صفحة 1
( 1 )
هادية جمـيلة جدا، وقد تخرجت في الجامعة بتقدير امتياز، فقال أحد المتمردين على جمالها: ( أن الدرجات التي حصلت عليها هادية، لم تكن حصيلة أدائها في الامتحان، وإنما هي درجات جمالها من وجهة نظر كل أستاذ قام بتدريسها، أو بالأصح قام بمشاهدتها، فجمعت هذه الدرجات، ولا بد أن تكون امتياز)، وكانت مقولة هذا المتمرد، تجد قبولاً وتندُّرًا منقطع النظير وسط الذين يؤمنون بجمالها ثم يشعرون بالغبن تجاه الدرجات التي منحت لهم.
لم يمض على تخرج هادية وقت كبير، فسريعًا ما التحقت بشركه مقاولات شهيرة، عينت فيها سكرتيرة، ثم رئيسة قسم، ثم مديرة، ليست مديرة إدارية فحسب، بل هي مديرة لكل أجواء الشركة وألوانها، وأنوارها، وفي ذات يوم أظهرت تضايقًا من أنوار الشركة الساطعة، فاستبدلوها حالاً بأخرى حتى صارت المكاتب حالمة تهمس الأنوار فيها همسًا، وبالطبع هو أمر كان يرهق الكثيرين من العاملين معها أو إلى جوارها، غير أنه لا يوجد من يعترض؛ فالكل يبحث عن ابتسامة رضاها الغالية، التي إن أظهرتها لأحد ثم نادته باسمه صار يتخبط في الطريق إليها.
صفحة 2
( 2 )
واليوم هم يتهامسون.. يقولون إنهم لم يسبق لهم أن رأوا جمالاً فاتنًا، وفضاءً معطرًا ودافئًا كالذي حولها اليوم، إلا حساماً فهو دون موظفي الشركة لم يقل شيئًا، بل ظل فيما بينه وبين نفسه يشعر بشيء ما .. شيءٍ لا هو بالضيق، ولا هو بالقلق ثم يلوذ بالصمت .. ما يشعر به حسام هو ذات الشيء الذي يحسه الرجل عادة عندما تتبعثر عواطفه أمام هيبة الجمال الأنثوي إذا ما لامس الروح أو تسرب إلى مساماتها .. لقد تبرع نوبل بجائزة للسلام، ولكنه نسي أن يتبرع بشيء لمثل هذه اللحظات ..
هل تسربت هادية إلى وجدان حسام وروحه رويدًا رويدًا، وبقيت فيه أملاً يسقي نبتًا، ذلك النبت الغريب الذي يكمن في قلب الرجل كأنه سر من حياة ينعشه رحيق النظرة الأولى، والانتباهة الدائمة، والعطر المعبق بالذكريات..
ربما..
فقد مرت شهور طويلة والشركة مازالت تعج بالحديث عن هادية وجمالها، وتأثيرها، وسطوتها، وحسام في صمته يتأكد له في كل مرة أنه لا يستطيع، وأنه مثل نهر صغير يحاول أن ينساب في اتجاه المرتفعات، فانفرد اليوم في منزله يفكر ثم يختلسه الوقت حتى أشارت ساعة الحائط إلى التاسعة مساءً .. موعد النشرة الإخبارية المسائية في قناة العادة الفضائية .. فنهض مثقلاً ليشاهدها بنصف ذهن ثم ومع نهاية النشرة سمع طرقًا خفيفًا على الباب، ثم أعقب الطرقَ رنين للجرس..
صفحة 3
( 3 )
أحمد مريود بالباب، وأحمد مريود هو الصديق الحميم والأقرب لحسام عبر مراحل التعليم كلها، حتى الجامعية ؛ حيث درس حسام الهندسة، ودرس أحمد القانون، ثم تخرجا بفارق سنة، واجتمعا هنا في هذا المنزل الصغير في هذه المدينة الكبيرة.
ما بين أحمد مريود، وحسام أبو نمر، جسر من تفاهم وصلة من ود كبير، فهما يأنسان ببعضهما وإن لم يتكلما، وإن تكلما كان في حديثهـما شيء من المزاح، وكثير من الفكر والقلق..
فتح حسام الباب لأحمد ولم يكن يتوقعه ؛ فدخل أحمد ووضع حقيبته على الطاولة، وحل رابطة عنقه وتحدث إلى حسام:
- لقد ضاعت نسخة المفتاح خاصتي وسط يوم متعب، هل تشعر بالتعب مثلي يا حسام؟
- نعم يا أحمد، خاصة اليوم.
- تبدو لي الحياة كما لو أنها رحلة مرهقة، لا ينتهي فيها تعب إلا ليبدأ آخر، تعب في الجسم، وتعب في الفكر، فماذا نفعل يا عزيزي، هل نعود صغارًا وعلى صدور أمهاتنا نرتاح ..
- يا سيدي، إن متاعب الحياة متآمرة علينا، فهي إمّا تصيرنا أطفالاً هاربين، أو فلاسفة متعبين ؛ فمنذ قليل كنت أفكر متعبا كما ولو أني أحد تلامذة أرسطو!
- قل لي ما الجديد في أخبار اليوم؟ لقد تأخرت عنها كما تعلم...
- طبعًا لا جديد فيها يا أحمد غير الحروب، والكوارث، والنزاعات.. ولا أدرى ما الذي يحتاجه الناس حتى يتركوا هذه الحروب والخلافات؟
صفحة 4
- أعتقد أن الناس تحتاج للكثير من الحب، والقليل من الخبز، فالخبز ينشئ بينهم الخصام، والحب يجعلهم يتقاسمون الخبز وينسون الخصام..
- هل هي فلسفة أحمدية لمواجهة الحياة..
- دعني أسألك أولاً، أيها المفكر العقلاني العظيم، عن الذي جعلك تلميذًا لأرسطو؟
- اطمئن يا جميل، فالسبب لا علاقة له بالخبز.
- عظيم، هذا يعني أنك تلميذي أنا لا أرسطو..
- لا تتفاءل كثيرًا يا صديقي أحمد! فأنا تلميذ نجيب لنفسي فقط.
- ها ها .. بما أنك لا تريدني أن أتفاءل يا حسام، كما لا تريد أن تعترف بأنك تلميذي، فسأتركك وحدك وأذهب لأنام .. مع السلامة..
وبالفعل دخل أحمد غرفته، وتبسم حسام، ثم أغلق التلفاز وصار المنزل ساكنًا لا صوت فيه، إلا صوت أسئلة عنيدة عادت لتدور من جديد في ذهن حسام، فظل يحاور نفسه ويفكر متعبا حتى غلب عليه النعاس فنام في مخدعه، غير أنه وهو في منامه كان يفكر، أو كانت أحلامه تفكر معه، فقد رأى هادية في المنام، لقد كانت بنفس ملامح وجهها الجميل، رآها تهديه صندوقًا جميلاً، ممتلئًا بأشياء ملونة وجميلة غير أنه لم يستطع التعرف عليها، فضحك في حلمه ؛ حتى إنه استيقظ من نومه في منتصف الليل وهو يضحك وقلبه يمتلئ فرحًا غامضا، ثم عاد للنوم من جديد..
صفحة 5
( 4 )
شركة بي. س العالمية للمقاولات، تعتبر من أكبر شركات المقاولات في المدينة، والمترددون عليها كثر، خاصة مقاولو الباطن، وقد جاء أحدهم اليوم لإبرام صفقة ولكنه خرج من الشركة وهو يقول لصديقه الذي معه إن أكبر صفقة لي، هي أن يرجع عمري إلى الوراء قليلاً؛ فأتزوج هذه الفتاة التي اسمها هادية، ألم تر جمالها، وصفاء لونها كأنها صفحة قمر.. يا إلهي إنها صفقة السعادة بعينها.. فرد عليه صديقه كمن يلكمه بالكلمات متسائلا، وكيف تأكد لك أنها السعادة بعينها، هل لأنها جميلة، هل هذا يكفي.. ثم إنك متزوج منذ أكثر من عشرين عامًا، وتعمل مقاولاً ناجحًا، فما الذي ينقصك حتى تتطلع إلى هذه الأمنية السطحية، فالسعادة يا أخي أن تكون مسئولا، ومنتجًا، وأن تكون لك أيادٍ بيضاء، وأولاد أصحاء يملئون عليك الحياة، وزوجة وفية تبث فيك الرضاء، فنظر المقاول مندهشًا إلى صديقه الذي يتحدث بجدية تامة، فتركه حتى يكمل حديثه، ثم همهم في تعجب: يا إلهي، لم أكن أعرف أنك تحمل كل هذه الأفكار الرقيقة، كنت أظنك قد تأثرت بالسوق، والسيخ، والإسمنت، ولكن ما شاء الله عليك لا تزال رطبًا نديًّا!! ثم صمت المقاول فترة عاد بعدها ليسحب حديثه الأول: اسمع يا صديقي! تأكد أن هذه الأمنية التي وصفتها أنت بالسطحية قد شطبتها من (دماغي) نهائيًّا، وأرجو ألا يعلم بها أحد غيرك مفهوم، ثم تبسم المقاول تبسمًّا فهمه صديقه الذي رد عليه في صداقة وشغب: مفهوم، غير أني لم أكن أعرف أنك جبان إلى هذا الحد..!
صفحة 6
( 5 )
لم تكن هادية قد وصلت بعد عندما تسلل حسام نحو مكتبها ثم وقف عند مدخله متأملا.. المكتب كبيرٌ، وفخمٌ، ومكون من جزأين، جزء للاجتماعات، وآخر تقبع في وسطه طاولة مكتب إيطالي فخم، فتقدم حسام مقتربا من الطاولة المترفة بالأناقة الإيطالية فكانت خالية إلا من بعض المجلات، وجهاز كمبيوتر فخم بجانبه مزهرية وسماعة أنيقة ترقد كقطة مدللة.
كل ما حول حسام في المكتب هو عطرٌ من هادية أو لمحة من شخصيتها ؛ أو قوة من تأثيرها تجعله ينساق غير مدركٍ لمكانه ليجلس خلف طاولة المكتب ثم ينصب ساعديه جامعا أصابع يديه وهي مقبوضة أسفل ذقنه ليتكئ عليهما ساهما بعيدًا تستغرقه اللحظات ... كان قلبه يحلق كطائر صغير يجوب في سماوات لم يعرفها من قبل .. ولم ينتبه إلا على وقع أقدام شخص قادم نحو المكتب، فحاول أن يسترد نفسه ليتبينه غير أنّه وقبل أن يفعل وجد هادية بالقرب منه تلقي عليه السلام، ثم تستأذنه لتجلس على طاولة مكتبها ..
كان موقفاً مربكًا جدًّا لحسام ..
قرأت هادية حالة حسام ثم ألقت عليه نظرة دلال حاول في مقابلها أن يقول شيئًا، لكنه لم يجد سوى ابتسامة ضائعة، وكلمات مترنحة رد بها على تحيتها، ثم انسحب لها من على كرسيها فجلست في مكانه بهدوء الماء المنساب على أرض ملساء، ولم تنس وهي تنساب نحو كرسيها أن تزيح خصيلات شعرها من على جبينها بأرجحة من رأسها كأنها مُهرة برية وصلت إلى مطافها بعد سباق طويل..