كتاب "النظرية السياسية بين التجريد والممارسة، للكاتب والمؤلف د.إبراهيم أبراش، كما يقول في مقدمته: "لا بد من الاعتراف بأن عملنا هذا هو محاولة لمقاربة موضوع النظرية السياسية، سواء على مستوى الجانب المفاهيمي أو على مستوى الممارسة في ظل عالم باتت تحكمه المصالح
You are here
قراءة كتاب النظرية السياسية بين التجريد والممارسة
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
اللغة: العربية
الصفحة رقم: 6
أولاً: في تعريف السياسة
ليس بالأمر الهين تعريف السياسة، فبقدر البساطة الظاهرة على هذا المصطلح وكثرة تداوله بين الناس العاديين وبين رجال السياسة، فإن التعريف العلمي لهذا المصطلح لا يتفق مع هذا التعويم لاستعمال كلمة سياسة، ومن ناحية أخرى، فإن تعَقُّدَ البناء الاجتماعي، وتداخل ما هو سياسي مع ما هو اقتصادي أو ديني أو إيديولوجي أو قانوني يجعل عملية التمايز بين هذه الأنساق أو المجالات أمراً صعباً، أو كما قال جوليان فروند Julien Freund:
"إن السياسة تشبه "كيس سفر يحتوي ما تنوع من الأشياء... فيه ما شئت من الصراع، والحيلة، والقوة، والتفاوض، والعنف، والإرهاب، والتخريب، والحرب، والقانون..." (2).
حيث إن الشأن السياسي، وكما هو الحال مع المجالات الاجتماعية الأخرى، أُخضِع للمنهج العلمي وأدواته الدقيقة، فقد أصبح من الممكن مقاربة الظواهر السياسية مقاربة علمية، بل إن ظهور علماء وعلوم متخصصة بدراستها، مع ما يصاحب ذلك من محاذير. قام بتوظيف علم الاشتقاق أو الإيتمولوجيا ( Etymology )، لذا فإن كلمة سياسة باللغة العربية تقابل كلمة (Politics) بالإنكليزية، و(Politique) بالفرنسية، والمصطلحان مشتقان من اللفظ اللاتيني (Polis) بمعنى المدينة أو الناحية أو اجتماع المواطنين، ومشتقاتها (Politeia) بمعنى المدينة والدستور والنظام السياسي، و(Politike) بمعنى الفن السياسي، أي أن معناها كان معالجة الأمور التي تخص المدينة. هذا يوحي بأن السياسة أو الحكم بالسياسة اقترن في نشأته بـ (دولة- المدينة)، أي أنه مرتبط بتجاوز المجتمعات الإنسانية مرحلة العلاقات القائمة على انساق القرابة، من أسرية وعشائرية إلى المجتمع المدني المنظم، على أساس المدينة والسكن والمواطنة والوظيفة، أي بشكل آخر انتقال المجتمعات من الحكم عن طريق رئيس القبيلة الذي يستند في حكمه على النفوذ الشخصي الاجتماعي أو الديني، أو على عامل السن، إلى الحكم عن طريق السلطة السياسية القائمة على الإكراه والقسر وعلاقة حاكمين بمحكومين. هذا التعريف للسياسة انطلاقاً من التحليل الإبستومولوجي للمصطلح دفع العديد من الباحثين الغربيين، وانطلاقاً من الأنوية الحضارية الغربية، إلى اعتبار الشأن السياسي أمراً مقتصراً على المجتمعات الأوروبية، ولم تعرفه المجتمعات الأخرى- مجتمعات ما قبل دولة- المدينة اليونانية. وهذا ما قال به مالينوفسكي (Malinowski) الذي نفى وجود جماعات "سياسية" لدى جماعات الفيدا وأهالي أستراليا الأصليين، فهذه المجتمعات تلعب فيها صلة القرابة العامل(3) الرئيس في علاقاتها الاجتماعية، فعلاقات القرابة تتنافى مع العلاقات السياسية. إلا أن هذه المقاربة لمصطلح السياسة اعتماداً على أصل الكلمة اليوناني تجد من يعارضها ويأخذ بمقولة أرسطو إن الإنسان حيوان سياسي بطبعه، فلا يوجد مجتمع بدون سلطة وحكومة. إن الخلاف في الواقع يكمن في اختلاف مفهوم السياسة لدى الأقدمين عنه لدى المجتمعات المنظمة في إطار دولة؛ فالسياسة بمعنى القيادة موجودة في كل المجتمعات بما فيها البدائية، إلا أنها في هذه الأخيرة لم تكن جهازاً منفصلاً عن الأجهزة الأخرى، من اقتصادية واجتماعية ودينية، بل كانت متداخلة معها، وكانت كلها تتركز في يد رجل واحد أو مجلس واحد. أما السياسة في دولة- المدينة وما بعدها من نظم سياسية حديثة، فمختلفة، إنها مؤسسات وأجهزة مستقلة قائمة بذاتها، تتقاطع وتتلاقى مع مؤسسات المجتمع الأخرى ولكنها لا تذوب فيها.
هذا الرأي الذي يميّز ما بين السياسة في مجتمعات ما قبل دولة المدينة اليونانية والسياسة في المجتمعات الحديثة أو المدينية، تطرق إليه بتوسع الانتربولوجي الفرنسي بيار كلاستر في كتابه "مجتمع اللا دولة"، حيث يقول إن المجتمعات البدائية- أي تلك المنظمة على أساس غير ما هو معروف في المجتمعات الأوروبية- لم تعرف السلطة السياسية كجهاز قائم بذاته، بل كانت مندمجة مع بقية المؤسسات الأخرى، ويميز بين السلطة السياسية، وبين نفوذ الزعيم في المجتمعات الأولى، فالزعيم يحظى بالاحترام والتقدير، ويمثل الجماعة لدى الجماعات الأخرى، ويفض النزاعات الداخلية، ولكنه لا يمتلك أي سلطة قسرية، وغياب عنصر القسرية أو الإكراه هو ما ينفي صفة السياسة عن سلطة الزعيم. إن الزعيم بما أنه المعمم لنشاطات الجماعة الاقتصادية والطبقية، لا يحوز على أي سلطة تقريرية، إنه غير متأكد على الإطلاق من أن أوامره سوف تنفذ". (4)


