وجهه صوب دجلة ليجد نفسه بعد دقائق جالساً على صخرة صغيرة على ضفة النهر. غسل بقعة الشاي على عجل. واستقرت عيناه على سطح الماء المنبسط أمامه وهو ينساب متهادياً فوق الأرض الحصباء المنبسطة فتلثم حافته الغربية الشاطيء الرملي الممتد أسفل السور الشامخ بقلاعه وتحصيناته ـ والتي بدأ يتآكل الكثير منها– لتتخذ بعض الطيور أعشاشاً لها هناك. ولأول مرة في حياته أحس بأسى كبير يعتصره، فتى تعيس لا أحد له، وجد نفسه وحيداً على حين غرّة على ضفة النهر التي تقادم عليها الدهر والتي تعج بحركة السقائين ينقلون الماء أو يَرِدون حيواناتهم إليه.
نظر شمالاً فإذا بكَلَك(19) عائم، هائم بمن فيه. ينحدر بهدوء في وسط النهر بدأ يلاحقه بنظراته الحزينة حتى اختفى صوب الجنوب. ماذا لو كان مستلقياً فوق الكلك وعيناه السوداوان تحتضنان الفضاء الواسع، وتتيهان في دنيا الله ثم يغفو ليستيقظ في مكان آخر حيث الراحة والأمان.
* * *
وغابت الشمس ـ بعد نهار كامل من الجوع والحيرة والضعف ـ واحْلولَكَتْ زرقة المياه وأطبق السور على المدينة محتضناً أهلها الآمنين. وهبت ريح قوية من جهة الغابة حاملة معها عواء ذئب فعصفت بأغصان شجر الطرفاء(20) جارفة مخلفات الشاطيء ولم تفلح يدا أحمد بصد نثار التربة الندية عن وجهه إلا قليلاً. وكان البرد قد هبط مع هبوط الظلام فتراجعت الحيوانات إلى جحورها محتمية بها، وعَمَّ سكون شامل الشاطيء تتخلَّله أصوات الصراصير من كل مكان. وتوارى القمر غير المكتمل خلف غيمة عابرة. وأطبقت على المكان وحشة مقيتة جعلت أحمد يمدَّ الخطى بحثاً عن مأوى له وطالت عيناه كل شيء وغدا ذلك السور المحاذي للنهر ـ والذي أظلهُ طوال النهار ـ كياناً أسود رابضاً على الأرض ومن خلفه مباشرةً برز بنيان قره سراي ومرقد يحيى بن القاسم هيكلين شامخين نابعين من وسط الظلام.