صفحة 1
للبوصلة مقام
بعد ما يقارب الخمس سنوات الّتي استغرقها زمن كتابة هذا العمل، جاء "يوميّات شفق الزّغلول" مرتكزًا على وجوه وأحداث حقيقيّة وعلى صور وحكايات مستوحاة من الواقع، مقتفيًا أثَر الحُفَرِ المفتوحةِ في الذّاكرة، معنيًّا بالمشاهد الّتي حَرص على التقاطها من نسيج الواقع، بالإضافة إلى مزاولة التّلصّص الشّفيف على تفاصيل تقتضي الرّجوع إلى مجسّات استشعار الّذي حدث ويحدث في آن، وأيضًا ما كان من مواد ونحاس الأشياء المترسّبة في مياه التّاريخ.
خلال هذه المدّة الزّمنيّة وما استلزمت من جهد استرجاع ونبْش في الحاضر ورصدٍ لليوميّ، كانت التّفاصيلُ الصّغيرة الّتي تسكُن الذّاكرة تحضُر وتتنفّسُ بانتشاءٍ سادنِ وِزْرَ هذه الأرض لمعادنها.
في هذه اليوميّات الّتي بلون الشّفق يتحرّك الضّوء صوب الإنسان والشّخوص المرتبطة بهذه الأرض، أو الّتي في تماس مع هذه الأرض، مع محاولة حثيثة لتدوين الموجود والمُغيَّبِ في المكان بما فيه من نبات وطير وحجر.
"يوميّات شفق الزّغلول" يتشكّل رذاذًا على ملهاة هذا التّاريخ، ويعيد نسج الكينونة المتمزّقة بفعل الحدود وألعاب السّياسة والجغرافيا، بالإضافة إلى محاولته تأريخ هذه الكينونة بكلّ ثقلها المادّيّ والرّمزيّ بأسلوب استعاريّ لا يُلغي البُعد التّسجيليّ الوظيفيّ. ودون الادّعاء أنّ هذا العمل جاء ليغطّي مساحات كبيرة من المكان وحراك الإنسان فيه، بل ليضيء بعض عتمات المنسيّ والعاديّ، وليكشف عن سيرورة حدث وموقف، وليجلو حديث النّفس واختلاجاتها، بفعل توصيف أو تبئير أو سخرية سوداء وغيرها. هذه العتمات المضاءةُ تنفرجُ عن سرائر تنضحُ بخُيول مارقة في عَراء هذا الزّمان العصيب، المنبعثة منه رائحة القتل وصيحات السّكون ونديف من كرامة، هذا وقد بدأتْ أصابعي تنزّ رؤيتها ووجعها وموقفها من حرب تمّوز 2006 مرورًا بالذّاكرة الجمعيّة والفرديّة، وبالمكان هنا وبالأرض كلّها وما مرّ ويمرّ عليها من ويلات ونكبات إلى يومنا هذا، ليكون لهذا العمل فِعْل قُبلة مندمغة في سماء هذه الهويّة.
منى ظاهر- النّاصرة
صفحة 2
مَلْمَح
بريقُ العشب. عشبُ الهذيان. هذيانُ اللغة. لغةُ النّسيان. نسيانُ الذّاكرة. ذاكرةُ الخراب. خرابُ المكان. مكانُ اللامكان. لامكان الزّهرة. زهرة الحافّة. حافّة المعنى. معنى أن تحيا. أن تحيا اللامعنى. لامعنى الحقيقة. حقيقة الحكاية. حكاية المرأة. امرأةُ الهاوية. هاوية الموسيقى. موسيقى الحَجَر. حَجَر البداية. بداية الحبّ . حبّ وردة. وردة الفصول الأربعة: عناة.
هنا صهيل خيولها يتعقّب الغيم.
هنا يندف غيمها أحلام النّهر.
هنا يصخب نهرها بزبَد الأغاني.
هنا تُفصح أغانيها عن صباح غُربتها المندّى.
هنا يغسل نداها ما لطّخ زجاج الرّؤيا من الشّفق. شفق كنعان المُخضِّب كلّ أبديّة بشقائق النّعمان...
عناة القصيدة اللاتنتهي.
عناة الجرح الّذي يهبُ الألوان هويّتها.
عناة معدن الصّوت الّذي يشحذُ الصّمتُ عليه رجع الصّدى.
عناة بملء الزّرقة والمدى:
تفاصيل شعثاء لا تحتاج إلى تقليم. تفاصيل يُثقِل كاهلها غبار التّاريخ. تفاصيل غائرة تحت طبقات الصّمت الصّلد.
برغم الشّقوق في رخام هذا الصّمت. برغم النّبات المزهر في هذه الشّقوق. برغم كلّ الإبَر في عَضلة الكلام. برغم العتمة اللابسة جلد هذه المتاهة- متاهة الزّمن. برغم الألم الكابوسيّ في كلّ دقيقة مُرّة.
عناة أمُّ الجهات. عناة جلّنار الضّفّة الثّالثة. عناة المغسولة في صيحة أوّل طائر.
هي. هي. هي:
عناة طين الشّهوة. شهوة الطّين.
على رأس العناة تاج السّهول الخضراء، تتدلّى منه أزهار نبات الحبل المسكيّ ذي الثّمار القرنيّة الرّيشيّة، وأزهار نبات بنت المَلِك ذي الأوراق المتفرّعة لوريقات.
صفحة 3
هـ
ي
الأرض عناة،
عناة الأرض الّتي تحلّ لعنتها الشّرسة على من يهتك سرّ كينونتها..
هـ
ي
الجمرة عناة،
عناة الجمرة المتأجّجة السّرمديّة، الموحّدة لكنعان وموقد بيته..
صداها- التّفاصيلُ الشّعثاءُ للمكان ما يزال يتناسل فيما بين زهرات الدّفلى الورديّة الحمراء وسوسن النّهر.
هذا التّناسل للصّدى يتواصل بين لوز الشّعاب وتين الصّحراء البرّيّ بثمره الأخضر المحتفظ بلونه بعد النّضج.. ويستمرّ التّزاوج لصدى التّفاصيل بين نَيْلَوْفَرِ البحيرة وزيتون الهضبة، وبَرْزَة الحُرش بأوراقها المتقابلة ذات الثّمار المدوّرة البنفسجيّة عند النّضج، والثّوم البرّيّ بأزهاره البيضاء المتراصّة السّاكن في السّاحل- حيث يحلّ طير السّلوى هو السُّمّانيّ قتيل الرّعد، هو الزّائر للمكان ومُهاجِره والميت برعدة السّماء... هذا التّناسلُ للتّفاصيل، يحدثُ حيث غد الشّعر يُصاهر ذكرى صمت هذا الأزل تحت ليلك الشّرفات. تلك هي شرفات الزّمان الّتي تضيء مدارات الأشجار الصّحراويّة كالطّلح الّتي على شكل مظلّة بلونها الأخضر، أو كالسّيال الجرفيّ تلك الشّجرة العالية ذات الثّمار الشّبيهة بالقوس.
عناة أنا، أنا العناة..
أنا المقدّسة؛ أنا الغريزة الصّافية العليا.. وأنا الغريزة الوحشيّة السّفلى؛ أنا امرأة الصّلصال.
أنا المقدّسة من وضوء لهاث يشهق بطزاجةٍ تُوائم أخاديد صرحٍ معتّق/ مستودع الرّوائح.. جرحي هو فَخُّ العُشّاق/ متاهة اللذة الشّرهة المتقاذفة الجائعة، الصّارخة الجائعة بمقاربة الحريق/ الحقيقة..
أنا الأرض/ وطن المقاتل المتوحّد بعشقي/ المتنسّك بمعبدي/ المتمسّك بأذيال تفاصيلي أنا وهو البعلُ، الابن، الخلّ والحليل.
أنا المقدّسة؛ أنا الكريمة الدّافئة المُغدِقَة المعجونة بماء الرّصف، المندلق من مخبئي الّذي لا يُرى إلاّ للمكتشف المُصرّ المتبتّل، الأسير المتملّك لنبض اللُبّ/ السّرّ.
أنا المقدّسة، أنا المنتقمةُ؛ أنا الجسد الخالص للطّوطم المدمدم بطلاسم الحضارات الّتي من آلاف السّنين..
أنا حوّاء السّقوط، أرفع ذراعيّ بأضاميم سنابل فوّاحة بعطاء مواقيتي.. ولذّتها الكائنات تثمر وتتوهّج من ثديين منكشفين بحليب ينسكب على خبل الرّوح، حيث تغرغر الموسيقى الصّنّاجة من تأجّج الرّوائح والسّوائل ومسك نَشعها وضوعه.
صفحة 4
مدخل
عصفور الشّمس يرفرف
صوته هو المتنسّك بمعبدها عناة الأرض يشِرُّ من جوار العتمة الكالحة.. ويجرّ ياقوت الكلام من خلف النّبض.. ومنه تعلَق رائحة العشب في خبايا أوعية الدّم الّتي تجاور صرح ضلوعها الأرض، حيث شجيرات صحراويّة كالقريقدان بزهرتها الصّفراء، الخوريّة بأوراقها الخضراء اللحميّة، الزّيتة بأغصانها المنتصبة، العوسج العربيّ بأزهارها الزّرقاء والليلكيّة، الغِيل بأوراقها الرّمحيّة المزغّبة بلونها الأبيض، المتنانة بأغصانها ذات القشرة القويّة جدًّا، الكوكلوس بثمرتها الحمراء، الحيصل بأغصانها الشّوكيّة، "أبو سِلّة" بلونها الورديّ، الغضا الّتي تتفتح في الرّبيع والصّيف، والعُشّير المغطّاة أغصانها بطبقة سميكة من الفلّين.
ها صداه الرّخيمُ يتسلّق مهبّ الرّيح كنبات البورهافيا ذات الزّهرة مركّبة الشّكل في الجهة مسفوكة الورد، الّتي تتسلّقها العلنديّات وتشكّل فوقها نسيجًا من حمرة الحراشف وهي تغلّف أزهارها: صداه الشّبيه بتغريد عصفور الشّمس الفلسطينيّ بحجمه الصّغير كالفراشة، الملوّن ببريق الأزرق والأخضر والبنفسجيّ والّذي يمتصّ الرّحيق بمنقاره من الزّهرات طويلات العنق.. ويظلّ يغرّد ويغردّ وهو يضرب بجناحيه ويرفرف عاليًا..
هو العصفور المقيم في هذا الفضاء، يمرّ على صفحة بحيرة قد تكون بحيرة طبريّا أو الحُولة الّتي يجتمع فيها نبات القصّيب والطّيّون ذي الأزهار اللسانيّة الصّفراء الطّويلة وأقراص ثمر السَّمّور المجنّحة.. وعلبةٌ حبريّة حبّاريّة مُسبَلةٌ تتريّضُ بَخّاخةً لِيَد محترفة، تختار أن تخضخض العلبة بِجُمل راكدة تعتلي حِنّاء الجدران الباسقة الشّامخة المتحرّشة بأطراف حدود الشّوارع وحفنات الأزقّة والحواري.. وقد طرّزت يد المتنسّك الملثّمة البخّاخة على الحيطان بمداهنة طير الشّرقرق والعصفورة الرّماديّة أنثى عصفور الشّمس، يوم كانت زهيّة لا تزال تتصفّح أوراقًا مشبوبة بالأحداث الأخيرة، الممهورة باسم إحدى بنات فاطمة ناجي العلي، ولا يزال حبرها يفيض في ممرّ المياه الملتبسة بفنار السّماء.
وسماءٌ ترقصُ على رأسِ إبرتي أنا الجليلة العظيمة.. أنا الكاهنة.
صفحة 5
نُتَفُ الأيّام الأولى
سيناريو أوّل
يوم الاثنين الثّاني
زهيّة ذات العينين البنّيّتين والبشرة البيضاء، هي المستفيقة على سقاية حوض نبات السّجّادة البنّيّة المتّشحة بالأخضر الزّيتونيّ. ومرصوص بجانب الحوض أصص الياسمين الّتي تؤثّث الحواشي المندلقة بابتسامة حنين عند زاوية الفم.. كانت أوّل الأوراق قد كتبت في 24/7/2006- 14/8/2006، وموسومة بنتف الورد، من هنا وهناك:
في زمن الحروب يضحى الإنسان المعجون بكومة المشاعر والغرائز، المجبول بروح وفكر ومُكْتَسَبٍ.. يضحى الإنسان المقتول رقمًا لا غير.. عددًا مضافًا إلى أعداد سابقة وأخرى قادمة..
في اليوم الثّامن للحرب: قالت لي صديقتي المتأجّجة بالحياة والمغامرات والضّحكات- من هناك: أنا ما زلت على قيد الحياة.. لقد حُرِق بيتي وهربت منه.. هربنا منه في لحظتها.. ونحن في ثياب النّوم، أتدرين كان يجب أن أبقى فيه لأحترق وإيّاه..
صمتُّ.. ثمّ قلت: سينتهي هذا الكابوس لنحتمل معًا..
قالت: نعم سنفعل..
هنا وزّعت الأمّ التّمر والفاكهة المجفّفة على روح فلذتيّ كبدها ربيع ومحمود عبد الرّحيم طلّوزي.. وقالت لنا نحن النّساء المحتشدات في بيتها الكائن في حيّ من أحياء النّاصرة العتيقة الصّامدة ببيوت حجريّة متواضعة جدًّا: حالي كحال كلّ الأمّهات اللاتي فقدن أبناءهنّ في الضّفّة والقطاع وفي لبنان.. هدى هناك بقيت وحيدة دون أحد.. كانت مع رمل الشّاطئ ودموع البحر في غزّة.. وأنا هنا ما زلت أمًّا.. سأكون كذلك من أجل أولادي الباقين.. شكرًا للّه الّذي يحتفظ في جنّته هناك بهما.. "سآتي إليكما.. لكنّني لا أعلم متى؟ إنتظراني.. كلّنا سنأتي.."
في اليوم التّاسع للمجازر المترامية، ألتقط سمّاعة الهاتف وأنا في ناصرتي المكلومة بطفلين، لأسمع صوتًا قادمًا من هناك، يعزّيني ويقول لي: إهتمّي بنفسك وكوني بخير مع عائلتك، نحن هنا صامدون.. لا تقلقي علينا، نحن معتادون على الحروب والدّمار والتّشرّد.. لتصمدوا مثلنا هناك..
صفحة 6
قلت له: ما يجري لكم.. يجري لنا..
تواعدنا أنّ الإبداع سيخفّف من وطأة ما يجري.. أحقًّا سيكون كذلك!؟
لم أتلقَّ أيّة إجابةٍ على تساؤلي.. سوى صورٍ إضافيّة ومشاهد دموعٍ وخراب..
في اليوم الثّاني عشر: تتحدّث امرأة ترتدي ملابس الحرب مع أخرى وتقول: مجانين هم هناك في الضّفّة.. ألا يدرونَ أنّ أسلحتنا كثيرة وممتدّة.. فليبقوا صامتين في هدنة..
ثمّ نسمع عن طفلٍ يولدُ.. يحملُ حجرَ مقاومة وينادي "سأبقى وعائلتي.. سنبقى على أرضنا".
اليوم الثّالث عشر من دمار الإنسانيّة.. هو يومٌ يرافقه سكوت وإعلان مخزٍ.. تستمرّ أداة الحرب بلا هوادة لتقصف صديقةَ عزيزٍ عليَّ.. هي صحافيّة عاشقة للموسيقى.. تموت وتغدو رقمًا آخر في سجلّ إحصائيّات لا متناهٍ للآن.
ولا أسمع في مكاني القابع في البلدة القديمة إلاّ أصوات طائرات تُقلِع لإكمال المهمّات.. وتقتلع معها كلّ الورد وأحلام صغار تتفتّح..
تمضي سبعة أيّام، ويكون اليوم هو اليوم العشرون.. تصحو "قانا" دون نومٍ، كما في عام 1996، تودّع أطفالها وقَتْلاها الثّلاثة والسّتين..
أقف هنا بعد المجزرة هناك، وتتلاشى كلُّ المَشاهِدِ إلاّها مشاهِد أنقاضٍ ولا انفضاض دموع طفلةٍ قالت: "قُتِل إخواني وأخواتي ووالداي.. وأبناء وبنات عمّي.. لم يعد لي أحد هنا..".. واستصراخ والدٍ تنتحب عيناه، ذنبه أو خلاصُه أنّه ذهب من أجل أن يقوت أولاده وزوجته، رجع ليقف قرب حجارة متناثرة، كانت قبل ساعات بيت أسرته، تمرّغت حجارته بأحمر أجساد امرأته وصغاره.
وتتحرّق الأمُّ الّتي نبشت التّرابَ بيديها لتنقذ زوجها الكسيح، وتخلّص رجليه من حقد القصف المهتاج.. ومن تحت الرّدم يطلُّ صوت طفلتها: "أمّي أنا هنا.."، تتنازع الأمّ حيرةٌ قاتلةٌ فلا أملَ في أن تنقِذَها: "يا روحي، ستكونين هناك في العلا.. سلّمي على "ستْنا زينب".. رُوحي مع كلّ الصّغار المتراكمةِ أجسادهم فوقَك.. كلّكم ستكونون معًا"..
هنا نبكي.. يبكي صديقي ويقول: "أرى أطفالي الصّغار الآن وهم نائمون.. هل سيأتي يوم يحمل مجزرة أخرى لهم؟!
يصرخُ النّاس والقادة نيام.. وتأتي السّماء حبلى بصوت مظفّر النّوّاب: "قِمم قِمَم.. مِعزة على غنَم"..
ويتهافتُ أبناءُ الحَرْبِ لإطعام القطط والكلابِ الّتي لم تتّسع لها الملاجئ.. ويذرفون دموعهم عليها.. فتتشكّل فروعٌ أخرى للرّفق بالحيوان!.. ويتأوّهُ صغيرٌ يطالِبُ امرأةَ السُّلْطةِ بأن تفتّشَ عن كلبه الضّائع.. وتقول أخرى "لم أتصوّر أن يكونَ الوضعُ بهذا السّوء"..
صفحة 7
..تُستنفَرُ القوّات!
اليوم هو الواحد والعشرون، هو يومُ من أيّام الفقدِ الطّويلة.. هو يوم النّفير الآخَر.
في هذه الحرب السّادسة، تتواصل الهدايا الموقّعة بأسماء الأطفال من كلّ حدبٍ وصوبٍ إلى هناك!
وفي غزّة- هنا، لا يتعدّى عمر الأطفال إلاّ الشّهور!
يخطرني مشهد عدد من أطفال مخيّم رفح، وقد حفروا القبور وانبطحوا بجانبها.. ومِنْ خلْفِهم وضعوا أعلام لبنان والعراق وفلسطين.. واختاروا أن ينصبوا لافتتين على ضريحين اثنين: "الفاتحة على ملوك وحكّام العرب" و "هنا ترقد هيئة الأمم المتّحدة"..
اليوم الثّاني والعشرون- عنوانه: دحرُ القَتَلة!
أصحو اليوم وتصاحبني صورة المرأة الّتي تكوّمت بقامتها أمام الشّاب الّذي يفتَرشُ جسَدَهُ الرّدم.. هي تومِىء برأسِها إلى زاويةٍ بقربهٍ- تراها أمّه أو أخته أو زوجَتِه!-، يضيء المكانَ منديلُها الأبيضُ ووجهُ الجثّة..
- ما هو شعور الشّاب المقرفصِ بقُربهِ وهو يتلو آياتٍ من صفحات القرآنِ؟
اليوم الثّالث والعشرون- يوم استدامة الغارات هنا وهناك.. غارات لميلاد أرضٍ أوسطيّة جديدة!
يتواصل هدم الحضارة ومحو الفينيق.
ويصلني هنا مشهدُ قطف الأطفال الرّضّع، واقتلاع الأمّهات الحوامل والرّجال المكسورين قاطفي التّفاح الأحمر.
يأكلون التّفّاح هنا وينسفون التّفّاحات هناك.. والأحمرُ البطلُ هو مَن يقود الدّفّة!
فجرُ اليوم الخامس والعشرين:
صديقٌ لي ينتابه هذا السّيناريو القصير:
طفلٌ يسائلُ أباه هناك: "لماذا يا أبي تُنشَرُ صورُ قَتْلانا هنا؟"
يجيبه الأبُ:" تُنْشَرُ صور قتلانا يا بنيّ، من أجلِ أن يرقُصَ الجنديّ المسؤول هناكَ!"
ويعاودُ الأب سؤال نفسه:" أحقًّا صورنا تُنشَر؟ إذًا هل العالم كلّه يشاهد ما يجري هنا؟
.. ما من مُجيب!
اليوم الثّامن والعشرون:
صديقتي هنا تستيقظ من حلمِها لتهاتفني: هل أنتِ بخير؟
- لا بأس.
- لقد تُهْتِ في القصفِ، بحثنا عنكِ- أمّكِ وأنا..
صفحة 8
جثث مشوّهة.. بقايا بَشَر.. بقايا بيوت.. أجسادٌ بلا بيوت.. رؤوسٌ بلا أجساد.. أجسادٌ بلا رؤوس..
.. وبشرٌ مع كرامة.
اليوم التّاسع والعشرون:
إعتصامات لا تجدي نفعًا.. خطابات لا توقفُ ذبْحًا.. وصوت ينادي بأن تغدو البيوت على مستوى الإسفلت!
اليوم هو الثّلاثون:
في الشّمال هنا حيث النّاصرة وحيفا، عكّا وشفاعمرو، مجد الكروم، دير الأسد والبعنة تتواصل صفّاراتٌ تنبىء بصواريخ آتية..
في البلدات العربيّة هنا لا ملاجىء.. سنبقى في بيوتنا، نفقد فيها أجسادنا لا أرواحنا!
في قطاع غزّة أمطار في الصّيف الحارّ هذا.. هي ليست أمطار ماءٍ ولا دموعٍ، بل هي حمْلة هدايا "أمطار الصّيف"، تأتيكَ إخباريّة عنها:
يرنّ جرسُ الهاتفِ، ترفعُ السّمّاعةَ: ألو، نعم..
- أتْرُك بيتَكَ خلال ساعةٍ من الآن..
- لماذا، طيّب؟
- سيتمّ قصفه..
.. هي قذائفُ تعيد تشكيلَ الأرضِ.. تعيدُ تشتيت الوطَنِ.. هي قذائفُ لبيوتٍ أضحت أشباحًا.
الآن هو فجر اليوم الحادي والثّلاثين: صور كثيرة تخترقُ الذّاكرة،
هنا: تحملُ المخدّةَ الأمّ من شدّة هلعها، تظنّ أنّها ابنها- حينَ تسمعُ النّفير المتواصل.
في جنين: يحترقُ البشرُ.. ولا يبقى في ركامِ المكانِ إلاّ كفّ تتمسّك بحفنة ترابٍ، وفي معصمها خاتَمٌ.
وأنا أفكّر في أرَقِ القبورِ..
...
صفحة 9
اليوم الثّاني والثّلاثون:
مِن هناك:
- هل سأجرؤ على رمي مفتاح بيتي؟ قالوا لي إنّ بيتك لم يعد موجودًا!.. سأغدو الآن فراغًا في طرقات انقصفَ عمرها الأخضر.
من هنا:
- يا يمّا، شايف هالمفتاح المعلّق على الحيط؟
- آه، يا يمّا شايفه، ما له؟
- هاد مفتاح بيتنا هناك.. خلّيه معك أمانة..
اليوم الثّالث والثّلاثون: إتّفاقيّة وقف إطلاق نار
مساء الثّامنة، وزعيق الصّفّارات لا يهدأ هنا، أخذ معه من بداية الحرب ثمانية عشر فلسطينيًّا من الشّمال..
اليوم الرّابع والثّلاثون:
لا حرب.. لا سلام...
* * *
حاشية:
تتراخى زهيّة على كرسيها الخيزرانيّ الهزّاز، المنتصب بقرب أحواض النّباتات في ساحة البيت ذي الأدراج الرّخاميّة العالية..
تنفرط منها تنهيدة وزفرة وتسقط خصلة على جبينها.. ويُسمع في المكان صوتٌ:
منذ أن انفجرت أوعية المؤامرة، صار نَعْتُ مَنْ تمَسَّك بأرضه ولَزِمَ بيته بائِعَ وطن.
منذ أن انفجرت أوعية المؤامرة، صار قلبُ اللاجىء ساعةَ توقيتٍ لقنبلة.
..
منذ أن انفجرت الأرض.. صارت المقاومة.
وتفكِّرُ وهي تلتقط بعينيها قطّة شقراء تتثاءب بجسدها قريبة من قدميها؛ ماذا لو عاود الأطفال اللعب بالبنادق الخشبيّة وهم يطاردون الحراميّة؟.. إنّ قوانين اللعبة في تغيّر، كما أنّ تأريخ تقييد من وُلِدوا قبل الحرب قد تغيّر.
.. وعاء الصّنبور مليء عن آخِره برصاصات.. وصافرات صناديق ترحيل.. وغلاف زهرة نبات الغملول اللبنانيّ يبقى شفّافًا ببياضه وألوانه المحاطة بأوراقه الإبَريّة الوخّازة.. والأزهار الليلكيّة المائلة للأزرق لشجيرة الرّصاصيّة الأوروبيّة تصحو في كلّ الأمكنة المتروكة على هذه الأرض.
صفحة 10
سيناريو ثان
يوم الجمعة
بُندُقُ الوقت يتمايَدُ في كفِّ المفردة.. تصهلُ الحروفُ مع رياحِ الخَماسينِ؛ تترقرقُ بها تفاصيلُ المرايا المعلّقةِ على الجسد الباذخِ لذاك المكان المقتصِّ خارطةَ الألوان ونمنمات الرّوائح.. هو مكاني أنا الأرض.
تلك المرايا واقفات على أطراف الحدود المنثالة للحجارة البيض المندغمة بأصفر يليق بالأحداث الّتي تغتسل بجلبة الأيّام بعمق ثمِلٍ لهُدهد يقف عند بوّابات خيول الذّاكرة ويتهدهد.
تنطوي الصّفحات، تتبعثر وتنقلب في حركات تلقائيّة وعشوائيّة حينما تغمض زهيّة عينيها على أريكة راحتها بعدما تنجز أمور البيت، والّتي من ضمنها في هذا اليوم ما صنعته من أقراص اللحم بالعجين وقالب الحلوى المحشوّ بالجوز، وكَبيس الزّيتون الأسود مع أوراق الفِيجَن ذي الرّائحة القويّة الّتي تضفي على طعم حبّاته مذاقًا حادًّا ولذيذًا.
تلك الأحداث الّتي تغمر كينونتها برغم هول مسارات تفتّحها وتفجّرها، تجعلها تتحفّز عند الحجارة المشتراة من قباطيا في جنين، تلك الحجارة الموحّدة للمبنى بلونها الصّافي المائل للأصفر، المرصوفة لأختام دارة زهيّة/ هالةِ قمَر سَكَنها، لتكون هذه الأحداث أحرص من ظلٍّ على منادمة خفقات نباتاتها الصّباحِ المرويّات من ماء شارد بغلمة ألوانٍ متواشجة من زهر الشّاب الظّريف والعُطرَة والرّوزا، وبياض الياسمين (المؤثّث للحواشي) والقرنفل الملوّن ودقّة العدس وَتُمِّ السّمكة.
قطرات الماء اللافح كانت تخدش الزّمان، وتخمِشُه بسطور تتغوّل خَببًا في معارِج متاريس التّذكُّر المطرَّزِ في تضاريس الهواء المنسَرِب في كائنات النّفخ الإلهيّ من أرقام سِحْرٍ وودع. فها هي تستذكر مشاهد التقطتها منذ ستّة شهور من قبضة الحصار على قطاع غزّة.. وفي هذا الفاتح من آذار، يحمل أبٌ أشلاء ملابس طفله الرّضيع.. يقبّلها بدموعه السّاقطة على شفتيه.. رضيعه الفقيد من جرّاء محرقة جديدة.. يعانق طفلته الباقية، يشدّها بكفّه بقوّة إلى صدره.. وبكفّه الأخرى ما زال يتشبّث بقميص ابنه المتشرذم.. يكتفي بدموعه الّتي تغسل وجنتيّ ابنته المتعلّقة بحضنه.
وامرأة تسدلُ منديلها الأبيض، تصرخ بألم: "أتركوني بحالي".. تغطّي وجهها بكفّيها لتدرأ عدسات المصوّرين.. هل قصدت أن تقول أيضًا: "أبنائي تركوني بحالي.. رحلوا.." .. تبتعد ماشية تكمل طريق عودتها.