صفحة 1
مرآة الجن
توقف المطر فجأة كما بدأ فجأة، فتغير المكان من ربعة الحوش في منزل زينب إلى صالون كبير وأنيق يغني فيه هيثم يوسف أغنية حزينة··· الجدران تغطيها لوحات وتحفيات··· والسقفُ تتدلى منه ثريا كبيرة جعلتني أشعر بالحرارة من شدة الوهج الذي تبعثه مصابيحها الصفراء·· أحسست أن الدفء قد قهر وجهي وجعله ذهبياً وربما أحمر اللون·· وأن الساعة التي تتكتك بانتظام تراقبني من مكانها على الجدار، وشجرة الصبار كذلك تراقبني·· لكن المرأة التي ترتدي تنورة قصيرة ولا تضع حجاباً على شعرها دخلت وقالت لي:
- أين كنت يا ابنتي؟ ما أحلاك·· تعالي تعالي·
- دقيقة·
- ماذا تفعلين؟ لا تعدّلي حجابك·· هذا أبوك وأنا أمك·
- دقيقة·
- اخلعيه يا ابنتي·· جميعنا أهلك·· هذا أبوك وأنا أمك وهذا أخوك أدور؟
- لا تخلعيه يا ابنتي·· دعيه·· كما تشائين··
لم أشعر بأنني في المكان الصحيح··· كلامها كان بعيداً، والصالون أكبر مما ينبغي··· والسقف أعلى كذلك·· وأنا أشعر بخوف لم أجربه في حياتي من قبل·· ماذا يجري؟ أخي اسمه أدور وأمي اسمها ماري·· وما اسم أبي؟·· الحمد لله، أن اسمه عبد الأحد·· وكان يشبهني إلى حد كبير·· ويتكلم بهدوء شديد لكي لا أفزع ولا أخاف·· وهو الذي قال لي عن الحجاب لا تخلعيه يا ابنتي·· دعيه كما تشائين· كوني على راحتك ولا تخافي من شيء·· كأنني عبرت نهراً عريضاً بلا قارب، وبصعوبة بالغة وجدت نفسي على اليابسة·· أريد أن أعرف ماذا يحصل؟ وما الذي أتى بي إلى هذا الجانب من النهر، لكي أجد أهلي الحقيقيين هنا في مكان آخر من العالم، وأجد نفسي أتحرك بصعوبة فوق سجادة بيضاء اللونِ ؟·· ميتة من الخجل والخوف· تركت خلفي أخي مصطفى وأبي محمد وأمي زينب التي ماتت بعد عجز الكليتين، فكانت الوحيدة التي سكنت في المكان الصحيح··· بدت خفيفة كريش الحمام في أيامها الأخيرة، ولا يوجد في إصبعها كشتبان ولا خاتم زواج·· وحتى ابنتها ياسمين، أعز ما تملك، أخذوها منها ودسوها تحت السلة قبل أن تموت·
كنت أسأل أمي وأنا صغيرة: ماذا لو ضعتُ بعيداً عن البيت ولم يعثر علي أحد؟ فتقول أمي لي: كيف تضيعين وأنا موجودة في هذه الدنيا؟·· سأبحث عنك في كل مكان حتى أعثر عليك·· أقول لها: ماذا لو سقطت في حفرة عميقة لا يعرف بها أحد؟·· فتقول: لا تخافي·· سأتشمم رائحتك وأجدك حتى وإن لم أرك·· أقول لها ماذا لو سقطتُ في بئر بعيدة فوقها غطاء سميك لا يمكن لأحد أن يسمع صوتي فيه، أو يعرف ما موجود تحته؟·· فتقول لي: قلبي سينبؤني بمكان وجودك وأراك حتى لو كنت في سابع ظلمات الأرض· لا يزول عني القلق، ولا أشعر بالأمان لكلامها، وأشعر بأني ضائعة تحت الأرض لا محالة····· أرض غريبة لا أتعود عليها ولا أحبها، فأخاف وأفزع منها أشد الفزع ثم أتمنى لو أظل عالقة في الحبل السري، لكي أبقى جنيناً في بطنها، والحبل الغليظ ملتف حولي لا يقطعه أحد····· يمتد من سرتي إلى المشيمة····· مشيمة زينب·
صفحة 2
في خريف الدنيا، وأنا أنشر الملابس على الحبل، تساقط المطر بعد الصيف، فانفجرتُ بالبكاء، لأن أمي زينب سوف تتشبع بالماء المتجمع فوقها·· أصبحت أستيقظ وأنا أبكي من القلق كل يوم، وأشعر بروحها وقد انقطع عنها الهواء وأصبح حالها كحال الضفادع في البساتين التي انحسر عنها الماء· سوف تتبلل وينتفخ عنقها وتغرق بالطين ويمتلئ فمها بالمطر·· ستختنق بسبب الماء والطين فيرقص الدود في بطنها ويمتص ما تبقى من كليتها الضامرة·· وحيدة في وادي التراب السكران·· مقابل بوب الشام·· في نهاية الطريق المار من جزيرة بغداد إلى معامل الثعالبة للبلاستك والمواد الإنشائية، والتي كانت تنتشر في دروبها الضيقة بيوت العوائل التي تعمل فيها· ولكنها الآن متوقفة عن العمل بسبب عصابات الخطف والقتل التي حولتها إلى أبنية مهجورة تحيط بها بيوت خاوية من أهلها· الحمد لله أن بعض الدرابين لا زالت غير مستباحة من العصابات، مما كان يجعل بيبي(ü) صبيحة تستعمل طريقاً آخر إلى المقبرة يمر ببساتين الراشدية وصولاً إلى تانكي الماء العالي، الذي يعني أن الحظ قد حالفنا في تلافي السيطرات الوهمية التي تنصبها تلك العصابات على الطريق العام قبل الوصول إلى المقبرة بسلام··
لا أريد عد الأيام الأربعين ولا أن أعرف أولها من آخرها مادامت زينب ليست هنا·· لا تدخل ولا تخرج·· لا تضحك ولا تبكي·· ولا تضع الكشتبان في بنصرها·· ولا خاتم الزواج·· أظلمت الدنيا بعيني عندما قالوا إنها سارت إلى السماء ونامت مع الملائكة، ولولا أن الشمس أشرقت هذا اليوم وملأت الدنيا بالدفء واللعب، لما اشتقت إلى الخروج من البيت، أو المشي ثلاثين خطوة إلى بيبي صبيحة النائمة على فراشها تحت المروحة·· إذا كنت يا بيبي صبيحة قد نسيتِ، بعد أربعين يوماً، أن تُطفئي المروحة، فماذا سيحدث لك يازينب بعد أربعين عاماً؟·· ومن سيتحقق من نظافة القبر، أو يقرأ لك القرآن قرب رأسك يوم العيد؟····· أحتاج أن أفهم لماذا كل شيء ليس على مايرام······ أحتاج أن أعرف ماذا يجري يابيبي صبيحة؟ أحتاج أن أتكلم ولا أستطيع· روحي راح تطلع·· روحي توجعني·
بين البيوت سرنا لأول مرة باتجاه المقبرة وأنا لا أجد سبباً لماذا لا تستطيع أمي زينب النهوض من مكانها والمشي على قدميها كما نفعل نحن؟·· أو على الأقل أن تعدل نومتها وتنقلب من جنب لآخر لتسحب ضفيرتها التي أصبحت خلف ظهرها بالغلط؟·· صحيح أنها لم تَعُد تتنفس أو تتحرك بعد اليوم السابع للعملية، ولا أن تضحك أو تبكي·· أو تجلس في الشمس·· ولكنها تملك رِجْلين وقدمين وأصابع·· وتستطيع أن تخرج من هذا الطين مثلما تخرج الدودة من الثمرة الميتة وهي ترقص·· وبعد أن تتمكن من الخروج لا تقرر العودة ثانية إلى قشرة معتمة بل تحلم بالنجاة·· وتزحف ببطء إلى ضوء النهار·
رأيتها تفعل ذلك قبل أيام، وكانت بيضاء كالثلج ولها عينان سوداوان تقعان على الجانب الآخر من جسمها، وترقص فعلاً كلما أرادت المرور من مكان إلى آخر، تدخل وتخرج من الظلمة إلى الضوء·· تتحرك بهدوء شديد ومن الممكن أنها تحلم مثلنا·· كل شيء ممكن يازينب·· ولا أستبعد أن النحل يحلم بنا·· والصراصر تكرهنا·· والبعوض يتسلى بنا وينتظرنا لكي ننام فيحوم حولنا ويبدأ بالقرص·· ألا يعني ذلك أن الأفكار تخطر على باله مثلنا تماماً؟·· فإذن كل شيء ممكن يابيبي صبيحة· وأشكرك لأنك حاولت إنقاذي·· ألم تقولي لي قبل عشرين عاماً إن الأظافر والشعر يستمران في النمو بعد الموت، يبدوان أطول قليلاً بعدما ينتهي كل شيء·· كان هذا قبل موت زينب·· وفي مرة أخرى بعد موتها قلت لي يجب أن نطفئ مروحة الهول لكي لا تعترض روح زينب التي تمكث أربعين يوماً في البيت·· من أين أحضرت كل هذه الخردة؟ انتظري·· أريد التحدث معك بعد زينب·· أيامك سعيدة بيبي صبيحة·
كان الرجل الجالس أعلى النخلة يرمي إلى الأرض أشياء صغيرة·· يرفع دشداشته البيضاء إلى أعلى وهو يعمل····كأنه يرمي روحي بالحجارة والحديد والنار والماء والهواء· فماذا يفعل هناك؟ ولماذا يتكور أعلى النخلة التي تتساقط منها الشظايا إلى التراب فتتقافز حولها البلابل والعصافير، ولا تقترب منها النسوة الواجمات حول القبور بلا دمعة ولا ضحكة ولا كتاب·· سمينات ونحيفات وحوامل وصغيرات وعجائز يجلسن بعيداً؛ وهن يلمسن التراب بأظافرهن أو يعدلن الحجاب فوق رؤسهن·· أولاء يزرن المقبرة بانتظام ويعلمن مالا يعلمه غيرهن من الزائرين، ولكن عندما يتعلق الأمر بزيارة الموتى أحمد عبد الوهاب أو ذنون يونس أو ليلوة عبد العظيم فإني لم أر أحداً يزورهم إلا امرأة واحدة·· كانت موجودة في عيد الفطر، وحالما اكتشفت وجودي قرب زينب، أدركت أنها قد وصلت إلى المكان الصحيح فتذكرت دموعها الشحيحة ثم نسيتها بعد قليل·· الوحيدة التي انكتب عليها أن تبكي باستمرار هي بيبي صبيحة، التي كانت تلفّ سكائرها الرفيعة من الصباح وحتى الغروب· تندب أولادها الصغار الذين أصبحوا مع الملائكة وتنوح على أمي زينب التي ماتت قبلها:
صفحة 3
راسي وجعني كومي شدّيه
وشَدّ الغريبة ما نفع بيه
يمه الولد يا محبس يميني والله يمه
هزيت مهدك ما لكَيتك
وبين النجم ما دوريتك
غريبات ميحنن علي والله يمه
كلما فعلت بيبي صبيحة ذلك، أخاف منها·· تخيفني أحشاؤها التي تتحرك تحت بطنها أثناء البكاء·· ويعصر قلبي دخان سيكارتها التي لا تفارقها·· رمادها على وشك السقوط فوق ظفيرتيها اللتين تتلويان فوق النافذة·· النافذة توجد قربها شجرة نارنج وحيدة·· شجرة النارنج فوقها بلبلان··· البلبلان يطيران من شجرة النارنج إلى الدبابة···· الدبابة تتحرك فيغطي هديرها على تكتكات الساعة الرتيبة·· أصمت ولا أريد أن أتكلم مع أحد·· في الصباح أعتقد أن الحياة جميلة، وفي منتصف النهار أعتقد أنها مملة·· وفي الليل تصبح فظيعة في ضوضائها قبل أن أنام···
المساء كان غير شكل المساء، وأنا نعسانة يكاد يغلبني النوم، ودفتر الإملاء مضموم في الحقيبة لأنه كان يوم الحساب·· وفي امتحان الحساب تساعدني أمي في جدول الضرب ولا تكلّ من سماع الأرقام التي لا تحفظ منها شيئاً سوى جدول الرقم خمسة· أبي كان ينظر إليّ ملياً بتلك الطريقة التي أخاف منها·· وهذا يعني أنه سيقول شيئاً يخصني·· لا علاقة له بشطارتي في جدول الضرب أو بتلاوة درس النشيد، ولكن له علاقة بشيء يلفّه في رأسه مثل سيكارة بيبي صبيحة····· انتظرت أن يكف عن اللف لكي يتكلم ويتساقط فوقي الرماد· قال لي: إنْ لم تلبسي الحجاب لن أحبك كما أحب أخاك مصطفى· حالما جاء الظلام أسرعت بالوقوف قرب باب الغرفة قبل أن أنام، فسمعته يقول لأمي أولاً بأني بيضاء وثانياً لأن عيوني خضر ولا يجوز أن أمشي في الشارع بدون حجاب· أمي لم تقل له:
- إنها صغيرة·
بل قالت له:
- أي نعم·· لم تعد صغيرة·
صفحة 4
المرآة أخذت مني وردتي الوحيدة في الصباح وأعطتني ربطة بيضاء اللون تشبه فوطة بيبي صبيحة، التي تتدلى من تحتها ضفيرتان رفيعتان··· الوردة كانت برتقالية، وتقف عليها فراشة فيها نقاط فضية اللون تلمع عندما ألتفت فجأة وأنظر إليها· أمي تسميها القراصة البرتقالية، وبصعوبة كنت أفهم وقتئذ لماذا هي برتقالية وما علاقتها بالبرتقال، مثلما كنت لا أفهم لماذا تسمي المنضدة ذات المرآة في غرفتها بميز التواليت··· طلبتْ مني ذات يوم أن أجيء لها بفرشاة الشعر من هناك، فذهبت إلى الحمام وبقيت أبحث هناك عن الفرشاة·· أليس التواليت في بيت صديقتي تبارك هو الحمام؟ فكيف تكون منضدة الزينة هي ميز التواليت كما أخبرتني أمي بعد ذلك؟·· جاء الآن دوري لكي تبحث لي هي عن ميز تواليت جديد اشتروه لي بمناسبة ارتداء الحجاب· أول ما رأيته في مرآة ذلك الميز، هو القراصة البرتقالية التي اشترتها لي أمي من مكتبة الحصن لبيع القرطاسية واللوازم المدرسية· لم تعد موجودة في شعري وبدت من مكانها على ميز التواليت متكررة على شكل خط مستقيم من الفراشات ينعكس في عمق المرآة ذات الجناحين وإذا ما تحركَ جناح المرآة الأيمن فإنه يجعلني أبدو أنا أيضاً كصف طويل من البنات·· حاولتُ عد البنات، فلم استطع لأن الصف كان يمتد إلى ما لانهاية·
مِيز العروس·· ذلك هو ما نظرتُ اليه قبل أن أخرج من الغرفة·· وعلى رحلتي في المدرسة نمت ذلك اليوم للمرة الأولى في حياتي·· نمت طوال درس الحساب· وعندما استيقظت كانت الربطة قد انزلقت من رأسي وتكومت على الأرض· استغربت كيف لم يوقظني أحد·· وأين كانت المعلمة تقف؟ ألم تلاحظ نومي على الرحلة؟ فكيف لم تنبهني وتوبخني على النوم داخل الصف؟·· ولماذا نمت أصلاً وأنا التي تَبقى يدي مرفوعة طوال الدرس، ويكاد إصبعي يفقأ عين المعلمة ليسبق باقي أصابع البنات الشاطرات؟··· شيء غريب حدث ذلك اليوم الذي نعست فيه ثم نمت، لربما لم تتعرف عليّ المعلمة وأنا منكفئة على وجهي والربطة تغطي رأسي·· ربما ظنتني غائبة ذلك اليوم وظنت تلك الطالبة المنكفئة على الرحلة طالبة كسولة لا تستحق أن توقظها من النوم· بائع الفلافل أيضاً تصرف بشكل غريب وظل يتلفت وينظر إليها·· الجميع كان ينظر إلى تلك البنت النائمة·· خفت من سائق سيارة الشرطة ومن صاحب الدبابة وأبو الرشاشة ورجل البيكب الذي ينادي ويقول: غراض عتيقة للبيع·· كنتور عتيق للبيع·· صوبة عتيقة للبيع· داهمني إحساس بالنعاس منذ الصباح حتى عودتي إلى البيت، وعندما راح بائع الغاز يزمر بصوت عال للإعلان عن دخوله إلى الشارع خفت منه هو الآخر وأسرعت أمشي قرب الحائط· ظننت أنني أعترض طريقه أو أنّ ذلك الصوت العالي لبوق السيارة كان من أجل تنبيهي للخروج من الزقاق· صعدت على الرصيف فظل الصوت يعلو·· مشيت لصق الحائط وظل الصوت يعلو·· ولم أصدق نفسي عندما رأيت نفسي أخيراً قرب باب البيت·
تذكرت الحلم الأخير الذي حلمته قبل أن يقرع الجرس·· كم كان غريباً ذلك الحلم!·· الدنيا فيها تشبه ناصية الطريق، والدخول إلى تلك الدنيا يكون عن طريق المفتاح الذي استدار في القفل قبل أن تفتح الباب·· كنت أنا أقف قريبة من الباب المقفلة·· خلع الرجل الربطة عن رأسي، وراح يفك أزرار قميصي الأبيض، ولكن الأزرار كانت كثيرة العدد ولم تكن لتنتهي كما تنتهي عادة ازرار أي قميص··· رميت حقيبة المدرسة على الفراش وجلست أمام مرآة الميز الجديد فلم أعد أرى منذ ذلك اليوم سوى أزرار قميص لا تنتهي······
الرجل الجالس في أعلى النخلة لا زال يرمي الكثير من الأشياء إلى الأرض، والمطر لا زال يتساقط بنثيث خفيف يبلل أغصان الكالبتوس، ولكنه يسكن في مكانه هناك ولا تسقط منه سوى قطرات ماء قليلة على الأرض· مر صبيان ينظفان القبور من الغبار والأشواك مذكرين الزوار بدفع العيديات·· أحدهما أبيض والآخر أقل بياضاً· بيد الصبي الأبيض معزقة وبيد الأسمر قنينة ماء· راح الأبيض يقطع شجرة صغيرة ربانية طلعت من تلقاء نفسها قرب أحد القبور، وراح الأسمر يقرأ اسم خالي سليم الذي كان قد استشهد وعمره ثلاثة وعشرين عاماً·· ينظر له ويقرأ عمره ورتبته مع القاطع والكتيبة، حتى إذا وصل إلى خاتمة الشاهدة التي تقول إنه استشهد دفاعاً عن الوطن، انفعل وأطلق صيحة كصيحة الديك وقت الفجر·· عيعيعوووووووووو·
ماذا تفعلان؟ أنتما·· اذهبا من هنا·· ابتعدا عني·· هيا·· ضحك الاثنان وفرّا من أمام القبر، ثم ركضا بأثر امرأة هبطت من سيارة بيضاء وعرضا عليها كنس القبر الذي تتوجه إليه وتنظيفه من الأوراق المتساقطة والغبار·· وماذا؟ قالت المرأة الطويلة جداً فأجابها أحدهم: ومن الطرطيع··
صفحة 5
مرت سيارة الأزبال· تركتني أمي وهبطت على عجل·· أبكي عندما تمر سيارة الأزبال وأنظر إليها·· لقد أخذت مني قراصتي البرتقالية في كيس أسود· لا أعرف بعد ذلك ماذا حل بها· تكسرت وشحب لونها ثم اختفت من ميز التواليت·· أصبح لها صوت أجش يشبه صوت ورقة نارنج يابسة وملمس خشن وجاف من تراكم الطوز القديم والجديد عليها· أبي كان قد جلب لي في يوم الحجاب كيساً مليئاً بالربطات الملونة، وأمي جاءت لي بعلبة فيها قراصات أضعها بشعري تحت الحجاب أو بدونه عندما أكون داخل البيت فقط، ولكن القراصة البرتقالية التي أحببتها هي الوحيدة التي جفت وأصبحت تئز مثل ورقة يابسة·
وجب عليّ منذ ذلك اليوم أن أكون نائمة أنتظر الرجل الذي سيقبلني ويوقظني من النوم· لم أكن أعرف ماهي القبلة وكيف تكون·· وكيف أميزها عن قبلة أمي أو أبي· في الليل جاءت الغزلان تتقافز حولي وهبط الرجل من فوق حصانه وفك أزرار قميصي، وعرفت كيف تكون القبلة· إنها بلا صوت، وأطول مما يجب، وتترك دبيباً في الجسم····· لم لا تأتين معي أيتها النائمة·· سنتحرك بهدوء فلا يسمعنا أحد··كم تبقى من الوقت·· انتظرني·· تعال·· ضحك الرجل قبل أن يقفل عائداً إلى قريته وقت الغروب آخذاً قميصي معه، وبعد شروق الشمس جاءت أمي وسرّحت لي شعري دون أن تقول كلمة واحدة··· لونها الأبيض قد تحول إلى الأصفر الشمعي، وفي عينيها غواش خابط·· فهل هي أمي نفسها التي قالت عنها بيبي صبيحة إنها كانت جميلة ونحيلة القوام كالغزال، وإن بياضها كان كعظم العاج، وجمالها يفك المصلوب من حبل المشنقة·· أمي لم تشمخ ببياضها على سمراء واحدة، وراحت تشحب وتطيل النوم في الفراش·· ثم تقول لي أشياء غريبة لا أدري من أين تأتي بها·· وكانت بيبي صبيحة تندبها قبل أن تنشف وتموت وبالمرة تندب حظها العاثر، وتقول إن القدر قد ظلمها قبل ثلاثين عاماً على ذنب لم ترتكبه هي بل ارتكبه أخوها جبار· دخنت ثلاث سكائر دفعة واحدة وهي تقول إن جدي عبد السلام أحسن معاملتها، بالرغم من أنها كانت فصلية، ولكنه بعد أن مات مدهوساً بقلابية طابوق، طلعت أمه وأخته قهر الله بنا·· كانت لهن قلوب أقسى من صخر الجلمود·· وجعلوا من أمك (زينب) وخالتك (زمان) تعملان في حظائر الأبقار·· الكبيرة كانت ذليلة فقيرة، والصغيرة راحت تتمرد وتتعاند·· فأخذتهما مع أخوالك سعيد وسليم ورشيد وهربت عائدة إلى بغداد··
بيبي صبيحة دائماً تنوح وقت الغروب لترثي ابنتها الراقدة في المستشفى التي تسميها بالخستخانة، وأيضاً تندب أبناءها الصغار الذين جاؤوا إلى الدنيا قبل (زمان) و(زينب) ثم ماتوا بسبب الجوع والمرض وطاروا مع الملائكة·· في كل غروب تجهش في البكاء وهي تعدد خصالهم الجميلة، مرددةً الكثير من قصائد الشعر التي لا تنسى منها شيئاً أبداً··· ولو أمتحنت بتلك القصائد ذات يوم لأخذت عشرة في الامتحان·· وفي الليل تجلس على سرير معدني في السطح وتسأل الدنيا·· ما هذه الدنيا؟ أنعل أبو هذه الدنيا·· ولكني لا أردد سؤالها هذا أمام أحد·· لأني عندما أتكلم مثل أي أي أحد آخر لساني لا يطاوعني، وأكاد أن أبكي بعد كل مرة أتكلم فيها من شدة الندم·· ولكن فعلاً ما هذه الدنيا؟ أنعل أبو هذه الدنيا عندما يكون البيت خالياً من زينب··
لم يسبق لي أن رأيت أمي على هذا الشكل من الاصفرار·· كانت مرتخية في فراشها ويدُها على الفراش تشبه يد دمية من المطاط· فمها ناشف ومجرور إلى أسفل، وشعرها الرمادي الناعم أصبح دهني الملمس، لأنه لم يُغسل منذ وقت طويل· لم نأخذ لها طعاماً ولا شراباً، لأنها كانت تمتص طعامها من المغذي، وكذلك لم نقم عندها طويلاً لأنها كانت تحتاج إلى النوم·· وعندما انقضت تلك الليلة وأطلق الديك أول صيحة له في الصباح كانت بيبي صبيحة قد عادت إلى البيت وهي تبكي·· قبل ذهابها للمستشفى، جعلتني أداوم في المدرسة في صباح ذلك اليوم من أجل استلام الشهادة· وعندما عدت إلى البيت، التمّ الجيران على بيتنا، وسمعت أصواتاً غريبة تنطلق من أماكن مختلفة تحت الأرض، ولم يسعني الوقت للتفكير أكثر من ذلك، فقد جرفتني الدموع بعيداً عن الشارع الطويل الذي يربط مدرستي بالبيت، واختفت رؤوس النساء تحت سيل الدموع·· وبعد لحظات اختفت الأيادي الممدودة أيضاً·· ارتفع رأسي من الكهف، فتمسّكتْ بيَ بيبي صبيحة ووضعتني تحت ذقنها الموشوم بدقة زرقاء تلمع في الشمس· القرط الذي صاغته لي من الذهب عندما نجحت من السادس في البكالوريا، تقول لي اليوم انزعيه اليوم والبسي الأسود لأننا لن نذهب للخستخانة بعد اليوم··· أمك قد ماتت· زينب المظلومة ماتت·· الطيور هبطت فوراً لتأكل من جلدة رأسها·· وبعد الطيور جاءت الديدان لتسبح في ماء بطنها·· وكان الرجل الجالس فوق النخلة لا زال يغني····· إنه في الأعلى·· هناك·· يغني وأنا أتذكر·
تساقط بعض ماء المطر الذي كان قد تجمع فوق السعفة·· وبعد القطرة العشرين عاد الولدان الأبيض والأسمر للمكان وقال أحدهما للآخر أنا أقوى منك·· ولست حافياً مثلك·· ثم جاءت الكلبة المتسخة فلاحقاها بالحجارة وهي تركض·· هاربةً من الاثنين دون أن تستطيع الفرار بعيداً·· أولاً لأنها عرجاء·· وثانياً لأن الحافي كان سريعاً في الوصول إليها والتمكن من بطنها بحجارة أخطأت رأسها·· ماذا تفعل؟ أمجنون أنت؟ اتركها وشأنها·· ألا ترى أنها مرضعٌ·· قهقهات·· بدون توقف·· وضرب بالأيادي على القبور من شدة الضحك· هيا اذهبا من هنا وابتعدا عن المكان·· في قديم قديم الزمان·· ماتت كلبة الشارع في الشارع متكومة على نفسها· هامدة تتنفس ببطء وقد التمّ النمل على عينيها المغمضتين·· حدث ذلك عندما كان الجني يدخل بيتنا ويحملني من الأرض ويضعني في حضنه ثم يرميني إلى الهواء··· خالي سليم هو ذلك الجندي الذي كنت أسميه بالجني، وكان يذهب إلى الحرب مرة كل شهر، وفي نهاية الحرب ذهب ولم يعد· قالت لي ماما إنك كنت في الصف الأول عندما دخلت القذيفة إلى بطنه فأكلت ساقه الأسماك، وأكلت معه صديقه غالب الذي غرق في النهر وكان فيه الكثير من السمك أيضاً· أيامك سعيدة خالي سليم·· هل قلت ماما؟ أمي كانت حية عندما حدث ذلك وسمعتها تقول وهي جالسة في العزاء إنك ستتزوج حورية في الجنة، ثم جاء الليل فحلمت بأن ساقك أصبحت طويلة جداً وبأنها تخرج من كل شيء·· تخرج من النهر ومن القبر ومن سطح البيت أيضاً· وعندما وقفت فجأة قرب باب البيت، أردنا أن نسلم عليك، ولكننا لم نعرف كيف نصل إليك وأنت بهذا الطول، فقال أبي هاتوا سلماً حتى نصل إليه، وقالت أمي اجلس على الأرض حتى نراك، وأنا قلت لك خذني معك إلى فوق·· أريد أن تحملني إلى أعلى·· وحملتني إلى أعلى وهناك صفقت وضحكت ولكني لم أر حورية الجنة ياخالي·
صفحة 6
ينتهي الحلم بجوراب أسود· عليه نقش مطرز يغطي الشامة السوداء قرب الإصبع الصغير الذي لدغته العقرب ذات يوم·· والقدم البيضاء هي السبب· كل ذلك يجب أن يغطى عندما تذهب أمي إلى الضريح··· لا تمحو رائحتها من أنفي سوى رائحة الضريح التي تشبه رائحة القبر الآن··· قبل الذهاب إلى هناك كنت أنتظرها على حافة الطرمة التي تفصل صبة الباب عن أرض صغيرة فيها شجرة نارنج وحيدة تجاور سياج البيت·· ولم تكن قدماي تستطيعان ملامسة الأرض البعيدة، حتى وإن ارتديت الحذاء الأبيض ذا النعل السميك أو مططت رجلي إلى أقصى المسافة الواقعة بين الأرض والصبة·· لا أتذكر أول مرة لامست فيها قدمي الأرض، ولكني أتذكر أول مرة دخل الخروف إلى بيتنا الملئ بالذباب·· علي أن أعرف ماهذا الحيوان·· إنه يبكي·· تعال·· تعال·· تعال·· هشششششششش·· لا تخف تعال· تعال·· فنظر إلي لزمن طويل وأنا في جلوس مستمر·· من الثالث الابتدائي حتى السادس الابتدائي··· كتابي في يدي ورجلي تزداد طولاً··· أراقبه مربوطاً بالحبل إلى جذع النخلة ويأكل باستمرار·· أحياناً يبرك على الأرض ويضع رأسه بين قائمتيه وهو يبكي، ولكنه كان يقفز ويفز فور أن يراني·· تتعثر رجله بالحبل المرتخي قبل أن يستوي واقفاً·· هل يرحب بي أم يريد ماء؟·· هل يفكر ويحلم ويحزن مثلما يأكل ويشرب وينام؟·· أجرب أن أختبره حول ذلك، فأقف فجأة·· يكش صوفه قليلاً كما لو أن جسمه يقشعر·· أرجع فأجلس على الطرمة فيخفض رأسه المرفوع ويعود الذباب إلى مكانه حول عينيه الدامعتين·· أصرخ في وجهه فينظر إلي ببرود وكأنه لا يأبه بي ولا يهابني ولا يعرف ماذا أريد·· وبدون أن أفك حبله أركض فيتبعني قليلاً ولا يصل إلى المكان الصحيح أبداً، لأنه يتوقف فجأة عندما يصبح الحبل مشدوداً، حتى وإن كان ينوي الابتعاد·· إذن الحبل هو السبب·· يجب أن أفك حبل هذا المسكين لكي أعرف هل تتصرف الماشية مثل البشر؟·· أو هل تشاور عقلها أحياناً؟ أو تحب أحداً ما·· وما كنت أتوقع مثل هذه النتيجة عندما اقتربت منه واكتشفت أن الانشوطة واسعة ويمكنه إخراج رأسه منها لو أراد، ولكن كيف يفعل ذلك وهو من ذوات الأربع·· رجلاه ويداه في الأرض؟ يحتاج إلى مساعدة أحد بالتأكيد·· غرزت أصابعي في الصوف وأمسكت به من الذؤابات البنية الموجودة حول عنقه ورفعت الحبل عن رأسه ووقفت أنظر إليه·· ابتسمت له للتعبير عن الصنيع الذي فعلته للتو·· ولكنه لم يبتسم، بل نظر إلي للحظة واحدة فقط ثم انطلق بعدها يركض خلفي إلى داخل البيت حتى وصلت السلم وأنا أصرخ· حاول صعوده فتزحلقت حوافره عليه بصوت مسموع، وظل يتزحلق على الدرجة الأولى مرات عدة قبل أن يستوي واقفاً وهو يصيح خلفي في الطابق السفلي·· لم أتوقعه سريعاً إلى هذا الحد·· وواصلت صراخي خوفاً من صعوده خلفي على الدرج، وبعد قليل رميت الحبل من يدي وجاءت أمي لتعيده إلى مكانه·· بعد أيام كنت واقفة أصلي فرأيت من الشباك رأسه محزوزاً من العنق ودمه مختلط بذؤابات الصوف البنية ومرمي فوق مكان جلوسي في الطرمة· بقيت أبكي طوال العيد، ولم أستطع أن أجلس في ذلك المكان بعد ذلك أبداً، ولا أن آكل اللحم إلا بعد فترة طويلة· كان فخذه يواجهني كلما فتحت باب المجمدة·· عرقوبه إلى أعلى خارجاً من كيس أصفر مكتوب عليه (أهلاً وسهلاً)·· فأين هو الآن؟
كنا نعبر الحي مشياً من أجل الوصول إلى الشط·· وكان علينا عبور النهر أيضاً من أجل الوصول إلى الضريح، وعندما نصل بابه تنصحني أمي بالسلام عليه ثم خلع حذائي عند رجل يلتقطها بعصا طويلة جداً ويضعها على الرف· خمسة وعشرون على الأرض·· وبابوج أمي مقلوب في كل المرات قبل أن يرفعه الكشوان بعصاه·· فهيا تحركي·· لماذا توقفت؟ ما أصعب تعديل الأحذية التي فوق الرفوف ثم عدها·· تسحبني أمي كل مرة ونروح نمشي على الأرض الباردة اللزجة للحضرة باتجاه القفص الذي تنبعث منه رائحة ماء قديم·· هناك شممت بخار الموت لأول مرة، وهناك جربت شعور الخوف الكبير لأول مرة· كنت نحيفة كالعصفور وحولي رجال أقوياء قد يقتلونني في أي لحظة·· بعضهم يقف أمام قدور ضخمة يغلي فيها الحساء، وأخشى الاقتراب كثيراً منها لئلا أسقط فيها كما سقط الخروف في قدر خالتي زمان· (زمان) كانت تتذوق حساءه بين الحين والآخر وهي تخوط القدر بمغرفة كبيرة تشبه الرفش· هل يعقل أن هذه هي نفسها المرأة التي تقول بيبي صبيحة إنها تمردت عند المراهقة وذهبت للرقص في فرقة قمر خانم؟ حدث ذلك بعدما جاءت إلى بغداد ومعها أخوالي الصغار وأمي زينب وخالتي زمان، فلم تجد قوتاً لهم لأيام طويلة بحثت فيها بين المزابل حتى وصلت إلى بيت اليهودية راشيل··
حكاية من زمن السبعينيات روتها لي بيبي صبيحة وكادت أن تنتهي نهاية سعيدة، لولا أن اعترضت أمك زينب، كما تقول، على عمل زمان في فرقة للرقص الشعبي، وثارت على تلك الفكرة المخزية التي قالت إنها تحط من قدرنا، فلم يغادرنا الجوع إلا بعد أن هدنا النحول· يا ابنتي·· فيها صالح كما تقول أمك زينب· لأن مدير فرقة الرشيد للفنون الشعبية توسط لدى المدير العام لكي يعين خالك سعيد عاملاً من عمال الإضاءة·· معظم عمال الإضاءة كانوا من الواسطات·· وبعضهم كان أمياً، لكن سعيد السبع سرعان ما أصبح لا غنى عنه وعن خدماته حتى في أيام العطل والاحتفـالات الوطنية والجمـاهيريـة·· فقد تعلّم العزف على آلة النـاي في أوقات الفراغ، وراح يدندن أيضاً على آلتي العود والكيتار ما بين البروفة والأخرى·· وكان يستطيع رفع الأذان في بعض المسرحيات التي تتطلب ذلك، أو ينادي على ضيوف الملك بملء صوته الجهوري الذي يماثل صوت عز الدين طابو·· وبفضل جارنا الذي كان عضواً في الفرقـة القومية، واسمه صالح، كان يساعد في بعض أعمال النجارة لديكورات الفرقة، فكان ينقل لنا ما يحدث في قاعة الخلد أو المسرح الوطني·
صفحة 7
قال لنا إن الفنانة أمل طه كانت لا تحضر البروفات إلا ومعها قدور الدولمة وسفطات الخبز، وإن فيروز عندما غنت في قاعة الخلد، طلبت رفع صورة أحمد حسن البكر من خلفها·· تخيّلوا أن زوجها عاصي كان يصرخ بها ويعنّفها خلال البروفات·· هذا شيء لا يُصدّق·· وخالتك زمان كانت تريد الذهاب إلى الحفلة، ولكن سعر البطاقة كان خمسة دنانير·· يعني مصروف شهر كامل· فلم تستطع المسكينة الذهاب· وبعد فوات الأوان، حصلت على مثل هذا المبلغ هدية من خالك سعيد عندما سافرت فرقـة (أبنـاء دجـلة) للموشـحـات الأندلسية؛ لتسجيل أغان لإذاعة دولة الكويت، فأخذوا خالك معهم كواحد من الكورس المرافق لجعفر حسن، أول مطرب عراقي يلحن ويغني للأطفال· ثم شـارك في غناء أوبريت (عزيزة الكاع) لبرنامج (صوت الفلاح)، وتمثيل أوبريت (بيادر خير) مع فؤاد سالم· وعندما خصصوا ميزانية فخمة لفيلم (المسألة الكبرى)، الذي أخرجه محمد شكري جميل، كان خالك سعيد يمثل ضمن المجاميع التي تقدمت المنازلة مع غازي التكريتي ضد الإنكليز، كما رمى أكثر من رمانة يدوية في فلم (الحدود الملتهبة)·· إلى أن طال أمد الحرب فأوفدته الدائرة مع الفرقة إلى لبنان لحضور مهرجان الشباب العربي في بيروت، فعبر الحدود من هناك مع أحد المهربين إلى اليونان، ومن اليونان ذهب بالقارب إلى تركيا، وانتظر هناك بضع سنوات لحين هجرته إلى كندا·· بينما خالك سليم سار في طريق الحرب ولم يعد···
نار لا تنطفئ، وحولها الكثير من النسوة والأطفال·· والطيور أيضاً·· طريق طويلة لا يقطعها سوى النهر الوحيد الذي أنظر اليه من خلال شبكة إبريز سور الجسر؛ فأرى القارب يمشي لأول مرة، والصياد يصيد لأول مرة، والأولاد يسبحون لأول مرة·· الجزرة الوسطية للنهر ذهبنا إليها في الربيع، ولكن القارب لم يكفِ الجميع فأخذوا مصطفى وتركوني أعود إلى البيت·· نظرت إلى القارب وما صعدت إليه·· قالوا لي عودي إلى بيت بيبي صبيحة وانتظرينا هناك·· وأخذوا معهم في القارب أخي مصطفى وقدر الدولمة وترمس الشاي· من القارب توجهت إلى الشاطئ، وحالما لمسته قدمي تدفقت أمواجه وغمرت تنورتي الطويلة· أخذت تلك الأمواج ترتفع أكثر وأكثر حتى غمرت ركبتي· شعرت بالخوف من أن يبتلعني الماء· وقفت في مكاني لا أتحرك·· هكذا·· أنا تراودني الرغبة بالموت كلما شعرت بالانكسار· المرة الثانية التي حاولت فيها الانتحار كانت بعد سنوات من حادثة القارب، وبعد ساعات من خطبة تارا أخت تبارك· وضعت تبارك الكحل في عيني وقالت إنها ستجرها للنجوم البعيدة، وعندما عدت إلى البيت انتبهت أمي على هذه المصيبة وجاءت بفوطة بيضاء مسحت بها عيني، ولما رأت الأثر الأسود عليها ضربتني ببابجوها، فبلعت شريطاً من الحبوب فيه اثنتا عشرة حبة، وغسلوا لي معدتي وظنوا أني حامل·
استمر النهر يغمرني حتى بلغ خصري· رفعت حقيبتي فوق صدري، واستمر النهر يغمرني حتى وصل صدري· وضعت حقيبتي فوق رأسي· جاءت آلاء وصاحت بي: تعالي ياسمين·· تعالي تعالي·· عابت شكلك·· أين أنت؟ وماذا تفعلين؟ ثم جرتني إليها فأخذ الماء يدب على جسمي ويدغدغني وكدت أغرق، لولا أن ساعدتني آلاء في الخروج إلى إليابسة؛ لأنها كانت تجيد العوم· بيت بيبي صبيحة كان قريباً من النهر·· جففت ملابسي هناك وسألت بيبي صبيحة أن تعطيني دينارين فأعطتني ديناراً واحداً يكفي لشراء قنينة بيبسي كولا· جعل الدينار بكائي يزداد، ووصفتُ لبيبي صبيحة ما حدث من أمي زينب في الزورق؛ فواستني بالقول إنهم فعلوا ذلك لأن مصطفى هو الرجل وليس أنت·· صحيح أنه صغير ولكنه هو الذي سيمنع أباك من اللغو والغضب بعد العودة من تلك الرحلة· قلت لها ولكنه أصغر مني وهو في العاشرة، فكيف يكون رجلاً؟ فقالت لسنا نحن بأفضل من الملك غازي أيام الملوك·· فعندما علم الملك غازي بأن زوجته الملكة عالية حامل مازح الطبيب قائلاً إذا كان المولود الأول ولداً فسأكافئك بسيارة، وإذا كان بنتاً فسوف أتخلص منك·· وبر الملك بوعده وأهدى الدكتور سندرسن سيارة في اليوم التالي لولادة الملك فيصل·· أما بيبي صبيحة فلم تعطني سوى دينار واحد يكفي لشراء قنينة بيبسي أو خمسة سمسميات وشريط قمر الدين·· معها دائماً الكثير من الخردة تحفظها في صرة بجيب دشداشتها، وذلك لأنها تفعل أشياء مخجلة في بيتها·· تأتي النساء إليها فتحف لهن الشعر من كل مكان، وأحياناً تتعرى العرائس أمامها لتقلع بالشيرة شعرهن الزائد من الظهر إلى البطن وحتى أعلى الأرجل·· كانت أيضاً تسحب الأطفال من بطونهن بعد أشهر عدة·· وتبيع الخبز الذي تخبزه للناس من الصبح وحتى الظهيرة· أنا لا أتذوقه إلا عندما أكون جوعانة جداً؛ لأني وجدت صرصراً يابساً فوق صينية الخبز ذات يوم، وعندما أخبرتها بذلك لم ترم قرص الخبز إلى الزبالة كما أخبرتني، بل أعادته إلى مكانه وباعته مع سفطة الخبز لأحد المشترين· كان لديها تلال من الحطب موضوعة بمحاذاة جدار الحديقة الجرداء كنت أعتقد أنها لن تتمكن من حرقها كلها إلا في عدة أعوام، ولكن بعد شهور يكون الحطب كله قد احترق في التنور ولا تتبقى منه سوى بضع كربات على زاوية بين الحائط والأرض، مما يعني أنها ستشتري تلاً جديداً من الحطب تضعه بمحاذاة الجدار·· معجانة الخبز التي تنقعها بعد أن يتيبس عليها العجين هي نفسها التي تغسل بها ملابسها الوسخة·· تقول إنها تغلَيها بعد كل استعمال·· وكلما تراني تبعثني إلى البقال لأجلب لها الملح أو السكر أو الخميرة· كنت أكرهه جداً لأنه يمسك يدي بقوة أثناء دفع النقود·
إنها غلطة أمي·· كرهتها لأول مرة·· ورجعت إلى البيت أبكي وأحمل ديناراً واحداً· ثم فرحت لأن الشمس اختفت وأخذت الدنيا تمطر عليها وعلى مصطفى في القارب·· صحيح أنها محترمة ولا تقوم بأعمال مخجلة مثل بيبي صبيحة وخالتي زمان، ولكنها طردتني من قاربها الأبيض لأجد القمر الدين قد نفد، واللقم الوردي كله مغطى بالذباب··· لا يوجد سوى الذباب الملتصق باللقم، فعافته نفسي·· ومن الأفضل، كما تقول لنا معلمة الدين، أن نلفه بورق سميك لكي لا يقف عليه الذباب·· مثلنا نحن البنات الحلوات·· يجب أيضاً، كما تقول، لفنا بالحجاب لكي لا يقف علينا الذباب·· اشتريت العلكة والجكليت بدلاً من اللقم، ووقفت أسفل الدكة التي يوجد عليها المحل وأنا أقارب رجلي بقوة بسبب حسرة البول، وظل شاكر البقال يريد الامساك بيدي بالرغم من أنني كنت قد وضعت الربطة على رأسي، فجاءت صديقتي آلاء التي أنقذتني من الغرق واصطحبتني معها إلى البيت·· وقالت·· هيا بنا·
صفحة 8
لا أتذكر آلاء إلا ومعها النار·· لا يوجد سوى صوت الصراخ في بيت آلاء·· لا يوجد سوى النار·· آلاء تدخل إلى النار وتحترق ثيابها·· بدون أن يطفئها أحد·· نار ونار ونار تضطرم حولها وحول أشجار الشبوي التي تتضوع بعطر طيب في المساء· فأشعر بخوف شديد من رائحة الشبوي؛ لأنها تذكرني بالنار التي احترقت فيها آلاء· شب الحريق في البيت ولم يحترق أحد سوى آلاء····· الليل هو السبب···· والوقت تأخر·· نهضت آلاء إلى النافذة لتفتحها، ثم ذهبت إلى الحديقة وسارت عبر الممر الطويل المفضي إلى الفراغ·· كان يفضي إلى المطبخ المؤدي إلى الحديقة الخلفية التي ذهبت إليها آلاء، لكنّ الوارثين قسموه إلى ثلاثة بيوت صغيرة، كل واحد منها يفصله عن الآخر ممر كهذا الممر الذي يشبه الساقية· استيقظت من الحلم على صوت الماء يجري من حنفية عاطلة في غرفة الحمام فاستعصى عليّ النوم، وبقيت أتجول في البيت إلى أن وصلت إلى نهاية الممر فوجدته مفتوحاً، وعندما دخلت إليه نظرت من المنور فوجدت آلاء وقد احترقت بصوبة ملتهبة وحرقت ملابسها· لم تعد الحديقة الخلفية تبدو من نافذة مطبخنا الخلفي كما كانت عليه، لأن أمها علّت جدار الحديقة منذ أعوام·· يبدو البيت مهجوراً بعد أن مات أبوها ولم تبق سوى صورة مشتعلة لجارتي آلاء، التي كانت جميلة ونحيفة كالسنبلة· النار التهمت شعر السنبلة، ورائحة الشبوي هي ما بقي منها·· خطية·· كانت تضحك علينا كلما لعبنا لعبة الخرز التي كنا نطمها في الحفرة ونتلفت خوفاً من الطنطل· صنع لنا الطنطل الذي يختبئ في الخرابة ظلالاً في كل مكان، ووضع حجارة كبيرة أغلق بها مدخل البيت، فكنا نخاف أن يجرنا من ظفائرنا·· وذات يوم ظهر مع زوجته وهما يكنسان الدرب في الليل بعد رعد وبرق·· كان شعر زوجته طويلاً ويصل إلى قدميها·· ركضنا بكل قوتنا لحين وصولنا باب البيت، فكانت أمي بانتظاري وعنفتني كثيراً لتأخري في اللعب خارج البيت·
في قعر الحفرة تتجمع الخرزات·· أتذكر واحدة أكبر من ثلاثين خرزة·· وآلاء قالت إنها قد أخرجتها من قلادة عظم عاج وجدتها مرمية قربَ سياج بيت أم نبيلة المخبلة التي ماتت قبل ذلك بأيام· خطية نبيلة أصبحت تسير في الشارع بلا أم ولا حذاء، وتردد أغنية واحدة تشبه النشيد تقول: مروا علية الحلوين وعذبوني··· بنظرة تهيم الروح بيها رموني·· أغنية لم أكن أسمعها من الراديو ولكني حفظتها من نبيلة المخبلة أم الخرق·· تقول عنها آلاء إنها مجنونة لأن أمها ولدتها في طائرة عندما ذهبت إلى مصر لزيارة أبيها الهارب من العراق·· انهزم راكضاً حتى وصل إلى مصر؛ فذهب وجلس هناك في الصالون على طقم مذهب يشبه طقم الفلم العربي الذي تحبه بيبي صبيحة واسمه خان الخليلي·· في رمضان كانت نبيلة تمضغ العلكة في الشارع وأنا أيضاً كنت أفطر بدون حس أهلي··· بدأت أمي تنصحني بأن أكون مضمومة·· لأني أصبحت حائضاً·· وبيبي صبيحة أعطتني خرقة كبيرة لكي أضعها داخل سروالي بعد أن تلوثت دشداشتي بالدم·· قالت لي إني قد بلغت وأصبحت امرأة مثل باقي النساء البالغات، ومن الآن فصاعداً يجب أن آخذ حذري أكثر وأكثر من الكلاب التي ستحوم حولي·· وقالت : كوني قوية مثلي ياياسمين ولا تظهري بمظهر الضعيف أبداً لأن القوي لن يكون قوياً إلا بوجود من هو أضعف منه· فكرة جيدة يابيبي صبيحة ولكنها ليست لياسمين·
أصبحتُ عندما أمر من الشارع أنظر إليها·· يركل الأولاد بعضهم بعضاً ويتصايحون ويتضاحكون وهم يصرخون بأصوات غريبة تجعلني أهلع وأمشي لصق الحائط·· ضعيفة وخائفة ولا قدرة لي على أن أجعلهم يكفون عن الصراخ· فكيف أكون قوية، يا بيبي صبيحة، وقد ورثت كل هذا الخجل من أمي؟·· أحيانا ينظرون إلي بغباء كما تفعل البهائم، أو كما يفعل هذا الولد الأسمر الذي يدور في المقبرة منذ الصباح الباكر ويصرخ بأقبح الأصوات· تقول لي أمي قولي باسم الله عند الخطر، وأقول بسم الله دون أن أسمع نفسي أقولها بسبب الطنين الذي يتردد في أذني من شدة الخوف··· اسم الله هو الله··· أتخيله على شكل الاسم الموضوع فوق قبة الضريح·· وأخاف أن أفكر به قبل النوم لئلا أخطئ في فكرة من الأفكار؛ فأراه معنا في مكان ما من المدرسة أو البيت·· وعندما أصلّي أيضاً لا أفكر فيه·· أفكر في كل شيء إلا به··· أفكر في واجب الحساب وفي غسل الصحون وفي الأزرار التي لا تنتهي، ولا أردد الآيات التي يجب قراءتها قبل النوم كما تطلب منا الست رفيعة معلمة الدين أن نفعل·· وكلما تأخرت في النوم زادت هذه الأفكار وتشعبت وأصبحت تقترب من العيب ولا أستطيع إخبار أحد بها·· إششششش·· أخاف أن ألمس يدي الساخنة التي تتورم من أثر الأبرة بالرغم من أنها تحكني بقوة· أما آلاء فلا تخاف من اللقاح الإجباري ولا تقول آخ أبداً·· إنها لا تصلي ولا تخاف من أي شيء ولا حتى من الطنطل أو من قلادة أم نبيلة الميتة·· وعندما كانت الممرضة تحدثنا عن لقاح السل الذي يعطي الجسم جراثيم ضعيفة أو ميتة، لكي تحثُّ جهاز المناعة على مهاجمة الجراثيم لدى دخولها الجسم، فإن آلاء كانت الوحيدة التي رفعت يدها وسألت الممرضة وهل يمكن زرق أبيها الذي عوقته الحرب بإبرة تعيد له قدرته على المشي؟ نظرت إلى يدها المرفوعة ثم نظرت إلى يدي·
أعطونا في المدرسة لقاح السل، وبعد شهر واحد لقحونا بالحصبة والكوليرا والتيفوئيد، وبعد عشر سنوات، عندما زرقوني إبرة أخرى كذبوا علي وقالوا لي إنها من أجل لقاح آخر·· حدث ذلك بعد أن فحصوا دمنا أنا وأبي وأمي في المستشفى·· لأن دمها كان يتوسخ بسبب ضمور كليتها الوحيدة، فاحتاجوا لها بعض الدم النظيف وكلية جديدة أيضاً، بواسطتها يتنظف الجسم من أوساخه· أخذونا إلى المستشفى وفحصونا نحن الثلاثة عدا أخي الصغير مصطفى· استغرق زرق الأبرة في يدي لحظة واحدة صعدت إلى رأسي كالدخان·· تذكرت عربة النفط ذات القرقعة الخشبية·· تمر قرب البيت يقودها الحصان·· الأطفال الذين يركل بعضهم بعضاً·· يقتربون منه ويقدمون له الحشيش اليابس المقتطع من الأرض·· يقربونه من فمه· أبو فالح ينهرهم·· يتضاحكون·· يهربون·· ثم يعودون مرة أخرى·· أبو فالح ركضت به العربة ورجلُه مليئة بالدم بسبب طلقة رصاص أصابته في فخذه، فقالت أمي:
- مسكين·· هذا أشدخله لمنطقتنا·
صفحة 9
مرآة الجندي
امتد وقوفي هناك سنوات طويلة، بدأتْ بيوم الأربعين ولم تنتهِ لحد الآن· لم تكن المقبرة مأهولة إلى هذا الحد، وليس فيها سوى أولئك الذين ماتوا بسبب الشيخوخة أو المقتولين في الحرب، وبينهم اللواء مدحت شهاب الدين الذي استُشهد في حادث سقوط طيارته منذ العام ثلاثة وستين·· أي قبل ولادة أمي زينب بثلاثة أعوام·· ولذلك كان قبره قد تهدم ولم يتبقَّ منه سوى الشاهدة التي أقرأُ قربها الفاتحة كلما سنح لي الوقت بذلك·· لديه بعض البطولات في معارك عنيفة امَّحى تاريخها من الشاهدة، ولكنها تتحدث عن يوم من أيام رمضان حدث في زمن بعيد·· وإذا كان ما تقوله بيبي صبيحة صحيحاً، فإنه مدفون الآن بملابسه العسكرية لأن هذا ما حدث لخالي سليم الذي استشهد في الحرب·· وفي أحد الأيام عدت إلى المقبرة وحدي فانتبهت إلى وجود ثلاث نخلات باسقات تحولت بعض سعفاتها إلى حطب يابس يتدلى من طرفها الأعلى على شكل شناديخ طويلة· لحظتها لم أنتبه لوجود أي ثمر فيها، ولكن اليوم ظهر الولدان الأبيض والأسمر وجلسا تحتها يلمّان التمر اليابس والكرب(ü) بكيس من الجنفاص، وآخر من تلك الأكياس التي تستعمل لعبوات الرز الكبيرة· ولأن اليوم هو عيد الأضحى فسيظهر من بعيد مقرئ القرآن الأعمى يتجول بين القبور، متمتماً بأن القرآن هو نور هذا الليل المظلم·
لا بد أنه يتجول الآن في مكان آخر، وسيقترب مني بعد قليل ويقول لي عيد مبارك، وربما يسألني أين أنتم من زمان؟ لماذا لم يعد أحد منكم يأتي إلى هنا؟·· له في ذلك طريقة خاصة في السؤال· يحرك رأسه في الهواء، ثم يخرج يده من جيب دشداشته ويمط فمه بحركة تشبه الابتسامة، ثم يقول بعد قليل مشكورة اختي وجزاك الله خيراً ووفقك الله دنيا وآخرة لم أكن أنوي الانقطاع عن قبر أمي زينب كل تلك المدة·· ولكن زياراتي تباعدت بعد أن أصبح الناس يتساقطون الواحد تلو الآخر على الطرقات، وأصبحت المشاغل بعدد سنوات القصف التي بدأت ولم تنتهِ·· مرت السنة التي ركض فيها الحصان يجر صاحبه أبو فالح مجروحاً بإطلاقة نارية·· ومرت سنوات البيانو الذي تعلمت العزف عليه في بيت ماري··
ماري تريدني أن أخلع الحجاب الذي لم أعتد خلعه قط أمام أحد قبل ذلك·· عدا أهلي·· ولكنننا أهلك، تقول ماري، ويجب أن تعتادي النظر إلينا، لأنك ستعيشين بيننا كل يوم· ماهذا؟ هذا غير صحيح·· عليها أن تنتبه·· ولا يمكن لقليل من هذا الكلام إلا أن يجعلني أعيش الخوف والحيرة وسط حيرة وخوف أكبرين· طبعاً لم تكن هناك بعدها راحة شافية حتى عندما أجلس وحدي في غرفة مظلمة·· هنا·· هناك·· تعالي·· اجلسي·· أنا·· هنا·· أنا·· هناك·· أنت··نحن·· هذه أمك·· هذا أبوك·· كلمات قلائل لا يمكنها أن تحولني من ياسمين محمد إلى ياسمين عبد الأحد· ماري أفكارها واضحة عن كل شيء·· ترسم صورة للفكرة كما هي موجودة في رأسها لا كما يجب أن تكون·· وبينما تبحث هناك في الحديقة مع عبد الأحد كيف تنفذ تلك الفكرة وتجعلني أخلع الحجاب، كنت في الغرفة المظلمة أتحدث إلى نفسي وأقول لها مهما كانت الصعاب جمة فقد انقضت تلك الصعاب وانتهى وقت السؤال، وعليك التشبث بالحجاب هنا في بيت ماري الذي أصبح بيتي منذ سن الرشد· يشبه بيت صديقتي تبارك الهادئ الجميل الذي لا يتساقط قربه أحد من الجرحى، ويسمعون فيه بكل شيء حزين من الأخبار فقط·· أسمت (أسامي) بيت ماري ببيت أوليفر ريد· ولم يمض وقت طويل بعد ذلك حتى ذهبت إلى الكنيسة بالحجاب·· لا أمزح·
كان فيما مضى يتزحلق من رأسي فوق قميص المدرسة ثم صار ثقيلاً ونشازاً على رأسي، وفي أي مكان أكون فيه مع صديقتي تبارك يسألونني لماذا ترتدين الحجاب وأنت صغيرة؟·· وعندما أمرض يظل قربي على السرير لئلا يأتي واحد من أبناء عمومتي فجأةً وأنا لا ألبسه· لا بد أن أجده في كل مكان·· وأعثر عليه إذا ضاع·· أصبحت مختلفة عن غيري من البنات، وكأني أضع علامة استفهام فوق رأسي أو أمتلك رائحة فظيعة خاصة بي·· ولكني منذ تلك اللحظة التي أصيبت فيها بيبي صبيحة بالتهاب المفاصل وأضطررت إلى المبيت عندها من أجل قضاء مشاويرها وقت الحاجة، وجدت نفسي ألبسه على الدوام بين ذهابي وأيابي بين بيتها والبقال، بعد أن استمر مبيتي عندها طوال الأشهر الثلاثة لأول عطلة صيفية بعد الحجاب·· لم أداوم بعد تلك العطلة سوى يوم واحد بدون حجاب؛ لأن بيبي صبيحة قالت لي إنها تجدني صغيرة على الحجاب·· يوم واحد فقط من تسع سنوات لم أعرف أولها من آخرها·· يوم واحد فقط لامس الهواء الهاب وجهي وتغلغل بين خصلات شعري، فخفتُ أن يراني أخي مصطفى ويميتني ركلاً وضرباً وضرباً· فهو ظل يتغيب عن المدرسة ويتجول في الطرقات لبيع أكياس الهيل الصغيرة إلى أن حدثت الحرب الثالثة بعد تلك السنوات التسع، فانتهى زمان وبدأ زمان آخر زارنا فيه الجندي الأمريكي الذي حك مكان القرط في أذنه، وأصر على التجول في المدرسة التي انقطعنا عنها فترةً طويلة بسبب الحرب، فما لبثتُ أن وجدت علامة الاستفهام تختفي من فوق رأسي بعد أشهر·· ويوماً بعد آخر وجدت الراحة في انتشاره على رؤوس البنات في مدرستنا·· انتهى الوقت الذي أصبحتْ فيه علامات الاستفهام تنكتب فقط فوق رؤوس الفقراء والمساكين، وبقليل من الحرية التي عن على بالنا أن تأتي بعد نهاية الخوف، لم أخلعه أنا بل لبسَتْه حتى أم تبارك، وابنة الدكتور جميل طبيب المفاصل، وطيبة ابنة المديرة أيضاً· تمهلا·· توقفا·· أين عثرتما على هذه الربطة·· إنها لي وقد طيرها الهواء العالي قبل قليل·
صفحة 10
لو كانت آلاء موجودة لرقصت وغنت لوجود كل تلك الألعاب الجديدة التي جاءنا بها الجندي الأمريكي، والتي لا تعود للموتى كقلادة أم نبيلة، ولكن كيف تكون موجودة وقد احترقت على السلم منذ سنين مشتعلة من القاع للأعلى، وصديقتي الأخرى تبارك هي التي رفعت يدها إلى الأعلى وتحدثت مع الجندي الأمريكي وقالت له إنها تعرف أغاني فرقة أمريكية لفظت اسمها بالإنكليزي، فامتلأ الأمريكي دهشة لهذا الخبر المثير، وبدا بكل عدته وملابسه الثقيلة مستعداً للتخفي خلف ابتسامة عريضة من أجل التخفيف عن معاناتنا كما قال· نظرت إلى يد تبارك طويلاً ثم إلى يدي··· وعندما صفقنا له ونحن نضحك من شدة الانفعال، جاءنا جندي أمريكي آخر بيده ألعاب كثيرة وهدايا أشكالاً وألواناً·· كانت الألعاب عبارة عن كرتونات مغلقة مرسوم عليها كومبيوترات صغيرة الحجم مهداة من الجيش إلى المدرسة· ظلت منطبقة على نفسها في غرفة المعاونة ثم اختفت في مسابقة أقامتها المدرسة عن أسماء الخلفاء الراشدين فازت فيها طيبة ابنة المديرة ومجموعة من بنات المدرسات· أعتقد بأني وجدت شيئاً هنا·· هناك عقرب قرب قنينة الماء·
طلبت منا المدرسة، بعد أن خرج الجنود، أن نروي قصة عن الأمريكان، وأن لا نخاف ونقول ما نريد عن الأمريكان·· قصة عن الأمريكان؟ ماذا نكتب؟ وتضحك البنات·· واحدة قالت إن بيت خالها احترق ولما أطفؤوا النيران اكتشفوا أن الشيء الوحيد الذي لم يحترق هو ورقة مئة دولار أمريكي·· ازداد الضحك·· ولكني لم أضحك لأني كنت أفكر ماذا أكتب وكيف أبدأ الموضوع أو كيف أنهيه؟ الممحاة تصغر لحظة بعد أخرى والقلم يقصر·· انتظرت حتى آخر الدرس·· في النهاية كتبت لها إن الأمريكي جاء والثقوب في أذنيه ليفتش بيتنا فأكله الذباب· جاء في الطريق الطويلة التي انتهت إلى صحراء مخيفة، فمات من الجوع والعطش وأكله الذباب· تبارك عرفت أحسن مني وكتبت أن أمها قد دعت طاقم الدبابة إلى الغداء، وأن أحدهم قد لاعب قطتها زوزو وسأل عن اسمها··· كما طلبوا من تارا، التي كانت طالبة في الكلية الطبية، أن تعمل معهم في الترجمة، فقبلت وفرحت وظلت تعمل معهم عدة أشهر ثم تركت العمل بعد أن جاءها تهديد بالقتل··
حدث ذلك كله قبل أيام قليلة جداً من فحص الدم، حينما طأطات يدي لصق الحائط بوضع مريح، فربطَتْها الممرضة برباط مطاطي شدّته على زندي بقوة ثم عقدته على شكل أذنين جعلتاني أشعر بضغط شديد في ساعدي وفراغ ينتفخ في رأسي···· نظفت الممرضة مكان الزرق بقطنة باردة منقوعة بالكحول ثم فردت يدي اليمنى بحيث تكون راحتها مبسوطة للأعلى·· ضربت بتربيتات متلاحقة قرب الرباط وطلبت مني إغلاق قبضة يدي بقوة لكي تحدد مكان الوريد·· ودون أن أنظر إليها شعرت بأنها تدخل سن الإبرة برفق في الوريد المنتفخ وتسحب مقبض الحقنة فيجري دمي إليها·· بقيتُ مغمضةَ العينين أفكر بساق سائق العربة المدماة إلى أن فكت الرباط وفتحت قبضتي، فوجدت الحقنة قد امتلأت بالدم· شعرت بأن وجهي قد أصبح أصفر مثل النومية(ü) ورجلي مرتخية مثل الخيوط، ولكني استطعت النظر إلى الممرضة خطفاً فرأيتها وهي تفرغ الدم في أنبوبة صغيرة كتبتْ عليها اسمي فوق لاصقة طبية، ووضعتها على مكان سحب العينة· استغرقت عملية أمي الليل بأكمله· وفي صالة الانتظار جلس أبي وحده يدخن·· بينما خرجتُ أنا من هناك ابنةَ رجلٍ آخر وأمٍّ أخرى، والفاصلة بين الاثنتين كانت لحظة واحدة وقطرة دم واحدة ونغزة إبرة واحدة جعلتنا نحن الثلاثة، بعد يوم واحد، غرباء عن بعضنا البعض· لم يتفوه أبي بكلمة بعد يوم من فحص الدم، وأصبحتْ أمي تنظر في وجهي كثيراً ثم تكثر من التقاط كيس البول فيطفر صرصر فاتح اللون من خلف الكيس ويسير بسرعة على حافة النافذة، قبل أن يستدير ويختفي بين الأدراج مرة أخرى·