رواية (الصندوق الأسود) للكاتبة العراقية كليزار أنور، عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر. وهي الإصدار الرابع للمؤلفة بعد مجموعتيها القصصيتين (بئر البنفسج/ 1999) و(عنقود الكهرمان/2006) ورواية (عجلة النار/2003).
قراءة كتاب الصندوق الأسود
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
اللغة: العربية

الصندوق الأسود
الصفحة رقم: 4
في الحلم·· في الواقع، وجدتني أُماً·· طفلٌ جميل يحبو نحوي لأكون ملاذه· اخترت -ومنذ زمنٍ بعيد، حتى قبل أن أتزوج- لابني اسماً سرياً سيكون تاريخي الذي سأبني عليه ميلادي الجديد· اخترت اسم (مروان) دون الأسماء كلها· لماذا؟ لا أدري! وبدأت أسترسل في التفكير·· كيفَ سأكون أُماً! أحشاء تمتلئ أولاً بالنبض والحيوية·· أحشاء تجول بها روحٌ صغيرة، وستكبر إلى أن تتحول جسداً ينبلج عنه الضوء إلى الوجود· أظن سيكون له إرث جديداً في حياة مليئة بالوعد·
هل حقاً سأكون أُماً؟ بدأتُ أُفكر في كيفية انفراجها عن مكنوناتي لأكون أُماً بين الأمهات· هل يحق لي ذلك الحلم الطبيعي جداً· قررت لحظتها أن أكتب عن معاناتي هذه حالما أعود لبيتي، أُسردها كما هي لتُدوّن بداية الكتابة عن حلم سينبض -ربما- بالوجود·
الكتابة والحلم·· مرادفان متداخلان من معنى واحد عندي يمنحاني افتراضاً بأن الكتابة حياة! أكتب حلمي الذي حرمت منه، وأن أعيشه افتراضاً· كتابة الحلم تعني الكثير·· تعني سبيلاً لتثبيته في الوجود الحقيقي· كيف تسير تلك الكلمات وتتحد في المعنى هذا لتمتلئ به أحشائي·· تمتلئ الأخاديد العميقة التي بصدري حليباً أسقي بها طفلاً يعطيني إحساساً بأنه يكبر من خلاياي· طفلاً يحمل مني جزءاً يزيدني بها حياةً تعويضاً عن حرمانٍ وحسرةٍ شاءها القدر عليّ· حلمي أن تكون لي كينونة أرعاها وأحرص عليها، أنشغل بها· فلسفة غيبية، أن لا يفكر المرء منا بفقدانها·· وأنا قد أمسكت الكلمة والحلم!
المفردة أُفككها·· ألتهمها·· هل يحق لي أن أكون أُماً؟ هل يجوز أن تنقلب كل تلك المعادلات القَدرية إلى معادلات لها واقع حي على أرض الوجود؟ سئمتُ الكتابة التي لم تحقق الحلم، فعليّ أن أُحققها بالفعل لتُفرض على الواقع·
سيكون لي ابنٌ·· تكورات لذيذة في الجسد، في امتداد الرحم، وأنا أحضنهُ، ستكون تكورات لها نبض· هل سأحمل قلباً صغيراً ينبض بداخلي تسعة أشهر؟ ما تراه ذلك الشيء؟ هل هو شعور لا يحقُ لي أن أحلم به!
سأكتبهُ أولاً·· سأُحققه بكتابتي، لأني ما عهدتُ سوى الكتابة سبيلاً لتحقيق أحلامي· أحتاج إلى تأكيد ذاتي بكل حرف سيتشكل بداخلي مثلما الجنين يتكور لأحتوي على معناه!
هل هو سرّ؟ إن كان كذلك، فعليّ تفكيكه!
وجاء الكادر الطبي -قاطعاً استرسالي- المكون من طبيب وطبيبة وبعض الممرضات والمعينات· سألتني إحدى الواقفات:
- شو اسمك؟
فأجبتها:
- وشو اسم جوزك؟
أجبتها وقلت يا الله بكل رجاء·· وغبتُ عن الوعي·

