رواية "صابر" الصادرة عن دار الجندي للنشر والتوزيع في القدس، للكاتب والأديب الفلسطيني سليم دبور، وهو كاتب روائي وسينمائي وتلفزيوني ومسرحي، وقد أهدى روايته إلى شهداء فلسطين في الضفة وغزة الأبية، والأسرى في سجون الاحتلال، وإلى كل ضحايا العالم.
You are here
قراءة كتاب صابر
تنويه: تعرض هنا نبذة من اول ١٠ صفحات فقط من الكتاب الالكتروني، لقراءة الكتاب كاملا اضغط على الزر “اشتر الآن"
اللغة: العربية
الصفحة رقم: 8
(2)
ألومك يا أبي أحياناً، وأشفق عليك أكثر. أنت مسكين مثلي رغم اختلاف الهموم. ذهبت ضحية للمرض، شُلّ جسدك، وانحنت قامتك، وفقدت بصرك، إلى أن أصبحت جثة تذرف العين لها دمعاً، ويخفق القلب لها ألماً، ويرتعش الجسد منها خوفاً. تركتني وحيداً أناطح الأمواج الصاخبة بفقري، وأنشد الآهات من شدة حزني. أردتَ الموت فنِلته، وأنا ما زلت أعزف سيمفونية وداعك على أوتار من لهب. أحرقت أناملي تلك الأوتار.. منذ وفاتك أعلنت البلية شرها، وقدحت زناد ظلمها. أصبحت موطئ الأقدام ومرمى الكلام. أصادق الألم فما لي غيره. أحب الظلام ففيه أجد فتات نفسي.
أتذكرك جيداً وأنت تلفظ أنفاسك الأخيرة، معلناً نهاية قصتك البائسة في هذه الدنيا. أتذكّر وصاياك العظيمة جيداً رغم أنني لا أطبقها: "المصائب محك الرجال". أتساءل: أيّ رجال؟ داستنا أقدام الذل حتى عصرت أمعاءنا، وذبحت كرامتنا ومرغتها بالوحل، ونقول المصائب محك الرجال.
هراء! هراء! هل يجب أن يتذوق المرء الذل حتى يسمى رجلاً؟ هل يجب أن نضرب، نعذّب، يُبصق في وجوهنا حتى نكون رجالاً؟ هل يجب أن نمضي حياتنا نتألم ونمتص المصائب حتى نكون رجالاً؟ ليتك كنت معي لترى أيّة مصائب تحتل جسدي وذهني، لتنازلت بفخر عن رجولتك!
بعت شبابك لتعلمني. تعلمت يا أبي، بل شربت العلم بملعقة كبيرة. طهوت صفحات الكتب، والتهمت حروفها بشغف. سهرت الليالي الطويلة حتى أنهيت دراستي بدرجة تفوق وامتياز، والنتيجة لا وظيفة أستر بها فقري، لا شقة تسر العين، لا زوجة تشاطرني الحياة بحلوها ومرّها. لا مستقبل يلوح بالأفق.
بذّرت نقودك، وأقلقت نفسك بمستقبلي دون فائدة. الوظيفة لا تحتاج إلى امتياز جامعي، بل تحتاج إلى نسب معروف أو واسطة أصحاب السيوف والألوف! الشقة تحتاج نقوداً بعدد من تبقى من شعر رأسي، وما أكثر ما تبقى. والزوجة تحتاج إلى مهر تعجيزي؛ مهر يكلف أمثالي العمل الشاق طوال حياته؛ حتى يجمعه وعلى الأرجح لن يجمعه إلا إذا عمل تاجراً يروِّج المخدرات. لم يعد الزواج فريضة وبناء، بل أصبح تجارة رابحة لا يقدر عليها أصحاب الدخل المحدود.


