صفحة 1
(1)
الصّفصاف والسَّرو
مثل أيّ طفلٍ في القرية، نما عالَمي بين أشجارٍ ظليلةٍ تحكي قصّة الذّاهبين، وبين حقولٍ مورقةٍ تروي فصولاً من حياة الرّاحلين··· كانت السّحب العابرة في الأيّام المُشمِسة ترفعني إليها عبرَ خيالاتي المُجنّحة··· وكانت الفراشات في فصل الرّبيع تغطّي كلّ شيء بما في ذلك صفحة وجهي السّمراء، وكانت النّحل تهب عسلها للرّائحين والغادين عن طِيب نَفْس، ولا تطلب مقابلاً حتى ولو كانت مجرد كلمة شكرٍ عابرة، وكانت الورود تزكم أنوف الطّيور بروائحها الشّذيّة، قبل أن تعبق في أنوف البشر أنفسهم··· وكنتُ أجد بين أشجار الصّفصاف والسّرو مساحة للرّكض السّاذج تعبيرًا عن انطلاقات عفويّة لا يملك طفلٌ في مثل سِنّي لها رَدًّا· وفي الينبوع الصّغير الّذي يتفجّر من رأس الجبل ويهوي إلى الوادي كنتُ أجد فرصةً للاستحمام الّذي لا ينتظر دورًا ولا إذنًا من أحد··· هل كانت هذه الجنّة؟! إذا كانت هذه كذلك فأين جهنّم إذًا؟! مَنْ يدري ماذا يستتر خلف الغد···؟!
مَنْ يتحكّم بماضيه ليصنع مستقبله؟! مَنْ يعلم موعد العاصفة القادمة لكي يقف على قارعة الطّريق فيتنحّى جانِبًا ويسمح لها بالمرور قبل أن تقتلعه معها إلى الفضاءات الذّاهلة، فيصبح نُثارةً في مهبّ الرّيح؟! لو كنتُ يومها أعرف قيمة القلم والورقة، لرسمتُ غدي الحالِم بيدي قبل أن ترسمه كائنات خارج الإنسانيّة لا تعترف بالبشريّة مُطلَقًا، إنّها كائنات قادمة من الجحيم نفسه!! وحينما كنتُ أتلهّى بتعريف الجحيم وقراءة الآيات الّتي تُخبر عنه لم أكن لأفهمه إلاّ عندما صرتُ في قلبه تمامًا، وصار هو في قلبي· لا أحد يعرف الجحيم أكثر منّا؛ نحن الّذين كُنّا هُناك!!!
هل كانت أمّي تعرف ما يمكن أن يخبّئه القدر لطفلٍ لاهٍ مثلي؟! وهل كان أبي يُدرك أنّ الجحيم يُمكن أن يتشكّل في الحياة الدّنيا قبل الآخرة، وأنّ على الأرض نموذجًا له يُعدّ حقيقيًّا إذا ما عاشه المرء، وتنقّل بين دَرَكاته؟! ولأنّه لا أحد يعلم الغيب، فقد غرقتُ في لُجّ القدر؛ {وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوْءُ}!!
يا إله السّماء: كم ناديتك لكي لا تتركني مع الوحوش، ثمّ لم يكن للوحوش الوالِغة في دمي أيُّ ارْعِواء!! يا إله السّماء السّابعة: كم ناجيتُك لكي تُبقي على ما تبقّى من كينونتي الّتي انتزعوها من تحت جلدي ثمّ تركتَهم يستمرّون في انتزاعي منّي حتّى لم أعد أنا··· أنا!!! أيّ حكمةٍ تتجلّى لي لكي أَعِيَها عنك يا ربُّ، والسّباع تَغِل في دمي ولا تكفّ عن شربي حتّى آخر قطرة من روحي!! يا ربّ السِّدرة: حِكمتَك؛ فإنّي لم يعد لي منّي شيءٌ أستبقيه ليوم الفهم الأكبر!! يا ربّ المُنتَهى: لو كان المُنتَهى أن أنتهي قبل أن أروي عن القادمين من الكوكب الآخر لضاعت الحكمة إذًا؛ ولاختفى التّجلّي، ولامّحى الفهم!! يا ربّ الوحوش والكائنات الغريبة والمخلوقات الّتي لا تُشبه البشر في شيءٍ: ساعدني لكي أقول ما ينبغي قوله!! ساعدني لكي أنجح في قتل الخوف الّذي شرّش في أعماقي على مدى سبعةَ عشر عامًا!! ساعدني لكي تكفّ السّياط الّتي لا زلتُ أتخيّلها - بعد كلّ هذا العمر- تصطفق داخل رأسي صباح مساء، ولا تَنِي عن نَهْشِ خلاياي، والفَتْك بعِظامي!!
طال شعرُ رأسي، وتهدّل جزءٌ منه على كتفي، كأيّ شابٍّ في السّبعينيّات كنتُ أجد في ذلك لذّة غامضة لا تحتاج إلى تفسير، وكان بنطلون (الجينز) موضة العصر، إضافةً إلى قميص (الكاروهات) ذي الياقة الواسعة الّتي تغطّي نصف الأكتاف؛ ها أنذا مثل كلّ جيلي من الشّباب، أجدُ في الحياة متعةً يمكن أن تُقتنص إذا ما غفل الحادي، ونامت أعين الرّقباء··· غير أنّ أبي سرعان ما قضى على كلّ ذلك بتشدّده الكارثيّ؛ صار يُمسك بياقة القميص الواسعة ويشدّني منها حتّى أكاد أختنق، ثمّ يعمد بعد ذلك إلى (الجينز) المعلّق خلف الباب فيُعمِل فيه المِقصّ، وفي بِضْع لحظاتٍ يرميه على الأرض قِطَعًا مُمَزّقة، ويصيح فيّ قبل أن يلطمني على وجهي:
- أنا مربّيك لَتْصير خنيث!!
- بَسْ هَيْ···
- خْراس يا ولد، ولا تْبَسْبِسْلِي··· يا ويلك إزا شِفتك مرّة تانية بها الهِبّز المجنون تبعك!!
ويتركني أصحو رويدًا رويدًا على استبدادٍ يبدو أنّه موروث، أو ربّما أوحتْ به حكومات لم تُبقِ على شيءٍ لم تستبدّ به!!
غير أنّ أبي الّذي أذاقني من العذاب صنوفًا يستحقّ اليوم منّي الرّحمة الوابلة لسببين، سوف يتبيّنان لاحقًا·
في البكالوريا رفع أبي المسدّس في وجهي، وصرخ بكلّ ثقة:
- إزا ما جبت المجموع إلّي بِفَوْتَكْ كلّيّة الطّبّ، والله لفَضّي هالرّصاصات بْراسك!!
ومرّة ثانية، وجدني أجلس تحت شجرة بلّوطٍ في تلك الأيّام، ولم تكن بين يدي كتب البكالوريا، فأمسك بجذع شجرةٍ غليظٍ، ثمّ رقى بجسده الّذي يزيد عن (120) كغم، فقفز على ساقيَّ الممدودتين تحته حتّى كاد يكسرهما، وصاح وهو يتميّز من الغيظ:
- قاعِد مِتْلِ الكلب هوني··· هي كلّيّة الطّبّ بتستنّا كلاب مِتلك لَيْفوتُوّا!! مَ هيك يا كلب!! والله لَوَرْجِيك!!
صفحة 2
ولم تنفعني تأوّهاتي، وصرخات آلامي، بل سارع إلى كسر جذعٍ آخر، وراح يهوي به على وجهي، فتخلّصتُ بالهروب، ولولا نحول جسدي، وسرعة ركضي لما نجوت منه وهو يعدو ورائي ولا يتوقّف عن ملاحقتي!!
ومرّة ثالثة طُردت من المدرسة بسبب شِجارٍ بيني وبين أحد الأساتذة، الّذي أُحرِج أمام الطّلاّب من ردّي عليه، فبعث بي إلى المدير، فقرّر المدير حينئذٍ طردي لثلاثة أيّام، ولمّا سمع أبي بذلك، تناول سِكّينًا كبيرًا من المطبخ، وهُرعَ باتّجاهي وهو يلوّح بها، ويصيح:
- أنا باعتك عَ المَدرسة تا تنطرد مِنّا يا حَيَوان، والله لَإدْبحكْ مِتِلْ ما بْتِنْدبح الجاجة···
وعندما كانت المفاجأة تتغوّل عليّ وتكاد تُسقطني لِما هالني من منظر أبي، تسمّرتُ في البداية مكاني، وقفز الدّم إلى عينيّ، أمّا هو فتابع وهو يصيح على أمّي:
- هاتي الطُّشت يا حرمة، والله لَإدْبَحُو دَبِحْ···
ركضتُ باتّجاه الحقول وأنا أرتجف من الخوف، واختبأت خلف الأشجار حتّى يهدأ أبي··· وكنتُ أظلّ على خوفي هذا حتّى يهبط اللّيل، ولا تكون لي من شفيعٍ إلاّ أمّي الّتي كانت تُقبّل رِجلَيْ أبي لكي يسمح لي بالمبيت هذه المرّة، وتحلف له أغلظ الأيمان أنّه لن يعودَ لمثلها!!
هربتُ من أبي إلى المسجد، وكأنّما وجد أبي حرمةً في ملاحقتي إلى هناك، أو اطمأنّ إلى نقاء بعض الشّيوخ الّذين يدرّسون فيه، فكفّت العصا عن الهُويّ على رقبتي، والسّكين عن الارتفاع في وجهي، واستسلم أبي لقُدسيّة المكان!!
تنقّلتُ في البكالوريا بين المدرسة والمسجد، ظلّ الشّيخ (منير) يغرس الفضائل والقِيمَ في نفوسنا، حتّى نمت ثمرتُها مع الزّمن، وفتحتُ عينيَّ على أفكارٍ جديدةٍ لم تكن لولا الشّيخ (منير) لتحلّ فِيّ، وسارعت لقاءاتي عددًا من الشّباب في المسجد إلى بلورتها في حقل القلب المفتوح لكلّ شيء!!
وكان أبي يعود من عمله، فيبدأ بالصّراخ على أمّي سائلاً عنّي، وحينَ تقول له: في المسجد، يخور مثل ثورٍ ويسكتُ على مضض!!
في المدرسة كان زجاج النّوافذ لا يستقرّ في أماكنه أسبوعًا، اُبتلِيت المدرسة بشبابٍ مُخرّبين، يحطّمون الزّجاج، ويحفرون خشب الأبواب، ويقتلعون الألواح من أماكنها، ويكسرون (لمبات) الغرف· ومرّة استفحل الأمر، فاستغاث أستاذ الصّفّ بالمدير، فهُرِعَ المدير إلينا، ولمّا رأى الصّفّ على هذه الشّاكلة، راح يصرخ:
- يا كلاب··· إنتو قاعدين بْصِيْرِة···!! وْلا إنتا وْيّاه أبوك بْيِشتغل من الصّبح لَلْمسا مشان ربع ليرة تا يجيبلك دفتر···!! وْلا إنتا وْياه ليش بِتكسْروا··· وْلا لِبْغال ما بتساوي هيك··· هو العلم ما إلو قيمة عَنْدكُنْ···؟!
رفعتُ يومها يدي، مستأذنًا في الحديث، فقال لي المدير:
- هاتْ لَشوف···
فقلتُ مستهزِئًا:
- نِحْنا جيل الثّورة؛ مَهيك بِتْقولو···؟! نِحْنا مين ربّانا هَيْ التِّربايِة··؟! إلّي بساووا هَيْ الشّغلة؛ يعني بِكَسْروا وبِدَمْروا إنتو ربّيتوُّن على هيك شي· أمّا إلّي بربّينا تِرْباية صحيحة على حبّ الوطن، وحبّ الوالدَين، بيجي واحد منكن بيكتب فيه تقرير، بتروحوا بتحطّوه بْمَكان ما حدا غير الله بْيَعْرف فيه··· يا أستاذ إلّي كسّروا وعِمْلوا هَيْ العمايل مِنكن، شباب بلا أخلاق من فِلْم لَفِلْم، ومن سُكْر لسكر، ومن بِنْت لَبِنْت··· إنتو إلّي لازِم توقفوُّنْ عند حَدُّنْ···!!
كان المدير يستمع إليّ وهو يستشيط غضبًا، وعرف أنّني من جماعة الشّيخ (منير)، فقال لي متحدّيًا:
- الطّالب إلّي بْتحكي عنّو من فِلم لَفِلْم ومن سُكْر لَسُكْر ومِن بِنْت لَبِنْت، هادا طالب ثوريّ تقدّميّ، هادا بْيِسْعى لبناء المجتمع العربيّ الاشتراكيّ الموحّد، هادا طالب آثر المصلحة العامّة على مصلحتو الخاصّة· أمّا الطّالب إلّي كلّ وقتو للدّراسة والعلم، وِبْينجح بِالمَرتبة الأولى فهادا طالب أنانيّ، ضرب المصلحة العامّة (مصلحة بناء المجتمع العربيّ الاشتراكيّ الموحّد بعرض الحائط)، وعمل لَيْصير طبيبْ أو مهندسْ إيثارًا لَمصلحتو الشّخصيّة، لَهيكْ الطّالب الثّوريّ يستحقّ أن تُقدِّم الدّولة له كلّ إمكانيّاتها، أمّا الطّالب إلّي بْيُدْرس فهادا ما بْيِسْتاهِلْ أيّ مساعدة من الدّولة·
واستبدّ به الغضب أكثر، فصار يصيح بي:
- ولا إنتا شو جايبك لهون؟! واحد مِتلك متخلّف رجعي لازم يكون هُنيك بالجبّانة (ونظر من نافذة الصّف إلى المقبرة الّتي تبعد عن المدرسة قليلاً) هُنيك مكانك الطّبيعيّ؛ مقبور··· والله لَنْحِطّك قذيفة بْمَدفع، ونضربك على إسرائيل حتّى نِخلَص مِنّك···!!
كانت تربية المسجد تبعث في النّفس يقينًا، وطمأنينة؛ تحميني من أبي من جهة، وتُريني فساد نظريّاتٍ يتبنّاها واحدٌ مثل مديرنا في المدرسة··· مرّت أيّام البكالوريا، ويبدو أنّ المسدّس الّذي رفعه أبي في وجهي حثّني على أنْ أحصّل مجموعًا يؤهّلني لدراسة ما كان يتمنّاه لي··· وهكذا صرتُ طالبًا في كليّة الطّبّ بجامعة دمشق!!
صفحة 3
(2)
الزّنزانة رقم (11)
في الدّور الرّابع للمستشفى الّذي صرتُ أعمل فيه، كنتُ أفحص بين يديّ طفلاً انتفخَ بطنُه لطول ما أصابه من إمساك، اتّصل بي المدير، وسألني بصوتٍ مرتبك فيما إذا كان مُمكِنًا أن أوافيه إلى مكتبه للحديث في أمرٍ يخصّ العمل· عرفتُ حالاً ماذا ينتظرني، فكتبتُ الدّواء - على عجلٍ - لأمّ الطّفل، وسارعتُ بالوضوء، وصلّيتُ ركعتين لم أدرِ ماذا قرأتُ فيهما، ثمّ نزلتُ من الدّرج قاصِدًا المخرج الخلفيّ للمستشفى· لم تكنْ فرصة نجاحي في الهروب كبيرة، ولكنّني حاولتُ· حينَ لفحتْني نسمةٌ حارّةٌ من نسمات أوائل شهر تمّوز أدركتُ أنّ اللهيبَ قادمٌ، وأنّ لحظات الاستحمام تحت ماء الينبوع ولّتْ إلى غير رجعة·
من النّافذة بدا لي المشهد ساحة حربٍ حقيقيّة، حوالي عشرين آليّةً عسكريّة كانت تطوّق المستشفى من جميع جهاته، وأكثر من مئة عنصر أمنيّ مزوّدين بالرّشاشات والمسدّسات كانوا يتحلّقون على شكل دائرةٍ مُحكمة تحيط بالمكان· لا أدري كيف قرّرتُ بسرعةٍ أن أهرب··· أن أخترق النّقطة الأضعف تحصينًا في هذه الدّائرة، وأُطلق ساقيَّ للرّيح، لم أكنْ أملك غير بضع ثوانٍ لكي أنفّذ ما خطر ببالي لحظتها، كان مِمّا لا شكّ فيه أنّ اقتحام المستشفى وشيك، وأنّ القنابل ستغطّي فضاء الرّؤية في القريب العاجل··· أخذتُ نَفَسًا عميقًا، وهمهمتُ بآية الصّبر والرّضا، وحدّدتُ زاوية الهرب، أمّا السّرعة فكان الخوف والتّوق إلى النّجاة كفيلَين بأن يجعلاها أعلى ما يُمكن···
ركضتُ باتّجاه الحرّيّة··· باتّجاه النّجاة··· باتّجاه الفراغ مدفوعًا بالخوف من الآتي··· باتّجاه الحُلُم الّذي يوشِك أن يسودّ··· باتّجاه الجنّة الضّائعة توجّسًا من الجحيم المُرتَقب··· ثلاثون مترًا كانت كفيلة بأن تَلحَق بي ثلاثون رصاصةً خلالها··· وفي باطن فخذ الرِّجل اليُسرى استقرّت رفيقة الدّرب الّتي ستتعايش معي سبعة عشر عامًا··· سقطتُ··· سال الدّم سخينًا· كان صياحهم عالِيًا··· فجأةً صمتَ كلّ شيء· بما في ذلك قلبي!!
اختلط اللّيل بالنّهار، تداخَلا ربّما، سبق أحدهما الآخر··· ماذا يعني اللّيل والنّهار لسجينٍ صارت كلّ خليّة فيه مرتهنةً للدّولة، وهو لا يملك حتّى أن يسحب هواء الزّنزانة الخانق إلى صدره···؟! كان عليه أن يسترق ذلك، لأنّه إنْ ضُبِطَ بالجُرم المشهود فسيحرّمون عليه هذا النَّفَس من أنْ يدخل إلى جوارحه ولو بالإكراه فيما بعد!!!
لا أدري كم مضى من الأيّام وأنا غائبٌ عن الوعي، صحوتُ في غرفةٍ معتمةٍ إلاّ من لمبةٍ ترتفع بتكاسلٍ على مكتبِ المحقّق، كنتُ عاريًا إلاّ من (الشّيّال) و(الشّورت)· من خلفي عسكريّان، ومن خلف المحقّق مثلهما، حرّكتُ رجلي حركةً بسيطةً فندّتْ منّي آهةٌ عالية من الألم، سارع أحد الّذين خلفي إلى لطمي بقبضة يده على رأسي، وصاح:
- خْراسْ وْلا···!!!
تحسّستُ موضع الرّصاصة، كان يبدو أنّهم عالجوا أثرها على عَجَلٍ في هذا المكان الّذي لم أتبيّن ما هو إلى الآن، بعض الشّاش يلفّ قدمي، والألم ما زال ينخرها نخرًا، بدا ألم لطمة العسكريّ الّذي خلفي مسحًا على الرّأس قِياسًا إلى ألم رِجلي··· قال أحدهم:
- فاقْ سِيدي···!!
- طَمْشوه··· طَمْشوه··· وجيبوْه لَهُونْ···!!
وضع أحدهم الطّمّاشة على عينيّ، أحسستُ بخشونتها، شدّها من الخلف فضغطت على عينيّ بقوّة، كدتُ أتأوّه، فتذكّرتُ اللّطمة قبل قليل، بلعتُها··· قدّموني مترين من مكتب المحقّق، وبقيت جاثِيًا على الأرض، قال المحقّق:
- اسمك يا كلب···
(تباطأت قليلاً في الإجابة، منّيتُ نفسي بأنّ السّؤال لا يقصدني··· هوتْ لطمةٌ أقسى من سابقتها على رأسي من الخلف، صاح بي الّذي لطمني):
- اسمك يا شَر···
- إياد··· إياد··
- إياد أسعد··· يا حيوان؟!
- نعم··· نعم سيدي··· إياد أسعد
- وْلا··· شو علاقتك بالإخوان؟!
- ما لي علاقة يا سيدي···!!
- وبتكزِّب وْلا···
- والله ما إلي أيّ علاقة···!!
صفحة 4
- وْلا··· إنتا قائد بِالطّليعة··· وما إلك علاقة··· شلون صارت هَيْ··· إعْتِرفْ أحسنْ لَكْ···
- على شُو إعْترف يا سيدي؟!
- وْلا··· إنتا حكمك إعدام من هَلأّ··· إزا رَحْ تعترف ممكن يصير مؤبّد·
(بقيت واجِمًا، صدمتْني الجملة الأخيرة، غاب عن بالي أنّ الموت يُمكن أن يقدّم نفسه على يدي إنسان) كانت فترة صمتي كفيلة بأن تنصبّ عليّ بعدها حمم العذاب···
انهالت عليّ (كيبلات) الأسلاك المعدنيّة، في الضّربة الأولى كان الجِلدُ طريًّا، غاص الكيبل في اللّحم، ماشى دورة الدّم في عروق الظَّهر، خرج وهو يرنّ، وخرجتْ معه صرخة الرّعب من أعماقي، حاولتُ أن أنهض، فتتابعت اللّكمات والكيبلات من كلّ اتّجاه، ترنّحتُ قبل أن أتماثل للوقوف··· جاءني (كيبل) من الخلف حَزّ رأسي، وتابع سيره إلى عينيّ··· تلقّت الطّماشة الأثر··· انزاحت عن عينيّ قليلاً، مازلتُ في وعيي لكي ألمح وجه المحقّق ينظر إليّ وهو يُرجِع ظهره إلى الخلف ويبدو منتشيًا بمنظري وأنا أتلوّى تحت السّياط··· راح الدّم يسيل في شُعبٍ على ظهري وصدري ووجهي··· تركوني بإشارةٍ من سيّدهم وعادوا إلى وقفتهم، وهم يلهثون· عاودَ المحقّق السّؤال مرّة أخرى:
- وْلا··· شو علاقتك بمحمود···
- مين محمود يا سيدي؟!
- وْلا··· المسؤول عنّك بِالتّنظيم··· محمود الفحّام وْلا···
- ما بعرفو يا سيدي··· أقسم إنو ما بعرفو!!!
- مو ناوي تعترف يا ابن الشّــ···
ثمّ صمت المحقّق، وبإشارة أخرى منه، بدأت جولة أخرى من العذاب··· هذه المرّة قال لهم أن ينزعوا الطّمّاشة عن عينيّ، لا أدري لماذا؟! ربّما كان يريدني أن أرى أدوات العذاب فيُضاعف في أثره النّفسيّ عليّ··· غير أنّ توقّع الضّربة دون أن تراها ربّما يكون أقسى من الضّربة نفسها!!!
جاؤوا بسلاسل من الحديد، أمسك اثنان منهما بيديّ، والآخران برِجليّ، قرّبا عظمتَي الكاحل من بعضهما، وراحا يشدّان العظمتين، كان الألم لا يوصَف، اختلط العرق بالدّم، ثمّ اختلطت بهما سيّالاتُ من الدّموع· وشكّل الثّلاثة مزيجًا حامِضًا ومالِحًا وحُلوًا··· لم يرحماني؛ ربطا رِجليّ بالسّلسلة، وشدّا على العظم ثانيةً فأحسستُ أنّ عظم الكاحل قد تهتّك، وتفتّت داخل الجلد، لم يعبَآ بصرخاتي الّتي ملأت المكان، قيّد الآخران يديّ بالكلبْشات، وسمعتُ أحدهما يقول:
- حُطّو بالدّولاب···
أمرني أحدهم: عُودْ بالأرض، ضَهرَكْ وْإجْريك لَفُوق· أحضر الثّاني (دولاب الكاوتشوك) وغرسه في رِجليّ ورأسي، صار الدّولاب دائرة تشدّ ظهري إلى رِجليّ المرفوعتين، أمّا قفاي فهو على الأرض وبارتفاع رجليّ صارت أعضائي التّناسليّة صيدًا سهلاً لهم· وقف اثنان عند هاتين الرِّجلين، ووقف الثّالث عند الرّأس، وبدأت الحفلة المُرعِبة· انهمك اللّذان عند رِجليّ في ضربي عليهما بمواسير حديديّة، كانت الماسورة الواحدة تهوي على الرِّجل فترضّها بثقلها، وحين تنسحب صاعِدةً إلى الأعلى تخدش لحمَ باطن القدم بطرفها المُسنَّن، ثمّ لا تلبث أن تهوي مرّة أخرى، بدأ الدّم ينثعب ببطء، ثمّ ما لبثت قدماي أن انفتح كامل الجِلد فيهما على القشرة الّتي تحتهما فصار الدّم يجري سيولاً· أمّا الّذي عند الرأس فأمسك (بكيبل) مجدول وراح يهوي به على رأسي المتورّمة من الحفلة الأولى، حتّى إذا تعب تحوّل إلى الأمام، وبدأ يضرب على الإليتَين، ويتقصّد الخُصيتين، فيتفاقم مستوى الألم إلى حدّ لا يوصَف··· أمّا صرخاتي فلم تكنْ تعبيرًا عن هذا الألم بقَدْر ما كانت التِقاطًا للنَّفَس الّذي بدأ يتلاشى من صدري، كنتُ أصرخ لأسحب الهواء إلى الدّاخل حتّى أحافظ على نَفَسي من الاختناق، وأفرّغ طاقة العذاب في صوت الصّرخة نفسها···!!!
تخلّيتُ - في الجلدة المئتين رُبّما - عن سحب الهواء إلى الدّاخل، كنتُ أريد أن أستسلم، لا أريد مزيدًا من الحياة، بدا الموت في هذه اللّحظة أمنيةً عزيزة المنال، تمنّيت أن يخلّصني من هؤلاء الوحوش، تركتُ أنفاسي تتدحرج على حافّة المواسير والكيبلات، وقلتُ للموت أهلاً وسهلاً ومرحبًا··· غير أنّ الجلاّدين توقّفوا في تلك اللّحظة··· رجعوا إلى الوراء، وصاح المحقّق:
- خُودْ ابن الشّر·· خلّيه يفكّر عَ راحتو···
شحطوني إلى الزّنزانة الّتي تحمل الرّقم (11)، تفاءلت بالرّقم، ودخلتُ كُتلةً من الجِراح، وكيسًا من الأوجاع الّتي لم أجرّبها في حياتي سابِقًا· قفز إلى ذهني أهلي: هل هناك مَنْ أخبرهم بما أنا فيه من العذاب؟! هل عرفوا أنّني اعتُقلت؟! وزوجتي الحامل هل تقبّلتْ سبب غيابي كلّ هذا الوقت؟!!
صفحة 5
مضى يومٌ واحد، كانت استراحةً للجلاّدين وليست لي، إذ إنّهم جرّوني مرّة أخرى إلى الغرفة ذاتها:
هذه المرّة لم يضعوا الطّمّاشة على عيني، أبقوني جاثِيًا على البلاط أمام المحقّق، وأمروني ألاّ أرفع رأسي، وأن أضع يديّ خلف ظهري· بدت لهجة التّحقيق هذه المرّة مختلفة عن السّابق، خيطٌ من الودّ الماكر كان ينسلّ من بين شفاه المحقّق اللّعين:
- محمود اعترَف، إنّك كنت تستلم منّو القنابل···
- ما استلمتْ قنابل ولا بعرف محمود···
- إزا قُلتلنا وين مخبّي القنابل ودلّيتنا عليها بشرفي رَحْ تْرُوحِ اليوم···
- كيف بدّي دِلَّك على شي ما بعرفو···
كنتُ عنيدًا؟! نعم· كنتُ أحاول أن أُثبت قدرتي على التّحمّل أمام نفسي؟! بلى· بدأتُ أستمتع باللّعبة، صرتُ أحاول أن أبتلع كرة الألم النّحاسيّة عند الضّربة الأولى·
تتغيّر اللّهجات بحسب مستوى المعلومة، وبحسب تجاوب السّجين مع المحقّق· الآن ارتفعت الوتيرة· صاح:
- مِتِلْ ما الله خلقك بدّك تخلق القنابل والسّلاح يا ابن العاهـ···
- الله خلق··· ولا غيرو بْيُخلق···
- وإنتا بدّك تخلق السّلاح··· أنا بعرف كيف خَلّيكْ تِخلقو···!!
تحلّق العساكر الأربعة حولي، بطحني أحدهم على الأرض، وراحوا يقفزون ببساطيرهم على بطني، ويُخبّطون على صدري، ويركلون رأسي··· صار رأسي كرةً تتدحرج في ملعب البساطير يمينًا وشِمالاً، كان الرأس هو الجزء الأصعب المنفلت من المعادلة، جسدي المُمدّد على الأرض له أفضليّة الثّبات والاتّقاء، أمّا رأسي فكان بندولاً متأرجِحًا، كانت ضربة واحدة من (بوز) بسطار تساوي أربعين من مثيلاتها على بقيّة الجسد· يبقى الرّأس رأسًا حتّى في هذه المعادلة السّرياليّة الّتي أعيشها!!
صاح المحقّق بهم:
- هاتوا السّلّم·
شَبَحوني على السّلم، وأوثقوا يديّ ورِجليّ بِحبالٍ غليظة، وشدّوها بإحكام، حزّت الحبال في الرّسغين وفي الكاحلين وغاصت في الجلد· ثمّ تعاون الأربعة على رفع السّلّم على خازوقٍ يخرج من أعلى الجدار المقابل للباب، كان رأسي إلى الأسفل وقدماي إلى الأعلى، شدّ جسمي بثقله إلى الأسفل فغاصت حبال القدمين في اللحم عميقًا، سال منهما ما تبقّى من دمٍ على فخذيّ، وتابعت مجاري الدّم على جسدي نزولها حتّى خالطت رأسي، تجمّع الدّم هناك واشتبك مع شعر رأسي، وصار يقطر قطراتٍ متتابعة، وينقّط على الأرض، شكّل تنقيطه المتتابع خيطًا رفيعًا ما لبث أن تكتّلت حوله قطرات أخرى ممتزجةً مع العرق والدّموع وسالتْ على بلاط الغرفة··· اقترب منّي المحقّق ووقف عند رأسي، وركلني ببسطاره هو الآخر، أصابت الرّكلة خدّي وطرفًا من عينيّ، صرختُ بأعلى ما أستطيع، واصطكّت أسناني من الوجع··· تركني ألتقطُ أنفاسي لبرهةٍ ثمّ أقعى عند وجهي، هزّ رأسه بأسفٍ، وقال:
- إعْترِف·· وأنا هون موجود··· إزا طلعت وتركتك مع هَدول الأربعة··· رح يْمَوْتوك··· إزا اعترفت هَلّأْ أنا بحميك··· بس إزا طْلعت ما بِضْمِنلك شي···
- ما عندي شي إِعْترف عليه··
صفحة 6
- ولك يا ابني يا إمّا بْتِنْعِدم إزا ما بْتِتْعاون، أو بْتِنْحكم سنة أو سنتين وتطلع بَعْدَا··· ولك يا ابني هَيْ السّياسة ما بْتِعرف شو بصير··· بكره بْتِتْغيّر الأمور··· وممكن تِطلع مِنَّا··· فاعترف أحسنْ لَكْ···
- يا سيدي··· عَ شُو بدّي إعترف···؟!!!
- مَوْتُوه يا شباب·
استعدتُ وعيي في الزّنزانة· رفعت المودّة شِراعها· هناك دائمًا ألفة من نوعٍ ما يُمكن أن تنشأ بين الإنسان والمكان·
اصطفقت في دماغي أصوات العصافير القادمة من الجهة الشّمالية لجبال القرية، بدأت تعلو رويدًا رويدًا حتّى ملأت عليّ كياني، تمايلتُ على إيقاعها الجميل، ورقص قلبي فرحًا لأنغامها· حطّ أحدها على كتفي وبدأ يمسح بظاهر جناحه ما سال من دمٍ على وجهي، تركته يفعل ما يحلو له، و حاولتُ أن أغفو قليلاً بين يديه، نبّهتْني جِراحٌ أخرى في قدميّ، كانت قدماي قد تشقّقتا حتّى صار باطنها أخاديد، بعض هذه الأخاديد بان عن عضلٍ مُشوّه، وآخر بان عن عظمٍ أبيض لامع يميل إلى الزّرقة قليلاً··· تمنّيت لو أنّ الفراشات الّتي ملأت وجهي ذات الصّباح الربيعيّ البهيّ في البلدة أن تأتي لتملأ بياض عِظامي، قالت لي العصافير: إنّ الفراشات حاولت أن تأتي، ولكنّ الجلاّدين أوقفوها على باب السّجن، وحظروا عليها الدّخول إليك··· ساءلتُها، وأنتِ أيّتها العصافير ألم يحظر الجلاّدون عليك الدّخول مثلها، كيف وصلتِ إلى هنا، أجابت:
- نحن قلب الحرّيّة، ولا توجد قوّة في الأرض يمكن أن تصادرها··· قد تُصادر الجسد، لكنّ انحباس الجسد ليس شكلاً من أشكال العبوديّة··· ونحن الشّمس، من يستطيع أن يمنع الشّمس من التّسلّل عبر النّوافذ والشّقوق···؟!!
ناداني أبي من قعر الجبّ: ألم أكن أنا أولى بإطلاق الرّصاص عليك من هؤلاء المجرمين؟! ألم يكنْ من حقّي أن أكسر قدميك بدل أن يفعل هؤلاء القتلة بك هذا؟!
أمّا أمّي فلا زالت دعواتها تلفّني بضبابٍ شفيفٍ من الطّمأنينة··· إذا كانت أمّي قادرةً فيما مضى على حمايتي من أبي، فلا بدّ أنّها اليوم قادرةٌ على حمايتي من الأب الأكبر، من السّلطة الّتي تعدّ نفسها أبًا لكلّ النّاس، وأنّها تملك كلّ ما يملكون، وحقّها في التّصرّف بتفاصيل حياتهم أكبر من حقّهم هم أنفسهم··!!!
صفحة 7
(3)
شَياطِينُ الجَحيمِ
الزّنزانة الّتي استقرّ فيها ما تبقّى من جسدي في اليوم الرّابع أو الخامس أو السّادس لا أدري، هي عبارة عن قبر مرفوع الغِطاء· كانت الزّنزانة بعرض (70) أو (80) سم وبطول مترين، وبارتفاع مترين، تكاد جوانبها تضيق عن عرض الجسد، لك أن تبسط جسدك فيها دون يديك، أمّا يداك فيجب أن تبقيا فوق صدرك لأنّ المكان - فيزيائيّا - لا يتّسع لهما ممدودتين على الجوانب، أمّا إذا نِمت على شِقّك الأيمن، فحينئذٍ يمكن أن تحظى ساقاك ببعض التّكوّر البسيط لمحاولة النّوم· وما الفِراش والغِطاء والشّراب؟! كان في الزّنزانة بطّانيّة واحدة، و(كوز) بحجم الكفّ مملوءٌ بالماء· فيما بعد ظلّ هذا الكوز ملازِمًا لي عامًا كاملاً؛ كنتُ أشربُ فيه وأبول فيه، وأنظّف جروحي فيه· كان الجلاّد يفتح باب الزّنزانة في اليوم مرّتين للتّغوّط، أمّا البول ففي الكوز داخل الزّنزانة بعد أن تشرب ماءه الصّديد·
نزعتُ الشّريط الأبيض على طرف البطّانية بأسناني، وصنعتُ منه عدّة ضمّادات، بلّلتُها بماء الكوز، ورحتُ أعالجُ جروحي وحروقي· كان الجرح الأصعب جرح الرّصاصة، أزلتُ عن فخذي الضّمادة الّتي اشتبك فيها اللّون الأحمر بالأصفر، وأعدتُ نقبَ الجُرح، وأنا أشدّ على أسناني من الوجع، ويتقاطر العرق من جبهتي حارًّا إلى ذقني مع كلّ نَقْبة، تمنيت أن يكون لديّ سكّين أو سيخ من الحديد لأُخرجَ به الرّصاصة، لكنّها أمنية هاربة في زمنٍ مقبوضٍ فيه عليّ من كلّ اتّجاه، حاولتُ أن أخفف التهاب الجرح بمسح ما تخثّر فوقه من الدّم، وما تهيّج حوله من أنسجة، وربطتُه بضمّاداتي الجديدة· مدّدتُ جسدي بصعوبة على الأرض، وتمتمتُ ببعض الأدعية، ونمتُ على حلم الخلاص···!!
خبطات عاليات على الباب، وصياح وهياج الدّاخلين أفزعني من نومي، ولمّا لم أستطع المشي، أمسك عسكريّان بكتفيّ، وجرّوني مثل كلب إلى الخارج، تهدّلت خلفي ساقاي، وتأرجحت قدماي وهما تضربان مع الشّحط بإسمنت الأرض، كانت المسافة بين الزّنزانة وغرفة التّحقيـــق تقرب من (100) متر، خلالها تجرّحت قدماي واختلط فيهمــا أبيض الأرض مع أحمر الدّم··· حافظتُ على نَفَسي منتظمًا، وأرحت كامل جسدي على ساعِدَي العسكريّين، وسمعت صوت لهاثهما، وارتحت على أنّني أتخّفف من عبء جسدي ولو قليـلاً·
قال المحقّق:
- ولا إنتا ما بدّك تِعترف···
- عَ شُو بِدّي إعْترف··· ما عندي شي··
- وْلا··· مو محمود الفحّام لحالو اعترف عليك··· كمشنا هيثم رشيد كمان··· هو الّلَخْري اعْترف عليك··· وْلا كم قنبلة مْخبّي قدّام البيت···؟!
- لا محمود··· ولا هيثم··· ولا قنابل··· يا سيدي أنا طبيب على باب الله بِشْتِغِل مْن الصّبح لَلْمسا بالمستشفى··· شو بدّي بوجع الرّاس··· قنابل ما قنابل··· وإخوان ما إخوان··· وعندي طفل عَ الطّريق بِدّي أمّنّلو رغيف خبز يا سيدي···
- ولا··· لا تعملّي فِيَّا سَهْيان··· إزا ما بتعترف بِنْتِفْلك لحيتك بْإِيدي وْلا···
-······!!!
- كَلْبشوه يا شباب··
صفحة 8
وبدأ نتف اللّحية، كان ينتف بأظافره الطّويلة عشر شعرات، ثمّ يُتبِعها بلطمةٍ على الوجه، ظلّ ما يقرب من ساعتين وهو ينتف لحيتي حتّى شوّه وجهي بالكامل، ونزّ بعض الدّم من بعض منابت الشّعر، وظلّت بعض الشّعرات ناتئة في المنظر المُذلّ، فأمر عساكره بالقدّاحة، وصاح وهو يُزبِد:
- والله لحرقلك وِجَّكْ يا ابن الشّـ····
وقرّب القدّاحة المشتعلة من أسفل ذقني، وتراقص ضوؤُها على صفحة وجهه البغيض، فبدا شيطانًا من الشّياطين الخارجة من الجحيم··· حرّكت رأسي يمينًا وشمالاً لأتّقي اللّهب، فسارع عسكريّان بتثبيت وجهي، ومارس الشّاذّ هوايته الكاملة في حرق وجهي وما تبقّى فيه من شعرات··· ورحتُ أصرخُ وهو يبتسم، ويفترّ فمه عن أنيابٍ صفراء، ويبدو أنّ صراخي كان يُصيبه بالنّشوة، الّتي لم تبلغ ذروتها إلاّ بعد أن فاحت رائحة الشّواط جرّاء حرق الشّعرات، ومع كلّ صرخة، كان يهمهم بضحكة ليقطعها انتظارًا لصرخةٍ أخرى مماثلةٍ منّي···!!
رمى القدّاحة في زاوية الغرفة، وزعق في وجه العساكر الأربعة الموجودين فيها، وخرج، لتخلو منه الغرفة لساعتين· خلالهما لم يأتِ أحدٌ من الجلاّدين بحركة، كان حريق اللّحية قد فاقم من حدّة عطشي، صرتُ أحوّل العرق النّازل من جبهتي بلساني مُحاوِلاً إدخاله إلى فمي لعلّني أشربه··· غير أنّه كان مالحًا، فلا تزيدني ملوحته إلاّ توقًا كبيرًا إلى رَشْفةِ ماءٍ واحدةٍ باردة· كانت رشفة الماء في تلك اللّحظة تُعادل عمرًا بأكمله، كنتُ مستعدًّا للتّضحية بكلّ شيءٍ في سبيل الحصول عليها· دخل ثانية، تربّع على كرسيّه، وقال وهو يُرجع جذعه إلى الخلف، وينكش أسنانه، ويتجشّأ من طول أكلٍ وشُرب:
- ها··· فكرت وْلا··· قرّرت تِعترف وْلا···
- بدّي مَيْ··· عطشان···
- إزا بتعترف··· إلك مَيْ بوز··· ها··· شو رأيك؟!
- ماشي··· ماشي··· رح إِعْترف···
- جيبلو مَيْ من البرّاد··· خَلِّيَّا بُوزْ···
غاب أحد العساكر، ثمّ عاد، تناول المحقّق الكأس منه، وقرفص حتّى صار وجهه في وجهي، كانت الكأس (بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشّارِبينَ)، سال الحَباب منها على أطرافها لشدّة برودتها، وترقرق الماء الصّافي في داخلها كأنّه من ماء الكوثر لا من ماء الدّنيا··· وارتجف جسدي للمنظر، وارتعشت روحي العطشى لِما ترى، وهَمَمْتُ أن أقول كلّ ما أعرف، وأعترف عن كلّ من أعرف··· كانت الكأس في تلك اللحظة تساوي كلّ هذا، وكان ألم انتظارها، والتّلوّع أمامها أصعب من كلّ الآلام السّابقة التّي واجهتُها··· أتكون نهايتي في رشفة الماء هذه؟!! أأصمد أمام براكين العذاب السّابقة، وأتهاوى أمام كأسٍ واحدةٍ تستقرّ بين أصابع هذا الجلاّد الانتهازيّ البغيض؟!
قرّبها أكثر من أنفي؛ شممتُ فيها رائحة الحياة، وصعدت من أطرافها سُحُب الرّيّ فلفحت وجهي، كان تمّوز في منتصفه، ولا شيء ينتصر على تمّوز غير الماء البارد على عطشٍ لائحٍ···!! أمّا لساني فَيَبِسَ حتّى كأنّه قطعة خشب، تيبّس في البداية طرفُه الأمامي فلم أعد أحسّ به، ثمّ انتقل الخدر واليباس إلى بقيّة أطرافه فصار قطعة ميّتةً في فمي تحتاج إلى قطرة ماءٍ واحدةٍ لتنتعش وتعود إلى الحياة من جديد!!
تركني صريع خيالاتي وهواجسي، وكرّر من جديد:
- اعتراف واحد، وماء بارد· شو رأيك؟!
طوّحتُ رأسي في الفراغ المُمكن عدّة مرّات فتراشق رذاذ العرق والدّم على وجهي، ونالَه نصيبٌ منه، فأحس أنّه رفضٌ من جهتي، مسح الرّذاذ عن وجهه، وتراجع إلى الخلف، ورمى الكأس على أحد الجدران فانكسرت وسال ماء الحياة منها على ذلك الجدار مهدورًا، وصاح في حنقٍ شديد:
- أنا بعرف كيف خَلّيك تِعْترف يا ابن القَحْـ···
صاح بالعساكر:
- هاتوا الخوازيق والعِصي··· والله لَتْموت اليوم بين إِيدَيّ···
تفرقع العساكر كأنّ نارًا لسعت جوانبهم، وغابوا من جوف الغرفة، وعادوا بعد قليل وفي أيديهم مجموعة من العصيّ والخوازيق، وضعوها على المكتب أمام المحقّق، ومنحني المحقّق فرصةً كاملة للتّعرّف على هذه الأدوات الجديدة من التّعذيب، قرّبها منّي وهو يعرضها عليّ واحِدةً واحِدةً··· وقال بلهجة التّحدّي:
- هلّقْ رح نبلّش···
صفحة 9
وضع عصا خشنةٍ طولها حوالي (60) سم، مُحيطها فيه نتوءات بارزة، كأنّها مشطٌ من حديد، وراح يلفّها على شعر رأسي الطّويل، وفي كلّ لفّة كانت العصا تُحكم تشبّثها بهذا الشّعر وتقترب من فروة الرّأس، والمحقّق يُتابع لفّها، حتّى إذا صار عدد اللّفات أكثر من عشرين لفّة، وصارت العصا نفسها ملاصقة لفروة الرّأس، أوقف جلاّدين عند طرفيها، وقال:
- تعترف ولا إِسْلَخْ فروة راسك··
-·····!!
أشار إلى العساكر بيده، أمسك كلّ عسكريّ بطرفٍ من أطراف العصا، وأحكم قبضة يده حولها، ثمّ شدّا بكامل قوّتهما معًا الطّرّفين بحركة مُفاجئة وسريعة، فانخلع الشّعر، وكادت فروة الرّأس تطير معه، أحسستُ بوهجٍ حارقٌ يلفّ أعلى رأسي، وشعرتُ بعينيّ ترتفعان إلى الأعلى وتضيقان وكأنّهما في طريقهما إلى الانفِجار، ابتعلت هواء الغرفة كاملاً في جوفي من الصّدمة، ولكنّه انحبس هناك ورفض أن يخرج، كاد أن يُغمَى عليه، وفي لحظةٍ انبجس الهواء من الدّاخل وخرجت معه صرخةٌ مضغوطة، صرّت كأنّها صرير ألف مُعذّبٍ· انخمد جسمي، شعرتُ به يتراخى، لاحظ المحقّق ذلك، فأشار إلى العساكر فبادروا بإلقاء دلوٍ من الماء البارد على وجهي حتّى لا أفقد الوعي··· تلقّيتُ الماء، ابتلعتُ بعضه فأعادني إلى الحياة من جديد، وابترد ببعضها الباقي الحريق الّذي شبّ في فروة رأسي، فتحتُ عينيّ على كامل اتّساعهما، وأخذت أشهق وأزفر بتتابع···
كان واضِحًا أنّ المحقّق يريد أن يذهب بي إلى أقصى درجات التّعذيب، وفي الوقت نفسه يريدني ألاّ أفقد الوعي، إذا فقدتُ الوعي فمعنى ذلك أنّني انتصرتُ ولم أعترف وارتحت من العذاب ولو إلى حين··· هو يريد المعلومة بأيّ ثمن إلاّ فقدان الوعي··· المعلومة الّتي تقوده إلى بقيّة أعضاء التّنظيم···!!
بدأتُ أتماثل للثّبات أكثر مِمّا مضى، وبدأ هو يفقد أعصابه، وبدأت أولى هزائمه؛ انقضّ عليّ كثورٍ هائج، كان يخور وهو يسبّ ويقذف بالشّتائم في كلّ اتّجاه، جثا خلفي، وركن كوعي إلى كتفه القاسية، وأمسك بأصابعي وأرجعها إلى الخلف بكلّ ما فيه من غيظٍ وحنق، فانكسرت الوُسطى مثل قَرْن فولٍ أخضر، سمعتُ طَقْطَقَتَها، قبل أن أصرخ بكلّ ما فيّ من طاقةٍ··· كان الألم فظيعًا، بدا أنّني لم أعتد الألم ولم أتصالح معه بعد كلّ هذه الحفلات المتتابعة، كان الألم كلّ مرّة سيّد اللّحظة، يأتي بكامل أبّهته ويأخذ نصيبه من روحي ومن خلاياي!!
جلس المحقّق إلى الكرسيّ مرّة أخرى، وبدا أنّ الوقت يعمل في غير صالحه، وأنّ سادَته يريدون منّي المعلومة بأسرع وقت، قبل أن ينفّذ الآخرون هجماتهم على الجيش والمواقع الأمنيّة، اقترب منّي وجرّب لهجةً جديدة:
- يا ابني··· ساعِدنا لَنْساعدك···
- حاضر (قلت بكلّ ثقةٍ وأسى)·
- طيّب··· مين معك غير محمود وهيثم···
- أقسم لك سيدي ما بعرف هَدُول الاتنين···!!
- طيّب··· أنا رح إحكي مجموعة أسماء··· بَسْ تْقلّي وين ممكن يكونوا مِتواجدين···
لم أحرّك ساكِنًا· ظللتُ أحاول أن أبتلع ألمي، وأتجرّع مراراتي، وأذهل قليلاً عن واقعي· فتح درج مكتبه، رمى بها إلى أحد الجلاّدين، وقال له:
- ابدأ بأظافر اليد اليمنى···
كانت يداي مُقيّدتين خلف ظهري، أمسك الجلاّد (بالكمّاشة) وشدّ بها على ظفر الإبهام، وصار ينزعه ببطء إلى الخارج، كان الوجع مَهولاً، قررتُ أن أسقط في وادي الغياب، كتمتُ نَفَسي إلى أقصى زمنٍ مُمكن، وشددتُ على أسناني بكلّ ما أوتيت من قوّة، وأطبقت فمي إطباقًا تامًّا··· وسقطتُ كما أردت···!!
صفحة 10
(4)
لا يُمكن أنْ يسجنوا الشّمسَ
استيقظتُ فجرًا، بدت السّماء من شقّ الباب كأنّها تتخلّى عن سوادها لأزرقها الفاتح، كانت ليلة أمس قد قدّمتني إلى الموت الّذي رفضني؛ هل يكون الموت متواطِئًا مع الجلاّدين؟!!
مَنْ يُنقذني من الجحيم الّذي أعيشه!! لِمَ كلّ هذا الّذي يفعلونه، يقولون إنّ كتائب الطّليعة تُخطّط لاغتيال الرّئيس· ما شأني أنا والرّئيس؟!! تكفيني لقمةٌ هانئة في مساءات العمل، وزوجة أسكن إليها، وأولادٌ يقفزون من حولي··· لو كنتُ أدرك أنّ الدّروس الّتي تتلمذتُ فيها على يدي الشّيخ (منير) في المسجد ستفعل كلّ هذا بي لاخترتُ أهونَ الشّرَّين··· قنابل؟! وأسلحة ورشّاشات؟! وفي بيتي أنا؟! هل جُنّ الإخوان ليورّطوني في شيءٍ كهذا؟! أم جُنّ المُحقّق ليتّهمني بتهمةٍ كبيرةٍ وخطيرةٍ كهذه؟!! ثمّ ما هذا الرّتل من الأسماء الّتي يعرضها عليّ؟! صحيح أنّ بعضها أعرفه، ولكنّ أكثرها سمعتُ أنّها قُتِلت، أو اختفت عن الوجود· وحده محمود الفحّام كان طبيبًا مثلي في المستشفى الّذي عملنا فيه معًا لمدّة عام، وكنتُ أعرف أنّه من الإخوان المسلمين، وأنّ له أتباعًا ينشطون مثله، ولكنّه منذ عامين ترك المستشفى، ولم يعد له أثر، اختفى كما لو كان طيفًا في سماء، وذاب في الغياب كما لو كان ملحًا في ماء، كلّ الدّائرة المغلقة حوله لا تعرف أين هو؟! لا بدّ أنّهم اعتقلوه ويُحاولون ابتزازي لأعترف عليه!! إذا كان معتقلاً لديهم فليدلّهم هو على بقيّة أعضاء التّنظيم· أنا أريد أن أعود إلى أهلي وزوجتي، أريد أن أعيش مواطنًا عاديًّا أقتات من عملي في مهنةٍ شريفة، هذه المهنة الّتي بذل لها والدي الفقير كلّ ما يملك حتّى يُقال: إنّ ابنه صار (حكيمًا)!!
قمتُ إلى (كوز) الماء، توضّأت بنصفه، وأبقيت على نصفه الآخر لوقت الشّدّة، نحن الآن في الثلث الثّاني من تمّوز عام 1980، ولا بدّ أن أُبقي في هذه الحرارة المرتفعة، وهذه الزّنزانة القبر، الضّاغطة عليّ من كلّ جهة، لا بد أن أُبقي على ما يُبقي على الرّوح داخل أسوار الجسد· صلّيتُ الفجر، وقرأتُ بـ (يس) في الرّكعتين، وقرّرت أن تكون (يس) رفيقتي حتّى أخرج من هذه المحنة الصّعبة!! فقرأتها بعد الصّلاة ثلاث مرّات·
شقّ العسكريّ باب الزّنزانة، وصرّ قفلها من الخارج، تدفّق شلاّل الضّياء عبر الجزء المفتوح من الباب، مُعلنًا ولادة يومٍ جديد؛ كلّ موتٍ سابقٍ في ليلٍ دامس لا بُدّ له من حياةٍ آتية في صُبحٍ مُشرِق، بهذا خاطبتُ نفسي وأنا أنتشي للنّور القادم من السّماء، حمدتُ الله أنّ البشر لا يُمكن أن يسجنوا الشّمس؛ لو كانوا يستطيعون فكم من النّاس سيكون قدرهم أن يعيشوا في الظّلام والموت، الشّمس هبة الله ولا سلطان لأحدٍ عليها إلاّ هو· وضع العسكريّ - وهو يشتم ويلعن - صحنًا فيه ربع رغيف خبز يابس، وثلاث حبّات زيتون سوداء، قبّلتُ كِسرة الخبز شاكِرًا أنعُمَ الله، والتهمتُ ما وفد إليّ في أقلّ من دقيقة· نمتُ طويلاً ليلة أمس مِمّا مكّن جسمي أن يرتاح من العناء قليلاً·
أدرتُ بصري في الزّنزانة، لم يكن لها من نافذةٍ في الأعلى؛ كانت مُصمتة، وحدها شقوق الباب من كافّة جوانبه مكّنت أشعّة الشّمس من التّسلّل، بابها يُفتَح للدّاخل وليس للخارج، صُمِّمت كذلك حتّى يكون الضّيق على نزيلها أكثر، وإذا فتحه العسكريّ بقوّة كعادته، وكان السّجين نائمًا ولم ينتبه فإنّ حافّته ستُطبِق على بطن السّجين مُسبّبةً له ألمًا في المعدة قاسيًا، عدا أنّ العسكريّ يصحبه إذا فتح الباب أمران: سيلٌ من الشتائم المُخجلة، وعدد من الرّكلات والصّفعات الشّديدة!!
لم يكن من فارقٍ كبيرٍ بين أكلي، وبين فتح باب الزّنزانة من جديد، ليقتادني اثنان مُكلبشَ اليدين خلف الظّهر إلى غرفةٍ جديدة· لم يكن المحقّق القديم، كان آخر جديدًا، طُوالاً، ضخم الجثّة، قاسي النّظرات، رخيم الصّوت أجشّه، وكانت راحة كفّه تساوي ثلاثة أضعاف راحة كفّي، حجمًا وسماكةً· استقبلني بنظرةٍ فاحصة، وأشار بيده للعساكر فرموني في منتصف الغرفة، الغرفة أوسع من سابقتها، ولم أكن فيها وحدي، كان هناك رجل يرتمي في إحدى الزّوايا· انهال عليه خمسة عساكر يضربونه أمامي بأرجلهم وهِراواتهم وكيبلاتهم وبساطيرهم، وهو يتلوّى ويصرخ تحت التّعذيب، كان المحقّق يريد أن يُريني مشهد العذاب أمامي لعلّي أرتعب، وأعترف بكلّ شيء· توقّف الجلاّدون فجأة، وتوجّه المحقّق نحو الضّحيّة وشدّه من رأسه، وأمر زبانيته أنّ يُنهضوه، ويُلِجئوه إلى الجدار، أمسك المُحقّق بيده الغليظة رأس الضّحيّة من عند جبهته وراح بكلّ ما يملك من قوّة يخبط رأسه في الجدار، والضّحيّة تصيح، وتنهمر الدّماء لتغطّي الوجه، وتحتقن عند المحجرين، وفي لحظةٍ فارقة يبدو أنّ المُعذَّب قرّر فيها أن يُنهي حياته، رأيتُهُ يفتح فمه بأقصى ما يستطيع لنشاهد ما يفعل جميًعا، ثمّ يحرّك لسانه بطريقة خاصّة إلى طرف أسنانه حركتين اثنتين وفي الثّالثة سقطت السّنّ الجانبيّة في فمه، ابتلعها على الفور، وتأكّد أنّها صارت في معدته من خلال سحب ريقه إلى الدّاخل، وفي أقل من دقيقة كانت الضّحيّة تُزبِد، وتقع على الأرض، وفي لمح البصر كان قد فارق الحياة· هزّه المُحقّق فلم يحرّك ساكِنًا، صاح على أحد الزّبانية أن يُنادي طبيب المُعتقل، هُرع الطّبيب، جسّ عِرقه، ثمّ فتح فمه، وتناول جزءًا من لعابه، وهتف بالمحقّق: