eKtab
EN ع
زوربا البرازيلي
اقرأ عينة مجانية

زوربا البرازيلي

بقلم جورج أمادو

صفحة 1

مقدمة بقلم ممدوح عدوان

هو ذا زوربا آخر، وهذه المرة من تقديم جورج أمادو.

اسم زوربا هنا بدرو أرشانجو.

وأظن أننا سنتذكر هذا الاسم طويلاً، بعد قراءة «خيمة المعجزات»، بقدر ما تذكرنا زوربا اليوناني الذي قدمه لنا كازانتزاكي.

بدرو أرشانجو مثل زوربا اليوناني محب للحياة وللنساء والخمرة والمغامرة.. والناس كلهم. الناس كلهم أهله وهو شاب ورجل، والناس كلهم أبناؤه وهو شيخ وعجوز. ويزيد المسألة ظرفاً وعمقاً أن يكون لهذا الكلام مضمون واقعي فعلي بمقدار ماله من دلالة رمزية وإيحائية: (قسم كبير من الأبطال أبناؤه فعلاً). ما يزيد في بدرو أرشانجو عن زوربا اليوناني أن أرشانجو معني بقضية محددة وليس معنياً في أن يعيش كما توجهه غرائزه ويغامر بحياته.. ولكن دون أن يحوله هذا إلى شخصية متجهمة أو دعائية. ذلك أن ارتباطه بهذه القضية جزء من ارتباطه بالحياة وبالتالي فالقضية ذاتها، تزيده حيوية وتزيدنا حباً له وارتباطاً به.

فهذه الرواية ـ إضافة إلى كونها رواية ممتعة ـ أعتبرها واحدة من أكثر الروايات التي قرأتها إمتاعاً. وهي، في الوقت ذاته، مرافعة فذة للدفاع عن الشعب البرازيلي ـ شعب باهيا تحديداً ـ وعن ثقافته وتقاليده وتراثه أمام هجمة «التأورب» والانسلاخ الثقافي والصَّغار أمام الغرب.

بهذا يتحول الدفاع عن رقصة شعبية أو أغنية أو موكب احتفالي قضية خطيرة تشبه، في خطورتها ومسؤولياتها ونتائجها وطريقة التعامل معها، قضية حمل السلاح ضمن تنظيم سياسي لقلب نظام الحكم. ويصبح الاختلاف في وجهات النظر حاداً ومرتبطاً بمنطق ومصلحة وقيم مما يؤدي حتماً إلى سفك الدماء. وإنني لمما يزيدني غبطة أن أقوم بنقل هذا الكتاب إلى العربية مساهمة متواضعة مني في التأكيد على هذه القيم وفي الدعوة إلى الحفاظ على الخصائص الوطنية أمام هجمة (الإنتاج بالجملة mass production) التي تتعامل بمنطق واحد مع المعلبات والأقمشة والأغذية والأبنية والشعوب والثقافات. هذه الهجمة تنطلق من مقولة واحدة وتؤكدها. وهي أنه يكفي مصدر واحد للإنتاج ـ الإنتاج الثقافي والمعرفي والسلوكي والغذائي والأمني والاحتفالي (وهو حتماً المصدر المعزز تكنولوجياً) وأنه ليس على بقية البشر إلا أن تستهلك وتتقولب في كل ما يتعلق بحياتها حسب متطلبات هذا الإنتاج ذاته، والذي صنع أصلاً بمقاسات أوروبية أمريكية. والطرف المنتج لا يكتفي بطاقاته التكنولوجية المنتجة بل هو ينتج إيديولوجياً على مقاس التكنولوجيا، وهذه الأيديولوجية تطالب أيضاً بمسح الملامح المحلية وإعادة إنتاج الهوية تحت أوهام التطور الذي لا يعني إلا التقزم من أجل التشبه بالآخر.

وأرجو أن لا يخيل لأحد أن الرواية صراع أيديولوجي ضمن دائرة الأفكار المتلاكمة. إنها المرة الأولى التي يمكن فيها أن نقرأ رواية حول الثقافة والهوية الوطنية وتظل محتفظة بمتعتها وحيويتها وغناها. فقد تعودنا أن نقرأ أدباً معنياً بالثقافة ولا يهم إلا المثقفين (ولا يرضيهم غالباً) ولا يرى المعركة تدور إلا بينهم. فالتجربة، في هذا الأدب، تجربة ذهنية مفتعلة وبعيدة عن الحياة. بينما أمادو يقدم معركته من أعماق القاع الشعبي الذي يضم الشغيلة والسكارى والمومسات واللقطاء وأصحاب الدكاكين والحرفيين. هذا القاع الشعبي خليط من قوميات وألوان وثقافات. هناك السكان الأصليون من أبناء القارة ثم امتزاجهم بالزنوج الذين جلبوا إلى القارة رقيقاً، ثم امتزاج هذين الشعبين مع الأسبان والأوروبيين عامة. وهذا الخليط الشعبي له ذاكرة هي مزيج مما تراكم من عادات هذه الشعوب وثقافاتها: الرقصات والأغاني والمواكب والطبول والمهرجانات والكرنفالات جزء من هويته. وهو مصر على المحافظة عليها وممارستها وإحيائها.

هذا كله، أمام نزعة تسلطية فوقية تريد أوربة كل شيء ونقاء الدم الأزرق (دم الأشراف البيض) وفرض الثقافة الغربية وإلغاء كل ما هو محلي..

وفي الوقت الذي يهتم أمادو فيه بالدفاع عن شخصية الشعب البرازيلي بقوة وعنف وإخلاص، يعرض في الوقت نفسه الابتذال الثقافي السائد وتعهير القيم والاستباحة الاستهلاكية النفعية لمقومات الحياة.

الرواية، بهذا، تسير في مستويين، كعادة أمادو، المستوى الأول القصة التي تدور حول البطل (عام 1969) من خلال شخصية الشاعر الشاب المكلف بالبحث عن معلومات (الذي هو مزيج من القواد والانتهازي) ومن خلال الاستعدادات للاحتفال بالذكرى المئوية لأرشانجو، ومحرضات هذه الاستعدادات وتحولاتها.

إنك وأنت تقرأ الرواية، تدخل في تفاصيل تجعلك تحس بالخجل لأنك تحيا في عالم فيه هذا القدر من الابتذال (الابتذال الذي تدرك ببساطة أنه موجود في حياتنا نحن أيضاً، وليس فقط في البرازيل)، ولكن تفاصيل أخرى تجعلك تحس بالاعتزاز لأن الحياة تحتوي على أناس يحملون القيم ويدافعون عنها، فتتشربهم وتتماهى فيهم مثلما ترى بعض أبطال الرواية.

والكاتب نفسه، أمادو، موزع هذا التوزع. ولكم تحسه مليئاً بالقرف والغضب وهو يعرض أساليب الراوي والاستعداد للاحتفال بالذكرى المئوية. ولكم تحسه أيضاً، مليئاً بالفخر لأنه ابن للشعب العظيم الذي فيه عظماء من أمثال أرشانجو وزملائه ثم:

أية قصة عظيمة حدثت في تاريخ هذا الشعب؟! وأي هاجس تافه وحقير يحرك أولئك الذين يسعون لإحيائه وإحياء ذكراها؟!.

ثم تدرك أية خفة دم وتلقائية شعبية يتمتع بهما أمادو وهو يجعل آخر أصدقاء أرشانجو (الميجور) يحتال على الاحتفال المكرس لتكريم «فخر البرازيل أرشانجو» لكي يجمع من المحتفلين مالاً يساعد به امرأة فقيرة (ومومساً طبعاً)!.

لماذا؟

فالبطل لا يريد أن يكون بطلاً ـ بل مخلصٌ مع نفسه فقط ـ والشعب لا يتحرك بتلك القصيدة الإنشائية التي يلجأ إليها الروائيون عادة أو يسير بها النفعيون الذين يستثمرون إحياء القيم الشعبية. حدث هذا لأننا هكذا لأن الحياة هكذا لأن الناس هكذا. وبين حين وآخر:

صفحة 2

1 ـ إيه.. كومبادر أرشانجو، ما أطول كفاحنا!. استغرق المعلم ليديو كورو مع ذكرياته في خيمة المعجزات وهو يقرأ في الصحيفة أن معاون قائد الشرطة قد استقال، قبل خمس وعشرين سنة، عند نهاية القرن، بدأ قتالهم مع الشرطة والحكومة والتعصب الأعمى.. وبعدها لم نتوقف عن القتال يا كومبادر. في الشوارع في التيريرو، في الكتب والصحف، بالحبر والحجارة، بالحفلات والقبضات. ما أطول معركتنا؟ هل تظن أنها ستنتهي ذات يوم يا كومبادر العجوز؟

ستنتهي ذات يوم يا صاحبي. ولكننا لن نعيش لنرى النهاية يا رفيقي. سنموت ونحن نقاتل. ونحن ما زلنا نستمتع بالقتال. بدريتو العجوز يفر وآغون يلاحقه ويداه مثل الكوبرا! دعني أطلق ضحكتي يا كومبادر. لم أر في حياتي ما هو مضحك أكثر من هذا، سنسقط ونحن نقاتل. شباناً وشجعاناً يا صاحبي. إنكح البوليس! انكح الشرطة وليحيا شعب باهيا».

من هو بطلنا؟

في مقدمة الرواية يورد الكاتب ما جاء في تقرير الشرطة عنه: «خلاسي، معوز مواطن من باهيا، متعالم دائماً، حكيم، روح الحياة في الحفلات». وفي آخر سطور الرواية، وبعد أن يتحول أرشانجو نفسه إلى جزء من الأسطورة التي يدافع عنها، وبعد موته، وفي أحد الاحتفالات التي قضى حياته وهو يدافع عن استمرارها لأنها هوية الشعب وذاكرته، يتقدم أرشانجو بعد الموت. نعم، هو مستمر مثل الآلهة التي دافع عنها. هو مستمر في الذاكرة. في الشخص الذي يأخذ دوره في الحفلة. لا يمثله، بل يصير هو:

«بدرو أرشانجو (أو جوبا) يرقص، ليس شخصاً واحداً بل هو أشخاص كثيرون، متعددون ومتنوعون: عجوز، في منتصف العمر، شاب، مراهق، صعلوك، راقص، متحدث بارع، سكير فذ، متمرد راديكالي، داعية إضراب، مقاتل شوارع، عازف غيتار وكافاكوينهو، مغازل، عاشق حنون، فحل جنسي، كاتب، حكيم، ساخر..

وكل منهم خلاسي وفقير ومواطن في باهيا».

وتنتهي الرواية.

ربما كنا في حاجة إلى دراسة أكثر تأنياً ومرجعية لكي نعرف مدى العلاقة (الأدبية ـ التأثرية ـ النقلية) بين كازانتزاكي وجورج أمادو. في «المسيح يصلب من جديد» يتدخل مصير كل شخصية في التراث المسيحي فيؤثر، بشكل أو بآخر، في مصير الشخصية التي تمثلها.

وفي احتفال الكاندومبلي ـ والاحتفالات الأخرى ـ تدخل روح إله في شخص، فيتقدم ويقوم بدور ذلك الإله. ثم يقوم أمادو بمزج الإله والشخص ثم حين يتكرر قيام الشخص بذلك الدور يصبح هو هو.

«يانسان» مثلاً هي آلهة الرياح والعواصف والشلالات.. يأخذ منها أمادو حركية هذه الأشياء.. ثم يجعلها تتلبس امرأة تريد أن ترقص.. أو ترقص. تصبح الراقصة ريحاً وعاصفة وشلالاً. ولكن في أماكن معينة تحس بوجود يانسان ـ كما تحس بوجود آلهة أخرى في أمكنة أخرى ـ داخل الحفلة. تحسها تأمر الراقصة. ثم تعتذر منها الراقصة لحظة لشغل ما.. ثم، بعد الانتظار، تدخل يانسان في المرأة. وتبدأ الرقص.

نعود إلى اليونان مرة أخرى.

في الثقافة اليونانية التي يفخر بها الأوربيون، من المعروف أن كلمات مثل أريسطوس وأغاثوس وأوغسطس تدل على مَكانة معينة، وهي بهذا شبيهة بكلمة نبيل أو لورد أو ماركيز.. أو حتى بروفسور أو دكتور.

اللقب يمتزج بالاسم. واللقب يظل مشحوناً بدلالته التاريخية، أو الميثولوجية أو العلمية، حتى وهو داخل الاسم الواقعي. يصبح اللقب هو الاسم.

وفي العقائد الموروثة لدى الشعب البرازيلي ـ والقادمة من التراث الهندي الأحمر أو من العقائد الإفريقية ـ آلهة يحتفل بها وتُمثل في الاحتفال. كلمة «تمثل» هذه كلمة وافدة. الشخص لا يمثل الشخصية بل يتمثلها: يكونها. وبالتالي فإن «آرغون» حين يمثله زي، إنما يدخل أرغون في زي. يصبح هو زي. ويصبح زي هو آرغون، هكذا يعتقد الناس، وهكذا يتعاملون، وهكذا أيضاً، يروي عنهم جورج أمادو.

ابتداء بالبطل بدرو أرشانجو (أو جوبا) ـ عيني كسانغو ـ وانتهاء بكل من يؤدي أي دور مهما صغر.. تختلط الأمور: فيُحكى عن الإله ـ القديس ـ الشخص اليومي بالكلمات ذاتها بالتعامل ذاته. مثلما يحكى في حرم جامعي عن العميد والبروفسور والمعيد الذي هو فلان الشخص والأب والزوج والجار.

أين الخيال؟ وأين الحقيقة؟ أين الأسطورة؟ وأين مزج الأسطورة في الواقع؟ لا حاجة إلى الإجابة عن هذه الأسئلة. في مخيلة الشعب، هذا كله موجود في وقت واحد، ولهذا هو شعب وليس صف مدرسة. ولأن الأمر كذلك ـ ولأن العمل مكتوب أصلاً للدفاع عن ثقافة شعب وعن شخصيته، فإن بعض الكلمات لم تكن تصلح للترجمة. ليس، فقط، لأنه ليس لها بديل في العربية، بل لأنها هي كذلك.. تلفظ كذلك.. ويستخدمها الشعب كذلك. وفي استخدام الشعب لها بهذه الطريقة، تأكيد عنيد منه على هويته، وتأكيد عنيد من الكاتب نفسه، على مقولة روايته حول الدفاع عن هوية الشعب. لذلك فإن هناك مقاومة عنيدة ضد تحويل كلمات الشعب البرازيلي إلى كلمات أوروبية ـ بأية لغة كانت (والظريف أن رمز هذه المقاومة أرشانجو يعرف معظم هذه اللغات) ـ وضد تحويل عقيدة الشعب وتفاصيل سلوكه اليومية. يجب أن يتم التعامل معها كما يتعامل معها الشعب والكاتب.

من أجل هذا ستجد تعابير قد تبدو غريبة، بسبب الإصرار على التسميات، وحالات قد تبدو غريبة بسبب امتزاج الأسطورة بالواقع. ومن أجل هذا قد تجد تعبيراً مثل: «تيريرودو جيسوس: معبد المسيح» التي تحمل تناقضاً بين الكلمتين: لكنه تناقض منسجم أو امتزاج شبيه بمزيج دم الخلاسي أو المهجن، والمترجمة إلى الإنكليزية (بربارا شيلبي) أبقت على التسميات داخل النص الإنكليزي (الذي ترجمت عنه) وأنا لن أكون أكثر منها خيانة في الترجمة.

إذا احتجت عزيزي القارئ هناك جدول بالكلمات في نهاية الرواية يمكنك الرجوع إليه.

ممدوح عدوان

هذه أنت، يا باهيا، وتلك هي الأمور التي تحدث في شوارعك

غريغوريو دوماتوس

لدى البرازيل مسوّغان للعظمة: خصب تربتها والذكاء الحاد لدى مهجّنيها.
 

صفحة 3

مانويل كويرينو

«مساهمة المستوطن الأسود في الحضارة البرازيلية»

ثم وقعوا على حل مشين ولكنه على الموضة: حولوه إلى ما ليس هو. صنعوا منه (روبوت) كبيراً مطواعاً مبرمجاً. آلة تلائم زماننا، انعكاس كامل لبرنامج مندثر، أو لبرنامج يوشك أن يحل محله. ستشبه غريغوريو دوماتوس، لكنها ستكون أكثر لطفاً ووسامة. وسيقدم هذا الشبيه إلى أطفال المدارس وطلاب الجامعة؛ كما سيباع في المكتبات وأكشاك الصحف. وسوف تستخدم آلة الدعاية في المدارس والوكالات الحكومية لزرع هذه الصورة الزائفة في عقول الصغار والكبار على السواء، وبالفعالية ذاتها المتبعة في بيع نصف الحقيقة من أجل ترويج أية سلعة أخرى.

وكان على هؤلاء البارعين أن يضعوا في اعتبارهم أن شاعرنا لم يختر العدل أو الظلم، الشهرة أو الغفلة؛ لم ينعزل في ملجأ ولم يلتجئ إلى الريف الذي كان تواقاً إليه. لم يتخلف غريغوريو دوماتوس عن فعل ولم يفضل حياة التأمل على حياة الالتزام. لقد عاش الحياة التي علمته قصائده أن يحياها، حياة الحب البشري والحرية التي تتجاوز، كثيراً، الشرط العام.

وهذه هي الصورة المقدمة هنا بكل نقائها أو عدم نقائها إذا أحب القارئ.

جيمس آمادو («الصورة الممنوعة لثلاثمئة عام» ـ ملاحظات هامشية على نسخة الناشر للأعمال الكاملة لغريغوريو دوماتوس).

في جوار بيلورنهو، في قلب باهيا، العالم كله يُعلَّم ويتعلم. جامعة هائلة تتشعب في تابوان وأبواب كارمو، وسانتو انطونيو ما بعد كارمو، ووادي الحذائين والأسواق، وفي ماسييل ولابينها وساحة الكاتدرائية وتورورو، وباروكيتها، ومدينة بورتاس، وريوفير ميلهو، وحيثما يوجد رجال ونساء يعملون. ومن شغل المعدن والخشب، ومن تركيب الأدوية من الجذور والأعشاب، ومن إيقاع النغمات العاجلة تولد صورة جديدة أصلية لألوان وأصوات جديدة.

استمعوا إلى الطبول الجلدية والخشبية، وإلى رنة القوس، إلى اليقطين المدروز مع الأفاعي، إلى الرق وجوز الهند، إلى الأجراس المعدنية والقرصية، إلى الطبول الطولية والبيريمبو والغانذا والأدوق والكاكسيكسي والأغوغو؛ آلات الفقراء الموسيقية، الغنية في أنغامها وإيقاعاتها. الموسيقى والرقص ولدا في حرم جامعة الإنسان العادي:

كامارادينهو أي

كامارادينهو، كامارا

إلى جوار كنيسة سيدتنا ذات السلاسل المخصصة للعبيد، وفي طابق ثان له خمس نوافذ مطلة على بيلورينهو أقام السيد بوديان أكاديميته لفن القتال الأنغولي، (كابويرا)، وبدأ طلابه يتوافدون مساء أحد الأيام وهم منهكون من شغل النهار، لكنهم لا يزالون راغبين في اللهو. وتقوم رنات البيريمبو الوترية بضبط خطوات المناورات والطعنات؛ وكل منها أشد رهبة من الأخرى: انحناءة الهلال، التشطيب بالنصل، المطرقة السقاطة، رد الرأس، لسعة السوط، رفسة الساق، رفسة البطن، صدفة البطلينوس والرقصة الجاثمة. يتصارع الشبان على أنغام البيريمبو التي تحدد الجغرافية المجنونة للضربات: سان بينتو العظيم، سان بينتو الصغير، سانتا ماريا، كافالاريا، الأمازونا، أنغولا، أنغولا المزدوجة، أنغولا الصغيرة، التقاط البرتقالة عن الأرض، أيونا، سامونغو سينكوسالومان ـ وأكثر مما تستطيع أن تحصي. تغيرت الكابويرا الأنغولية وتطورت في هذا المعهد: لقد صارت الآن باليه، على الرغم من أنها لا تزال معركة.

أمر لا يصدق: كيف يتقافز السيد بوديان وهو في هذا العمر؟ هل سبق أن وجد من هو بهذه البراعة وبهذه الخفة وهو على قدميه؟ أنظر إليه وهو يقفز إلى الوراء أو يقفز جانبياً؛ ما من خصم يستطيع أن يلمسه. جميع أساتذة الكابويرا أظهروا شجاعتهم وتنافسهم، وبرهنوا عن حجم معرفتهم في هذه القاعة: حبيب الله، الكابتن كيتش، تشيكو دابارا، توني الموج، زاكاريا الكبير، بيروكابيكسوتو، سبع طرق للموت، الشنب الحريري، رجل السلام من ريوفير ميلهو، رأس الشعر الجميل، فيسنت باستنها، قوتي تعادل قوة اثني عشر رجلاً، تيبور سينهو من جاكواريبي، أعطني إياه يا تشيكو، النوه من المصنع، وباروكينها:

من علمك هذه الحيلة يا ولد؟

باروكينها علمني.

لم تكن لحيته قد نبتت لكنه كان سريعاً بالسكين

شرَّح شرطياً وعفا عن فقير.

جاء مدربو الرقص، فوجدوا خطوات الباليه موجودة جاهزة. جاء الملحنون ـ على اختلاف أنواعهم: الجيدون والرديئون وغير المهتمين ـ فوجدوا أكثر مما يلزمهم من الإلهام. هنا في حَرم بيلو رينهو لجامعتنا الحرة، يخلق الناس أعمالاً فنية. وفي أعماق الليل يغني الطلاب:
 

صفحة 4

آي آي آيوي

عندك لعبة جميلة وأنا أحب أن ألعب

آي آي آيوي

الأساتذة موجودون في كل بيت وكل مخزن وكل مشغل. في الفناء الداخلي للمبنى الذي يضم أكاديمية بوديان يلتقي سحرة الغناء ليتمرنوا من أجل الاستعراض ومهرجان أبناء باهيا تحت إشراف فالديلوار الشاب: تجسيد البراعة بالنسبة لألعاب الشوارع واحتفالات الكرنفال. يعرف كل ما يجب أن يُعرف عن الكابويرا، إضافة إلى ابتكارات قام بها بنفسه، وأضافها عندما فتح مدرسته الخاصة به في التورورو.

تنعقد حلقة السامبا في الباحة الكبيرة أيام السبت والأحد، وذلك عندما يريد آجايي الأسود أن يستعرض. وله منافس على مركز سفير أفوكسي هو ليديوكورو. أما حين يتعلق الأمر بالسامبا، فإنه المتفوق الأكبر كرئيس عصبة ومدرب رقص أول. إنه يحدد الإيقاع ويرسم الخطوات.

ثم هناك رسامو المعجزات، الفنانون الذين يرسمون بالزيتي أو يخططون بالقلم أو بمسحوق الدهان الممزوج بالصمغ المخفف. وكلما نذر أحدهم نذراً لمولانا في بونغيم أو لسيدتنا في كاندلماس أو لأي قديس آخر؛ وبعد تقديم صلاته يذهب دائماً إلى محال رسامي المعجزات ليطلب صورة يعلقها في الكنيسة دليلاً على الامتنان. ومن هؤلاء الفنانين العصاميين (الذين تعلموا بلا معلمين) جوان دوارت دو سيلفا، السيد ليسيدو لوبيز، السيد كويروز، أغريبيني آنو باروس، وريموندو فراغا. السيد ليسيدو يحفر على الخشب أيضاً ويصمم نشرات وبيانات يدوية.

مغنو الشوارع وعازفو الغيتار والقوالون يبيعون قصص الحب والأشعار لقاء بنسات قليلة في هذه المنطقة الحرة، مثلما يفعل أيضاً الملحنون على وريقات صغيرة مكتوبة باليد في مطبعة السيد ليديو كورو أو في أي حانوت صغير متواضع.

هؤلاء شعراء ومؤلفو كراريس ومؤرخون ومدربو رقص وواعظون. يحكون عن الحياة في المدينة ويعلقون عليها، ويضبطون على الإيقاعات أحداثاً حقيقية وقصصاً مذهلة يخترعونها هم، «عذراء باربالهو التي علقت الموزة على...» أو «الأخيرة ماري كروز والفارس الطائر». يحتجون وينتقدون، يقدمون المواعظ والتسلية، وبين حين وآخر يطلقون قصيدة شعرية جيدة.

في مشغل أغنالدو يتحول الخشب القاسي الجميل ـ خشب الورد(1) والخشب البرازيلي وخشب الماهوغاني(2) والبيروبا والبوتوموجو والماساراندوبا ـ إلى عربات لكسانغو المرعد، ولأرواح الماء والأوكسون والأم بيمانجا والأرواح الهندية ـ كشاف الطرق، النجم الثلاثي، (ذو السيوف السبعة) الذي يحمل سيوفاً لامعة في يديه القويتين. ويدا أغنالدو نفسه قويتان على الرغم من أن قلبه بدأ يضعف لأنه أصيب بمرض شاغا القاتل، الذي لم يكن قد عرف له اسم في تلك الأيام، لكنه كان يعني الموت البطيء المحتوم. يداه اللتان لا تعرفان الكلل تصوغان آلهة أفريقية وأرواح كابوكلو (هجين من أبيض وهندي) التي لها سرها الخاص بها والذي لا يعرفه أحد؛ وكأنما أغنالدو نفسه، الموشك على الموت، ينفخ في كل منها نوعاً من الخلود. إنها أشكال مقلقة تذكر في الوقت ذاته بكائنات خرافية وببشر عاديين، وذات مرة طلب باي دوسانتو، وهو طبيب ساحر من ماروغوجيبي، تمثالاً ضخماً لأوكسوسي الصياد وجلب جذع شجرة ضخمة لينحته منها. احتاج نقل الشجرة إلى ستة رجال. وابتسم أغنالدو، الموشك على الموت والذي لا يكاد يلتقط أنفاسه، حين رآها: كان يجب أن يشتغل على قطعة ضخمة من الخشب كهذه. وفيما كان ينحت الشجرة بغبطة لا توصف وضع لأوكسوسي بندقية يمسك بها بدلاً من القوس والسهم. كان نوعاً مختلطاً من الأوكسوسي: إنه لا يزال ملك كيتوورب الغابات، طبعاً، لكنه يشبه إلى حد بعيد لوكاس دوفيرا، قاطع الطريق في المناطق النائية، أو لصاً فظاً مثل بيتل غولدنكورد (الخنفس ذي الخيط الذهبي).

قبل أن يموت بيتل العجوز

تكلم بوضوح شديد، وقال:

«لا تسمح لأحد بإزاحتك، يا بني،

إذا كنت تريد أن تشابه أباك».

صفحة 5

أغنالدو رأى أوكسوسي بهذا الشكل، وهكذا نحته مع سكين صيد السمك وبندقية ونجمة قاطع الطريق على قبعته الجلدية. لكن المعلم الأب رفض أن يقبل الصورة الشائعة. وظل أوكسوسي في عمق الحانوت ليحرسه عدة شهور إلى أن مر فرنسي جوال ذات يوم ودفع مبلغاً كبيراً من المال مقابلاً له. ويقال إن أوكسوسي انتهى في متحف في باريس. ولكن بعد ذلك رويت مجموعة من الحكايات في المناطق المحيطة ببلورينهو.

وبين يدي خلاسي هزيل أقرب إلى البياض اسمه ماريو بروينشا، تتطرق صفائح التنك والزنك والنحاس وتتحول إلى سيوف للمحارب أوغون، ومراوح لييمانجا، وميدالية أوكسون المدورة الرمزية التي هي مروحة وآلة موسيقية، ومقشات طائرة لأوكسالا، أعظم الآلهة. ورمز عبادة بروينشا تمثال ضخم من النحاس لييمانجا: «خيمة أم المياه».

أما المعلم مانو القاسي الكالح ذو الوجه المجدور، الرجل ذو الكلمات القليلة والمزاج الصعب فيصنع رمح إكسو الثلاثي الحربات، وأسلحة أوكسون الحديدية المتعددة، وقوس أوكسوسي المشدودة، وصل أوكسوماري، إله قوس قزح. وهذه الآلهة ـ الأوريكسا ـ مثل رموزها مولودة من النار ومن عنف مانو.

يولد النحت بين أيدي هؤلاء الناس غير المتعلمين.

ويشتغل المعلم ديدي، وهو يقف عند بوابات كارمو، بالخرز والقش، وذيول الخيل والجلود ليخق ويخلق المِدراس اليدوي القصبي لأمولو وكافة الرموز الأخرى ـ الايبيري والآري والايروكسين والايروكيري والكساكسارا. وإلى جواره ديودورو، الخلاسي ذو الضحكة الصاخبة والذي تخصص في صنع الطبول الخشبية الخاصة بكل شعب أفريقي ـ ناغو، غيجي، أنغولا، كونغو ـ والطبل الصغير، إيلو، لإيجاكسا، يصنع آلات معدنية وخشخيشات خرزية. ولكن أجراس آغوغو التي يصنعها مانو هي الأفضل.

وفي مدخل أحد المنازل في روادو ليشيو يزخ ميغيل دفقات من المرح والثرثرة اللامتناهية وهو يصنع الملائكة والقديسين ـ قديسون كاثوليك ومقدسات كنيسة، وعذراء الحمل، والقديس أنطونيو من لشبونة والملاك الحارس جبرائيل، والطفل يسوع ـ كيف يحدث أن يكونوا قريبين بهذا المقدار من أوريكسات المعلم أغنالدو؟ الشيء الوحيد المشترك بين رموز الفاتيكان وآلهة فودو وكابوكلو هو دمهم المختلط، فإذا كان الأوكسوسي الذي يصنعه أغنالدو قاطع طريق من المناطق النائية فكذلك يكون القديس جورج عندنا من القديسين. وخوذته تبدو أشبه ما تكون بقبعة جلدية وتنينه قد يكون مزيجاً من التمساح والغول الخرافي عند مهرجان الملوك الثلاثة.

بين حين وآخر، حين يجد ميغيل الوقت والرغبة، فإنه ينحت زنجية عارية شهوانية لمجرد اللهو والتسلية ثم يقدمها لأحد أصدقائه، أحد هذه التماثيل كان صورة ناطقة لدوروشيا السوداء؛ الثديان المرتفعان والمؤخرة الصلبة والبطن الموردة والقدمان المدورتان. ومن أحق من بدرو أرشانغو باقتنائها؟ ولم يستطع ميغيل أبداً أن ينحت تمثالاً لروزا دو أوكسالا. لم يستطع «أن يحس بها» كما كان يقول.

صاغة الذهب والفضة يعملون بالمعادن النبيلة. الفضة والنحاس يصبح لهما جمال قاس حين يصاغان على شكل فاكهة أو سمكة أو تعويذة ـ الفيغا والبالانغاندان؛ وفي لارغو داسي وبيكادوس ساباتيروس يتحول الذهب إلى قلائد وأساور بلمسات من الصائغ. وأكثر هؤلاء الصاغة شهرة هو لوشيوريس، الذي كان والده خبيراً برتغالياً، وقد علمه الصنعة جيداً. لكن لوشيوريو أهمل الصياغة التخريمية اللوزيتانية وصار يصنع، بدلاً منها، ثمار شجر البلاذر الأمريكي والأناناس والكرز البرازيلي والتفاح السكري ورموز الخصب (الفيغا) من الأحجام كافة. وعن برديليتا السوداء، أمه، أخذ خاصية اختراع الأشياء. والحلق وقطع الزينة والخواتم التي اخترعها تساوي الآن ثروات طائلة في محلات بيع الأثريات.

وتحت ظلال النخيل تضيف جوزات الكولا والبذور السحرية الطقوسية قوتها إلى الدواء العادي. والدونا أديليد توست، بفمها البذيء وقدرتها اللا محدودة على احتساء روم الكاشاشا تعرف القدرة الإيذائية لكل بذرة وورقة شجر والصفات الدوائية للجذور واللحاء والنباتات والأعشاب: الشبّة للكبد، ونبتة رغي الحمام لتهدئة الأعصاب، والبردي اللزج لآثار السكر والبريكستون للكلى، والعشبة المقدسة لآلام المعدة، وبردي لحية الماعز لرفع المعنويات وتخفيف الآلام. والدونا فيلومينا خبيرة أخرى! فإذا سألتها بلطف ودفعت لها بسخاء فإنها تجعل جسدك محصناً من العين الشريرة. وهي لا تفشل أبداً في علاج البرد المزمن وآلام الصدر بوصفة مؤلفة من الشيح والسرمق والعسل والحليب والليمون وما لا يعرفه إلا الله. ما من سعال، ولا حتى الشهيق التشنجي يستطيع مقاومتها. وقد استطاع طبيب بعد تعلم الوصفة الخاصة بتنقية الدم على يد الدونا فيلومينا أن يذهب إلى سان باولو وأن يجمع ثروة طائلة من معالجة السفلس.

خيمة المعجزات، لاديرا دوتوبوان رقم (60)، هي البناء الأساسي في الجامعة الشعبية. هناك المعلم ليديوكورو الذي يرسم المعجزات، ويلقي بالظلال السحرية ويحفر خطوطاً أولية على الخشب. وهناك بدرو أرشانجو الذي يمكن اعتباره مستشار الجامعة. هذان الرجلان وهما منكبان على النموذج العتيق البالي وآلة الطبع الحساسة في الحانوت القديم الفقير في أثاثه، يهيئان نموذجاً لكتاب عن الحياة في باهيا.

ولا تبعد كلية الطب كثيراً عن «معبد المسيح»(3)، وفي تلك المدرسة يتعلم الطلاب علاجات أخرى للمرض وطرقاً أخرى للعناية بالمرضى. ويتعلمون أيضاً أشياء أخرى ـ بلاغة رديئة، وطريقة ترديد القصائد (السونتس) ونظريات ذات قيمة مشكوك فيها.

صفحة 6

كيف كُلّف فاوستو بينا، الشاعر الذي يحمل البكالوريوس في العلوم الاجتماعية بمهمة وكيف نفذها؟

سيجد القارئ في الصفحات التالية نتائج تحرياتي حول حياة بدرو أرشانجو وأعماله. وقد أسندت إليّ المهمة من قبل جيمس د. ليفنسون العظيم ودُفع لي من أجلها بالدولار.

قبل كل شيء هناك بعض النقاط التي لابد من توضيحها طالما أن الأمر كله كوميديا أخطاء من بدايته حتى نهايته. وعند تصفح دفتر ملاحظاتي لا أستطيع تجاهل الدليل: لا يتبقى إلا القليل من الهذر الفارغ. والقصة كلها مشوشة وغامضة على الرغم من قصارى جهودي التي كانت جهوداً جبارة بلا حدود. صدق أو لا تصدق.

وحين أتحدث عن الشكوك والأمور غير الموثوقة وعن الغموض والسحر فإنني لا أشير فقط؛ إلى حياة كاتبنا، بدرو أرشانجو من باهيا، بل إنني أشير إلى مجمل الحقائق في أوج تعقيدها: من حوادث الماضي البعيد إلى الأحداث المعاصرة؛ بما في ذلك مقابلة ليفنسون المثيرة؛ ومن الحفل المشهود الذي أقيم في عيد ميلاد أرشانجو الخمسين إلى الليلة الختامية للذكرى المئوية. أما في ما يتعلق بإعادة بناء حياة بدرو أرشانجو فلم يكن ذلك قصدي أبداً. وفي الحقيقة لم يطلب مني ذلك عالم كولمبيا الذي كان اهتمامه متركزاً على مناهج أرشانجو في البحث ونوع ظروف العمل التي استطاعت أن تنتج عملاً حياً وأصيلاً كعمله. كل ما طلبه مني ليفنسون هو جمع المعطيات التي تمكنه من النفاذ إلى شخصية أرشانجو وأعماقه وذلك لأنه يريد أن يكتب عدة صفحات عنه كمقدمة للترجمة الإنكليزية لمؤلفاته.

ولم تكن التفاصيل الدقيقة في حياة أرشانجو هي التي جذبتني بل الحقائق الهامة والأساسية أحياناً. وكثيراً ما كنت أجد نفسي أمام جدار كاتم، في متاهة من الزمان والفضاء، أو في مواجهة أحداث لا تفسير لها، وروايات متعددة للقصة ذاتها، وشروحات غير معقولة ونقص مريع في ترتيب المادة التي تمكنت من جمعها ومعلومات متناقضة وأصحاب معلومات متناقضين. فلم أستطع، مثلاًً، أن أعرف أبداً ما إذا كانت الزنجية روزا دو أوكسالا هي نفسها الفتاة الخلاسية ريزوليتا، التي جاء أسلافها من مالي أم أنها هي دوروشيا، المرأة التي تحالفت مع الشيطان. كان هناك من يعتقد أنها متجسدة في روزيندا باتيستا دوس من موريتيبا، بينما ربط آخرون قصتها بالفاتنة سابينا دوس أنجوس «ألطف الملائكة» حسب تعبير المعلم أرسانجو الفصيح. قلت لنفسي: عليها اللعنة. هل كانت امرأة واحدة أم عدة نساء؟ وتوقفت عن محاولة الكشف. وأنا واثق أنه ما من أحد يستطيع أن يعرف أكثر مما عرفت.

وعلي أن أعترف بأن مجموع الروايات المتناقضة قد أغضبتني إلى درجة التوقف عن تعرض مكتشفات محددة. كانت الأمور تنتهي دائماً إلى «ربما» و«لعله» و«إن لم يكن الأمر على هذا النحو فعلاً فلا بد أنه كان كذلك» ـ لا تماسك ولا يقين أبداً. ربطوا به مآثر عديدة. وكأن الذين كنتُ أحدثهم لم تكن أقدامهم على الأرض. فكأنهم لم يكونوا يرون الميت مخلوقاً من لحم ودم بل يرونه عصبة كاملة من الأبطال والسحرة. ولم أستطع أبداً أن أرسم حداً فاصلاً بين الحقيقة والوهم كما بين الواقع والتخيل.

قرأت كتبه كلها من بداياتها حتى نهاياتها. ولم تؤد الغرض المطلوب ـ مجرد أربعة كتب صغيرة أطولها لا يزيد على مئتي صفحة (مؤخراً قام ناشر في سان باولو بطباعة ثلاثة منها في مجلد واحد وحذف كتاب الطبخ لأن نوعيته المتخصصة تحقق انتشاراً أوسع) ولن أغامر بإبداء رأي في عمل أرشانجو، الذي أصبح الآن فوق النقد والاعتراض. وما من أحد يجرؤ على إنكار قيمته بعد أن كرسه ليفنسون العظيم وتُرجم إلى عدة لغات. ويبدو أنه استقبل بحفاوة في كل مكان. فيوم أمس بالذات قرأت في الصحيفة خبراً موجزاً: «تم نشر أرشانجو في موسكو وقد مدحته البرافدا».

كل ما أستطيع أن أفعله هو أن أضيف مديحي إلى الجوقة العالمية. سأقول إنني وجدت الكتب ممتعة للقراءة: كثير من الأشياء التي يشير إليها أرشانجو هي جزء من الحياة اليومية في باهيا حتى اليوم. تسليت كثيراً بالكتاب قبل الأخير (كان على وشك أن ينشر كتاباً آخر عند موته) الكتاب الذي جلب له الكثير من المشاكل. واليوم حين أسمع بعض معارفي يتباهون بدمهم الأزرق، وسلالتهم النبيلة وأشجار عوائلهم وشعارات نبلهم وما شابه ذلك من هذا الهراء؛ أكتفي بأن أسألهم عن اسم العائلة ثم أنظر في قائمة أرشانجو. لقد كان جدياً ومجتهداً جداً في بحثه عن الحقيقة.

لم أوضح بعد كيف تعرفت بذلك الباحث في أمريكا الشمالية وكيف شرفني بتلك المهمة. اسم جيمس د. ليفنسون غني عن التعريف. ومسألة أن يثق بي من أجل مهمة صعبة كهذه هي مصدر غبطة وفخر. وذكرياتي عن اللحظات القصيرة التي قضيتها برفقته هي ذكريات مبهجة على الرغم من كل ما حدث. غير مدّع بل مبتسم ومؤدب وأنيق ووسيم. إنه الرد الحي على جميع كاريكاتيرات الباحثين العجائز المنهكين في أراشيف المحفوظات المعثثة.

وعليّ أن أغتنم هذه الفرصة لأضع الأمور في نصابها في ما يتعلق بتعاوني مع البروفسور الشهير في جامعة كولومبيا؛ الأمر الذي استغله الحاسدون والفاشلون بشكل مخجل، فهم لم يكتفوا بالتدخل في حياتي الخاصة ويلوثوا اسمي واسم آنا مرسيدس، كما هي عادتهم؛ بل حاولوا تشويه سمعتي عند اليساريين بأن أعلنوا لأرجاء الدنيا كافة بأنني قد بعت نفسي وبعت ذكرى أرشانجو إلى الإمبريالية الأمريكية الشمالية لقاء حفنة من الدولارات.

أسألكم الله ما هي العلاقة الممكنة بين ليفنسون ووزارة الخارجية أو البنتاغون؟ والحقيقة هي أن مركز ليفنسون ينظر إليه من قبل الرجعيين والمحافظين نظرة غير سليمة لأن اسمه مرتبط بالحركات التقدمية وبالاحتجاج على الحرب. وحين نال جائزة نوبل من أجل مساهماته في العلوم الاجتماعية والإنسانية فإن ما ركزت عليه الصحافة الأوروبية هو شبابه بشكل خاص ـ هو أصلاً لم يتجاوز الأربعين بعد ـ واستقلالية المكرّم الجديد الأمر الذي أثار الشبهات حوله في الدوائر الرسمية. وإضافة إلى ذلك فإن مؤلفات ليفنسون في متناول الجميع؛ وفيها تلك الإحاطة الشمولية الهائلة بالحياة عند الشعوب البدائية والمتخلفة والتي وصفت بأنها «صرخة احتجاج درامية ضد العالم الخاطئ والظالم».

وأنا لا علاقة لي بنشر مؤلفات أرشانجو في الولايات المتحدة؛ بل إنني أعتبر أن شعبيتها وانتشارها انتصار للفكر التقدمي. ففي النهاية يظل ابن بلدنا الباهي متحرراً، ومن دعاة الحرية. صحيح أنه لم يبشر بأية أيديولوجيا، لكنه كان يتأجج بحب حارق لا حدود له لأبناء شعبه. وكان من حملة ألوية الكفاح ضد العنصرية والتحامل والبؤس والتعاسة.

التقيت ليفنسون عن طريق آنا مرسيدس، الممثلة الحقيقية لحركتنا الشعرية الشابة في أحسن حالاتها، والتي تكرس الآن مواهبها الكبيرة للموسيقى الشعبية البرازيلية، والتي في الوقت ذاته تعمل كمراسلة لجريدة يومية محلية، وقد طلب إليها أن تغطي زيارة البروفيسور القصيرة لمدينتنا. وقد حملت أوامر رئيس تحريرها بإخلاص إلى درجة أنها لم تفارق الأمريكي. كانت مترجمته ومرافقته الدائمة في الليل والنهار. ولاشك أن لتزكيتها لي علاقة باختياري للمهمة. ولكن مسافة شاسعة وبحراً من الافتراءات يقعان بين هذه الحقيقة وبين ما تجرأ على قوله بعض المنحطين عنا نحن الاثنين. لقد كانت أمام ليفنسون الفرصة الملائمة لتقدير مؤهلاتي قبل ن يقدم لي العقد.

كنا، نحن الثلاثة، نذهب معاً إلى الاحتفالات في عيد يانسان حسب الأصول والطقوس الملائمة لـ«تيريرو ألاكوتي» وكنت قادراً على إظهار معرفتي المتخصصة بالثقافة الأفرو ـ برازيلية وجعله يشعر بعظمة فائدتي له. بمزيج من البرتغالية والأسبانية وبشيء من الإلمام بالإنكليزية الذي جمعته من بعض إلمامات أو أن كنت أشرح له الطقوس المتوافقة المتعارضة. قلت له أسماء الأرواح ـ الأوريكسا ـ وأسباب حركاتها المختلفة وإشاراتها ووضعياتها، وشرحت له الرقصات والأغنيات وألوان الملابس التي يرتديها المؤمنون إضافة إلى أشياء أخرى كثيرة. ـ فأنا متحدث بارع حين يكون مزاجي جيداً؛ وما لم أكن أعرفه كنت أفبركه. كنت مصمماً على عدم إضاعة هذه الدولارات التي كانت تتلامع أمام عيني. دولارات، انتبه، وليست كرويزوات عديمة القيمة. بعد قليل استلمت نصف المبلغ في بهو الفندق، حيث، بشيء من عدم الحماس، ودعتهما وتمنيت لهما ليلة سعيدة.

وهذا كل ما عندي لأقوله. لم يكن هناك ما يمكن شرحه، باستثناء أنه، ولأسفي الشديد لم يول ليفنسون العظيم أي اهتمام لشغلي. فحالما انتهى الشغل أرسلت له نسخة على الآلة الكاتبة، كما التزمت بأن أفعل، وربطتها بواحدة من الصورتين الفوتوغرافيتين اللتين استطعت إيجادهما؛ الصورة الباهتة يظهر فيها خلاسي فاتح السحرة، شاب ضخم يرتدي بذلة فاتحة يتخذ وضعية خاصة ويبدو منسجماً مع نفسه. إنه بدرو أرشانجو نفسه بعد قليل من استئجاره كساع في كلية باهيا الطبية، ورأيت من الأفضل ألا أرسل الصورة الأخرى التي يظهر فيها المعلم بدرو، وقد صار الآن عجوزاً مقعداً، مجرد بقايا إنسان، محاطاً بنساء مشكوك في فضيلتهن وهو يمسك كأساً ومن الواضح أنه سكران كما يليق بلورد.

بعد ما يقرب من أسبوعين، تلقيت رسالة موقعة من سكرتير ليفنسون، يؤكد فيها استلامه لأوراقي ومعها شيك بالنصف الآخر من أجري مع مبلغ إضافي لتغطية بعض النفقات التي تكبدتها أو قد أتكبدها. لقد دفعوا دون مماحكة على البنسات، وأنا واثق أنهم كانوا سيدفعون أكثر لو لم أكن متواضعاً في توقعاتي وغير مبازر في قائمة مصاريفي.

من كل المادة التي أرسلتها لم يستخدم ليفنسون إلا الصورة عند نشره الترجمة الإنكليزية لمجمل أعمال بدرو أرشانجو وباعتبارها جزءاً من موسوعته الهائلة عن حياته بين شعوب أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية (انسكلوبيديا الحياة في البلدان الاستوائية والمتخلفة) التي كتبت بالتعاون مع بعض السلطات العليا في زماننا. وفي مقدمته اكتفى ليفنسون بتحليل كتبنا الباهيانية مع ذكر عابر لحياته ـ ما يكفي للتدليل على أنه لم يلق ولو نظرة عابرة على النص الذي كتبته. وفي مقدمته جاء أرشانجو وقد تقدم إلى «بروفسور بارز، وعضو في الهيئة التدريسية في كلية الطب». والذي تحت رعايته يفترض أنه قام بأبحاثه ونشر كتبه. تصور ذلك إذا استطعت! من الذي دس هذه الأكاذيب الصارخة لليفنسون!! ولكن لو أنه ألقى نظرة واحدة على الأقل على أوراقي الأصلية لما وقع في خطأ فادح كهذا ـ من ساع، إلى بروفيسور. آه! أهذا ما كان ينقصك يا أرشانجو المسكين!!.

ولم يذكر اسمي ولو مرة واحدة، كما لم ترد أية إشارة إلى شغلي في كتاب ليفنسون. في هذه الحال أجد لدي الحرية الكاملة لقبول العرض الذي تلقيته لتوي من دميغال شافز، بائع الكتب والناشر الثري في روادا أجودا، الذي عرض علي أن ينشر جهودي المتواضعة. ولم أشترط غير شرط واحد؛ عقد واضح وملائم. ذلك أنه يشاع أن السيد شافز، على الرغم من ثرائه وغناه الواضحين، يعقد صفقات قاسية وأحياناً تخونه الذاكرة حين يتعلق الأمر بدفع حقوق المؤلفين. وفي هذا المجال يتمشى الرجل مع تقليد محلي: صديقنا أرشانجو كان ضحية لشخص اسمه بونفانتي؛ بائع كتب وناشر هو الآخر، لديه مكتبة في لارغودوسي منذ وقت طويل، كما سنرى.

صفحة 7

وصول الباحث الأمريكي الشمالي جيمس د. ليفنسون إلى البرازيل ومعاني هذا الوصول وتبعاته

-1-

ـ ياي! ياي! إنه لعبة. لعبة حية تتنفس!

هكذا صرخت آنا مرسيدس، وهي تخطو خطوة واحدة إلى الأمام، حتى وقفت مثل نخلة استوائية ممشوقة خارج إطار الجمع، المكون من مراسلين ومعلمين وطلاب ونساء المجتمع الراقي ورجال الأدب والفضوليين الذين تجمعوا في الصالون الواسع في الفندق الكبير بانتظار جيمس د. ليفنسون الذي سيقابل الصحافيين.

وكما لو أنها قد انتُدبت لتقدم للرجل مفاتيح المدينة، تقدمت الفتاة المراسلة لصحيفة «مورننغ نيوز»، مبتسمة وشقت طريقها وسط زحام المكروفونات الإذاعية وكاميرات التلفزيون ومصابيح الإضاءة والمصورين الصحافيين ومصوري السينما والتلفزيون وكتلة متشابكة من الأسلاك الكهربائية.

«الشيمية»(4) كلمة أكثر انحطاطاً وسوقية من أن تليق بوصف تلك المشية المتماوجة، ذلك التأرجح في الأرداف والبطن على إيقاع السامبا، والذي يليق بحاملة علم في مسيرة كرنفال.. مثيرة جنسياً (سكسي) إلى أبعد الحدود. والميني جيب الذي ترتديه يظهر العمودين السمراوين لفخذيها. نظرتها ليلية. وهناك ابتسامة على شفتيها المنفتحتين بنصف انفتاحة والمكتنزتين قليلاً. وأسنان بيضاء شهوانية. وسرتها ظاهرة للعيان. فتاة ذهبية من رأسها إلى أخمص قدميها. لا. الشيمية ليست بالكلمة المناسبة. إنها دعوة وعرض. هي الرقصة ذاتها.

خطا الأمريكي خارجاً من المصعد ثم توقف ليستطلع القاعة وليترك المجال لتأمله! طوله أكثر من ستة أقدام مع جسد رياضي ومظهر ممثل: شعر أشقر، عينان بزرقة السماء ومعه غليون ـ من يصدق أنه في الخامسة والأربعين من عمره كما يقول بيان سيرته؟ الصور الكاملة التي نشرت في مجلات ريو وسان باولو هي التي جلبت النساء بهذه الكثرة: وحالما رأينه أيقنَّ بصمت أن ليفنسون بلحمه ودمه أفضل بكثير مما هو في صوره. يا له من رجل!

«يا للصفيقة»! همست امرأة ذات صدر فيه عظمة بارزة، وكانت تعني آنا مرسيدس.

تطلع الباحث مسحوراً إلى الفتاة التي كانت تتقدم إليه مباشرة بسرتها الظاهرة. لم يسبق له أن رأى مشية متراقصة كهذه، وجسداً ليناً كهذا، ووجهاً مثل هذا الوجه مليئاً بالبراءة والإدراك، خلاسية بيضاء سوداء.

تقدمت وتوقفت أمامه، وحين تحدثت كان كلامها تغريداً: «مرحبا يا ولد!».

ـ مرحبا! أجاب ليفنسون بلهجة موحية وهو يخرج الغليون من فمه يقبل يدها.

ارتعشت النساء كلهن في وقت واحد وهن يتطلعن مذهولات إلى وقاحتها. أوه! هذه الآنا مرسيدس ليست سوى مومس رخيصة، تسمي نفسها مراسلة وتكتب خربشات يسمونها شعراً.. على أية حال الجميع يعرفون أن فوستو بينا، ديوث هذه المرحلة، هو الذي يكتب لها شعرها!

وكما كتب سيلفينهو الرائع في زاويته في اليوم التالي: «كانت فتنة سيدات باهيا ورقيّهن وثقافتهن حاضرة. «كوم إل فو» في مؤتمر جيمس د. الصحفي الرائع، بعض الأشياء العزيزة الصغيرة (السيدات) يتحدثن بعلم الأقوام معه، بينما صيادات الرجال يحدقن إليه فاغرات أفواههن وهن يستعرضن علومهن الاجتماعية». كان لبعض هؤلاء النساء، فعلاً، مواهب أخرى إضافة إلى مظاهرهن الحسنة وألقهن وباروكاتهن الأنيقة وبراعاتهن في السرير؛ لديهن شهادات من وزارة السياحة أو مدرسة المسرح في «الملابس والأزياء النموذجية» و«تراث مدينتا وتاريخها ونُصبها» و«الشعر الحسي» «والدين والجنس والتحليل النفسي». ولكن سواء كن تلميذات مزودات بشهادات أم مجرد هاويات، وسواء كن بالغات غير مروضات أم سيدات رصينات على أبواب عملياتهن التجميلية الثانية أو الثالثة؛ فإنهن جميعاً قد أدركن أنهن قد خسرن السباق وأن عليهن الاستسلام؛ فآنا مرسيدس الصفيقة الساخرة قد تقدمت عليهن وطوت العالم الدافق الرجولة تحت جناحها وحولته إلى ملكية خاصة تماماً. فلأنها تملكية ونهمة ـ «بقرة نهمة ونجمة مضاجعة» كما جاء في شعر فوستو بينا الغنائي ذي المعاناة الطويلة ـ لم يكن في نيتها أن تشارك أحداً في لفنسون، وأدركت النساء الأخريات أن عليهن الاستسلام نهائياً.

أمسكت الشاعرة المراسلة البروفسور القادم من جامعة كولومبيا بيده وقادته إلى وسط القاعة حيث وضع كرسي ذو مساند. تلاحقت لمعات الأضواء وبدت المصابيح كالأزهار. ولو أن أحدهم فتح البيانو وعزف «مارش الزفاف»، لكانت آنا مرسيدس بالميني جيب والميني بلوز وجيمس د. لفنسون ببذلته الاستوائية الزرقاء عريسي العام في طريقهما إلى المذبح. وهمس سيلفينهو: «انظروا إلى العريس والعروس».

لم تفترق يداهما إلا بعد أن جلس الباحث. ولكن آنا ظلت واقفة للحراسة إلى جانبه؛ إذ أنها لم تكن من الغباء بحيث تفلته وسط هذه الحلقة من العاهرات الشرهات وهن في حالة نزاء. كانت تعرف كل واحدة من هؤلاء البقرات وتعرف أن كلاً منهن أكثر استعداداً من الأخرى للاضطجاع. ضحكت لهن لكي تستعرض انتصارها فقط. وجن جنون المصورين فصعدوا على الكراسي ووقفوا على الطاولات وزحفوا على الأرض في مشهد مهووس من البحث عن الزوايا والوضعيات. وبإشارة خفية من وزير السياحة قام الخدم بتقديم المشروبات وبدأ المؤتمر الصحفي.

جوليو ماركوس، المثقل بإحساسه بالأهمية والمعرفة وتقدير الذات والغرور، وهو الناقد الأدبي ورئيس التحرير لـ«سيتي نيوز» وضع نظارته ونهض على قدميه. ساد صمت وإعجاب وشيء من حبس الأنفاس بسبب التوقعات الأنثوية. فإذا كان النتاج الأجنبي المتمثل في شخص العالم الأشقر لم يعد ممكناً؛ فإن ماركوس الصلف بعينيه الزرقاوين المخضرتين ومسحته الخلاسية المنمشة لديه شيء من الفتنة. وباسم «سيتي نيوز» والمثقفين المتنورين بشكل عام طرح السؤال الأول، وكان مدمراً:

ـ أود لو أسمع، بكلمات موجزة، رأي البروفسور العظيم بأعمال ماركيز، أليس صحيحاً أن ماركس، بعد ماركيز، صار موضة ظافرة هل توافق على هذا الرأي؟ أم لا؟» وبعد أن تكلم مسح القاعة بنظرة ظافرة، فيما المترجم الذي يحتل مكتب العميد في الجامعة أو لديه لفظ واضح بالطبع) راح يترجم السؤال إلى الإنكليزية. وماريوشا بالانغا، الكاريكاتير التعيس لفتاة في سن الزواج والتي لوجهها وظيفتان ولصدرها وظيفة واحدة، هتفت بإعجاب وبصوت هامس ولكنه مسموع: «ما أبرعه!».

بحنو تطلع جيمس د. ليفنسون إلى سرة آنا مرسيدس، بئر الغموض العميقة، وزهرة بستان الحلم، وسحب نفساً من غليونه ثم أجاب بإسبانية خارجة من الحلق، وبالفظاظة التي تليق بالفنانين والعلماء: «هذا سؤال غبي. والأحمق وحده هو الذي يمكن أن يغامر برأي كهذا حول مؤلفات ماركيز أو يناقش ماركسية اليوم ضمن إطار مؤتمر صحفي. ولو كان لدي الوقت لإلقاء بحث أو محاضرة لاختلف الأمر. ولكن ليس لدي الوقت ولم آت إلى باهيا للتحدث عن ماركيز. جئت لكي أرى المكان الذي عاش فيه رجل ذو أهمية واشتغل فيه، رجل ذو مثل عميقة وطيبة، وأحد مؤسسي الإنسانية الحديثة ـ ابن بلدكم بدرو أرشانجو هذا، وهذا وحده، هو ما جاء بي إلى باهيا».

ونفخ في غليونه ثم ابتسم للجمهور المسترخي والمستمتع بحب الغرينغو(5). ودون أن يلقي حتى نظرة على جثة ماركوس المسكين الملفعة بإزار من غروره الأحمق؛ تأمل آنا مرسيدس من رأسها إلى قدمها ومن شعرها الأسود المرسل إلى أظافر قدميها العجيبة المدهونة بالأبيض، ليكتشف أنها تزداد ملاءمة لمقاييسه وذوقه. لقد سبق لأرشانجو أن كتب في أحد كتبه: «جمال النساء، النساء البسيطات من الطبقات الفقيرة الدنيا، إحدى ميزات مدينتنا المهجنة، ومن مزايا الحب بين الشعوب، ورمز لصباح مشرق سخي». وتطلع مرة أخرى إلى السرة الموردة، سرة العالم، ثم قال بإسبانيته القاسية الصحيحة المستمدة من جامعة أمريكية شمالية:

«أتعرفون بما أود أن أشبه عمل بدرو أرشانجو؟ بهذه الصبية الواقفة إلى جانبي. إنها بالضبط مثل صفحة من كتاب: أرشانجو، إغواليتا ـ طبق الأصل».

وهكذا، في باهيا، عصر ذلك اليوم الجميل من نيسان بدأ تمجيد بدرو أرشانجو.

صفحة 8

ـ 2 ـ

الشهرة والاعتراف الشعبي والمديح وإعجاب المتعلمين والمجد والنجاح ـ وحتى النجاح العالمي المقرون بكتابات التقريظ في الزوايا الاجتماعية والصرخات الهستيرية الصغيرة من نساء الطبقة الراقية ـ هذا كله جاء لبدرو أرشانجو بعد موته، وما من شيء من هذا يفيده، ولا حتى النساء اللواتي أحبهن من كل أعماقه حين كان حياً.

كانت تلك «سنة بدرو أرشانجو» كما كتب صحافي مشهور في استعراضه للأحداث الثقافية في نهاية العام. وكان ذلك صحيحاً: إذ لم يتمتع أي مثقف آخر بشعبية كهذه، ولم يتلقّ أي كتاب مثل ذلك المديح الذي انصب على مؤلفاته الأربعة، التي أعيد طبعها بسرعة بعد عقود عديدة من الإهمال حين كانت مجهولة تماماً، ليس فقط بالنسبة لعامة القراء بل حتى بالنسبة للمتخصصين مع استثناءات مشرفة محددة سنأتي على ذكرها لاحقاً.

بدأ الآمر كله مع وصول جيمس د. لفنسون الشهير إلى البرازيل، وهو «أحد العبقريات الخمس في هذا القرن» (الموسوعة البريطانية): فيلسوف، عالم رياضيات، عالم اجتماع، عالم أحياء، عالم في علم الأقوام. الخ وبروفسور في جامعة كولومبيا، وحائز على جائزة نوبل في العلوم ـ وإضافة إلى ذلك كله: أمريكي. لقد استطاعت نظرياته الجريئة والمثيرة للجدل أن تثوَّر العلوم المعاصرة: وبالنظر إلى المسائل بمناظير حواريين آخرين توصل إلى نتائج جديدة جريئة فقلب الفرضيات والأطروحات القديمة التي ظلت لفترة طويلة تعتبر بدهية. وبالنسبة للمتحفظين كان يعتبر مهرطقاً خطراً؛ أما بالنسبة للطلاب والأنصار فقد كان إلهاً. وبالنسبة للصحافيين كان مَنّاً تنزل من السماء لأن جيمس د. لفنسون كان يتحدث بصراحة ومباشرة ويقول ما يفكر فيه تماماً.

لقد جاء إلى ريو بدعوة من جامعة البرازيل لإلقاء سلسلة من خمس محاضرات في كلية الفلسفة والآداب. وكما نعرف جميعنا كانت الندوات ناجحة تماماً. فالمحاضرة الأولى التي خطط لها بأن تلقى في قاعة محاضرات الكلية كان لابد من الانتقال بها في آخر لحظة إلى المدرج الكبير في المبنى الرئيسي. وحتى هناك كان بعض المستعمين واقفين في الممرات أو جالسين على الأدراج. وكان هناك الكثير مما يشغل المراسلين والمصورين. فلفنسون لم يكن عبقرياً فقط بل كان «فوتوجينيك» بشكل باهر.

وتسببت محاضراته، التي تلتها فترات للأسئلة وأحياناً نقاشات حادة، في قيام تظاهرات طلابية عنيفة تأييداً للعالم مع صرخات احتجاج ضد الديكتاتورية. وأكثر من مرة كان الطلاب يهبون واقفين ليعبروا عن حماسهم المفرط له ويظلون على ذلك عدة دقائق. والتقطت مخيلة الناس بعض عبارات لفنسون لتنتقل بسرعة شديدة من أقصى البلاد إلى أقصاها. «عشر سنوات من المؤتمرات العالمية المطولة أفضل من يوم واحد من الحرب وأرخص أيضاً». «السجون ورجال الشرطة قذرون بالمقدار ذاته في ظل أي نظام ودون استثناء». «لن يكون العالم متحضراً فعلاً إلا حين يقتصر وجود البزات العسكرية على المتاحف».

كان لفنسون يلازم الشاطئ في الصباح وهو محاط بالمصورين وهاويات الشهرة ولا يرتدي إلا مايوه السباحة الصغير. وبشكل مقصود رفض الدعوات كافة من الأكاديميات والمعاهد والنقابات والمجالس الثقافية وجمعيات المعلمين ـ إنه مشبع بهذه الأشياء من نيويورك وقد قرف منها ولكن متى تتاح له الفرصة مرة أخرى للتمتع بشمس البرازيل؟ كان يلعب الكرة على الشاطئ وكان بالطبع يصور وهو يسجل الأهداف، على الرغم من أن النساء هن، دون شك، رياضته المفضلة. وصار متألقاً بحميمية مع بعض أفضل النماذج المحلية في النوادي الليلية وعلى الشاطئ.

وبما أنه مطلق حديثاً فإن الزوايا الاجتماعية في الصحافة قد انشغلت إلى أقصى الحدود في اختراع قصص الحب والخطوبات له. وإحدى كاتبات الزوايا المهذارة الحمقاء تنبأت بدمار زواج معين محترم لكنها غلطت: فالزواج كان أعلى مقاماً من أن يحتك بجواد «الشباية»(6) والعالم هذا، «يوم أمس وعلى الشرفة في قعر كوباكابانا كانت كاتي سيكويرا بدرو بالبكيني المشترى من كان وقد تطلعت بشغف إلى جميس د. العظيم وزوجها المدلل وهما صديقان حميمان» كما ردت زول العارفة ببواطن الأمور. وأظهرت إحدى المجلات الشعبية العري الرياضي للعالم الحائز على جائزة نوبل على غلاف عددها هذا الأسبوع إلى جوار العري الراقي لناديا سيلفيا وهي ممثلة ذات موهبة عظيمة تظهرها حينما (أو لو أنها) تعطى الفرصة الملائمة؛ تلك الفرصة التي لم تمنحها إياها السينما أو المسرح ودون سبب واضح. وحين حاورها أحد المراسلين ضحكت وغمزت دون أن تجيب بنعم أو لا على الأسئلة حول الحب من أول نظرة ومشاريع الخطبة. وقد كتبت إحدى الصحف بحياد موضوعي «إن لفنسون هو سادس شخصية عالمية تنبهر أمام ناديا سيلفا التي لا تقاوم». ثم عددت أسماء الخمسة السابقين وهم: جون كندي وريتشارد برتون وأغاخان ومدير بنك سويسري وأحد اللوردات الإنكليز ـ إضافة إلى كونتيسة إيطالية معينة ذات ميول رجّالية ومليون دولار.

وكتبت جيسا في «ايفننغ كرونيكل»: «ظهر لفنسون العبقري في قاعة الرقص مرة أخرى في لوباتو ليلة أمس وكان في حالة حب مع هيلينا فون كلوستر الشهيرة. أما وقد تعلم السامبا الآن فإنه لم يرقص رقصة أخرى بعد ذلك». وكشف روبرت سابا وفي ثماني عشرة جريدة وعبر عدد أكبر من محطات التلفزيون عن أن برانكينها دو فال برنير وهي المضيفة ذات الأهمية التي لا تضاهى على متن الطائرة أو في السرير قد أشارت إلى أنه «لو لم يكن جيمس حامل جائزة نوبل كما هو الحال، لاستطاع أن يكسب عيشه كراقص محترف». وتبارت الصحف والمجلات في الكتابة عنه كما أن العالم لم يخذل أحداً وظل يقدم المادة الصالحة.

لكن شيئاً من هذا كله لم يكن مثيراً قدر الإثارة التي تسببها ذكره لبدرو أرشانجو. هذه القنبلة انفجرت في المطار عندما استقل الطائرة قادماً إلى باهيا. صحيح أنه في لقائه الأول مع الصحافة عند وصوله من نيويورك قد ذكر ابن باهيا بإيجاز وسماه بالاسم: «أنا في بلد أرشانجو ويسعدني أن أكون هنا». ولم ينشر الصحافيون هذه العبارة ضمن ما نشروه وذلك إما لأنهم لم يفهموها أو لأنهم لم يولوها أهمية. ولكن حين جاء إلى باهيا اختلف الأمر، فحامل جائزة نوبل المخيب للآمال أعلن أنه قد خصص يومين من إقامته القصيرة في البرازيل للذهاب إلى سلفادور «لكي أتعرف على المدينة وعلى الشعب اللذين درسهما بدرو أرشانجو الفذ. والذي يُقرأ العلم في كتبه كما يُقرأ الشعر، ذلك الكاتب الذي بذل الكثير لكي يرفع مستوى الثقافة البرازيلية». معلومة في متناول الجميع.

ـ من هذا البدرو أرشانجو؟ لم أسمع به من قبل.

صفحة 9

راح المراسلون المنذهلون يسأل كل منهم الآخر. وحاول أحدهم أن تكون له مكانة الصدارة فسأل كيف عرف لفنسون بهذا الكاتب البرازيلي. فأجاب الباحث: «بقراءة كتبه. كتبه الخالدة».

لقد جاء السؤال من أبيو كُرّيا، محرر أقسام العلوم والفنون والآداب في إحدى الصحف الصباحية وأحد الدهاة.

دفع بالخديعة خطوة أخرى وقال إنه لم يكن يعرف أن كتب أرشانجو قد ترجمت إلى الإنكليزية.

فأبلغه الأمريكي الرهيب أنه لم يقرأ الكتب بالإنكليزية بل بالبرتغالية. وأضاف بأنه استطاع ذلك على الرغم من معرفته البسيطة باللغة البرازيلية، وذلك بفضل معرفته بالإسبانية واللاتينية. «لم تكن هناك مشكلة» قال ذلك بهدوء واثق موضحاً أنه قد اكتشف كتب أرشانجو في مكتبة كولومبيا مؤخراً عندما كان يقوم ببحثه عن الحياة في البلدان الاستوائية. وقد أزمع أن يعمل على ترجمة «مؤلفات ابن بلدكم العظيم» ونشرها في الولايات المتحدة.

علي أن أتحرك بسرعة لأن ابيو كريا ركض ليوقف سيارة تاكسي لتأخذه إلى المكتبة الوطنية.

وحدث تزاحم بين المراسلين قبل أن يكتشفوا البروفسور راموس ويحاصروه لأنه معروف بتضلعه في ميادين عديدة. وقد زادت أهميته لديهم الآن طالما أنه يعرف مؤلفات ارشانجو وكان قد أشار إلى أهميتها أكثر من مرة في مقالاته في المجلات الصغيرة التي ليس لها إلا القليل من المشتركين، للأسف، وأقل منهم من القراء.

قال لهم: «منذ سنوات وسنوت وأنا أسعى جاهداً بين دور النشر طالباً منها إعادة نشر كتب أرشانجو. صدقوني أنها كانت مهمة صعبة لم أتلقَّ عليها حتى الشكر». كتب مقدمات وهوامش وتحليلات. ولم يبد أي ناشر اهتمامه. «ذهبت إلى البروفسور فيانا، عميد كلية الفلسفة، لعله يستخدم نفوذه لدى الجامعة لنشر الكتب، فأبلغني أنني «أضيع وقتي مع تخريفات زنجي سكير مخرب». أظن أنهم الآن سينتبهون ويدركون عظمة مؤلفات أرشانجو بعد أن أعطاها لفنسون الأهمية التي تستحقها. وبالمصادفة فإن مؤلفات لفنسون ليست معروفة في البرازيل أكثر مما كانت مؤلفات أرشانجو، وأولئك الذين يحومون حوله لم يسبق لهم حتى أن قرأوا أهم كتبه وليست لديهم أدنى فكرة حول ما يفعله. إنهم حفنة من الدجالين».

لقد تحدث البروفسور راموس بشيء من المرارة وبقدر ما يستطيع. ذلك أن لديه السبب الكافي للإحساس بالمهانة بعد كفاحه سنوات عديدة لإيجاد مكان لأرشانجو تحت الشمس ولم يلق إلا الرفض الدائم من الناشرين. لقد اضطر لتحمل إهانات بالغة وتهديدات من فيانا هارد نوزد؛ ثم يرى أجنبياً يستطيع تحريك المطابع بجملة واحدة، لقد استطاع لفنسون أن يدفع بمجموع المثقفين المنذهلين للبحث عن مؤلفات أرشانجو. الانتلجنسيا من كافة الأصناف والألوان والمذاهب، من اليساريين والمهرجانيين إلى اليمينيين المغرورين، هؤلاء صاروا الآن كلهم يلهثون وراء ذكرى ابن باهيا المجهول حتى تاريخه؛ لقد حقق بدرو أرشانجو غايته بفعل انتقامي. فما من أحد يستطيع الاحتفاظ بموقعه في الطليعة إذا لم يستطع أن يتعرف على كتبه ويقتبس منها ويستشهد بها.

وبعد ثلاثة أسابيع حين ظهرت مقالة ابيوكريا «بدرو أرشانجو: شاعر اتنولوجي» كانت مثيرة إلى أبعد الحدود. وفيها صورة غريبة، إن لم نقل رائعة، عن الحوار في المطار بين لفنسون المثقف وكريا الواسع الاطلاع، وكل منهما يبدي معرفة عميقة بأعمال أرشانجو. وكان من الطبيعي أن تظهر معرفة الناقد أكثر عمقاً إلى حد ما وأكثر شمولية لأنه، أولاً وأخيراً، برازيلي.

كانت الضجة في باهيا أكبر لأنها موطن أرشانجو، وكانت مقر بحثه وموضوعه، ومصدر المادة لبحثه Raison detre (سبب قيام) مشروعه.

والاسم الذي جعله لفنسون مشهوراً بين عشية وضحاها لم يكن مجهولاً تماماً هنا كما هو في ريو وسان باولو. (ومن المفيد أن نتذكر أن الصحافيين في سان باولو قد وجدوا صعوبة كبيرة في العثور على مرجع واحد عن ابن باهيا. ولكن حين عثروا عليه فقد كان مرجعاً عظيماً: مقالة كتبها الناقد الفني سيرجيو فيليت عام 1929 لمجلة استادو دو سان باولو. فقد ذكر هذا الناقد الكبير في معرض تعليقه الودود والتقريظي على كتاب أرشانجو حول فن الطبخ في باهيا ـ مطبخ باهيا ـ أصوله ومبادئه ـ أنه أدرك بأن المؤلف سبّاق وطليعي وأنه «واحد بين أعظم المؤلفين وأكثرهم أصالة» في مجال الأنتروبوفوجي(7)، «تلك الحركة الثورية والمثيرة للجدل التي أطلقها مؤخراً الفنانون: تارسيلادو أمارال، وأوزوالد دو أندرادي وراؤول بوب». هذا «الكتاب الممتع» بمضامينه البرازيلية الجوهرية ونثره ذي النكهة المتميزة قد أدهشه «كنموذج متكامل للمقالة الانتروبوفوجية الحقة». واختتم ميليت مقاله بإبداء أسفه لعدم اطلاعه على كتب أخرى لهذا الكاتب الواسع الاطلاع والذي، على الرغم من أنه بالتأكيد يسمع بالأنتروبوفوجيين في سان باولو؛ إلا أنه قد تقدم عليهم).

في باهيا هناك من عرفوا أرشانجو وتحدثوا معه، كما اكتشفت الصحافة بسرعة. لكن المعرفة الوثيقة كانت وقفاً على قلة من الناس وبعض الحكايات والنوادر. وهذه الكتب الأربعة حول الحياة في باهيا، والتي طبعها بدرو أرشانجو بعد عناء في كتيبات صغيرة في مطبعة صديقه ليديو كورو، غير الموثوقة، في رواد وتابوان؛ هذه المؤلفات التي أثارت الاهتمام الكبير لدى العالم الأمريكي كانت مهملة ومن الصعب العثور عليها في باهيا كما كان الحال في أنحاء البرازيل كافة.

ولوا أن أرشانجو قد أرسل نسخاً من كتبه إلى معاهد وجامعات ومكتبات محلية وأجنبية لما سمع أحد بأي منها؛ ذلك لأن لفنسون ما كان سيكتشفها. وفي سلفادور قلة من علماء الأقوام والأحياء قد عرفوها ولو بالسماع عنها.

والآن، وبغتة، ليس فقط الصحافيون بل والمؤسسات العامة والمثقفون والجامعة ومعهد التاريخ والأكاديمية وكلية الطب والشعراء وأساتذة الجامعات والطلاب. وجماعات المسرح وجمعية علماء الأجناس والأقوام ومركز دراسة الفولكلور وحتى وكلاء السياحة وآخرون ممن لا عمل لهم.. جميعهم أدركوا وبسرعة أنه كان لديهم كاتب عظيم وشهير يعيش بين ظهرانيهم ودون أن يعرفوا؛ وأنهم لم يستفيدوا منه ولو استفادة رمزية في الخطابات العامة بل إنهم تركوه للنسيان والإهمال. بعد ذلك بدأ الاهتمام الكبير بأرشانجو. بعد المقابلة مع لفنسون استخدم ورق كثير وحبر كثير ومساحات صحفية كثيرة للتهليل للمؤلف المهمل بظلم، وتحليل أعماله ودراستها والتعليق عليها وتقريظها. ولابد من تعويض هذا التأخير. لابد من تصحيح الغلط. ولابد من إزالة غبار الصمت المتراكم منذ سنوات.

الآن، وأخيراً، احتلت مؤلفات أرشانجو المكانة التي تستحقها تحت الشمس. وبين كل مدائح المشعوذين والدجالين الذين ركبوا الموجة بأمل اكتساب شعبيته لأنفسهم كانت هناك فضلة من كتابات جادة، بضع صفحات تليق بذكرى الإنسان الذي عمل سنوات طويلة بمثابرة ودون اهتمام بنجاح أو ربح. وبعض شهادات الذين عاصروه، الذين عرفوه وتعاملوا معه، كانت تحمل طابع الإحساس الصادق وتكشف عن شخصية الرجل الحقيقية. ولم يكن زمن أرشانجو بعيداً في الماضي كما بدا لأول وهلة؛ بل مجرد خمس وعشرين سنة. عام 1943 فارق هذه الحياة وعمره خمس وسبعون سنة وفي ظروف غريبة على ما يبدو. لقد عثر عليه ميتاً وهو ممدد في حفرة في ساعة متأخرة من الليل. ولم يكن يحمل في جيوبه أوراق تعريف أو أي شيء إلا دفتراً أو عقب قلم رصاص. لم يكن يحتاج إلى أية وثائق في هذه المنطقة الفقيرة القذرة في أقدم أحياء المدينة حيث الجميع كانوا يعرفونه ويحبونه.

صفحة 10

موت بدرو أرشانجو، أوجوبا،عيني كسانغو، ودفنه في مقبرة كوينتاس

ـ 1 ـ

كان الرجل العجوز يتعثر في مشيته وهو يصعد التلة مستنداً إلى جدران البيوت العتيقة. ومن الممكن أن تظن، وأنت تنظر إليه، أنه سكران؛ وخاصة إذا كنت تعرفه. الظلام دامس والمصابيح كلها مطفأة في الشوارع، والبيوت دون أية بارقة من ضوء ـ كانت أيام الحرب والغواصات الألمانية تجوس قرب شواطئ البرازيل حيث كانت تغرق بين حين وآخر سفن الشحن وسفن الركاب المسالمة.

شعر العجوز بالألم في صدره وحاول أن يسرع خطاه؛ لو أنه يستطيع، فقط، أن يصل إلى البيت. كان سيشعل مصباح النفط ويسجل المحادثة، العبارة الرائعة في دفتره الصغير. لم تعد ذاكرته كما كانت. في الأيام الخوالي كان يستطيع أن يتذكر حديثاً، إشارة، حادثاً ما بكل تفاصيله لأشهر والسنوات ودون أن يسجل ملاحظات وحالما كان يسجل المقولة الجدلية كان يستريح. لم تكن تلك هي المرة الأولى التي يحس فيها بهذا الألم يجيئه ثم يزول. لم يسبق أن آذاه كثيراً. آه. لو أنه يستطيع فقط أن يعيش عدة أشهر أخرى، عدة أشهر فقط. ما يكفي لإنهاء ملاحظاته وترتيبها وإعطائها لذلك الشاب الذي يعمل في المطبعة. عدة أشهر فقط.

تمسك بالجدار وحاول أن يتلفت حوله ولكن نظره صار حسيراً. لم يكن لديه ثمن نظارة جديدة، من هذه الناحية لم يكن لديه ثمن جرعة من الروم. نوبة أقوى من الألم جعلته يرتمي على الجدار لاهثاً. كل ما كان يحتاج إليه الآن هو ما يكفي من القوة ليجتاز هذه المسافة القصيرة المتبقية إلى غرفته الصغيرة خلف «قلعة» استر. هناك سيستطيع أن يكتب تحت ضوء المصباح بيده المدققة. لو أن الألم يهدأ ويمكنه من فعل ذلك. فكر في صديقه كورو، الذي سقط فوق إحدى لوحاته المبدعة وخيط من الدم على طرف فمه. لقد فعلا أشياء كثيرة معاً، هو وليديو كورو: ركضا في الشوارع المنحدرة وتمرغا مع الخلاسيات في مداخل البيوت. مات ليديو منذ وقت طويل؛ منذ ما لا يقل عن خمسة عشر عاماً، وربما أكثر. منذ متى حدث ذلك يا صاحبي؟ ثمانية عشر عاماً؟ عشرين؟. بدأت ذاكرته تخونه. لكنه ما يزال يتذكر عبارة الحداد كلمة كلمة. تشبث بالجدار وحاول أن يرددها لنفسه. يجب أن لا أنساها. مسافة قصيرة جداً عدة مئات من الياردات. وبجهد جبار تمتم مردداً لعنة الحداد الأخيرة، التي أكدها بضربة على الطاولة بيده السوداء كالمطرقة التي تضرب سنداناً.

ذهب ذات ليلة لسماع نشرات الأخبار الأجنبية بالراديو: إذاعة لندن، راديو موسكو، صوت أمريكا. كان صديقه مالوف قد اشترى مذياعاً تستطيع منه سماع العالم كله. وكانت الأخبار تلك الليلة طيبة. كان الآريون يتلقون الضربات. وكل إنسان كان يلعن «النازيين الألمان»، «الأغوال الألمانية» ولكن أرشانجو العجوز اكتفى بتسميتهم «الخنزير الآري»، قتلة اليهود والزنوج والعرب. كان يعرف بعض الألمان الممتازين. غيلهيرم نودلر مثلاً تزوج زنجية وأنجب منها ثمانية أطفال. وذات يوم أورد أحدهم ذكر «الآرية» فسحب قضيبه وقال: «سأقطع قضيبي إذا جاء هذا اليوم».

وحين دعاهم مالوف إلى كأس بنغا احتفالاً بانتصارات ذلك اليوم بدأ النقاش: إذا كسب هتلر الحرب فهل يستطيع، أم لا يستطيع، أن يقتل كل إنسان ليس أبيض خالصاً؟ هل سيفني كل شخص آخر؟ قال البعض شيئاً وقال آخرون شيئاً آخر. نعم يستطيع. لا. لا يستطيع. راهن بحياتك أنه يستطيع. وفي النهاية صرخ الحداد: «حتى الله الذي خلق البشر لا يستطيع أن يقتل الجميع دفعة واحدة. يقتلنا واحداً بعد الآخر. وكلما قتل أكثر، ازدادت ولادة الأطفال وتسارع نموهم. هكذا هي الحال دائماً. سيظلون يولدون ويكبرون ويتزاوجون ويلدون المزيد من الأطفال وما من ابن قحبة سيوقفهم»! وحين ضرب بيده الضخمة على المنضدة قلب كأسه وانسكب الروم. ولكن مالوف التركي كان إنساناً طيباً فدعا الجميع إلى كأس أخرى قبل أن ينصرفوا للنوم.

حاول العجوز أن يكمل سيره صاعداً التلة وهو يقلب كلمات الحداد في ذهنه: «سيظلون يولدون ويكبرون ويختلطون...» كلما ازداد اختلاطهم كان أفضل. كان في وسع العجوز أن يبتسم تحت وطأة الألم الذي يمسك بظهره كالصليب. ألم أثقل من أن يحتمل. وابتسم حين تذكر حفيدة روزا، التي تشبه جدتها ولكنها تختلف عنها أيضاً: الشعر الحريري المرسل، القوام الممشوق: العينان الزرقاوان والبشرة السوداء. لقد احتاج الأمر إلى أنواع مختلفة من البشر لجعلها متكاملة كما هي الآن. روزا! روزا دو اوكسالا؛ جهنم في هيئة امرأة! لقد عشق العجوز وتملك نساء عديدات ولكن ما من واحدة منهن تصلح أن تحمل الشمع لها. لأجلها تحمل آلاماً مضنية وفعل أشياء لا تصدق وتحامق وحاول أن يموت: وأن يقتل.

سيدفع أي شيء لقاء رؤية حفيدة روزا مرة أخرى، بضحكة جدتها وحيويتها ومشيتها المتراقصة وعينيها الزرقاوين.. من أعطاها ذلك؟ لو أنه يستطيع، فقط، أن يرى أصدقاءه مرة أخرى، يزور التيريرو ويحيي القديسين، يرقص قليلاً، يغني أغنية، يأكل فروجاً، يخنة سمك مطبوخ بزيت النخيل على مائدة في قلعة استر مع استر والبنات. لا. لم يكن يريد أن يموت. ولماذا؟ ليست هذه هي الطريقة. ما الذي قاله الحداد بالضبط؟ كان عليه أن يسجله قبل أن ينساه. لقد بدأ ينسى منذ الآن. الكتاب لم ينته نصفه بعد. وما زال عليه أن يكتب ما تبقى، يلتقط النوادر والعبارات والقصص، مثل تلك القصة عن الشيطانة التي صممت على مطاردة النساء وفقدت عقلاً بسبب واحد من باهيا جميل المظهر تياه المشية وتحولت إلى عجينة بين يديه. يعرف هذه القصة أكثر من أية قصة أخرى.. آه. دوروشيا! آه تادو!

مزقه الألم وفجر صدره.. آه. الآن لن أستطيع الوصول إلى بيت استر. ضاعت عبارة الحداد وقد كانت عبارة صحيحة. آه. وحفيدة روزا..

سقط إلى جانب الطريق وتدحرج نحو الساقية. وظل جسده هناك لا يغطيه سوى العتمة إلى أن جاءت أول أضواء الفجر وألبسته النور.