صفحة 1
-1-
الأيام التي سبقت الثورة
أواخر صيف العام 1935، وقف شابان قرب رصيف ميناء حيفا، الأول شاب يرتدي ملابس بسيطة مثل العديد من القرويين العاملين في الميناء أو في مصفاة البترول، حاسر الرأس، في حوالي العشرين من عمره، متوسط القامة قوي البنية، ما كان مظهره العام ليثير انتباه أحد· إلا أن من يمعن النظر فيه، يرى سمات التمرد والاعتداد بالنفس· والثاني رجل تجاوز الثلاثين، أطول قامة ويبدو من ملابسه أنه ميسور الحال· وقفا يراقبان سيلا من الوجوه الغريبة يتدفق نازلا من الباخرة الراسية يحيط بهم عن بعد عدد من الجنود البريطانيين· علق الأكبر سنا دون أن يوجه حديثه إلى الشاب الواقف إلى جواره
- الدار دار أبونا وأجو الغُرب يطحونا·
- أتمنى لو أن بيدي مدفعا لأنسف هؤلاء جميعا· قال الأصغر بلهجة كشفت أنه قروي رغم محاولته إخفاء ذلك، وهو يشير إلى جموع المهاجرين اليهود النازلين من السفينة·
- هؤلاء لا أهمية لهم· قال الأول موجها حديثه إلى الشاب الواقف إلى جواره هذه المرة· السفلة الحقيقيون هم هؤلاء، وأومأ برأسه إلى الجنود البريطانيين·
ثم التفت فجأة إلى الشاب قائلا:
- أنت تعمل في الريفايناري (مصفاة البترول) أليس كذلك؟ رأيتك اليوم عندما تشاجرت مع مسؤول العمال اليهودي· وقبل أن يسمع رده عاجله بسؤال آخر، ايش اسم الأخ؟ ثم اضاف معرفا على نفسه، محسوبك مصطفى·
- أنا مسعود· أنا أعرفك فأنت موظف في إدارة الريفايناري·
- من أي بلد، بلا زغره؟
- أنا من قضاء نابلس·
لم يجد مسعود بأسا من تبادل حديث عابر مع هذا الشاب، فهو يعرفه من بعيد، بوصفه موظفا في المصفاة وليس عاملا، وواحدا من الشبان الوطنيين الناشطين ضد الانتداب البريطاني والهجرة اليهودية إلى فلسطين، ومن المحرضين على التظاهرات والاحتجاجات، وقد اعتاد رؤيته في مكان عمله، كان محط احترام وتقدير الكثيرين، يكاد لا يتوقف عن توعية الزملاء في العمل بالخطر المقبل، والحديث عن تهريب اليهود للسلاح بتواطؤ مكشوف من الإنجليز لتحقيق وعد بلفور بإقامة الوطن القومي اليهودي· توقف الحديث عند هذا الحد واستدار الشاب الأصغر سنا متوجها إلى مقهى ساحلي اعتاد الذهاب إليه بعد انتهاء عمله لتناول كوب من الشاي، والاستمتاع بهواء البحر العليل والموسيقى الرتيبة التي تعزفها الأمواج· في حين مضى الشاب الآخر مبتعدا في طريق آخر·
أحب مسعود ذلك المقهى رغم مضايقة بعض البحارة وصيادي الأسماك له· وقد اعتاد الجلوس منفردا بعيدا عنهم وتجاهل تعليقات مجموعة منهم تسخر منه بوصفه فلاحاً بسيطاً· وكانت تعليقاتهم تكثر وتزداد حدة عند تواجد عصبة كبيرة منهم، خمسة أو ستة أشخاص، أو جلوسه قريبا منهم، وتقل أو تنعدم حين لا يكون هناك سوى اثنين· ولم تكن تنبيهات صاحب المقهى تفلح في إسكاتهم وتركه وشأنه، وينتهي الأمر في معظم الأحيان بجلوس مسعود بعيدا أو خروج مثيري الشجار من المقهى·
كان يوما مثل باقي الأيام حين دخل مسعود المقهى ليجد ثلاثة ممن اعتادوا السخرية منه يجلسون مع وجهين جديدين إلى إحدى الطاولات يتحدثون ويقهقهون· ما أن ظهر عند المدخل حتى غمز أحدهم بعينه لواحد من الاثنين الجدد وقال مخاطبا الآخرين بصوت تعمد أن يصل إلى الشاب،
صفحة 2
- انتبهوا يا شباب، الفلاح وصل·
- لا حاجة لأن تنبهنا فقد شممنا راحة أغنام داخلة· قال أحد الرجلين بصوت مرتفع·
- ألن يذوق البعض ويبتعدوا عن هذا المكان، لأنه ليس للفلاحين· قال ثالث·
- أنت، هناك، هذا الكلام كله لك· تدخل رابع موجها حديثه إلى مسعود مباشرة بينما الآخرون يتضاحكون·
- هل تتحدث معي؟ سأل مسعود بتحد ظاهر·
- طبعا أتحدث معك، وهل هناك فلاح منتن غيرك في هذا المكان؟ رد الرجل متضاحكا·
- ما رأيك أن نذهب خارجا لنتفاهم لأني أشم رائحة سمك منتن· قال مسعود وهو يغمز بعينه مشيرا إلى الخارج·
هب الصياد واقفا مندفعا صوب مسعود يريد ضربه، لكن الأخير عاجله بنطحة من رأسه جعلته يفقد توازنه متراجعا إلى الخلف والدم يتدفق من أنفه· هجم الآخرون على مسعود الذي راح يضرب بيديه ورجليه ورأسه كل من يقترب منه· حين تكاثروا عليه، أفلت من وسطهم وسحب من جيبه موس كبّاس، فتحه وراح يهاجم الخمسة متوعدا بشق بطن كل من يمسك به منهم· التفوا حوله أمسك أحدهم بيده محاولا تخليص الموس منه· لم يستطع لكنه تمكن من طي الموس على يده فجرحها وبدأ الدم ينزف منها· لم يتوقف مسعود عن الضرب بيديه ورجليه ورأسه، رغم الجرح· ثم عاد وفتح الموس بأسنانه وهمّ بالانقضاض مجددا عليهم· لكن حال بينه وبينهم عدد من المتواجدين في المقهى الذين أمسكوا طرفي الشجار، وراح بعضهم يوبخ البحارة والصيادين الذين استقووا على شاب واجههم منفردا، وتمكنوا في النهاية من فضّه·
غسل مسعود وجهه، وأعطاه صاحب المقهى خرقة وبعض البن لوقف نزف الدم وتضميد الجرح مؤقتا، وطلب ممن تشاجروا معه مغادرة المقهى· تنبه مسعود إلى أن الشخص الذي بدأ يضمد له جرحه لم يكن سوى مصطفى· استغرب وجوده في مثل هذا المكان· حين هدأ، اقترح عليه مصطفى أن يأتي معه للجلوس في أحد المقاهي داخل المدينة· تمنع قليلا متعللا بأنه يود البقاء بعض الوقت هنا لأنه يحب البحر ودعا مصطفى إلى البقاء معه لاحتساء الشاي· فأقنعه مصطفى بلطف بالذهاب معه، قائلا بنبرة فيها الكثير من الثقة:
- دعك من هذا المقهى الآن، المكان الذي سآخذك إليه معظم رواده من الشباب أمثالنا·
لم يفهم مسعود ما الذي قصده رفيقه بكلمة أمثالنا، مع أن الكلمة أعجبته وراقه أن يساوي مصطفى نفسه به، فلم ير بأسا في أن يجرب أماكن جديدة، خاصة وأنه غريب عن المنطقة، ولا يعرف أحدا سوى اثنين من أبناء قريته يقيم معهم في غرفة مشتركة في حي الحليصة وبعض أبناء القرى المجاورة الذين يعمل معهم في المصفاة·
لم يكن المكان مقهى حقيقيا، بل مجرد مطعم صغير وسط حي وادي النسناس الشعبي، يقع في زاوية بعيدة عن الأنظار، به ثلاث طاولات قديمة، صفت حولها كراسي مقاعدها من القش، وبضع كراسٍ مع طاولتين صغيرتين في الخارج· دلف مسعود من الباب أولا، صمت الجالسون قرب الباب وتعلقت عيونهم بالداخل الجديد، ثم ما لبثوا أن عادوا إلى أحاديثهم عندما رأوا مصطفى يدخل خلفه مباشرة·
صفحة 3
حيا مصطفى عددا من الحاضرين، وسلم باليد على البعض الآخر، قبل أن يجلس إلى طاولة صغيرة في إحدى الزوايا نهض عنها شابان في حركة لم تخف على مسعود، كان واضحا أن الهدف منها إخلاء هذا المكان لهما· استرعت الحركة انتباهه، لكنه لم يعرها كثير اهتمام· طلب مصطفى كوبين من الشاي بعد أن جلس قبالة رفيقه، وحياه مرحبا به مرة أخرى، قبل أن يقول:
- شوف يا أخ مسعود، سأحكي معك بصراحة· أنا سبق وأن رأيتك يوم تشاجرت مع مسؤول العمال اليهودي شلومو· وعرفت أنك لست من النوع الذي تكسر لقمة العيش رقبته· كان في وسع شلومو أن يطردك من العمل لكنك لم تكترث ورددت له الصاع صاعين· وهذا ما أعجبني فيك·
- هذا شلومو كلب يستقوي على الضعيف، والذي في رقبته كوم لحم عليه أن يطعمها· رد مسعود مؤيدا كلامه·
- وكان من حسن حظي أن مررت اليوم صدفة قرب ذلك المقهى لأرى كيف تصديت لهؤلاء الصيادين والبحارة ولم تتراجع رغم تكاثرهم عليك وكنت كفوا لهم· صمت مصطفى قليلا ثم واصل حديثه، هذان الموقفان بينا لي أنك بالفعل قبضاي، وأن معدنك صلب·
- والله يا أخ مصطفى، أنا لا أحب المشاكل لكن هؤلاء اعتادوا الاستهزاء بي، جاء الفلاح، راح الفلاح، وكلام من هذا النوع· أنا واحد كافي خيري شرّي، قليلا ما اختلط بالآخرين· وجه لحالي، كما يقال· وكان يجب أن أوقفهم عند حدهم· قال مسعود شارحا موقفه·
- معك حق أخ مسعود، أنا لا ألومك، بالعكس، أنا أحيي فيك روح التصدي لمن يحاولون الإساءة إليك·
أعجب مسعود بتفسير مصطفى لموقفه، وأعجبته أكثر عبارة روح التصدي التي وصفه بها، فاعتدل في جلسته، وارتاح لما سمعه من إطراء محدثه، وبدا أكثر استعدادا للتواصل معه·
- تعرف يا أخ مسعود، قال مصطفى مغيرا مسار الحديث، أنا من إحدى قرى الساحل، وكان من سوء حظ بلدتنا أنها قريبة من إحدى الكبانيات (المستعمرات) اليهودية، أو بالأحرى، محاطة بثلاث كبانيات· وكأن مضايقات المستعمرين اليهود واعتداءاتهم ورصاصهم لا تكفينا، فقد تسلط علينا الإنجليز أيضا· لا يمر أسبوع من دون تفتيش واستفزازات· أنت تعرف استفزازات الإنجليز ونكايات اليهود· وكيف يضايقوننا لحملنا على التخلي عن أرضنا وبيعها لليهود· وقد رأيت باخرة المهاجرين الجدد في الميناء·
قاطعه مسعود قائلا،
- نعم أعرف هذا كله، رأيت الكثير من هذه المضايقات في قريتنا وسمعت عن أشياء مماثلة في القرى المجاورة·
- صحيح، عندكم استفزازات ومضايقات، لكن هناك شيء لم تعانوا منه بعد، توقف مفكرا قبل أن يواصل، وهو أنهم لا يطمعون الآن بسلب أراضيكم· ثم أردف، هل ترى الشباب الجالسين هناك؟ معظمهم فلاحين وكل واحد منهم أصابته لدغة من الإنجليز واليهود·
جال مسعود ببصره في الحضور، وفهم الآن ما قصده صاحبه بكلمة أمثالنا· وأدرك أنه في أحد المقاهي التي يتجمع فيها الشبان الوطنيون، معظمهم من القرويين، لمتابعة آخر ما وصلت إليه أخبار القضية· شرد بفكره قليلا قبل أن يتنبه إلى صوت مصطفى وهو يقول ويومي برأسه إلى شاب يجلس على طاولة مجاورة، أترى الشاب الجالس وظهره إلى الحائط؟ هذا صديقنا ضاحي من عرب وادي الحوارث· هل تعرف قصة وادي الحوارث؟
هز مسعود رأسه بالإيجاب، سمعت عنها، لكنني لا أعرف التفاصيل·
- هذه يا سيدي أرض يقال أن مساحتها أكثر من 30 ألف دونم، من أفضل أراضي فلسطين، كان يمتلكها شخص اسمه أنطون التيّان مقيم في الخارج ويقال أنه رهنها لحساب شخص فرنسي مقابل دين مقداره 42 ألف جنيه لما توفي صاحب الأرض طالب الفرنسي الورثة بسداد الدين· لكن لم يكن معهم ما يكفي للسداد فعرضت في المزاد، وطبعا، عندما تعرض في المزاد فسوف ترسو على اليهود لأنهم أقوى ماديا· حتى شركة إنقاذ الأراضي الفلسطينية لم تكن تملك مبلغا يوازي المبلغ المطلوب للسداد· الخلاصة، رست على الصندوق القومي اليهودي، وفي اليوم التالي جاءت شاحنات معبأة بالجنود الإنجليز وطردت الفلاحين العرب العاملين فيها، وشردت الفلاحين الذين أقاموا وعملوا فيها منذ مئات السنين
- 30 ألف دونم!! هذه مساحة بلد، لا، شو بلد، ثلاث بلاد· رد مسعود مستعجبا ومستهجنا·
صفحة 4
- لعلمك، صارت هذه موضة· الغالبية العظمى من الناس يرفضون بيع أرضهم لليهود رغم كل الإغراءات والتهديدات، لكن بعض ضعاف النفوس، خاصة من غير أهل البلد، من المقيمين في الخارج، وأقول المقيمين في الخارج لأن ارتباطهم بالأرض ضعيف، صاروا يورطوا أنفسهم بالدين عمدا، أو يتظاهروا بالتورط بالدين، ويرهنوا الأرض لكي تباع بالمزاد· وسلطة الانتداب تسهل ذلك وترفض سن القوانين التي تمنع بيع الأرض للأجانب· بل أن جميع القوانين التي أصدرتها سلطة الانتداب هدفها نزع الأراضي من العرب وتسليمها لليهود· طبعا ليست كل الأراضي مثل وادي الحوارث، ولا مساحتها 30 ألف دونم· وهناك أيضا أناس يبيعون أرضهم لليهود مباشرة·
صمت مصطفى ونظر إلى الشاب الجالس أمامه الذي بدا مهتما بالمعلومات المفصلة والأفكار والتعابير الجديدة التي يتفوه بها محدثه، أراد أن يطرح عليه السؤال الذي من أجله جاء به إلى هذا المقهى· لكنه تمهل وقرر قبل أن يعرف رأي الشاب الجالس أمامه بقضية بيع الأراضي أن يشحنه بجرعة قوية أخرى تدور حول الموضوع نفسه،
- هل ترى الشاب الجالس أمامه، هذا جميل أصله من منطقة الجليل، طرد مع أهل قريته وسكان عدد من القرى تلك المنطقة عندما باع تاجر من بيروت أراضي مرج ابن عامر للصندوق القومي اليهودي، قبل 15 عاما··· هل تعرف كم تبلغ مساحة مرج ابن عامر؟ 230 ألف دونم· كان هؤلاء الناس يعيشون عليها ويعملون فيها منذ قرون عديدة، طردوا طبعا بالتعاون مع الإنجليز· جميل كان صبيا صغيرا عندما حدث ذلك، وقد لجأ مع أهله وأناس كثيرون إلى منطقة حيفا والقرى المحيطة بها، هو وأهله استقروا في بلد الشيخ وهو يقيم هناك منذ ذلك الحين·
صمت مصطفى لحظة قبل أن يفجر السؤال الذي اصطحب هذا الشاب إلى المقهى من أجله،
- ايش رأيك يا أخ مسعود في من يبيع أرضه لليهود؟
- هذا لازم ينطخ طلقين في صباحه· رد مسعود بحدة وحماس·
- أليس كذلك؟ هذه الأرض وطننا· والوطن يا أخ مسعود لا يباع·
بدا مصطفى راضيا عما سمعه من الشاب الجالس أمامه، ويبدو أنه اكتفى من الحديث عن بيع الأراضي فغيّر موضوع الحديث قائلا:
- شوف يا أخ مسعود، نحن نأتي إلى هنا لمتابعة آخر أخبار البلد، ما يحدث في القدس ونابلس والخليل وصفد، وغزة، كل فلسطين· هذه بلدنا، واليهود طامعين فيها، فليس أقل من أن نعرف ما يجري· في بعض الأحيان نحضر جريدة أو منشور للقوى الوطنية، ونقرأه أمام الجميع، بعد انتهاء دوامك تعال اشرب كوبا من الشاي وتحدث مع الإخوان· ثم قطع حديثه ونهض قائلا، تعال أعرفك على بعض أصدقائنا، حتى إذا جئت ولم تجدني تجد من تتحدث إليه·
- هذا ضاحي تبع وادي الحوارث، وهؤلاء جميل، وعبدالرحمن، وصالح، واسماعيل، كثيرون منهم من أبناء منطقتك، من قرى نابلس أو جنين· ثم استدار يعرّف الشباب على القادم الجديد، وهذا مسعود زميلنا في الريفايناري، وهو من قضاء نابلس من منطقتكم يا أخ اسماعيل·
صافح مسعود الشبان الخمسة، وأسعده اهتمامهم الواضح به· وشعر بالزهو لأن مصطفى كان يخاطبه باحترام، ولا يدعوه باسمه مباشرة من دون إضافة كلمة أخ· فهو لم يعتد أن يخاطبه أحد بهذه الطريقة· الطريقة التي حدثه بها مصطفى والشباب الآخرون، أشعرته بأهميته·
بعد جلسة مع الشبان تعرف فيها عليهم، وتجاذبوا أطراف الحديث عن مواضيع عامة، العمل، واليهود، والإنجليز، والأوضاع السائدة في فلسطين ومعاناة الناس من سلطات الانتداب، ومن فظاظة الجنود الإنجليز· أشعرته الساعة التي قضاها معهم مستمعا إلى أحاديثهم معظم الوقت، بأن له مكانا في هذا الكون، فخرج منتشيا وكأنه وجد الهدف الذي كان يفتقده، ولم يدر في خلده قط أن هذه الزيارة القصيرة ستغير مجرى حياته إلى الأبد·
صفحة 5
لم يأت مسعود إلى حيفا لحاجة إلى العمل، فوالده ميسور الحال يملك أراضٍ ومواشٍ توفر لأسرته المكونة من ستة أولاد وزوجتين حياة يحسدهم عليها الكثيرون· بل جاء هربا من المشاكل والمشاجرات التي لا تنقطع مع إخوته الأربعة غير الأشقاء، والتي تفاقمت أكثر بعد أن هجر والده زوجته الثانية، أم مسعود، وصارت الخلافات بين الضرتين تنعكس خلافات وكراهية بين الأبناء· وزاد من حدة الخلافات الروح الصدامية لدى مسعود وتمرده ورفضه القبول بالتمييز في المعاملة بينه هو وشقيقه ووالدته وبين إخوته غير الأشقاء ووالدتهم، والإحساس بأنه منبوذ من والده، أقرب الناس إليه، وأن مشاعر التعاطف والود التي يفترض وجودها بين الأب وأبنه تكاد تكون معدومة بينهما· لذلك نصحته عمته أن يبتعد درءا للمشاكل، فربما إذا هدأت فورة الشباب، ونضج وسيطرت رجاحة العقل، يجد وسيلة للتفاهم مع إخوته، ووالده· فشد الرحال إلى حيفا·
لم يصدق مسعود حكاية مرور مصطفى صدفة قرب المقهى الساحلي، ولم يغب عن ذكائه أنه قد تعرف إلى مجموعة من أنصار الشيخ عزالدين القسام، الذين كان الناس يتحدثون عنهم، دون أن يعرف مدى مناصرتهم له· لكنه انجذب إليهم، فقد أعجبته أحاديثهم، وصبهم اللعنات على الخونة والجواسيس وباعة الأراضي والسماسرة علاوة على الإنجليز واليهود الصهاينة، والوسائل الشيطانية التي يتبعونها لسلب العرب أراضيهم· صار الذهاب إلى ذلك المقهى بمثابة متنفس لمسعود، ما أن ينهي عمله حتى ينطلق إليه للقاء الأصدقاء·
توثقت معرفته بالشباب فعرف أن مصطفى تتلمذ على يد الشيخ عزالدين القسام في المدرسة التابعة للأوقاف الإسلامية في حيفا، وأنه حصل على شهادة الدراسة الثانوية، وبعض التعليم العالي في مصر، وهو علاوة على ما حصل عليه من تعليم، شاب مثقف قوي الحجة، ومحدث لبق، هادئ الطبع يعامل الجميع باحترام واضح ما جعل منه قائدا طبيعيا لهذه المجموعة الصغيرة· وعرف أن جميل يحضر دوما الدروس الوطنية التي يلقيها الشيخ القسام· وأن الشبان يذهبون كل يوم جمعة للصلاة وسماع خطبة القسّام في جامع الاستقلال في حيفا· أعجبته أحاديث أصدقائه الجدد عن الجهاد والدفاع عن الدين والوطن والأرض·
تعرّف مسعود إلى اسماعيل، وهو رجل تجاوز الثلاثين من عمره، يبدو من خشونة يديه أنه فلاح حقيقي رغم تخليه عن ملابس القرويين المعتادة، دون أن يتخلى عن الكوفية والعقال· كان ذو شخصية صعبة، قليل الكلام، يجيب باختصار شديد إذا سُئل، وقليلا ما يتحدث أو يتدخل في الحديث، وإن بدا واعيا لكل كلمة تقال، يتابع بعينيه كل ما يدور حوله· ولم يخف على مسعود أن له مكانة مميزة وسط المجموعة، وزاد إعجابه واعتزازه بالأصدقاء الجدد عندما لمح في أحد الأيام مسدسا يخفيه اسماعيل في حزامه، تحت القميص الذي يتركه مسترسلا في بعض الأحيان، ما أيقظ روح المغامرة في صدر الشاب الفتي· وتناما لديه شعور بأن أصدقاءه أعضاء في إحدى الخلايا السرية التي يتحدث عنها الناس والتي تقاوم سلطات الانتداب، وشعر بالفخر لصداقته لهم· وتساءل في نفسه عما يفعلونه حقيقة، هل يشتبكون مع اليهود في المظاهرات أم يهاجمون المستعمرات اليهودية! هذا ما لم يستطع الإجابة عليه· وفي أحد الأيام أنفرد به مصطفى في المقهى وبادره بسؤال غير متوقع:
- مسعود، هل لديك سلاح؟
- نعم، معي موس كبّاس·
- أقصد سلاح ناري، مسدس أو بندقية؟
- من أين لي أن أحصل على مسدس أو بندقية؟
- أنا أستطيع أن أتدبر لك مسدسا كي تتدرب عليه، فإذا أردت أن تحمل مسدسا فلا بد أن تحسن استخدامه·
- أنا أستطيع استخدام السلاح، وقد سبق لي أن استخدمت بندقية الصيد التي لوالدي، ومع ذلك أتمنى أن أتدرب على استخدام السلاح، وأن أحصل على مسدس· رد مسعود بحماس·
- هل تعلم أن حمل السلاح هذه الأيام مسؤولية؟ إذا قبض عليك فقد تصادره السلطات، وتتعرض لمشاكل كثيرة·
صفحة 6
- لا تخاف عليّ، محسوبك من يوم ما وصل حيفا لم يتعرض للتفتيش ولو مرة واحدة· الأماكن التي يرابط فيها البوليس والجنود أتحاشاها· رد مسعود متفاخرا، ثم واصل حديثه، أنا واحد راسي حامي، وأخشى أن يتطاول علي أحد الجنود الإنجليز، فلا أتمالك نفسي، واهجم عليه بموس الكباس الذي أحمله··· أنا بصراحة لا أحب الاحتكاك بهم أو النظر في وجوههم حتى لا يروا كراهيتي لهم·
- إذا شئت، أنا أعرف أناسا يستطيعون تدبير مسدس لك· لكن قبل أن نبحث هذا الأمر هنالك أشياء يجب توضيحها·
- وما هي هذه الأشياء؟ سأل مسعود بفضول زائد·
- ستعرف كل شيء في حينه· رد مصطفى باقتضاب، منهيا الحديث، وانسحب مبتعدا·
صار ذلك المقهى المقر الثالث لمسعود، بعد المنزل والعمل، فلم يتغيب يوما عن ذلك المكان· وتوثقت عرى الصداقة بينه وبين المعارف الجدد· لكنه كان قليلا ما يقابل مصطفى في العمل، فهما يعملان في قسمين متباعدين، تختلف فيه ساعات بداية الدوام وانتهائه· في أحد الأيام وبينما هو خارج من مكان عمله متوجها نحو المقهى كالمعتاد، فوجئ بمصطفى يلتقيه في منتصف الطريق، حياه قبل أن يقول له بنبرة جادة،
- مسعود، أريدك في موضوع، عندك مانع؟
- لا أبدا· رد مسعود وقد بدا على وجهه الاهتمام·
- سنتحدث في الطريق إلى المقهى· لكن قبل كل شيء يجب أن تقسم لي بأن لا تُطلع أحدا على ما سيدور بيننا الآن، سواء قبلت الأمر أم لم تقبله·
- أعدك بأنني لن أخبر أحدا·
- كلا، هذا لا ينفع، يجب أن تقسم على القرآن· قال ذلك وأخرج مصحفا صغيرا من جيبه· ومد يده به إلى مسعود طالبا منه أن يضع يده عليه ويقسم·
تردد مسعود قليلا قبل أن يضع يده على القرآن، فرغم أنه لم يكن شديد التدين، فقد كان لهذا القسم رهبة لديه، مثل غالبية القرويين· لكن في النهاية غلبه الفضول فوضع يده على الكتاب وردد،
- أقسم بالله العظيم ألا أطلع أحدا على ما سيدور بيننا الآن والله على ما أقول شهيد· قالها مسعود وهو ينظر إلى وجه صاحبه مستفسرا عن الأمر الجلل الذي يتطلب كل هذه المراسم·
- شوف يا مسعود، أنا أرى فيك روحا وطنية واستعدادا للنضال والتضحية في سبيل هذا الوطن، ولهذا تحمست لمفاتحتك بهذا الموضوع· نحن عصبة من جماعة القسام، قررنا أن نخوض الكفاح المسلح ضد سلطة الانتداب واليهود، ونحتاج لمساعدة كل شخص قادر على حمل السلاح· البلد يا مسعود ليس لها سوى رجالها، كما يقول المثل، ومن للبلد غيرنا· اليهود يسحبون الأرض من تحت أقدامنا، وعملنا ينحصر في محاربة بائعي الأراضي، والسماسرة والجواسيس والخونة، وضرب بعض الشخصيات الكبيرة التي توقع أذى شديدا بالعرب· سواء كانت هذه الشخصيات من العرب أو اليهود أو الإنجليز· أيضا هناك مجموعات تهاجم الكبانيات اليهودية، وأهداف تخص سلطة الانتداب، صمت مصطفى قليلا متمعنا في وجه زميله الذي كان يستمع باهتمام، ثم واصل حديثه، هل أنت مستعد للانضمام إلينا·
كأنما أذهلت المفاجأة مسعود فهز رأسه عدة مرات موافقا، قبل أن يقول،
- نعم، نعم· أنا معكم·
- عظيم· رد مصطفى مبتسما ثم أردف، سأعلمك الآن كيف نعمل وما هو المطلوب منك بوصفك مستجدا· شوف يا مسعود نحن مجاهدون ولسنا جنودا نتقاضى راتبا، بصراحة ليس لدينا مال ندفعه لك، ولا نستطيع حتى توفير المال لشراء سلاح لك، عليك أن تتدبر معيشتك وأن توفر أنت ثمن السلاح· سبق وأن حدثتني أنك ترغب في الحصول على مسدس، نحن نستطيع تدبيره لك مقابل أن تدفع ثمنه· مئات الثوار باعوا ذهب نسائهم لشراء قطعة سلاح، وهذا ينطبق علينا·
- كم ثمن المسدس؟
- ما بين خمسة إلى عشرة جنيهات، ربما أقل أو أكثر، حسب نوعه·
- أستطيع دفع ثمن مسدس وشوية خرطوش· رد مسعود بلهفة وكأنه لم يسمع من الحديث سوى حكاية المسدس·
صفحة 7
- الأمر الثاني يا مسعود، نحن عملنا سري للغاية، وما تعرفه أنت لا تطلع أحدا عليه حتى الإخوان الذين يعملون معنا· أي شيء تعرفه لا تخبر به أحدا، ولا تسأل أحدا عن شيء سوى الشخص المسؤول، يعني قائد العصابة· عيون سلطة الانتداب تلاحقنا، وإذا انكشف الواحد منا فلا سبيل أمامه سوى الفرار إلى الجبال، هذا إذا لم يقع في يد زبانية السلطة· لذلك يجب أن تواصل عملك كالمعتاد، وتبقى في مكان إقامتك كما أنت عامل عادي يسعى لكسب رزقه· وإذا تعارض عملك مع عملياتنا فاتركه وجد عملا آخر في الميناء مثلا· مستقبلا إذا تيسرت الأمور وتمكنا من جمع تبرعات فقد تتفرغ كلية للنضال، هل فهمت ما أقصد·
- نعم· قالها مسعود وهو يهز رأسه·
- جيد، مرة أخرى أؤكد عليك أن تصون لسانك، وتنتبه لتصرفاتك، فكلمة أو حركة واحدة قد تودي بك أو بأحد زملائك· ما تحدثنا به الآن لن يعلم به أحد، ثمة أمر آخر، حاول ألا تحضر أحدا من معارفك إلى مقهانا، اتفقنا؟ توقف مصطفى قليلا ونظر في عيني صاحبه وكأنه يؤكد ما قاله، ثم أردف، ها قد وصلنا إلى المقهى، وسوف نتحدث غدا في باقي الأمور·
لم يستطع مسعود النوم في تلك الليلة، بقي شاردا واجما، أثار وضعه انزعاج رفيقيه في الغرفة التي يسكنها، محمود وسليمان، وهما من أبناء قريته، فألحا في سؤاله عما به وعن سبب شروده، فاعتدل في جلسته، ونظر في وجوه أصحابه،
- الصحيح يا إخوان، أنا أفكر بالالتحاق بالثوار، لقد غاظني رئيس العمال قبل أيام، وأتمنى أن أحصل على مسدس أو بندقية لأنسفه·
- طوّل بالك يا رجل، أنت تعرفه، هذا واحد متعجرف وحقير ويعمل كل ما في وسعه لتطفيش العرب، وجلب يهود مكانهم· من الأفضل أن تبقى قاعدا على قلبه·
- لا أعلم، كلما فكرت فيه، وفي تصرفاته الحقيرة، أشعر أنني على وشك الانفجار·
- لست الوحيد الذي يعامله بهذه الطريقة، على الأقل أنت لا تسكت له·
- أنا أريد أن أخرسه وأمنعه من إيذاء العمال العرب الآخرين·
- يا مسعود إذا راح فقد يأتي من هو أحقر منه، أقعد واسكت، وخلي هالمركب ساير·
كان مسعود يكابد لكتمان ما حدث معه اليوم، وكانت تتملكه رغبة جامحة في أن يبلغ الجميع بما ينوي أن يفعل، وأن يحدثهم عن حقيقة مصطفى والشبان الآخرين، الذين سبق أن أتى على ذكرهم بشكل عابر كرفاق يتحدثون ويتسامرون ويلعبون الورق وطاولة الزهر· شعر بالراحة بعد أن أفضى بجانب مما يعتمل في نفسه، وما يرغب في فعله، دون أن يحنث باليمين الذي قطعه لمصطفى· وكان راضيا أكثر لأن زميلاه لم يأخذا ما قاله على محمل الجد· تمدد بعدها في فراشه وسرح بفكره بعيدا· أخيرا وجد الطريق التي يحقق فيه ذاته· تخيل نفسه بطلا يرى الإعجاب في عيون الآخرين، وشهيدا تزغرد النساء ويهتف الشباب تحية له· قال في نفسه نعم، هذا هو طريقك يا مسعود، وأي طريق آخر يمكن أن تسلكه في هذا الزمن الأغبر، هذا زمن الجنود والثوار وكل ما عدا ذلك لا قيمة له· ثم غلبه النعاس فنام ولم يصح إلا على صوت زميليه يوقظانه للذهاب إلى العمل·
نهض مسعود من فراشه مسرعا، غسل وجهه، ولبس ثيابه، وقبل أن يغادر الغرفة المتواضعة، التي يسكنها ويتقاسم أجرتها مع رفيقيه، إلى العمل أخرج جنيهات قليلة كان يخبئها في إحدى زوايا المكان ودسها في جيبه، وخرج مسرعا إلى عمله·
مضت الساعات بطيئة، وكان بين الحين والآخر يسأل عن الوقت، ما أثار استغراب العاملين معه· كان يتعجل انتهاء فترة عمله ليخرج إلى الشباب ويدفع النقود للحصول على المسدس· في النهاية حلت ساعة المغادرة· خرج مسرعا ووقف يجول بعينيه بحثا عن مصطفى، متأملا أن يكون قد تأخر في الخروج من العمل، لم يره، أسرع يغذ الخطى نحو المقهى، لم يجده هناك· سأل عنه فقالوا له أنه لم يحضر بعد، أراد أن يحدثهم عما جرى بينه وبين مصطفى لكنه تذكر اليمين الذي أقسمه وتأكيده بألا يحدّث أحدا بما ينويان عمله، فصمت وجلس بينهم يتحدث في أمور عامة·
صفحة 8
لم يلبث مصطفى أن وصل، فهب مسعود واقفا متلهفا لأن يخبره عن انتظاره له أمام المصفاة، وإحضاره النقود ثمن المسدس· أوقفه مصطفى بحركة من يده، في إشارة له أن يصمت وجلس وكأن ليس ثمة موضوع معلق بينهما· ثم بادر الحضور قائلا:
- يا شباب لقد حُكم على مصطفى علي أحمد بالإعدام وعلى أحمد الغلاييني بالسجن 15 سنة·
- من يكونون، وماذا فعلوا؟ سأل مسعود مستفسرا·
- إنهم من الثوار الذين هاجموا كبانية نهلال· رد مصطفى باقتضاب· ساد الوجوم، وصمت الجميع لوهلة، وعلت وجوههم مسحة من الحزن، وكأنهم تنبهوا للمصير الذي ينتظرهم إذا ساءت الأمور· ولم يخرجهم من شرودهم سوى صوت مصطفى وهو يسأل مسعود،
- هل أحضرت الغرض الذي طلبته منك؟
هز مسعود رأسه بالإيجاب· نهض مصطفى وتوجه إلى طاولة منفردة وأشار إلى مسعود أن يتبعه· جلس الاثنان، ثم طلب مصطفى كوبين من الشاي· همّ مسعود بالكلام، لكن إشارة من مصطفى جعلته يتروى· جاء صاحب المقهى بالشاي وضعه على الطاولة ثم استدار عائدا·
أخذ مصطفى نفسا عميقا قبل أن يبدأ الكلام،
- شوف يا مسعود، أنا رأيتك وأنت تنتظرني خارج المصفاة، وقد تعمدت أن أتحاشاك· تريث مصطفى قليلا وهو يرى علامات الاستغراب ترتسم على وجه صديقه وفي حركة يديه، ثم واصل حديثه، سأشرح لك السبب· قلت لك أمس أن جميع الشباب أمثالنا مراقبين، بالنسبة لي أنا شخص مكشوف ومعروف أن لي توجهاً وطنياً، عيون الجواسيس تراقبني خاصة في محيط المصفاة وإذا لقيتني هناك وسرنا معا فسوف يدرج اسمك في قائمة المشبوهين· لا تنتظرني هناك ولا في أي مكان، أي بوادر لهفة منك على لقائي قد تلفت الانتباه إلى أن ثمة اتفاق من نوع ما بيننا· علاقتنا أمام الناس يجب أن تكون باردة، علاقة أغراب لا يعرفون بعضهم، أما في نشاطنا فهي أقوى من علاقة الأخوة، فقد أفديك بروحي أو تفديني أنت بروحك، تذكر هذا· اليوم نشاط الجواسيس ليس قويا، لكن إذا اشتدت الثورة فسوف يأخذوا الناس بالشبهة· بل أكثر من ذلك، فقد ينسفوا بيوتا لمجرد أن واحدا مثلك مر من جوارها· لا بد أنك سمعت عما فعله الطليان في ليبيا والحبشة، الإنجليز أكثر شراسة وخبثا· فكر فيما قلته لك وتعود أن تتصرف بهذه الطريقة·
- لا تؤاخذني يا أخ مصطفى، أنا كنت متحمس كثير···
- مفهوم، مفهوم، لقد مر جميع الشباب بهذه المرحلة، هناك أمور كثيرة ستتعلمها، كل كلمة قلتها لك فكر فيها وحاول أن تستوعبها·
سرح مسعود مفكرا في حديث رفيقه، قبل أن يقول،
- لكنك معروف في المصفاة بأنك من الشباب الوطني، تنظم الإضرابات والاحتجاجات· ثم أننا نلتقي هنا في المقهى· رد مسعود بنبرة احتجاج واضحة·
- هذا صحيح، أولا السلطة والإنجليز لا يهتمون بمن يبعبعون ويتكلمون، طالما اقتصر الأمر على ذلك، اهتمامهم ينصب على من يخططون ويعملون، من يتحدث بصوت عال مكشوف لا يخيف أحدا· ثانيا، هذا المقهى ما زال بعيدا عن أعين جواسيس السلطة لأنهم يتجنبون الدخول إلى هذه المناطق خشية أن يفتك بهم الناس· ثم غيّر مجرى الحديث قائلا، الآن، كم أحضرت من النقود؟
- عشرة جنيهات· رد مسعود ومد يده إلى جيبه لإخراجها، فأوقفه مصطفى قائلا،
- ليس هنا، اذهب حيث يقف صاحب المقهى واتركها أمامه دون أن يراك أحد، وستجد عنده المسدس غدا، وسوف يعيد إليك ما يزيد عن الثمن·
- ولماذا كل هذه السرية؟
- قليل من الحيطة لن يضر·
- وصاحب المقهى ألا تخشى منه؟
صفحة 9
- كلا إنه واحد من أصحابنا، في الصباح يبيع الحمص والفول، ويحول مطعمه الصغير هذا إلى مقهى خاص بنا بعد الظهر·
نهض مسعود نحو مكان إعداد القهوة والشاي، وضع الجنيهات العشرة أمام صاحب المقهى متظاهرا بأنه يريد أن يشرب الماء· ثم عاد وجلس وأكمل الجلسة بأحاديث عامة حتى حان وقت العودة إلى البيت· وقبل أن يغادر المقهى، اقترب منه مصطفى قائلا،
- يوم الجمعة، لا تذهب للصلاة، انتظرني في موعدها قرب موقف سيارات بلد الشيخ، واحضر مسدسك معك· واصعد خلفي في السيارة التي سأستقلها وكأنك راكب عادي لا تعرفني·
في اليوم التالي، أسرع مسعود في الذهاب إلى المقهى، حيا الأصدقاء الجالسين واستأذن منهم في الذهاب إلى مكان إعداد الشاي والقهوة لشرب الماء، حيا صاحب المقهى بصوت مسموع وسأله عن حاله، وهو يتناول كوبا مصنوعا من صفيح علبة فارغة ويملأه من زير الماء، فرد عليه الرجل السلام وطمأنه بصوت خافت بأن الأمانة وصلت، وسوف يسلمها له قبل أن يغادر·
بحركة خفيفة سلم صاحب المقهى مسعود خرقة لف بها المسدس وناوله علبة صغيرة، ودس في يده جنيهان وهو يقول له هامسا لقد حصلنا لك على مسدس جيد· دس مسعود الخرقة تحت حزامه وأرخى قميصه فوق البنطلون ثم وضع العلبة في جيبه· تريث قليلا ثم غادر المكان·
قبل أن يدخل مسعود مكان سكنه، خطر له أنه لن يجد في الداخل مكانا يخفي فيه سلاحه، فالغرفة في غاية البساطة وليس فيها الكثير من الأثاث· كما أنه يريد تجنب تطفل رفاقه في السكن، لذلك عرّج على المرحاض الموجود خارج الغرفة واستخدم عودا صلبا لحفر حفرة خلفه، وقبل أن يدفنه فيها فض عنه الخرقة وقلّبه بين يديه وتأمله ثم فتح علبة الرصاص وتأكد مما فيها· وبعد أن انتهى دخل الغرفة وتوجه إلى زير الماء وأخذ بعضا منه ليغسل يديه·
كان مسعود يتحرق شوقا بانتظار يوم الجمعة معتقدا أنه سيخوض معترك النضال فورا· وعندما أزف الموعد، حمل سلة صغيرة وضع المسدس فيها، وفوقها بضعة أرغفة من الخبز وحبات من الزيتون وقطع من الجبن، وإبريق مع بعض السكر والشاي· وخرج متوجها إلى موعده·
وجد مصطفى وجميل في انتظاره، صعد معهم الحافلة وجلس في مكان قريب منهم دون أن يخاطبهم، وحين وصلوا إلى وجهتهم، نزلوا من الحافلة، وساروا مبتعدين عن موقف السيارات إلى أن أصبحوا عند أطراف القرية، أشار مصطفى لمسعود أن يقترب، ثم حياه وبادره سائلا:
- هل أحضرت المسدس؟
- نعم أحضرته وأحضرت الرصاصات·
- جيد، دعني أراه· فأخرج المسدس من السلة وناوله إياه·
- هذا مسدس طاحونة إنجليزي جيد كالذي يستخدمه البوليس، البعض يشترونه من جنود إنجليز يسرقونه من ثكناتهم ويبيعونه لأناس يبيعونه بدورهم لنا· ثم التفت إلى مسعود وأضاف، هل تعلم لماذا طلبنا إليك الحضور إلى هنا؟
هز مسعود رأسه نافيا·
- ثمة دروس يجب أن تتعلمها قبل أن تبدأ المشوار معنا· يجب أن تحصل على قدر من التدريب قبل القيام بأي عمل نضالي، لا نريد أن يقبض عليك أو أن تصاب بسوء قبل أن تقدم شيئا· لأن هذا حرام، وخسارة ليس لها داع، عليك أن تتدرب أولا، وتتعلم الصبر والتروي والتخطيط· تريث قليلا قبل أن يواصل حديثه، لا بد أنك اصطدت عصافيرا بالنقيفة، أليس كذلك؟
- نعم· هز مسعود رأسه محتارا ومستغربا علاقة صيد العصافير بما هم فيه·
- هل تهجم على العصفور صارخا بعنف؟
صفحة 10
- لا ، طبعا، أقترب منه بهدوء شديد، إذا هجمت عليه يفر ويهرب·
- فما بالك إذا أردنا مهاجمة إنسان مسلح، قد يرد علينا بإطلاق الرصاص؟ الخلاصة يا مسعود شغلنا مثل صيد العصافير لكنه أصعب قليلا· قالها ضاحكا، ثم أردف، في عملنا هذا نحن بحاجة للإرادة والعزيمة، ثم للتدريب والصبر والأناة والتخطيط الجيد، والانقضاض على العدو حتى قبل أن يدرك ما يجري· تريث مصطفى قليلا، ثم واصل كلامه، الأمر الثاني الذي يجب أن تعرفه هو كيف تحافظ على سلاحك، لا تحمل مسدسك علنا وتتفاخر به، ولا تختلط حتى بالذين يفاخرون بسلاحهم، الجواسيس الآن يجمعون المعلومات، وقد أعدوا قوائم بأسماء الذين يمتلكون سلاحا ويتباهون به علنا، غدا إذا جد الجد سوف يجمع الإنجليز كل الأسلحة منهم بكل بساطة· نحن علينا أن نخفي سلاحنا باستمرار، ليس لدينا ثكنات نحفظ فيها سلاحنا، نحن ندفنه غالبا في الأرض، أو في زوايا بعيدة عن العيون· مسدسك هذا عليك أن تجربه اليوم، لتتأكد أن شعيرة التصويب فيه مضبوطة، وأنه مسدس صالح، ثم تخبئه، ولا تدع أحدا يعرف أن لديك سلاحا أو أنك مع الثوار·
لقم مسعود مسدسه ست رصاصات، وعلى بعد أمتار وضع بعض الأهداف أطلق رصاصاته كلها عليها· كانت النتيجة مرضية جدا، هنأه مصطفى عليها،
- أحسنت، أنت هدّاف بارع، لكن عليك مواصلة التدريب· الآن يجب أن تعرف كيف تحافظ على هذا المسدس· الطريقة التي نتبعها هي إحضار ورق سميك قليلا، ودهنه بطبقة من شحمة السيارات، ثم نلف المسدس بها عدة لفات بعد ذلك تضعه في كيس أو خرقة سميكة وتدفنه أو تخفيه في مكان تعرفه· هل فهمت ما قلت؟
- نعم، نعم· فهمت· لكن متى أستطيع المشاركة معكم في العمليات·
- لم يحن الوقت بعد، وكما قلت لك لن ألقي بك في المعمعة قبل أن تكون مستعدا تماما·
- ومتى يحين ذلك؟ سأل مصطفي بشيء من خيبة الأمل·
- لا تتعجل الأمور، ستعرف في الوقت المناسب·
تواصلت زيارات مسعود ورفاقه لتلك المنطقة بضعة أسابيع· في ذلك الحين، لم يكن التدريب بالنسبة لمسعود أكثر من رياضة سهلة، يمارسها مع صحبة طيبة يلقى منها كل اهتمام واحترام· تدرب على استخدام أنواع مختلفة من البنادق المتوفرة لدى الثوار، وعلى استخدام القنابل اليدوية وأمور أخرى· لم تكن لدى الفتى فكرة عن معنى الانضمام إلى تلك الجماعة· أو عن معنى الثورة ومحاربة اليهود والإنجليز· كل ما يعرفه عن الثورة صورة مشوشة عن ثورة العام 1929 التي لم يكن أيامها أكثر من صبي صغير مشاكس يلهو بصيد الطيور، وكان أقصى ما يحدث خلالها من مقاومة لوعد بلفور وما يجري من تهويد للبلد هو مظاهرات واحتجاجات غاضبة تتطور في بعض الأحيان إلى اشتباكات دامية بالعصي والخناجر والسكاكين والحجارة بين اليهود والعرب، أو بين العرب والإنجليز يصاب فيها كثيرون ويقتل البعض·