eKtab
EN ع
زحل
اقرأ عينة مجانية

زحل

بقلم أنس سعد

صفحة 1
مدخل

"لأننا في زمن لا يحتمل الجد.. يصبح الهزل هو اللغة المقبولة.. وتصبح الهلوسة أقرب شيء إلى الواقع!"

مُرّة بن حنظلان

البداية

كان "مرة بن حنظلان" علامة استفهام كبرى لجيلي، كان الناس حين يذكرون اسمه تنخفض أصواتهم، وكأن ذكر اسمه تهمة يخافون عقوبتها! الصدفة وحدها قادتني للقائه، والفضول دفعني للحديث معه، وعندها فقط علمت لماذا يخاف الناس ذكر اسمه ؟ لأنه مختلف.. ولأنهم يخافون التغيير..

التوقيع: هـ. ز التاريخ: زمن الإحباط

قبل البداية

كان مرة بن حنظلان، أو ابن حنظلان كما يسميه البعض، من مواليد مدينة فوضى آباد ببلاد نومستان، باحثاً في علم الجمال. كان مولعاً منذ نعومة أظفاره بالجمال، فقد وقع في الحب - وعمره لم يتجاوز السنتين - كان ذلك مع ممرضة تتولى تطعيمه، حبه للجمال دفعه للبحث عن سبب ومدى تأثيره في النفوس، بعد إجراء عدد كبير من الأبحاث، بدأ بإصدار مؤلفات كثيرة في هذا المجال، ففي كتابه " سر الفتنة في جمال النسوة " تحدث عن الجمال وبحوره، وفصلها ورتبها ومن بين ما ذكر "بحر العيون والشفاه والشعر والبياض والسمرة". كما ذكر في كتابه "النهاية في جمال الصبايا" أن البحور قد تمتزج بعضها ببعض وتكون ما أسماه المؤلف بالمحيط، واستطرد قائلاً: "شرط الجمال توافر حد أدنى من جميع البحور الرئيسة، كما أن توافر بحر من تلك البحور لدى المرأة لا يعني أنها جميلة".

وبعد نشر هذا الكتاب، ثار النقاد وانزعج الحداثيون، وعندها أصدر ابن حنظلان كتابه " من الألف إلى الياء في جمال النساء "، وقد أورد في مقدمته هذا الكلام: " ولم يخل الجمال من الفئة التي تدعو إلى الحداثة وترك الأوزان والبحور، وتلك الفئة تزعم أن كل امرأة جميلة، وهم هنا أصابوا وأخطأوا، أصابوا إن قالوا إن فيها جزءاً جميلاً ولكنها ليست جميلة، فلفظ الجمال مطلق وشامل، والشمول غير التخصيص كما أن الجزء ليس كالكل.."

وإضافة إلى تلك المؤلفات كان له اختراعات، منها اختراعه آلة تقوم باستبدال روح بروح أخرى، وقد أسماها الإحلالية نسبة إلى الإحلال، ولقد اعتقدت بعض الطوائف الدينية أن لها علاقة بالتناسخ، لكنها كانت بعيدة عن ذلك. وقد كان ابن حنظلان مقداماً وجريئاً، فقد استخدم آلته لتبديل رئيس ووزراء دولة نومستان برئيس ووزراء دولة عجمستان، وعندها فقط نجحت نومستان وتفوقت بينما تقهقرت الأوضاع في عجمستان، وبدأت في الانحطاط، والمشكلة التي كانت تواجه مرة بن حنظلان في جهازه أن فترة الإحلال لا تدوم طويلاً، فبعد مضي فترة معينة يعود كل شيء إلى سابق عهده، وبعد تجربته المثيرة علم مكتب التلصص أن ابن حنظلان يقف وراءها، فسيق إلى السجن؛ كما أن بعض الوزراء اتهموه بالتحرش الجنسي!

في السجن تعرف ابن حنظلان على العلامة عارف، كانت الفترة طويلة وكفيلة ببناء علاقة قوية ومتميزة بينهما، كما أن كلا منهما سمع عن الآخر قبل دخوله السجن.

كان منهج العلامة عارف الوسطية، فهو يؤمن بأن خير الأمور أوسطها، كما كان خطيباً مؤثراً وقائداً ملهماً. كل هذا كون له شعبية كبيرة مما سبب قلقاً لدى السلطات في نومستان. فاعتقل أكثر من مرة بتهم مختلفة وأسباب ظاهرة متنوعة لكن السبب الحقيقي واحد، وهو أنه العلامة عارف! الخطيب المفوه! صاحب القول المؤثر الصادق، فهو بالنسبة إلى السلطة أخطر من الأسلحة الجرثومية. كان دخوله للسجن من دون محاكمة أو قضاء، كما كانت ملابسات خروجه من السجن أيضاً غير واضحة. على عكس منه كان ابن حنظلان، الذي كان دخوله السجن بتهمة واضحة هي تهمة التحرش الجنسي ببعض الوزراء.

على الصعيد العاطفي، كانت عارضة الأزياء "مايا زغتوري" هي حب ابن حنظلان الأخير والكبير، كتب عنها يوماً فقال: "تلك المرأة تجعلك تعيش في حيرة، فلا تدري ما الأجمل.. أهي الابتسامة أم القوام أم العينان أم الثغر أم الأنف... أم... أم...، سؤال لا جواب قاطعاً له، فعلاً لا تدري ما هو الأجمل فيها، ولسان حالك يقول في كل مرة تنظر إليها: ألا يكفي ما رأيت؟! ألا يكفي؟! ومن المسلم به أن الفتنة أشد من القتل، وأعتقد أن فتنة تلك المرأة على الوزن نفسه أو أكثر، أفلا تستحق العقوبة على ذلك؟!".

هذا بعض من سيرة الرجل التي يتناقلها الناس، الصدفة جمعتني به، الفضول وحب المعرفة دفعاني إلى الحديث معه و محاورته، بقدر اختلاف المواقف والآراء حوله، كان هناك اتفاق على اختلافه وتميزه عن غيره.

وبعد وقوفي على قصة ابن حنظلان علمت أن حياتنا هي مجرد نسخ مكررة، نسخ مكررة مملة من قصة المجتمع!

دفعتني قصة هذا الرجل..إلى النظر في حالي ورفض النمطية، وعندها قررت التغيير.. والخروج على النص!
صفحة 2
1

"كنت جالساً في أحد مقاهي نيس، بين المطربة نادين وعارضة الأزياء نيكول، جاءت فاتورة الغداء، أصرت كل منهما على دفعها، نظرت كل منهما إلي بانتظار إشارة مني، قالت نادين:

- هيثم.. من منا تريد أن يدفع الحساب؟

ابتسمت ثم قلت:

- لا يهم.. أنا ذاهب الآن..

فوجئتا، ثم قالتا في وقت واحد:

- أين ستذهب؟

واصلت نيكول حديثها قائلة:

- الوقت مازال مبكراً..

أخذت نادين تنظر إلي ثم ابتسمت وقالت:

- هيثم.. كم أنت جذاب.. "

صحوت من حلمي على صوت أحدهم وهو يدق باب شقتي بقوة، قمت من الفراش فزعاً، فالوقت كان متأخراً، قلت من خلف الباب:

- من؟

- افتح..

- من أنت؟

- معك الحكومة.. افتح الآن وإلا كسرنا الباب؟

قمت بفتح الباب، وإذا بمجموعة من العسكر تقتحم منزلي، وتفتش كل الغرف، سألني أحدهم:

- لماذا تحتفظ بصورة الرئيس السابق معلقة على الجدار؟

- صورة الرئيس الحالي موجودة في مدخل الشقة..

- أعلم ذلك..لكن لماذا تحتفظ بصورة الرئيس السابق؟

- آسف.. لكني لم أكن أعلم بأ..

قاطع حديثي أحد العسكر:

- لم أجد شيئاً.. أعتقد أن المنزل خالٍ..

ثم التفت إلي وقال:

- يجب أن تأتي معنا..

واقتادوني..

حين وصلت سيارة الأمن إلى مركز التلصص، كان الجو مضطرباً والضباط متوترين. قادني أحد العسكر إلى مكتب الضابط المسؤول، ولما دخلت، قال العسكري:

- سيدي.. هذا هو الصحفي هيثم..

رفع الضابط عينيه ونظر إلي قائلاً:

- أوه.. هيثم..

قلت بقلق:

- سيدي.. أنا مواطن مسالم.. لم أسئ إلى أحد طوال حياتي، أحب الحكومة ومعجب بكل ما تقوم به.. بدليل المقال الذي نشر لي اليوم في جريدة الرياء والذي مدحت من خلاله وزير التهجير..

قال الضابط:
صفحة 3
- أعلم ذلك.. لكن هل تعلم أنك في مقالك قد أوردت جملة تسيء إلى الوزير؟

- تسيء إلى الوزير!

- نعم، حين قلت: " الوزير - حفظها الله - "..

- لم أقصد ذلك.. هذا خطأ مطبعي..

- خطأ.. لقد قلتها بنفسك.. إذن فأنت تقر الآن..

التفت الضابط إلى العسكري الذي كان يكتب ما يدور بيننا، وقال:

- لقد اعترف المتهم بما نسب إليه..

قلت بتوتر:

- لم أقصد ذلك قطّ..

قال الضابط:

- اسمع يا هيثم.. موضوعك أكبر من هذا..

- موضوعي أكبر!

- نعم.. إدارة الأحلام عندنا..

- إدارة الأحلام؟!

- نعم.. هي إدارة سرية ترصد الأحلام.. ألا تؤمن بتفسير الأحلام؟

- بلى..

- نحن قمنا بتوظيف هذا العلم في خدمة أمن الوطن والمواطن.. فإدارة الأحلام تقوم برصد واستقبال أحلام المواطنين ومن ثم تفسرها..

- وما علاقة ذلك بي أنا؟

- سأكون صريحاً معك.. لقد تبين لنا أنك ستقوم في المستقبل القريب بنشر كتاب أو مقال سيثير الكثير من المشاكل..

- من قال لك ذلك؟ من المصدر؟

- كما قلت لك لقد تم تفسير أحد الأحلام.. واتضح أنك ستقوم بهذه العملية. لجنة التفسير كانت غير دقيقة بشأن التوقيت لكنها أكدت أنه في المستقبل القريب..الملف أمامي الآن..

- سيدي.. كنت دائماً مواطناً مثالياً.. بعيداً كل البعد عن المشاكل..

- أعلم ذلك..

- جميل.. أين المشكلة إذن؟

- المشكلة أن الحلم يؤكد تورطك كما أخبرتك..

- في المستقبل القريب!

- في المستقبل القريب..

التفت الضابط إلى العسكري وقال:

- خذوه للحجز..

وضع العسكري يده على كتفي وقادني، كانت غرف الحجز ملأى بالوجوه الشاحبة، فتح العسكري باب إحدى الغرف ودفعني إلى داخلها، رفعت رأسي وإذا بي أرى وجه الجالس في الغرفة التي أمامي، كان وجهاً مختلفاً، إنه مرة بن حنظلان، لم أصدق ما رأيت، كنت قد اطلعت على صور قديمة له مما سهل علي معرفته، بادرته بالحديث قائلاً بصوت منخفض:

- ألست مرة بن حنظلان؟

- بلى.. أنا هو!

- صدفة.. عظيمة..

- صدفة! صدفة! لا وجود للصدف هنا في نومستان..
صفحة 4
- اسمي هيثم، وأنا صحفي..

- السلطة الرابعة هنا أيضاً، كأننا بحاجة إلى مزيد من السلطات والاستبداد!

- لماذا أنت هنا؟

- أنا هنا.. لأنهم يريدونني أن أكون هنا..

- لماذا؟

- أنت الصحفي هنا.. لم لا تبحث الموضوع وتصل إلى الإجابة..؟

- بحث مثل هذه المواضيع صعب.. ربما تكون حياتي ثمناً!

- في أي جريدة تكتب؟..

- جريدة الرياء..

- لماذا تكتب؟

صمت قليلاً، لم أجد إجابة عن هذا السؤال، لم يسبق لأحد أن طرحه علي.. فما كان مني إلا أن قلت:

- لا أدري..

- لابد من سبب.. للشهرة، للوصول.. للمال..

- ولم لا يكون من أجل الحقيقة.. ومحاربة الفساد..؟

- لا تنس أنك تكتب في جريدة الرياء..

- ماذا تقصد؟

- قصدي واضح!

استفزني ابن حنظلان، فقلت بغضب:

- لو لم أكن أكتب للحقيقة ما كنت هنا..

- هل أنت هنا من أجل مقال كتبته؟..

- ليس تماماً..

- كيف؟

- أنا هنا من أجل مقال سأكتبه..

ابتسم ابن حنظلان ثم قال:

- أوووه.. إدارة الأحلام..

- نعم بسبب حلم.. هل كنت تعلم عنها؟

- نصف الناس هنا بسبب الأحلام.. هيثم.. لم تجبني بعد، لماذا تكتب؟

-.. ربما للشهرة، ربما لأني لم أجد عملاً آخر يناسبني.. لكن لماذا أنت هنا؟

لم يجب ابن حنظلان، فواصلت حديثي:

- لماذا كنت دائماً مثيراً.. هل كنت تريد الشهرة؟ المال؟

- لو كنت أريد المال والشهرة... لسلكت طرقاً أسهل وأقصر.. كطريق العلامة عارف.

- دائماً يتحدث الناس عنك بصوت منخفض.. وكأنهم يخشون شيئاً.. أخبرني.. ما هي حقيقة الأقاويل التي نسمعها عنك؟

-.. أخبرني أنت.. ما هي حقيقتها؟