eKtab
EN ع
يوم من خريف العمر
اقرأ عينة مجانية

يوم من خريف العمر

بقلم طلعت العبدالله

صفحة 1
لحظة من الأسى ـ بداية الشباب

لقد حلمت دائماً أن أكتب قصصاً ترهق مخيلتي... قصصاً من الحياة، عن الإنسان، وعن معاناة النفس البشرية، عن الخير والشرّ، عن الحب والكراهية، وجرّبت وجرّبت، ولكن مشاكل التفتيش عن التقدُّم والنجاح أبعدتني عن صفاء الذهن وعمق التفكير وجماله.

كان يأتيني إلهام القصة وأنا غارق في هموم العمل، فتهرب الفكرة وتضيع القصة.

وعندما بلغت أرذل العمر، واستقام وضعي المادي النظيف، أردت أن ألملم أشلاء ذاكرتي في كتاب.

إلى أمي

أمي التي علمتني أن أنحاز إلى الحق وإلى مبادئ تُرضي اللَّه والروح...

علَّمتني على الإيمان والاعتماد فقط على اللَّه وعلى النفس...

علمتني على الكفاح حتى النجاح مهما كان بعيداً من دون طمع...

علمتني أن أنجح، ولكن ليس على حساب الآخرين...

علمتني ودرّبتني على العمل والكسب من دون غشّ أو سرقة...

فكان الصراع ضارياً بين المبدأ والطمع.

علمتني ودرَّبتني أيضاً وأيضاً على الصبر وتحمّل الصعاب مهما عظُمت...

علمتني على غنى النفس مدعومة بالقيم والأخلاق، لا على غنى المال كيفما جُمع...

إلى أمي التي علّمتني كل هذه الخصال والقيم، أهدي هذا الكتاب.
صفحة 2
هروب

كانت باريس على وسعها ضيقة في وجهي، فكنت أتحرك هنا وهناك من دون هدف إلا الاستمرار في عملٍ غير مجدٍ. لقد اتفقت وشريكي على التخلّص من مؤسستنا إما بالبيع أو بالإقفال، لأنه لا مجال للاستمرار، وليس هناك من مبرر للبقاء هنا، ولكن هناك بعض الأعمال التي يجب إنهاؤها.

منذ شهور وعلاقتي بشريكي الفرنسي علاقة جفاء، فأحاديثنا تقتصر على ما هو ضروري من الكلام، بينما كانت في السابق علاقة صداقة طيبة يسودها الوئام والوفاق والمصلحة المشتركة، وأحاديثنا متنوعة سياسية اجتماعية اقتصادية بمودة وتفاهم تامين.

في الدول المتقدمة بإمكانك أن تنشئ شركة بأسرع مما تتصور ما دمت تدفع ثمن ما تريد عمله، ولكن عندما تريد إقفال هذه الشركة فهناك إجراءات عليك القيام بها، وارتباطات يجب إنهاؤها تتطلب منك الوقت والمال.

وإذا كان العمل كاسداً، ورصيد الشركة في المصرف صفراً، وبالتالي، هناك التزامات كان على الشركاء أن يتحملا المسؤولية من رصيدهما الخاص للإيفاء بها، وهذا هو منطق الأمور، نجد أنه انطلاقاً من هذه النقطة بدأ التنافر يبرز في ما بيننا، وخصوصاً بالنسبة إلى الوقت الذي كان يتطلبه العمل داخل الشركة أو في خارجها، بالإضافة إلى دفع المستحقات المتوجّبة على كل واحد منّا.

كان صباحاً بارداً نوعاً ما، والسماء ملبدة بالغيوم الرمادية... إنها نهاية الصيف وبداية الخريف. لكن كان علينا التوجه إلى منطقة "بوجولي" بعد الظهر لنشرف على طلبية من أحد معامل القمصان لواحد من العملاء في أفريقيا، وربما قضينا الليل هناك لنعود في قطار الغد صباحاً.

كان من عادتنا أنا وشريكي أن نذهب سوياً للإشراف النهائي على البضائع قبل الشحن خصوصاً بالنسبة إلى عملياتنا في الخارج طبقاً للعقود مع المصانع، وحتى لا نقع في غشٍّ ما من قِبل هذه المصانع والنتيجة تكون خسائر كبيرة علينا.

كان جو المكتب كئيباً، وأنا أجلس ساهياً أرشف قهوتي وأدخّن بتوتر؛ الموظفون يجلسون بهدوء وصمت وخوف من المستقبل القريب الذي يتركهم من دون عمل على أبواب شتاء قارس يأتي مبكراً.

عند التاسعة والنصف لم يأتِ شريكي كي نهيِّئ للذهاب سوياً إلى المحطة على الرغم من أن قطارنا سينطلق عند الساعة الحادية عشرة.

دق جرس الهاتف على الطرف الآخر فإذا بشريكي يقول: أنا لن أتمكن من الذهاب معك إلى بوجولي، وعليك أن تذهب بمفردك، على كل حال، أنا قررت أن أقلِّص مسؤوليتي في الشركة.

كان الغضب يملأ كياني ويصعد إلى عيني. لم أجب، لكنني ألقيت سماعة الهاتف بعصبية، وكأنني أصفعه بقوة، مما لفت نظر المحاسِبة إلى تصرفي التي كانت تجلس في الغرفة المقابلة.

لحظات من التوتر العصبي كنت خلالها أذرع المكتب جيئة وذهاباً لأصل بعدها إلى قرار مفاجئ يتكون في داخلي ويهدِّئ من توتري.

نعم سأذهب لوحدي، لأنني بحاجة إلى يوم وليلة لأفكر وأفكر بمصيري، ولأنه يجب أن أخرج من هذا الوضع الخاسر، أي يجب أن أخرج من باريس الأعمال وإلى الأبد.

في القطار كنت أجلس باسترخاء وراحة وكأنني أضع هموم الدنيا جانباً، أتفرج عبر الزجاج على السهول الخضراء إلى ما لا نهاية، حيث بعض البيوت المبعثرة هنا وهناك، ومن ثمَّ غابات تسدّ الأفق. توقف القطار في بعض القُرى فرأيت الناس ذهاباً وإياباً نزولاً وصعوداً، بعضهم ضاحك وآخر مقطّب الجبين، هذا يهرول وآخر يتمشّّى كلٌ إلى سبيله، والشيء المؤكد والثابت بالنسبة للجميع أن لكلٍ منهم مشاكله الصغيرة أو الكبيرة التي تقلق حياته مثلي تماماً.
صفحة 3
وصلت المحطة وخرجت من القطار فلفحني هواء بارد، فرفعت ياقة سترتي العريضة الدافئة أتّقي أذاه. دخلت الصالة حيث فاجأني جاك بالترحيب المبالغ فيه والضحكة الرنانة واجترار الكثير من الكلام. وبينما أنا صامت، ابتسم بتكلُّف وقادني إلى سيارة المرسيدس علامة الثراء في فرنسا. فتح الباب الخلفي للسيّارة فصعدت، واستدار ليجلس إلى جانبي... كان السائق مستعدّاً، حيَّاني وانحنى ثمَّ جلس ليقود بنا بين روابي بوجولي الجميلة باتجاه القرية.

استغرقت الرحلة أكثر من ساعة كان السائق خلالها يسير بتمهُّل نظراً لتعرُّج الطريق وضيقه.

إنها رحلتي الأولى إلى تلك القرية المصنع، ولكنها كانت شيّقة، فتمتّعت خلالها براحة ومناظر خلابة. كنت أستكشف الجديد الممتع، ولقد شعرت أنني تخلصت من كآبتي وشرودي وبدا الأمل في المستقبل مشرقاً، وكأني أقنعت نفسي بنسيان مشاكلي ليوم واحد أستمتع به، وأشحن أعصابي بقوة كي تعينني على المواجهة عندما أعود إلى باريس.

إنَّ معرفتي بجاك تعود لسنين عديدة عندما كان يزور عدة دول أفريقية لبيع إنتاجه من مصنعه إلى التجار مباشرة، وكنت واحداً من هؤلاء، ووكيله في البلد الذي هاجرت إليه. وهكذا، توثقت صداقتنا مع الوقت بحيث أنه كان يحلُّ ضيفاً عليَّ في بيتي عندما يأتي مرتين في السنة ولعدة أيام.

وصلنا إلى ساحة القرية حيث توجد نافورة مياه في الوسط وحديقة من الزهور المتعدّدة الألوان التي تحيط بها، بالإضافة إلى بعض المتاجر المتناثرة حول الساحة. لكن ما يلفت النظر في مقهى القرية تلك اللوحة الخشبية المثبتة فوقه والتي تشير إلى وجود مطعم وغرف للإيجار.

خرجنا من الساحة لندخل في زقاق طويل ينتهي عند مرتفع من الأرض شيِّد فوقه بناء طويل قليل العرض يشبه إلى حدّ كبير مستودعات أفريقيا.

قال جاك:

ـ هذا هو المصنع، ولكن سنذهب إلى البيت لتناول الطعام وبعدها نباشر العمل. البيت ليس ببعيد من المصنع.

قلت:

ـ لا بأس، ولكن أنت تعلم أنني أستلقي بعد الغداء لغفوة قصيرة، ولكن اليوم أنا مرهق وربما طالت الغفوة، ولذلك عليك أن توصلني إلى الفندق بعد الغداء.

ضحك وقال:

ـ لا يوجد فنادق هنا يا صديقي، وبيتي واسع وهناك غرفتان مخصّصتان للضيوف، وأنت بالذات لك عليّ الشيء الكثير، فدعني أسدِّد لك اليسير من هذا الدَّين.

ـ جاك، إنني بحاجة لكي أكون منفرداً مع نفسي هذه الليلة، لأنني بحاجة إلى التفكير العميق، فهل تفهمني.

قال بتعجّب ووجوم: يا إلهي، إنك جاد، هل تفاقمت المشاكل إلى هذه الدرجة. كنت أعلم أن الشركة في ضيق مادي، ولكن لم أكن أتصور أنها وصلت إلى هذا الحدّ. ثمَّ حدَّق بي بوجه بشوش وقد انفرجت تجاعيده وقال: كل شيء له حلّ في دنيا الأعمال، فقط عليك أن لا تضطرب.

سأهاتف نيكول حالاً، كي تهيء لك الغرفة الأفضل بين غرفها الأربع فوق المطعم.

كان الغداء متنوعاً ولذيذاً، وكان الترحاب بي متميزاً من قبل جميع أفراد الأسرة، الزوجة والابن والابنة، إنها عائلة متضامنة ولطيفة، وهم يعملون في المصنع لكن ليس من دون مقابل.

عند الساعة الثالثة بعد الظهر وصلنا إلى النزل؛ كان المقهى ـ المطعم في الطابق الأرضي فارغاً، وإلى البار تجلس امرأة في الأربعين من العمر، تتميّز بتقاسيم وجهها الجميلة، وجسدها الممشوق، فاتجهت ناحيتنا مبتسمة مرحبة فسلّمت بحرارة، فخاطبها جاك بلهجة واثقة وآمرة:

ـ نيكول هذا أعزُّ أصدقائي، إنه مهذب وكريم جداً وعليك الاهتمام به بشكل استثنائي.
صفحة 4
ـ لا تهتم يا جاك أنت تأمر ونحن ننفذ.

هنا قلت وبحياء: لطافتكم اللافتة جعلتني في موقع الخجل والإحراج.

ودّعني جاك قائلاً:

ـ كل شيء جاهز للتدقيق، وفي أي ساعة تريد، فأنا جاهز.

ـ سأهاتفك عندما أصحو. وصعدت مع نيكول لتريني غرفتي.

ـ جئت في قطار اليوم؟

ـ نعم.

ـ وستغادر غداً؟

ـ لا أدري، سأعلمك غداً قبل الظهر... إنني أشعر ببعض الراحة في هذه القرية.

ـ جو القرية الطبيعي الهادئ قد يعيد إليك النشاط وينسيك فوضى المدينة وضوضاءها.

ـ لماذا تقولين لي ذلك.

ـ يبدو على وجهك إرهاق مزمن، إنك تتكلم باقتضاب ووهن كمن يود أن يختلي بنفسه وينام لينسى ما يقلقه.

أدهشني جوابها وقوة فراستها، فنظرت إلى وجهها المشرق باستغراب، وقبل أن أنطق قالت: آسفة سأتركك لترتاح.

كانت الساعة السابعة مساءً عندما استيقظت. لكنني لم أفاجأ لأنني، في الواقع، كنت أود أن أنام بعمق وأعمل غداً صباحاً، وكأنني صممت أن أقضي عدة أيام في جوٍّ من الهدوء والراحة.

عندما نزلت إلى المقهى كانت بانتظاري رسالة من جاك بأنه سيأتي غداً ليصحبني، بالإضافة إلى ترحيب حار من نيكول التي رافقتني إلى منضدة صغيرة قريبة من مجلسها على البار، فلفتت نظري قطعة خشبية تشير إلى أن الطاولة محجوزة، فقلت لها مستفسراً:

ـ لمن هي محجوزة؟

ـ إنها محجوزة لك من الآن وحتى مغادرتك، مع أن المقهى كان يعجّ بالزبائن وليس هناك منضدة فارغة.

إن وجود شخص غريب قد لفت انتباه الحضور الذين كانوا ينظرون نحوي بابتسامات وادعة بينما أغلبهم من العجائز المتشابهين بلباسهم القروي وسراويلهم وقبعاتهم المسطحة. ابتسمت بدوري للجميع بهزات متتابعةٍ من رأسي، ولقد شعرت بإلفة تامة وكأنني بين أصدقاء قدامى.

جو القاعة كان جديداً عليّ لكنه محببٌ؛ إنه جو القروي البسيط البريء الذي يعمل طوال النهار ليلتقي مع أصحابه في المساء بإلفة ومسامرة، ولينصرف، بعد ذلك، إلى نومه باكراً بعد أن يكون قد قضى نهاراً مفيداً وليلة مسلية جميلة حدودها جدران المقهى وأبعادها الحقول ومزارع العنب والماشية.

ما إن دقت الساعة الحادية عشرة حتى خلت القاعة من روادها وكأنهم على موعد مع المغادرة غير متفق عليه.