رواية "برد الصيف" للكاتب جميل السلحوت، تشكل هذه الرواية الجزء الرابع من سلسلة روايات درب الآلام الفلسطيني التي يواصل السلحوت كتابتها، وقد سبقتها الأجزاء الثلاثة الأولى وهي:"ظلام النهار" وجنة الجحيم" و"هوان النعيم"وهي من اصدارات دار الجندي أيضا ,
You are here
قراءة كتاب برد الصيف
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
اللغة: العربية
الصفحة رقم: 8
تململ ساكنو قبور المدينة في قبورهم، فالصحابة والشهداء والأعيان والعلماء والعامّة الذين رووا تراب المدينة بدمائهم، يرتعد رفاتهم غضبا كلما داهم المدينة خطر، وهم يحتجون على قرار بلدية الاحتلال باستبدال اسم شارع "بور سعيد" باسم "شارع الزهراء" حتى أن روح الطيّار السوري جول جمّال رفرفت فوق مياه قناة السويس، التي ابتعلت مياهها ما تبقى من جثمانه الطاهر، عندما فجر طائرته في بارجة فرنسية في عدوان عام 1956، فالرجل ما عاد يطيق الأغراب الذين تتمترس قوّاتهم على ضفاف القنال الشرقية، ولم يكتفوا بذلك، بل غيّروا اسم شارع يحمل اسم بور سعيد التي دكّها الغزاة مرّات ومرّات، في حين ضحك عبد القادر الحسيني ساخرا من عقلية غزاة لا يتعظون من التاريخ، عندما قاموا بتغيير اسم مدرسة تحمل اسمه لتصبح "مدرسة سلوان الاعداديّة"، فإذا كان المنتصرون هم من يعيدون كتابة التاريخ، فإن ذاكرة الشعب أقوى من التاريخ الكاذب.
أنهى أبو سالم نفس التمباك على المقهى المقابل لمستشفى"الهوسبيس" ولم يذهب إلى الأقصى للصّلاة، فقد سمع كثيرا"إنّ الصّلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر" وهو في حيرة من أمره حول ما يقوم به هل هو فحشاء ومنكر أم لا؟ وإذا كانت الصّلاة في الأقصى بخمسمئة صلاة، فما مصير مرتكب الفحشاء والمنكر إذا ما دخل هذا المسجد العظيم؟ ولم يقتنع بأنه ارتكب فواحش ومنكرات، لذا ارتأى أن لا يذهب للصّلاة، ترك المقهى وقفل عائدا إلى باب العمود...وقبل الخروج من الباب التاريخي صعد الدرج إلى حارة السّعديّة...شعر الأرض تميد تحت قدميه عندما مرّ أمام مستشفى الأطفال...تذكر ابنته أميرة عندما رقدت وهي رضيعة في هذا المستشفى...وكيف عافاها الله، وقتئذ اعتبر شفاءها بسبب دعواته لها في المسجد الأقصى، لكنه الآن مقتنع بأن العلاج هو من شفاها...وطبعا بإرادة الله...لكنّ البشر جميعهم عيال الله...وأن المؤمنين كلّهم يصلون لله بغضّ النظر عن دينهم...ويبدو أنّ الله يحبّ اليهود أكثر من غيرهم...ولو لم يكن الأمر كذلك لما نصرهم...زوابع تدور في رأسه...تحسّس المئتي دينار التي قبضها من الكابتن نمرود...ابتسم وقال في نفسه:- لم أقبض في حياتي مبلغا كهذا...ابتسم ومنّى نفسه بمبالغ أكثر..تمنّى لو أنّ الله خلقه من أبوين يهوديين ليريحه من هذه الوساوس...حسم الأمر بأن شتم في سرّه آباء اليهود وآباء العرب..وواصل مسيره باتجاه باب السّاهرة...مشى في شارع صلاح الدين...لا يبغي هدفا...إنّه متضايق...يريد أن يضيع وقته..اتجه الى شارع"بور سعيد"...لم يفهم مغزى تغيير اسم الشارع، فالزهراء أو بور سعيد كلاهما اسمان لا يعنيان له شيئا، رأى نساء متبرجات كاسيات عاريات، بعضهن يتكلمن العربية بعجمة بائنة، ورأى ذكورا يرتدون ملابس نسائية... يضعون أحمر الشفاه...يحملون حقائب نسائية...يتكلمون بلغة المؤنث وكأنهم نساء... ورأى شبابا يترنحون سكارى، يمازحون تلك النساء...فتيقن أنّ المدينة لم تعد كما كانت، وهذا يثلج صدره، فـ"الموت مع الجماعة فرج" والكابتن نمرود يعمل على تغيير كلّ شيء...غالبية المحلات مغلقة فسأل شابا عن سبب ذلك؟
- هذه المحلات تفتح من المساء حتى الصباح يا شيخ..أجاب الشاب ضاحكا...وإذا ما أردت أن تعدل رأسك، وأن تقضي ليلة حمراء فعد ليلا وسترى ما لم تحلم به، هكذا أجابه الشاب.
وفي هذه الأثناء ظهر عليان بن الحاج عبد الرؤوف...يتأبط ذراع مخنث يتشبه بالنساء...كلاهما يضحك بشكل هستيري...صاح بصوت متقطع ومتهدج:-
سامي ...هذا ...شيخنا...ماذا تريد...منه.
اتجه إلى أبي سالم وقال:- أهلا عمّي....ماذا تعمل هنا؟
- مثلما تعمل أنت.
- أنا لا أعمل شيئا...من هذا؟ هل هو رجل أم امرأة؟
- هذا صاحبتي...هو رجل ...لكنه يحبّ أن يكون امرأة...أسماه والداه جبريئيل..لكنه اختار أن يكون اسمه جيئولا.
- ولماذا هو معك؟...وماذا يريد منك؟
ضحك عليان وقال:-إنه يريد أن يكون زوجتي.


