eKtab
EN ع
يوميات امرأة محاصرة
اقرأ عينة مجانية

يوميات امرأة محاصرة

بقلم سما حسن

صفحة 1
لا..
 
تلك الكلمة تتمنى لو عثرت عليها بين مفرداتها، لو تجاوزت روحها وعقلها وقلبها، واجتازت تلك الطريق الطويلة بين جوفها ولسانها، إنها أقصر كلمة ممكن أن ينطق بها إنسان، حرف وحرف، بعكس كلمة نعم، إنها تتكون من ثلاثة حروف، ولكنها تنطقها دائماً وباستمرار، وان لم تنطقها فهي تومئ برأسها أن نعم، أو تستبدلها بكلمة أخرى تؤكد على معناها فتقول كلمة: حاضر، وأحياناً حين تمتلئ مرارة ويأساً تقول وهي تضع كفها على رأسها:
 
- على راسي..
 
تمنت كثيرا لو قالت كلمة لا....أحياناً كانت تتلفت حولها بحذر ثم تهمس بها، فلا تجد شيئا يخرج من بين شفتيها سوى الهواء، تباً هل الحرفان اللام والألف غير موجودين في قاموسها، هل من الصعب أن تنطقهما ؟
 
تذكرت أنها تنطقهما ولكن بالعكس، أي تنطق الألف واللام، ولكن لم تنطقهما في حياتها يوما ولا لحظة لاماً وألفاً، جربت وحاولت مرات كثيرة، لكن في كل مرة ترى الهواء وبعض اللعاب يخرج من بين شفتيها وأحيانا يصبح اللعاب زبدا بفقاعات وكأنها تعاني نوبات من الصرع.
 
هل قلة الاستخدام لهذين الحرفين بهذه الطريقة جعلهما يتوهان ويضيعان من مفرداتها المرتبة منذ سنوات في عقلها، في أحد الأيام كانت تستمع لبرنامج تلفزيوني لم تفهم منه شيئا، ولكن معلومة صغيرة علقت في عقلها البسيط، كانت تقول:
 
- العضو الذي يستخدم ينمو ويكبر، والعضو الذي يهمل يضمر ويصغر.
 
علقت هذه المعلومة في عقلها، وبدأت تنظر لنفسها وتطبقها. تشعر أن يديها أكبر أجزاء جسمها وأقواها فهي تستخدمهما أكثر مما تستخدم أي عضو آخر، تستيقظ في الصباح الباكر، تهرع للحمام المصبوب بالأسمنت الرخيص، وتقف في "الطشت" وتصب الماء فوق رأسها ثلاثاً لتزيل بقايا زوجها عن جسدها، وتهرع لتعجن وتخبز وتعد الطعام للعائلة الكبيرة، حيث يذهبون جميعا للحقل القريب الذي يملكه والد زوجها، يظلون في عمل لا ينقطع، وهذا وهذه وتلك، لا يعرفون هتافا إلا باسمها، هاتي، تعالي، احملي، ارفعي، وهي تشعر كأنها جبلت فقط لتفعل ما يطلبون، يمتلئ قلبها بالسخط، تود لو أنها قالت:
 
- لا.. أنا متعبة.
صفحة 2
لكن نظرة واحدة لوجه والد زوجها الغائب خلف شارب كث نصفه أشيب، ولعينيه الناريتين المرعدتين على الدوام تجعلها مضطرة إلى ابتلاع حرفين تود لو انطلقا، تستمر في العمل حتى غروب الشمس، تشعر أن بقايا زوجها تنساب على فخذيها، فتضع كفها المتربة من فوق ملابسها على فخذيها، لتوقف سيلاناً توهمت أنه سينزل على الأرض المعشبة بدويٍّ عالٍ، يلفت انتباه مَنْ حولها ويطرق أسماعهم، زوجها لا يرحمها، يوقع برجولته على جسدها المنهك كل ليلة، يكون متعبا أكثر منها ولكنه لا يتوقف عن ممارسة هذا العمل حتى مع بداية حملها، فهو يضحك ويقول وفمه يلوك الطعام:
 
- لا شيء يمنعني من حقي، حتى لو كان القادم فارساً سيحرر فلسطين....
 
ذلك الجزء من جسدها المؤدي إلى رحمها بفوهة صغيرة هي مدخل شهوة زوجها، ومرتع غريزته ومعرض رجولته، تشعر بأن هذا الجزء ومعه الرحم وكل ما له علاقة بهما، تكبر جميعاً وتتضخم حتى تتحول إلى كهف موحش مقيت لا يحمل إلا رائحة الموت والضياع، هي تموت وتضيع حين يصبح زوجها باحثا في مجاهل هذا الكهف، عدم قدرتها على إغلاق بابه كما كهف علي بابا الذي كان يفتح ويغلق أمام الكنوز بعبارة سرية، عدم قدرتها يقودها إلى إحساس أكبر بالعجز، وبحاجتها أكثر لكلمة لا ولو بإشارة أو حركة.
 
رغم تحصيلها العلمي البسيط فهي تستطيع قراءة القرآن، وقد قرأت آية قرآنية علقت في ذهنها طويلاً:
 
"نساؤكم حرث لكم"
 
مع هذه الآية عرفت أن جسدها كالأرض الطاهرة الطيبة التي تحتاج للرعاية والاهتمام لكي تمنح صاحبها أفضل الثمار، جربت في أحد الأيام فألقت بذرة في باطن الأرض، وأصبحت تلقي الماء فوقها بلا مبالاة وكأنها تطرح فضلات جسدها، ولذلك لم تنبت هذه البذرة رغم أنها من أفضل البذور التي أحضرها والد زوجها من سوق المدينة، وبعد مدة ألقت بالبذرة نفسها في جوف الأرض وكأنها أم تضع طفلها بحنو ورقّة، وبدأت تسقيها الماء كما تلقم طفلها ثديها، تحنو عليها وتتمنى من أعماقها لها النمو والترعرع.
 
وبالفعل فقد نبتت وشقت وجه الأرض وأصبحت نبتة جميلة، كلما رأتها تحسرت على جسدها الذي يحرثه زوجها، تمنت لو توقفه ذات ليلة، وقد حاولت حين اقترب بأنفاسه من وجهها، لم يحاول أن يقبّلها أو يشمّ وجهها وشعرها، هو متعب وهي تعرف، ولكنه يكابر ربما ليشعر أنه رجل في هذه الغرفة الضيقة، فهو خارجها واحد من عشرة أبناء يأتمرون بأمر الأب المرغي والمزبد طوال الوقت، ضمت فخذيها بقوة ثم رفعتهما إلى أعلى، ولكنه زجرها بهمهمة خافتة، وضرب بذراعه الغليظة بين ركبتيها بقسوة، مما جعلها تباعد ما بينهما خوفاً من ألم قادم.
صفحة 3
حين اعتلاها بدأت تشعر أن قوة خفية بداخلها تلوح بكف ضخمة مثل تلك التي رأتها حين زارت المدينة، وقال زوجها موضحاً "معناها توقف" وحدثها عن السرعة ومشاكلها في المدينة وكأنه عاش فيها زمناً، وهو في الحقيقة لا يزورها إلا قليلاً، وهذه هي المرة الأولى التي يصطحبها إلى طبيبة بعد نزول قطرات من الدم من رحمها.
 
وحين أشارت عليه الطبيبة بأنها فقط تحتاج للراحة، وغمزت بعينها ليفهم، خرج من عندها يلعن ويتحسر على الفاتورة التي دفعها لها، شعرت بأن تلك اللافتة المعدنية تبرز من بين أحشائها، تتضخم لتقف شامخة بين فخذيها حين يطأ زوجها جسدها، وكأن هذه اللافتة ستقول ما لا تستطيع هي قوله، ولكنه مستمر في اجتياحه، يقترب منها وتشعر برجولته تقتحم لحمها وتغوص فيه، حاولت أن تتمنّع، لم يبد ذلك على وجهها المتعب المتصبب عرقا، ولكنها قبضت لحمها بآهةٍ، اعتصرت أحشاءها، شعرت بلحمها يتحول إلى حروف، حروف تلتصق ببعضها بعضاً، ليست سوى حرفين، لام وألف، تنقبض عضلاتها، تنقبض وهو يحاول، يلكز كتفها بقبضته، وينظر لوجهها بمعنى:
 
- ماذا دهاك؟
 
هزت رأسها يمنة ويسرة أن لا شيء، زجرها فرأت بعين الفشل والخذلان اللافتة تقع على طرف فخذها، تغرق في السائل الأمينوسي المحيط بجنينها، وزوجها يوغل في لحمها، وتتدفق من بين شفتيه همهمات الرضا والمتعة.
 
بعد تلك المحاولة الفاشلة، تيقنت أن جسدها ليس ملكا لها، مثل يديها، هما ملك لتلك العائلة التي لا تعرف منها سوى يدين ورحم..
 
ولكنها لم تتوقف يوما عن ترديد الحرفين في أعماقها، وعن النظر حولها في خوف وحذر وهي ترى من بعيد وجه والد زوجها المرغي والمزبد دائما..
صفحة 4
الزوجة الثانية

لم أكن أراها إلا ضرّتي، يحتضنها أمام ناظري، يقلّبها، يتلمسها، يمعن في محاسنها، يتغاضى عن مساوئها، يقضي معها داخل بيتي معظم وقته، يحرص عليها، ينهر أطفالي إن أهانوها، أو إن اقتربوا منها، يخصص لها مكان الوجاهة والصدارة في بيتي، بحيث أن الداخل يراها قبل أن يراني، دائمة لامعة براقة وجافة بعكسي أنا التي تقطر بللاً، ولذا يلمسها زوجي متى شاء، ولا ينتظر كما أفعل أنا حتى أجفّف يديّ وأبدّل ثيابي وأنثر بعض قطرات العطر السريعة والحذرة خوفاً من نفاد زجاجة العطر الوحيدة التي أضعها أمام مرآتي كأثمن أدوات زينتي، ولأقنع من يراها أنني امرأة تعتني بأنوثتها وتجيد اجتذاب زوجها نحوها كما تفعل الزهرة لتجذب فراشة أو نحلة.

كثيراً ما تعجبت كيف يطيق رائحتها التي لا تتغير، والتي لا أحبها رغم أن عطري بالنسبة لرائحتها لا يقارن، كيف يطيق لونها الشاحب المائل إلى الصفرة، ويلمسها وهي تخلو من النضارة والحمرة كما أنا، فوجهي يضج حمرةً حتى في عزّ الشتاء، وبياض بشرتي ناصع كلجّة مرمرية، ولكنه يفضلها عليّ ويعانقها أمامي، ويدفن رأسه تائهاً بين محاسنها التي لا أراها أبداً كذلك، ويتغاضى عن كل ما أراه فيها من مساوئ!! يجب أن أزيح ضرتي من أمامي، يجب أن أتخلّص من هذه الزوجة الثانية التي تزوج بها زوجي تحت سمع وبصر أهلي وعائلتي العريقة، والتي لم تبدِ اعتراضاً ولم تقم بثورة لإنقاذ ابنتها المدلّلة المرفّهة، ورضوا ورحبوا بأن يكون لها ضرة، وفي بيتٍ واحد، ولم يطالبوه بأن يخصص لي بيتاً، ولا أن يبعدها إلى مدينة أخرى، تبّاً لهم أهلي، لا يشعرون بشعوري، لكني سأريح نفسي بنفسي، سأزيح ضرّتي من طريقي!

أعلنت هذا الصباح الحرب عليها، أعلنت الحرب على الجريدة، نزلت أمام البيت رغم البرد الشديد، أنتظر الرجل العجوز الذي يوزع الصحف، والذي يدس الجريدة تحت الإطار السفلي لباب البيت، وانتظرت قليلاً وأنا أهمهم بيني وبين نفسي ببعض العبارات المهددة والمتوعدة حتى اطلّ بدراجته المتهالكة من بعيد، فتحفّزت وراجعت في عقلي الكلام الذي أعددته طوال الليل لأخبره به، كتلميذة تستعدّ في صباحها الباكر لامتحان، وحين أصبح أمامي ألقيت عليه تحية سريعة وشرعت أخبره بخطتي ومنحته في النهاية مبلغاً من المال.

حين دلفت إلى البيت كان زوجي ما زال نائماً، وأنا أشعر بالراحة والحرية لأن ضرتي لا تزاحمني هذا الصباح بيتي الصغير، وحين استيقظ وطلبها كالمعتاد ليقرأ العناوين الرئيسة، وهو في الفراش متأرجح بين خدر النعاس، وواجب النهوض للعمل، قلت له ببراءة:

- لم تصل بعد.
صفحة 5
وكأنني قلت له إنه قد فُصل إجحافاً من عمله أو أن أعز عزيز لديه قد مات، فقد انتفض في الفراش وغادر السرير في الحال، وشرع يسألني وأنا أتشاغل عن النظر في عينيه حتى لا يفضحني كذبي، أردّ عليه ببرود قاتل! وأخيراً استسلم للأمر وجلس إلى مائدة الإفطار دون أن يحتضنها. ولكنه بدأ في احتضان المكان بطريقة مقرفة وكأنه يعانق عدواً وهو مضطر إلى عناقه ومجاملته، وبدأ في إلقاء ملاحظاته النارية:
 
- ألا تلاحظين معي أن وزنك قد ازداد؟
 
ولماذا تضعين مائدة الطعام في مواجهة الشرفة؟ أشعر كأنني أتناول الطعام في الشارع!
 
ولماذا سلقت البيض؟ أنت تعرفين أنني أفضّله مقلياً بالسمن كما كانت تفعل أمي رحمها الله.
 
ابتلعت لساني ولم أردّ، وكوّرت ردودي كجورب متّسخ في زاوية من عقلي، وزني ثابت منذ عام، وأضع مائدة الطعام في المكان نفسه منذ انتقلنا لهذا البيت، ومنذ تزوجنا وأنا أعدّ له على الإفطار بيضاً مسلوقاً!
 
خرج إلى عمله وكأنه في طريقه إلى سرادق عزاء، أما أنا فقد أغلقت الباب عليّ وعلى فرحتي بالوحدة والحرية وطلاق الضرة رغم ملاحظاته التي قررت أن أتناساها حتى لا أفسد خطتي الساذجة، وانتظرت عودته بفارغ الصبر..
 
وحين عاد بعد غياب ساعات، لم يلحظ تصفيف شعري ولا عطري ولا ماكياجي ولا حتى باقة الورود التي تتوسط مائدة الطعام، بل بحث بعينيه عنها وسأل في أمل:
 
- ألم يأت موزع الصحف اللعين بعد خروجي ليحضر الجريدة؟
 
أجبت بالنفي وأنا أدير رأسي يمنة ويسرة ليرى الماكياج على وجهي بالكامل، ويشمّ العطر ويلمح تصفيف شعري من الخلف، ولكنه خيّب رجائي وأفسد كلّ تعبي وأدار مفتاح التلفاز ودفن رأسه في أول قناة واجهته، وكنت أنتظر موعد مسلسلي اليومي المفضل، وهو لم يكف حتى أثناء الغداء عن الانغماس في الشاشة حتى اعتقدت أن الطعام أصبح داخلها لا على المائدة، وحين ألمحت له أنني أنتظر الحلقة الأخيرة من مسلسلي الذي أتابعه ثار وهاج وأخذ يتهمني والنساء بقلّة العقل وفراغ البال، ثم نهض وبدأ يتجول في أنحاء البيت جولة تفقدية لم تحدث من قبل، وبدأ يسأل عن أشياء ولّى زمانها مثل سجادة قديمة تبرعت بها لجيراننا الفقراء فإذا به يتذكرها فجأة ويدّعي أنها من أيام البلاد، همست لنفسي وهل كان أيام البلاد، أي قبل نكبة فلسطين، هناك سجاد من هذا النوع؟! ثم قرر أن يصعد إلى سطح البيت فتنفست الصعداء، ولكن ما هي إلا دقائق حتى سمعته يتناقش مع جارنا ويرتفع مستوى النقاش إلى مرتبة الصراخ، ودخلا في غمار السياسة والحديث عنها ليكتشف ما أعرفه من سنين أن جارنا يؤيد فصيلاً سياسياً لا يؤيده زوجي، ولولا تدخل جار ثالث من الجهة المقابلة لحمي وطيس المناقشة إلى معركة لا تحمد عقباها، ولم يلبث أن عاد إلى البيت هبوطاً وهو يرغي ويزبد، وتلفت حوله في البيت بحثاً عن شيء يشغل به وقته، تخيلت جلسته في الصالة الواسعة كمفتش الجمارك في المطار، الذي يبحث عن مخالفة.
صفحة 6
أخيراً هبط المساء، وكنت قد انتهيت إلى قرار بعد أن لم يغفل زوجي لحظة عن توجيه الانتقادات لي وللأولاد وللبيت الذي يعيش فيه منذ سنوات، والذي يراه ويرانا منذ التصقنا بعضنا ببعض تحت مسمى عائلة. في الصباح الباكر كنت أنتظر موزع الصحف العجوز الذي استنكر وقفتي وأنا التي أخبرته أمس عن عزمنا على السفر لأيام، اقترب مني بعد أن أشرت له بالإسراع وهو يضع الجريدة أمام بيت جاري الذي اصطدم به زوجي البارحة في شحنة تفريغ لم ينقذنا من عواقبها سوى الله، طلبت منه صحيفة اليوم وطلبت من أيضا أن يخصص لي اشتراكاً في الصحف اليومية والأسبوعية الأخرى، ونقدته مالاً مقابل ذلك، وصعدت إلى شقّتي ووضعت الجريدة على طرف المائدة بطريقة تسمح لزوجي برؤيتها بمجرد أن يطل رأسه منكوش الشعر من باب غرفة النوم، وقد كان، فما إن لمحها تستلقي على طرف المائدة لتستقبل أحضانه وأشواقه حتى انفرجت أساريره وطلب منى الإسراع في تجهيز الفطور وهو يدفن رأسه بين أوراقها..
 
كنت أضع الأطباق أمامه مختلسة النظرات بينهما وهو يضع يداً واحدة في أي طبق ويأكل ويهمهم بعبارات الرضا، طبعاً بعودة ضرتي إليه، ولم أغضب ولم تثر بي حمية الأنوثة بل على العكس، فرحت جداً خاصة أنه التهم كل طبق البيض، المسلوق...ممم ممم...
صفحة 7
حلـمٌ واحـد
 
جلس قبالة جدته العجوز، يتأمل يديها المعرورقتين، يمعن النظر في عروقهما الزرقاء البارزة وكأنه يرى في هذه العروق طرقا ومسالك ودروبا حدثته جدته عنها في الأوقات التي كانت تخرج فيها أمه إلى مركز توزيع المعونات التابع للأونروا لتسأل عن موعد تسلّم مخصصاتهم التموينية، تحدثه الجدة وهي تمط في حروفها لتشوقه أكثر عن القرية التي هجروا منها، عن الأرض والدونمات والخير والحب الذي كان، وكان هو يسرح بخياله الصغير معتقدا أن جدته تحتفظ بخارطة هذا المكان على معالم يديها، مجتازا السقف القرميدي محلقا في فضاء بعيد، كل هذا يحدث في الوقت الذي كانت أمه تذهب وهي تحمل أحلامها بأنها ستبيع العدس والأرز وستشتري بثمنهما البيض والسمن، وستحاول أن تبقي مبلغا لمصروفه اليومي، هو لم يذهب بعد إلى المدرسة، ولكنه سيذهب في العام القادم، من الصعب عليه أن يفرق بين الأوراق العادية وبين الأوراق النقدية، لذا فقد فرح فرحا عظيما حين اشترى بنصف شيكل منحته إياه جارتهم الثرية وهي تعرج على جدته لتطلب منها أن تلقط "الخوفة" لطفلها الرضيع، طار بالنصف شيكل إلى دكان البقال القريب واشترى حلوى مغلفة بألوان زاهية، حين فتحها بأصابع متعجلة وهو يحث الخطى للبيت وجد بداخلها قطعة حلوى صغيرة والقطعة قد لفت بورقة كتبت عليها رموز وأرقام، طار هذه المرة بالورقة لجدته التي ما إن رأتها حتى صاحت: هذه يا بني عملة أجنبية، نعم عملة أجنبية، نظرت جيدا بأن قربتها من عينيها وهي تضيق إحدى العينين وتوسع الأخرى، فقد كان نظرها ضعيفا وقالت لتؤكد فرحة: نعم إنها عملة أجنبية بالتأكيد، لم تسأله من أين حصل عليها ولكنها اعتقدت أنه قد عثر عليها في الطريق، فحدثت نفسها: ستكون مفاجأة لزوجة ابني، سوف أعطيها لها وستكون حتما كافية لشراء أنبوبة غاز من تلك الأنابيب التي تسمع أنه يتم تهريبها عبر الأنفاق إلى غزة التي أصبحت تمتلئ بيوتها برائحة الكاز والكيروسين.
 
الجدة العجوز لم تنقل فرحتها سريعا للأم العائدة وقد نال منها التعب والإنهاك بل أخذت تستطلع منها الأمر حيث قالت الأم: الزحام يا عمتي كان شديدا، وقفت لساعات في الطابور حتى وصلت إلى الشباك حيث قام الموظف بوضع الختم الأزرق على بطاقة الإعاشة، وقال لي: موعد تسلّمك لمخصصاتكم بعد ثلاثة أيام، أي في اليوم الأول من العام الجديد، سيكون علينا الانتظار ثلاثة أيام، كنت أعتقد أني سأشتري كرتونة بيض وأسلق كل يوم منها ثلاث بيضات لإفطارنا، تنهدت وهي تعيد ربط ايشاربها فوق رأسها: الله يرحمك يا أبا بلال، تركتني وحيدة في الدنيا، ونظرت إلى الجدة التي كانت تبدو سارحة في عالم آخر، كانت تعلم جيداً العالم الذي تسرح فيه الجدة، وأحياناً تشعر بالنقمة عليها لأنها علمتها أن تسافر بخيالها في هذا العالم، حين تتحدث عن البيض فتقول الجدة: كان عندي البيض بالهيل ولما أزور حد كنت أهديه بيض بلدي كبير وكله صحة، وكل يوم كنت أقلي بيض للحاج بزيت الزيتون، بتكون البيضات هيك عايمات في الزيت زي البط ما بيعوم في المي… أما اليوم فهي لاقت الكثير من العذاب فسرحت في الماضي القريب قليلا فأخذتها الذكريات إلى يوم استشهاد زوجها وقد كان ابنها بلال جنينا في رحمها ولم يمض على زواجها سوى أربعة أشهر، ثم سرحت بأفكار جديدة: ماذا لو بقي زوجها على قيد الحياة، هل كانت تعيش هذا الذل؟ هل كانت ستضطر للركض من باب مؤسسة إلى باب جمعية إلى باب مركز الأونروا؟
صفحة 8
أما الجدة القابضة بيدها على الورقة، فكانت تتذكر تلك الأيام قبل أن يستقر بهم المقام في غزة، تتذكر الأرض التي كان يملكها زوجها والتي كان يعتز بها كل الاعتزاز لدرجة أنه حين كان يقسم بالله ليؤكد أمرا ما فإنه يتبع القسم بقسم آخر، كان يقسم بالأرض التي يملكها ويحبها، لم يكن يقول وحياة أولادي، بل كان يقول: وحياة أرضي اللي أغلى من عرضي...
 
وظل يقسم بهذا القسم حتى جاء اليوم الذي رحل به عن الأرض واستقر في خيمة لجوء، أصبح صامتا كتمثال، واجما لا ينظر شمالا ولا جنوبا بل ينظر إلى الأرض، مطرقا ساهما حتى كان ذلك اليوم، حين طالت إطراقته على الأرض فاقتربت منه لتهزه وتخبره أنها قد أعدت الطعام لتجده بلا حراك ووقع جسده على الأرض وإلى جواره استقرت عصاه الخشبية التي كان يغرزها في أرضه ويعلق عليها قمبازه.
 
ووصلت بها الأفكار إلى ابنها فتذكرت أنه عمل فترة في داخل إسرائيل وكان يدخر بعض المال، وريقات خضراء كان لها اسم صعب على لسانها ولكنها حين رأت هذه الورقة في يد حفيدها تذكرت هذه الوريقات التي ادخرها ابنها والتي لم تكفهم لعام واحد بعد استشهاده، فرحتها بهذه الورقة كانت عظيمة وهي تتخيل أن أحد المحسنين قد وضعها في يد الطفل الصغير، وأجلت الحديث عنها حتى ترتاح الأم العائدة من رحلة شاقة، نظرت إلى أرملة ابنها، كانت ما تزال جميلة شابة وان كان قد نال منها التعب والفقر، هالات سوداء تحت عينيها، وشعرها يبدو بين خصلاته السوداء شعرات بيضاء نافرة، تبرز من تحت ايشاربها منسول الأطراف.
 
في ركن الغرفة القرميدية كان يجلس الطفل الصغير ينظر إلى يد جدته العجوز المطبقة على الورقة النقدية، يتطلع إلى شفتيها وكأنه يستحثها على الحديث، كم ستسعد أمه حين ترى هذه الورقة الثمينة، حتما ستشتري أنبوبة غاز وسوف ترتاح من إشعال موقد الكاز الذي تملأ رائحته غرفتهم الوحيدة، وستشفى يداها من غسل الأواني الملوثة بالسناج والهباب الأسود.
 
أنبوبة غاز، همممم، حرك شفتيه استمتاعاً، تخيل فرحة أمه، ونظر إلى عروق يدي جدته، نعم هذه العروق هي خارطة الطريق إلى قرية جدته التي حدثته عنها، لو يذهب مع جدته إلى تلك القرية، سوف يكون صاحب أرض بدلا من هذا البيت الحقير، وسوف يلعب ويلهو كما يحب، وسيحبه أطفال الحي ويحترمونه كما يحبون أبناء جارتهم الثرية التي جاءت منذ قليل عند جدته، جدته دائما تقول له: لو بقينا في أرضنا لكنت أنت أكثر ثراء من زوج هذه المرأة الثرية والبخيلة والتي لا تمنحك وأنت يتيم الأب سوى نصف شيكل، مع أني قد قمت بـ "لقطة الخوفة" لابنها مستخدمة زيت الزيتون، وأعدت ذلك مراراً….
صفحة 9
يسرح الطفل وينتظر والأم تقوم من مكانها لتشرب بعض رشفات من الماء ثم تقول: آه يا عمتي، هذا المشوار الذي أقوم به كل شهر يفتح أبواب الأحزان المغلقة في قلبي، أتذكر المرحوم، لو بقي بيننا ما كنت في هذه” المرمطة”
 
تقترب من البابور وتهم بإشعاله، تشعل عودا من الثقاب سرعان ما ينطفئ فترميه بعيدا وكأنها ترمي همومها، بعد صمت طويل تصب الشاي الذي أعدته وتدور الأكواب الصغيرة بين ثلاثتهم، حين تستل الجدة الورقة من بين أصابعها بأصابع يدها الأخرى وترفعها عاليا وتقول لزوجة ابنها: شوفي بلال شو جاب..أنا متأكدة انها عملة أجنبية وراح نشتري فيها أنبوبة غاز، رفعت الأم عينيها من كوب الشاي الذي كانت تحملق بلونه القاتم كحياتها والتقطت الورقة بلهفة من بين أصابع الجدة، حملقت بها قليلا ثم سرعان ما ضحكت ضحكة مريرة: هاي يا عمتي ورقة مزيفة من اللي بيحطوهم في حلوى الأطفال، يعني كذب في كذب، وتنهدت ثم أردفت: يا حسرة يا عمتي هو في حد هالأيام بيعطي حد ورقة زي هاي…
 
استنكر الطفل حديث أمه وهو القابع منذ زمن بلا حراك وجذب الورقة من يد أمه وصاح: لا …هاي مصاري وبكرة راح أوريها لعم حمودة تبع الدكان وراح أخليكي تشتري فيها أنبوبة غاز…
 
أمام صياحه صمتت الجدة والأم، والتحف الصغير فراشه ويده تطبق على الورقة وبدأ يحاول النوم وهو يتخيل أنبوبة الغاز التي سيشتريها ويضعها عند باب الغرفة ويمد خرطومها للموقد الصغير، هممم، وحرّك فمه متلذذاً: أنبوبة غاز!!
 
بدأ يحاول النوم تاركا خياله ليستريح وتعالى شخير الجدة جواره فيما كانت الأم تطفئ الشمعة وتستعد وهي ترفع ايشاربها عن شعرها لتندس بجواره حين تعالى صوت انفجارات ضخمة في الجوار، صرخ بلال وصرخت الأم بدورها، تعالت أصوات انفجارات متتالية في المكان هزت البيت الصغير ولكن في لحظات لم يبق للبيت أي أثر…….
 
في الصباح وحين كان رجال الإسعاف يبحثون بين الأنقاض، عثروا على الكثير من الأشلاء الآدمية المتناثرة ومن بين الأشلاء عثروا على كف صغيرة تبدو لطفل صغير ولكنها كانت مطبقة بقوة على ورقة تبدو من بعيد كأنها… مائة دولار…
 
----------
 
الشيكل: العملة الإسرائيلية المتداولة في غزة.
 
قمبازه: الزى الفلسطيني الرجالي.
 
الأونروا: وكالة تشغيل اللاجئين الفلسطينيين وإغاثتهم وتقوم بتوزيع المواد العينية عليهم.
 
بالهيل: كلمة عامية تعني بكثرة.
صفحة 10
عبيط المخيّم
 
أدمنت في فترة مراهقتي، التي عشتها في فترة انتفاضة الحجارة، على مشاهدة الأفلام العربية القديمة التي تحمل اللونين الأبيض والأسود، وكنت أعزف عن مشاهدة الأفلام الملونة، ربما لأن بداخلي أشياء كثيرة تناديني نحو الماضي غير البعيد، فقد كنت ما زلت في منتصف عقدي الثاني من العمر، ولكن هذا الإحساس تعمق بداخلي لكوني فلسطينية يجب أن أتمسك بماضٍ أخاله كان سعيداً، لأن الحاضر مؤلم، والمستقبل مظلم، فما بالي لا أعود إلى هذا الماضي غير البعيد، وأنا أحمل في كل أوراقي لقب لاجئة.
 
كنت عندما أشاهد الأفلام المصرية القديمة التي تصوّر أجواء القرية البسيطة ألاحظ القاسم المشترك في معظم هذه الأفلام وهو "عبيط القرية" الذي يظهر ويختفي ولا يثير الانتباه إلا في اللقطات الأخيرة من الفيلم حين يكتشف المشاهد أنه رجل شرير يقود عصابة لنهب البسطاء ويتنكّر تحت هذا المسمى "العبيط" الذي يسمح له بأن يجوب القرية ركناً ركناً وزاويةً زاوية، ويدخل بيوتها ويعرف أخبارها، وأحياناً كنت أكتشف أن العبيط هو رجل طيب ينقذ البطلة التي عشقها في صمت ويضحّى بحياته من أجلها وتبكيه بلوعة وعرفان بالجميل ويسدل الستار على نهاية الفيلم حين تتركه البطلة جثّة هامدة على قارعة الطريق وتمضي مع حبيبها.
 
كلما شاهدت فيلماً عن عبيط القرية الذي كان نوعاً من التوابل الشرقية التي تشهي معظم الأفلام القديمة، كنت أجترّ ذاكرتي التي هي ليست بالمحشوة، أجترّها لكي أتذكر عبيط المخيم.
 
كنت طفلة لم تدخل المدرسة حين درجت قدماي على تراب مخيم اللجوء، ولكني كنت طفلة ذكية، وكلّ جسمي الصغير كان عينين. عينان فقط تسجّلان وترصدان كلّ ما تقعان عليه وكلّ ما لم يره غيرهما، ولكني كنت أشعر منذ طفولتي أن الله قد وهبني أكثر من هذين المحجرين اللذين يحتلان ما تحت جبهتي وفي مقدمة وجهي.
 
واجتررت ذكرياتي ذات مساء أمام شاشة التلفاز وأنا اسمع من بعيد صوت مكبر الصوت الذي يعلن بلهجة عربية ركيكة عن رفع حظر التجوال عن سائر المدينة لساعات ليسمح للمواطنين بالتزود بالطعام.
 
عدت إلى وجه ذلك الرجل المخيف، كان عملاقاً، ضخماً، مخيفاً ذا رائحة مقزّزة، وبملابس لا توصف إلا بالأسمال، أظافره طويلة متّسخة تبدو أقرب للمخالب من أن تكون أظافر بشرية.
 
كان يحط رحاله وهو يحمل عصا غليظة ويعلق في رقبته كيساً قماشياً ضخماً ومرقّعاً لا أعرف ماذا يضع فيه، ولكنني كنت أخمّن ولا أراه يخرج منه شيئاً ولكنه يدسّ فيه الكثير من الأشياء.